تحميل رواية «بائعة السعادة» PDF
بقلم ميفو سلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت البداية مع بطلتنا الجميلة ذات الابتسامة الخلابة بغمازاتها الرائعة وطلتها الفاتنة وشعرها لون غروب الشمس الرائع.. على صوت جدتها وهي تناديها. "يا حياة انتِ يا حياة.. قومي يا بنتي هتتأخري على شغلك.." قامت حياة واتجهت إلى جدتها وقبلتها وقالت. "أحلى صباح على أحلى فراولة.." فضحكت الجدة فهي كل حياتها وقالت. "انتِ يا بنت مش هتبطلي بقى بالبكش اللي انتِ بتعمليه ده..." قالت لها. "إيه يا تيته يعني ينفع مصبحتش عالمظة بتاعتي" واقتربت تدغدغها جدتها تضحك فكانت حياة فعلاً اسم على مسمى تشع الحياة على من حولها...
رواية بائعة السعادة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميفو سلطان
كان صوت سليم يعم أرجاء المنزل وصراخه، ففزعت والدته وصعدت مسرعة.
هنا فتحت والدته الحجرة مرعوبة على صريخه لترى حياة مرمية بين يديه وهو يبكي.
"تعالي يا أمي... تعالي... قوليلها إني بحبها، قوليلها إن كان غصب عني، قوليلها إني مش نضيف زيها. قوليلها أنا اتربيت إزاي... قوليلها إني بذرة شيطان ملعون. تعالي قوليلها برضه إنك أمي وإني بعرف أحب وبعرف أعشق، قوليلها إني طيب مش وحش زيه، قوليلها يا أمي أنتِ عارفة أنا إيه، مش أنا طيب وجوايا خير يا أمي، هي هتصدقك عشان بتحبك."
اقتربت منه مصعوقة وهي تبكي، ولكنها فاقت مسرعة ثم أمرت الخدم لكي يحضروا الطبيب. جاء الطبيب سريعًا، وكانت فريدة على دراية بكل شيء، فكانت تبكي من أجل ابنها ومن أجل تلك المسكينة.
ظل ينتظر الطبيب على الجمر حتى خرج وقال له: "هي عندها انهيار عصبي بس إن شاء الله أنا اديتها مهدئ وهتبقى كويسة، أرجو أنكم تحاولوا متحملوش على أعصابها حاجة تتعبها."
ظلت فريدة بجوارها بعض الوقت وهو أيضاً لم يتركها، ثم قامت احتضنته وقالت له: "اصبر يا ابني، اصبر. أنت في يوم غلطت ولازم تستحمل غلطتك ولازم تصبر وتتحمل، لأن بالصبر يا حبيبي هو اللي هيرجعها لك. هي بتحبك مش ممكن تقدر تسيبك بعد ده كله. حياة يا ابني طيبة وقلبها أبيض ومش سهل تخرب بنتها وخصوصاً وفيه بنت جميلة في وسطكم."
قال لها: "يا أمي أنا بتحرق من جوايا وحاسس إني ما أستحقهاش."
هنا نهرته وقالت له: "لو أنت بتحبها حقيقي هتعافر وتنحت في الصخر لحد ما تسامحك، الحب يا ابني بيرجع لما بيتسقي بالحب. الحب يا ابني ما بيجيش إلا لما يكون قدامه حب بزيادة. ماحدش يا ابني يقدر يقف قدام اثنين بيحبوا بعض وبيعملوا المستحيل عشان ما يسيبوش بعض. اديها الأمان يابني، حسسها بأمان الدنيا وإنك اللي هتسندها وتتحامي فيك، ساعتها هترجعلك."
ثم تركته وذهبت لكي يجلس بجوار حبيبته التي تبدو شاحبة، وهو يبكي ويقول: "حبيبتي... أنتِ حبيبتي عشقي الأول والأخير. أنا عارف إني كنت قذر وعملت فيكِ أفظع شيء في الدنيا وهو غدر الحبيب، بس أقسم لك إني اتربيت وقلبي اتمزع ميت حتة، مرة بفقدانك حياتك وروحك، ومرة بوجودك حية في حضني وأنا مستني إنك ترميني من حياتك. بعد ما حصلت الفاجعة أخيراً اللي كنت بستناها وعارف إنها جاية، ماكنتش اتخيل إنها هتكون بالفظاعة دي. سكاكين الدنيا اتغرزت في قلبي. حبيبتي أنا آسف يا حبيبتي، آسف يا عمري، آسف يا حتة من قلبي، أنتِ دنيتي وكل ما لي، وأنا استحالة أفرط فيكِ. أنا عارف إنك هتقومي واحدة تانية، وعارف إنك ها تعذبيني، وعارف إنك مجنونة وممكن تتصرفي أي تصرف يؤذيكِ ويؤذيني، بس أنا مش هاسمَح أبداً إنك تبعدي عني."
وأخذها في أحضانه وظل يمسد على جسدها وهي في أحضانه، وغفا من وجعه، واضعاً يديه على قلبها، يدعو ربه أن يحنن قلبها عليه وتعود إليه وتحاول أن تسامحه.
سبحان الله، الإنسان ما يعرفش قيمة النعمة اللي أما تروح منه.
حاولت حياة أن تفيق، وكان هناك ألم في رأسها فظيع يكاد أن يفجره، ثم فتحت عينيها لتجد معذبها بجوارها، يركن عليها نصف جالس، يضع يديه عليها، شاحب الوجه. ظلت متسمرة لبعض الوقت وهي تنظر إليه والألم يدق قلبها. ولا إرادياً رفعت يدها لتمرر يدها في شعره.
ثم انسلت بهدوء من بين يديه وجلست على الكرسي بعيداً تنظر إليه، وظلت تفكر وتفكر وقلبها يعتصر ويعتصر من الألم، تحاول أن تصل إلى شيء يريح لها وجع قلبها. تتسائل هل تظل ستتعذب طول حياتها متذكرة ما فعله بها، أم ترحل عنه وفي هذه الحالة ستنقطع أنفاسها عنها. وضعت يديها على قلبها وصدرها وظلت تضغط بشدة والدموع تنزل من عينيها محل الألم.
نجح سليم رغم طعنه لها أن يداوي قلبها بعض الشيء، وحفر بداخلها كم حنية وحب تجاهه. كان كل شغله هو زرع حبه وعشقه بداخلها اتقاءً لذلك اليوم، حتى يكون شفيعاً له عندها.
كانت تشهق من الغلب. حبها وقلبها، ماذا تفعل؟ كانت ستجن. وقد طعن هو أيضاً وتعذب كثيراً. وظلت تفكر في تربيته والمرار اللي شافه. كانت ستجن. كيف ستبتعد عنه وهي تعشقه؟
هنا أتت إليها صور حياتها قبل أن تعرف سليم، وتتذكر جدتها، حياتها معها، وتتذكر شاطئ الصخور وذلك المحل الضئيل الذي كانت تشعر فيه بالسعادة. وهنا أحست أنها لا تشعر بالاطمئنان بجواره، رغم أنها تعلم جيداً أنها إذا تركته، إحساس الموت ببعده سيفقدها نفسها ويذبحها. ولكن ليس لها حيلة. كانت تتمنى أن تبقى وتسامح، ولكن حتى كرامتها ابت. كانت تتمنى أن لا تتذكر وتستمر تنعم بحبه. كانت تتمنى وتتمنى، ولكن الله أراد شيئاً له حكمة في ذلك.
قررت أن تأخذ ابنتها وترحل إلى المكان التي كانت تشعر فيه بالاطمئنان. كانت تحتاج الاطمئنان قبل الحب، فالمرأة إذا فقدت الأمان تركت الدنيا وما فيها. فالأمان عند المرأة يسبق الحب، فهو ما يجعلها تحب وتعشق. ومن دون تفكير قامت اتجهت إلى حجرة ابنتها وحضرت ملابسها، ثم إلى حجرتها وبدأت في تحضير ملابسها البسيطة. بدأت تضعها في إحدى الحقائب.
وفي تلك اللحظة أحس سليم بشيء يتحرك وبعض الأصوات، فتح عينيه لم يجد حبيبته بين يديه. قفز بذعر يبحث عنها، فوجدها تقف بجوار الملابس وتنتقي منها بعضها وتضعها في إحدى الحقائب. هنا قفز سليم مفجوعاً كأن لدغته ثعبان، وقام إليها مسرعاً واتجه إليها، وقلبه سيقفز من ضلوعه. تماسك واقترب بهدوء وهمس بصوت يملؤه الرعب والفزع: "بتعملي إيه يا حياة؟"
لم ترد عليه وأكملت ما كانت تفعله. وهنا لم يستطع أن يصبر فصرخ: "إنتِ واخده هدومك ورايحة على فين؟"
كانت قد أنهت وضع الملابس التي تريدها وأغلقت الحقيبة، ثم استدارت ونظرت إليه قائلة: "ماشية يا سليم. ماشية وسايبة روحي معاك. إنت متخيل إني باعمل إيه؟ متخيل إني ممكن أفضل معاك دقيقة، حتى لو كنت عيشتني في حلم جميل بس كان أصله كذب في كذب. أنا عارفة إني همشي وهتتعذب، عارف ليه؟ عشان باحبك وبعشقك."
فقاطعها: "طب ليه يا قلبي؟ هنحل اللي بينا واسمعيني."
قاطعته: "بس بس... ما أقدرش أبداً إني أفضل جنبك. أنا هاخد بنتي وهاروح أقعد في شقتي اللي أنت ذبحتني فيها، وهاحاول أعالج نفسي، جايز في يوم من الأيام أقدر ألم الجرح اللي جوايا. إنت اه جوزي ولك الحق علي، بس أنا آسفة ما عنديش المقدرة إني أبقى زوجة لك."
تساقطت دموعها. "أنا اه بحبك وما أقدرش أبص في وشك بعشقك وبتمنى قربك، وما أقدرش أقرب ولا المسك."
كان هو يتمزق من كلامها، فهي تعترف بعشقه ولكن طعنته نفذت فلا تستطيع أن تتحمل قربه. هنا استجمعت نفسها وأكملت: "بنتك معايا، لو عايز تشوفها في أي وقت تعال شوفها، أنا مش هحوشها عنك."
هنا اتجه إليها مسرعاً ومسك يديها. حاولت أن تسحبهما ولكنه قال بإصرار: "إنتِ فاكرة إني ممكن أسيبك؟ إنتِ فاكرة إني ممكن أقدر أعيش بعيد عنك؟"
نظرت إليه: "إيه؟ هتحبسني؟ هتقول لهم يحبسوني زي ما عملت في نجوان ونهى، وتسيبني زي ما سبتهم مهبولين وما عادوش ينفعوا لحاجة؟ هتحبسني يا سليم بيه؟ عرفني هتعمل إيه."
أحنى رأسه فهو لا يستطيع أن يجرحها أكثر من ذلك. استدارت وأخذت حقيبتها لترحل. فوقف أمامها مرة أخرى وقال: "لو انتِ فاكرة إني هاسيبك يبقى بتحلمي. مش سليم الحديدي اللي يسيب روحه تفارقه. ويكون في معلومك، أنا هاسيبك تهدي واسيبك تروحي، بس عشان تفكري وتعرفي إن مكانك بس جوه حضني، مكانك بس معايا. أنا عارف إنك موجوعة مني وعارف إني أزبل من الزبالة في عينك وده حقيقي، وعارف الوجع اللي جواك، بس اللي جوايا يفوقه آلاف المرات. يكون في معلومك، هي فترة بس اللي هاسيبك فيهم، وساعتها هيبدأ سليم الحديدي طريقه عشان يرجع محبوبته، اللي بقت روحه، النفس اللي بيتنفسه، وهو عارف تماماً إنه روحها هي أيضاً. أنا عارف إنك زعلانة، لا مش زعلانة، إنتِ مجروحة، متقطعة ما بين رفضك لي وما بين حبك وعشقك ليا. الزمن كفيل إنه هو يطبطب على قلوبنا، كفيل إنه هو يريح قلبك ويرجعك لي."
هنا نظرت إليه وقالت: "إنت بتحلم كتير، كمل في الحلم اللي انت بتحلم به." وأخذت حقيبتها واتجهت إلى الخارج لتاخذ ابنتها. ولكنه وقف وأعطاها فيزته كي تعيش منها، فرمتها أرضاً وقالت: "إياك تفكر بس تفكر تديني فلوس."
واتجهت إلى غرفة فريدة هانم تودعها، والتي أحست بالفاجعة، فحياة هي السعادة في البيت وابنتها روح هي روح ذلك البيت. ظلت تتوسلها باكية، فوعدتها أن لا تحرمها أبداً منها، وأنها وقت أن تريد أن تراها تبعث البنت لها. بدأت تخرج من الفيلا، وأثناء خروجها كان سليم واقفاً وقلبه كأن الدنيا كلها جاءت عليه. وأثناء خروجها وكلما خطت بعيداً كانت روحها تنسحب منها وتشعر بأنها ذاهبة إلى الموت. أما هو كان يقف كالصنم وينظر إليها وهي ترحل، وظل يردد في نفسه: "ملي عينيك منها وبص كويس، واعرف إن انت السبب، اعرف إن روحك وهي بتخرج منك، إنت اللي عملت فيها كده، إنت اللي خرجتها من حياتك. عملتك الحقيرة، إنت اللي خليتهم كده. فعلاً ابن ابوك عاصم الحديدي."
بس هنا تحول، وكان وجهه قد تجمد. وهنا تعهد وأقسم أنها سترجع مرة أخرى، وأنه سيعيدها حتى لو كان هذا آخر نفس وآخر شيء يفعله.
وصلت حياة إلى بيتها فوجدته مهندماً، ثم دخلت ووضعت ابنتها داخل الحجرة وجلست، ثم انهارت في البكاء ولم تستطع أن تكف عن البكاء، فقلبها يؤلمها بشدة، فلا تعرف كيف ستمر عليها الأيام وهي بعيدة عنه. بدأت تفكر: "طب هعيش من غيره إزاي؟ طب أنا بحبه أوي، بس أعمل إيه؟ أرجعله إزاي بعد ما عمل كده؟ اه طعنته نجوان والكلام كان صعب عليه وتربيته صعبة، بس طعنتي بتوجعني. هموت وأرجعله. أعمل إيه يا رب؟ لا عارفة أنسى عشقه ولا عارفة أرجع. يا ريتك ما افتكرتي يا حياة."
ظلت تهذي بغلب شديد وتذرف الدموع، ثم فكرت ماذا ستفعل في حياتها هي وابنتها، فقررت أن تحاول، لعل قلبها يبرد ببعدها، وهي تكذب على نفسها. قررت أن تربي ابنتها بصدق بعيداً عن جو المؤامرات وتلك المكائد في تلك العائلة، ولكنها لن تمنعه من رؤية ابنته، فهي ليست تلك الحقيرة التي تمنع والداً عن ابنته.
مرت الأيام وحياة شبه ميتة، وقررت أن تعود لتعمل من أجل أن تعيش هي وابنتها. كان معها بعض من ذهب جدتها البسيط، فباعته من أجل أن تحصل على بعض المال. وهنا بدأت ترجع مرة أخرى تمارس عملها الذي تعشقه، صناعة السعادة التي فقدتها، وكان هذا عامل ضئيل ربما يعيد إليها بعض من روحها. ابتدأت تصنع الفطائر طوال الوقت وتراعي ابنتها، ثم أخذتها في حضنها على السرير تحاول أن تنام، ولكن أبى أن يأتيها النوم.
وجاءت إليها صور من حياتها مع سليم وهو يسقيها من عشقه، وكلما توالت الصور شعرت بالحزن الشديد، فهي تشتاق إليه لأنه هو كل حياتها، ولكن ليس بيدها شيء، فهو من فعل بهم هذا. كانت الأيام تتوالى وكانت تذهب إلى المحل وتأخذ معها ابنتها وتنهي بضاعتها، وأحست بعض الراحة أنها بدأت تقدر أن تعيل نفسها. بعد مرور أسبوع أحست بوجعها الشديد وأنها غير قادرة على فراقه. ومر أسبوع آخر حتى بدأت روحها تنسحب منها، وأحست أن سليم استسلم وأخرجها من حياته وأنه بدأ ينساها. فبكت وقالت: "طب أعمل إيه دلوقتي يا رب؟ يا رب مش قادرة. هموت وأشوفه."
كانت تهذي، وإذا به يدخل عليها مبتسماً، كان شاحباً بعض الشيء وهي أيضاً. فنظرت إليه ببعض البلاهة ودموعها على عينيها. فاقترب منها متلهفاً: "مالك يا قلبي؟" فنظرت إليه كأنها تحلم وهمست: "قلبي بيوجعني أوي."
فأخذ وجهها بين يديه واحتضنه، فأغمضت عينيها. ثم فجأة أحست بالفزع ودفعته بعيداً، واستجمعت نفسها وقلبها سيخرج من ضلوعها، وقالت: "إنت بتعمل إيه هنا؟"
هنا قطب قليلاً ثم هز كتفه ولم يرد عليها، فأحسن وسيلة أن يتحاشى مواجهة غضبها. اتجه إلى ابنته وأخذها في أحضانه وظل يقبلها، وقد أحضر لها الأشياء التي تحبها وهو يدعوها بجنيتها الصغيرة. وحياة تنظر إليه بغضب من تهورها وسرحانها واشتياقها له. وظنت أنه أتى ليرى ابنته ويجلس معها، حتى اتجهت بعيداً وجلست بهدوء، وكانت بين الحين والآخر تنظر إليه، فهو كل روحها. فكانت تشعر بوحشة شديدة وكانت تهيم به كل الوقت. أثناء انشغاله لابنته، وترفع عينيها لتملي قلبها منه، فهي تعترف مع نفسها أنها تحبه وتعشقه، ولكنها لا تستطيع أن تكمل معه بعد قتله لها بهذه الطريقة.
مر بعض الوقت وبعض الساعات، وبدأت هي تتذمر واتجهت إليه وقالت: "أظن كفاية بقى عشان إنت المفروض تمشي، ده محل أكل عيش، ولما تحب بعد كده تشوف بنتك ابق تعالي خدها وشوفها وبعدين رجعها تاني."
ضحك سليم بشدة واتجه إليها متخطيًا إياها، وأجلس ابنته على مكانها.
قال: "تصديقي فعلاً، ده محل أكل عيش. ماليش حق."
اقترب بوجهه منها وقال بهيام وعشق: "ده أنا وحش قوي."
وابتعد تاركًا إياها تشتعل.
ثم بدأ يشمر قميصه ويبدأ في ترتيب المحل، وهي تنظر إليه ببعض البلاهة.
وهو مستمر في إزالة هذا وذاك وترتيب البضائع.
فاقتربت منه غاضبة وصرخت: "انت بتعمل إيه؟"
لم يرد عليها سليم وظل يكمل ما يفعله.
اقتربت منه أكثر، خبطته في كتفه: "هو انت ما بتسمعش؟ ما ترد عليا!"
التفت بهدوء وقال: "انتِ عايزة إيه؟ بتكلمي كتير وبتلكي ليه؟ أنا مش فاضي لك. أنا عايز أشوف شغلي."
فتحت عينيها عن آخرهما وقالت: "شغلك؟"
رد عليها: "أيوه شغلي، أنا هنا واقف في شغلي."
فصاحت به: "بقول لك إيه، الحبتين دول متعملهمش عليا. مش عايزة جنان، يلا امشي."
ظل يقترب منها وقال لها: "أعصابك يا ماما، تتعبي كده."
وأكمل: "الجنان إني أمشي؟ الجنان إني أسيبك وأسيب بنتي؟ بس لحد ما نشوف هنحلها إزاي."
مقتربًا أكثر منها: "هحاول أطبطب على قلب حبيبي وأخليه يحن ويعرف إني غصب عني."
"يبقى نستنى بقى لحد أما نشوف الجاي إيه."
وتنهد وقال: "أنا بقى قررت إني أدير أملاكي بنفسي لحد ما نشوف هنعمل إيه."
نظرت إليه مصعوقة وقالت: "ملكي؟"
فضحك واقترب منها ومن وجهها قائلاً: "ما هو القمر لما بينسى نعمل له إيه؟ مش أنا يا بنتي لي نص المحل؟"
نظرت إليه برعب شديد، لا تصدق ما يفعل وما ينوي أن يفعل حقًا.
هو داهية، فقرر أنه سيبقى معها في المحل.
لترفع يدها لكي تحذره، مقاطعًا إياها قائلاً: "أظن الناس واحنا بنتخانق في شكلنا هنبقى وحش قوي. خلي الخناق بعدين، احنا هيبقى ورانا حاجة غير الخناق. بس خدي بالك، الخناق لازمه مصالحة، وأنا ما بسيبش حقي فيه. وإلا نسيتي، لازما أ صالحك."
وغمز إليها.
أحست باشتعال وجدانها وظلت تهز رأسها تنظر إليه كأنه مجنون.
قالت غاضبة: "لو كنت فاكر اللي بتعمله ده هيأثر عليا، إنت بتحلم."
رد عليها وقال: "أنا ما قدامي إلا إني أحلم، وطول ما أنا باحلم وباصر على حلمي هوصل. إن ماكنتش أصلاً بعدت عشان أوصل. بس عارف يا قلبي، إنك هترجعي لي لأن..."
وهنا صمت قليلاً واقترب منها مشعلًا إياها.
وأشار إلى مكان قلبها: "لأن ده بتاعي أنا، لأن ده أنا جواه وأنا متأكد إني جواه."
كانت مبهوتة بكلامه وحنيته الزائدة التي افتقدتها طول الأسابيع الماضية.
فنهرت نفسها بشدة على ضعفها.
وقالت: "هي دي بقى خطتك إنك تقعدلي في المحل؟ خلاص، عندك المحل أهو، اقعد فيه لحد ما تتخنق، أما أشوف آخرتها."
وأخذت البنت وركبت عربيتها الصغيرة وذهبت إلى بيتها.
فهتف سعيدًا: "آخرتها تبات ونبات، بس اصبري يا حبة قلبي."
كانت قد وصلت إلى بيتها لتحس ببعض الرعب، كأنها تعيش في كابوس.
لتجده يركن بجسده، مربع يديه على ركن من باب الشقة مبتسمًا.
فاقتربت منهم: "يا نهارك أسود! انت بتعمل إيه هنا؟ انت إيه اللي جابك هنا؟"
كانت في حالة ذهول واستنكار.
رد عليها: "يا بنتي، هو الواحد لازم يريح في بيته شوية. انت عقلك اتلحس؟ مالك يا حبيبتي فيكي إيه؟"
نظرت إليه: "انت اتجننت يا سليم؟ خلاص، يلا امشي من هنا. إذا كان لك المحل، يلا اتفضل امشي، وبكرة تعال المحل. أما تقعد في الشقة، لا. اتفضل وريني عرض كتافك."
قال لها: "يا بنتي، ما أنا لي نصف الشقة. أنا لي نصف المحل ونصف الشقة. يبقى يلا بقى بطلي وجع دماغ عشان هلكان وهموت من الجوع."
هنا أحست بالدوار وأدركت ما ينوي أن يفعل.
اقترب منها مسرعًا وأخذ ابنته ومسك يدها وأخذ شنطتها وأخرج منها المفتاح، وهي مسلوبة الإرادة.
ثم أدخلهم، ووضع ابنته، وأدخلها إلى غرفة النوم.
ليخرج لمحبوبته التي كادت تتساقط من صدمتها، وكانت تجيب الصالة يمينًا ويسارًا.
كانت تحس بالجنون بسببه، وهو يقف وراءها ينظر إليها بحب شديد وعلى وجهه ابتسامة رائعة.
فردت هاتفه: "لو انت فاكر إنك هتعيش معي هنا، تبقى غلطان. اتفضل يلا مع السلامة."
فاخرج من جيبه ورقة وقال لها: "أظن الملك حلو، والواحد برده لما يقعد في ملكه يبقى مرتاح."
ثم جلس على أحد الكراسي، أغمض عينيه ليرتاح قليلاً.
لتدبدب في الأرض وتشعر بالغيظ الشديد من كتلة الثلج هذه.
صرخت به: "قوم اطلع بره!"
فلم يحرك ساكناً.
فاقتربت منه وخبطته على كتفه، فقام على الفور، مما أدى إلى ارتدادها بخضة لتترنح.
فأمسكها وأشدها إليه وقال: "أظن يا قلبي، أنا عمري ما عليت صوتي عليكي قبل كده."
فضغط على خصرها فتأوهت: "يبقى انت ما تعليش صوتك عليا تاني، وإلا أزعلك، وأنا زعلي وحش."
وغمز إليها غمزة وقال لها: "ساعتها هعاقبك، والعقاب أظن فاكراه ولا نسيتيه."
هنا ابتعدت وزقته وأحست بالدماء تتصاعد إليها.
وقالت له: "انت... انت... قليل الأدب!"
فضحك وقال: "هو فيه أحلى من قلة الأدب؟"
فدبدبت في الأرض واستدارت هاتفة: "لو فاكر إن طريقتك دي هتنفع معايا، يبقى بتحلم."
وتركته ودخلت إلى ابنتها.
وهنا انفجر ضاحكًا وكان سعيدًا.
هامساً: "هتنفع يا حتة من قلبي."
وكان يشعر بها ويشعر باشتعالها.
وهتف: "ولسه اللعب التقيل جاي يا حبة قلبي."
رواية بائعة السعادة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميفو سلطان
ظلت حياه جالسه في الحجره وهي تشعر بان قلبها سيخرج منها وكانت تشعر بالسخونه ولكنها نهرت نفسها وقالت:
"انت هبله يا حياه، امال انت جايه هنا عشان ايه؟ مش عشان تبعدي عنه خلاص؟ سيبيه يخبط دماغه في الحيطه."
ثم خرجت بعد ان ارتاحت اعصابها لتعد الطعام. كان هو جالسا لكن راسه علي الكرسي ينظر اليها بهيام فتمتم:
"مش عايزه اي مساعده يا قلب سليم؟"
فنظرت نظره حارقه قائله:
"لم نفسك يا سليم، الكلام ده مش هينفع معايا، بلاش فضايح."
وقال هو:
"ايه يا قلبي؟ ليه مش هينفع؟ ما انت فعلا قلب سليم، اعمل ايه يعني؟"
لم ترد عليه وظلت تعد الطعام وقد انهته. ثم اخذت طبقا وذهبت وجلست تاكل ولم تحضر له شيئا. كان ينظر اليها وهي تاكل وكانت هي تغلي بداخلها فلا تعلم ماذا تفعل معه. فوجوده امامها يعذبها، فهي تحبه بعنف وتعترف بذلك، ولكن كرامتها وما فعل بها لا يسمحان لها ان تعبر له عما بداخلها. كانت تقتل نفسها وما بداخلها كي تعذبه، ولكنها ايضا كانت تتعذب.
حاولت تناول الطعام ولكنها تذكرت انه جعان. فرفعت عينها باستنكار وقالت له:
"على فكره انا مش حايشاك بلا اكل، ما تقوم تاكل."
ابتسم لها وقال:
"انا مبسوط كده."
قطبت جبينها من الغضب، فهو لم ياكل من الصباح وكان تعبان في المحل. اجبرت نفسها على الصمت مكملة طعامها وهو ينظر بهيام لا يريد شيئا اخر. الى هنا اكلها قلبها فاذا فجاه خبطت الطبق وقالت له:
"ما تقوم تاكل؟"
وصرخت:
"انت ماكلتش من الصبح!"
وادركت لهفتها عليه فاسرعت قائله:
"والا انت عايز تقعد هنا وتجيب لي مصيبه؟ انا مش ناقصاك."
فقام بهدوء:
"تصدقي جعان. هموت من الجوع ونفسي في حته حلويات، ماتديني حته طالما قلبك عليا."
فقطبت وقالت:
"اديك حته ايه؟"
فغمز لها ونظر لشفتيها:
"حته من الفراوله."
هنا احمرت وارتبكت وقامت غاضبه، اخذت الطبق ودخلت الى حجرتها صارخه:
"ايه قله الادب دي؟"
وهيا تاكل في نفسها. هنا احس بقلبه يخفق لان حبيبته تقلق عليه مبتسما وقال في نفسه:
"الصبر يا سليم، الصبر. وفوق الصبر صبر كبير."
وقام وبدا يعد لنفسه احد الاطباق. ثم انهى طعامه ليسمع صوت دغدغه ابنته ليدخل عليها حجرتها ويطلب منها اعطاءه اياها بعض الوقت. فخرجت واعطته ابنته ودخلت مره اخرى. وثم رزعت الباب بغضب شديد لتسمع ضحكته تصدح في الشقه.
ظل يداعب ابنته لتنام ليتجه الى حجره حياه وطرق على الباب ليدخل لتفتح اليه ويدخل ليضع ابنته. وهنا خرجت حياه لتبدء في صناعه مخبوزاتها. وكان هو خرج من الحجره وذهب اليها حيث تصنع المخبوزات وظل واقفا ينظر اليها وهي تصنع اشياء تعشقها. كانت سعيده وكانت تبتسم عندما تخرج الاشياء من تحت يديها في حاله جيده. كان يبتسم على ابتسامتها.
كانت لا تعيره اي اهتمام ولكن قلبها مشتعل بوجوده في المكان. وكانت احيانا يحمر وجهها. وهنا بدا يفعل مثلما تفعل ويساعدها. حاولت ان تنهره اكثر من مره ولكنه كان عنيدا لا يسمع اليها. كان يحوم حولها متجولا يتعمد ان يقترب منها ويلمسها بحجه مساعدتها ليوترها كثيرا. وكانت توقع الاشياء من يدها من كثره الارتباك. وكان هو يخفي ابتسامته حتى لا تغضب منه.
وظلوا هكذا وقلب كل منهما يشتعل بحب الاخر. فهي تقاوم ذلك الحب بشده. اما هو فقرر ان يشن هجوما علي قلبها ليفقدها صوابها لتعلم انها ليس لها الا قلبه حتى تعود اليه محبوبته.
اقترب منها وقال:
"خلصتي البسكوت؟"
فهزت راسه وكانت ترصه في العلب. فاقترب منها واخذ يدها وبها احد البسكوتات ليضعها في فمه وصوابعها تلمس شفتيه ليغمض كل منهم عينيه. ثم فتح عينيه وقال بهمس:
"احلي بسكوت بيخش عالقلب."
النعمه ظلت متسمره ويدها علي شفتيه وهو يحرك اصابعها ويقبل اناملها حتى انتفضت وجرت من امامه. فركن علي المطبخ وتنفس بعمق:
"هانت يا قلبي. انا عارف انك بتتعذبي بس دماغك ناشفه وعارف ان قلبك هيلينها. ولحد مايحصل اقول صبرني يا رب."
مرت الايام وكانت حياه قد تعب قلبها من وجوده. وكان هو ليس له عمل اخر الا اشعال قلبها وانه يكون معها في المحل صباحا وفي المساء يلتصق بها وابنته حتى ضج قلبها ولم تعد تحتمل اكثر من ذلك. كان هو قد الحق عمله لحازم مره اخرى وتفرغ هو لاعاده حياه.
وكانت حياه لم تخبر صديقتها عما حدث حتى لا تفسد زواجها وانها وسليم يغيران من حياتهما. فكانت تزورها بين الحين والاخر. وذات يوم جاءت هنا ومكثت معهم يوم الاجازه. وهنا استغل سليم الفرصه ليلتصق بحياه التي لم تعد قادره علي مواجهة هجومه عليها. فكان شرسا في حبه يفعل الاعاجيب ليلهب قلبها.
ظلت الحياه بينهما وهويشاكسها وهيا تحاول الا تستجيب. فهو لا يعطيها فرصه الا وقد اصبح كجلدها يحاول بصبر وبحب ان يعطيها الامان الذي فقدته معه. حتى ادمنت قربه وتتمني ان تسامحه ولكنها تخجل ان تذهب اليه وتسامحه.
ومرت الايام ليأتي ذلك اليوم الذي سمع خبر اتصلت به الخادمه لتقول له:
"انا فريده هانم قد وقعت وذهبت الى المشفى."
هنا قام سريعا يذهب ليري والدته. ولكن حياه ابت ان تتركه واخذت طفلتها وذهبت معه. فهي مثل امها وكانت تعشقها كثيرا. ذهب الى المستشفى نجد فريده قد اصابتها ازمه قلبيه وهي في حاله خطيره ولا يجب ان تتعرض لاي ضغط.
جلس سليم حزينا، فهي كل حياته والمصايب تتوالي عليه. فهو كالجبل الشامخ لا يكل. كان قلبه يتمزق على امه. فليس له احد غيرها. بجانب ذلك وجعه على فراق محبوبته. فتمزق مابين محبوبته وبين والدته. روحه الاخري التي تصارع الموت وحبيبته التي تصارعه لكي تبتعد عنه. كان منظره يدمي القلب.
احست حياه بوجع في قلبها اقتربت منه ووضعت يدها علي كتفه فارتمي في احضانها فقالت:
"ان شاء الله هتبقى كويسه."
وقال:
"امي حالتها خطيره يا حياه. واي زعل هيموتها وانا السبب في اللي حصل لها. حاسس بالذنب الشديد والقهر في سقوط تلك الام الجميله."
ولم تعرف ماذا تفعل. اتبعده عن حضنها ام تشده اكثر ليداوي جروحه فيها. الا ان الطبيب جاء وقال ان الايام المقبله ستكون فاصله في حياتها. فارجو الا تمر باي ضغوطات ولا احزان وان ما فعل بها ذلك هو حزنها الشديد. ثم انصرف.
ظل سليم جالسا يحني راسه وقلب حياه يتمزق. ثم رفع اليها راسه برجاء وغلب شديد. ففهمت حياه ماذا يريد. هنا قال:
"حياه انا عارف اللي بطلبه ده صعب عليك. بس صدقيني انا مش بطلب حاجه ليا. انا بطلبه للانسانه الوحيده النظيفه في حياتي. الانسانه اللي حبيبت عشانها الدنيا كلها. امي يا حياه ارجوكي. انا مش بطلب منك انك تنسى اللي انا عملته. بس بطلب منك على الاقل ترجعي لان امي وقعت بسببنا. وكانت روح هي كل حياتها. وخراب بيتنا لم تستطع امي انت تتحمله. ارجوكي يا حياه."
نظرت اليه بحزن شديد قائله:
"انت عايز ايه بالضبط يا سليم؟"
قال لها:
"نحاول نقول اننا رجعنا لبعض في الفتره دي وانك سامحتيني لحد ما تتعافي. وساعتها مش هاطلب منك حاجه تاني وهسيبك تقرري انت عايزه ايه."
كان في ضميره لا ينوي ان يتركها ولكنه كان يضغط عليها حتى تعود. فهو يعرف طيبتها وحبها الى والدته. وعندما تعود وتبقى معه سيفعل الاعاجيب لكي يجعلها تسامحه.
أطرق قليلا وقالت:
"ماشي يا سليم. انا هارجع وهنقول ان احنا رجعنا لبعض. بس بعد كده ان ليا مطلق الحريه اني اقرر انا هعمل ايه بدون ضغط منك وبدون تسلط، فاهم يا سليم."
فتصنع سليم الموافقه وانه بلا حيله. وليبدي تفهمه لما تقول. وهو في نفسه ينوى ان يبدا اقتحام عليها عرينها لتعود اليه محبوبته.
مرت بعض الايام لتتحسن حاله فريده وتعرف ان سليم وحياه قد عادا الى بعضهما. وسترجع الى بيتها. حست فريده بالغبطه الشديده وتحسنت حالتها. وكانت تريد ان تترك المستشفى لتعود الى منزلها تنعم بوجود اسرتها معها. ولكنهم اثروا ان تفضل بعد الوقت حتى تستعيد وعيها.
عادت فريده ورجعو جميعا الى الفيلا. لتاخذ فريده روح وتحتكرها على نفسها وتقول لهم:
"ما حدش ليه دعوه بيها. سيبوها لي شويه لترد الروح اللي تاخدت مني."
ولكنهم كانوا يصرون على ان ترتاح حتى لا تتعب. وكان سليم يتعمد ان يقترب من حياه ويضمها اليه امام والدته. وهي تشعر بالغليان. وما انت تبتعد حتى توبخه بشده على ما يفعل ويتظاهر بالبراءه من اجل والدته. فقد كان ياتي من الخارج يحتضنها ويجلسها بجواره طول الفتره التي هو بالمنزل. وفريده تجلس تداعب حفيدتها. وكانت هي لا تستطيع ان تنطق او تتحرك.
الي ان ذهب الجميع الى النوم وهنا دخلت حياه حجرتها واستدارت حتى يدخل. فكان هو من اول يوم اصر ان يجلس معها في نفس الحجره. فصرخت به بعض الشيء فقال لها:
"لو عايزه تخرجي اتفضلي. بس شوفي هتقولي لامي ايه."
فظلت تاكل في نفسها. ولم يكن هناك مكان اخر. فلم يكن امامها الا ان ترضخ. كان هو يحتكرها طول النهار لنفسه. وهيا تشتعل غضبا وحبا في نفس الوقت. وظل طول الوقت يحتضنها ويمسد بيده عليها ويداعب ذراعها حتى انهارت تقريبا.
وما ان دخلت الحجره حتى استدارت اليه واقتربت منه غاضبه:
"باقول لك ايه انت تلم نفسك بعد كده. ما هوش فرح هو انت ما صدقت ولا ايه؟ اظن احنا اتفقنا انك تسيبني اقرر انا هاعمل ايه."
فنظر اليها ببراءه. اقترب منها بشده وقال:
"طب هو انا عملت حاجه؟ ده انا غلبان والله غلبان."
كان ينظر اليها بهيام فارتبكت بشده ولم تدري ماذا تفعل معه. فهي تصبح بلا حيله امامه. وكانت تذهب الى السرير وتنام وتوضع بينهما بعض المخدات ويضحك عليها لما تفعله من اشياء طفوليه. ذهب لينام بجوارها وهو سعيد برجوعها الي مكانها الطبيعي. وكان ينتظرها حتى تنام حتى ياخذها في احضانه لينعم بها. وتستيقظ هي في الصباح لتجد بنفسها بين احضانه لتشعر حقا انها لا تكرهه ابدا. ولكن قلبها ما زال يؤلمها منه. فكانت تقوم بهدوء من جواره. وكان ذلك يتكرر كل ليله حتى اعتادت ان تستيقظ بجواره وارتاحت ان تكون بجواره. ولكنها تظهر عكس ذلك.
وفي احدى الايام دخلت عليهم. دخلت عليهم ملك هانم وسوزي واقترب من فريده. وكانت علاقه ملك وفريده معقوله. فملك تملك من الخبث ما جعلها ان تقترب من فريده. كانوا قد حضرو ليطمئنا على صحه فريده. ولتقول فريده بخبث:
"انا جايه اطمن عليكي و اونسك."
لتقترح ملك ان تبقى معها لتونسها بعض الوقت. وهنا نزلت حياه ومعها سليم. حيث اندهش سليم من وجود فريده ومعها ملك وسوزي. ما ان دخل عليهم لتسرع تلك السوزي وتقترب منه وتحتضنه قائله:
"وحشتيني. كل ده غايب عننا يعني احنا ما وحشنكش ولا كان زمان وخلص."
كانت ملك تنظر بخبث الى تلك الواقفه تغلى على الجمر. فكانت تنظر الي حبيبها وهو بين يدي فتاه جميله ملابسها مكشوفه وتدلل عليه. وتعلم انها تلك الفتاه هي من كانت معه في الصوره. وكان تحت الصوره يحكون عن قصه حب من سنين.
كانت الغيره تنهش قلبها. حاولت ان تبدو طبيعيه. فنظرت اليها ملك وقالت:
"ما تيجي يا حبيبتي انت واقفه بعيد ليه؟ لتكوني زعلانه اللي سوزي بتحضن سليم ولا حاجه. هم واخذين على بعض طول عمرهم."
فنظرت اليها سليم نظره اخرستها. ولكنه عندما نظر الى زوجته احس بالسعاده. لان وجهها يدل على انها تريد ان تقتل سوزي. فحاولت حياه ان تبتسم. فاقترب منها وشدها اليه وظل يقبلها ويقول لزوجه عمه:
"دي بقه حياتي روحي يا مرات عمي وهتزعل ليه؟ حياتي دي انا ما بشوفش حاجه غيرها لانها كل حياتي."
كانت حياه تغلي. فاحست ببروده جميله تنزل على قلبها من كلماته الهائمه لتستكين في احضانه. ولكن كان هناك امراتان تشعران بالحقد. فنظرت اليهم ملك وقالت ببعض التهكم:
"ربنا يسعدكم يا ابني. انا جئت اقعد مع حبيبتي فريده يومين والا هضايقك."
احس سليم ان وجود سوزي سوف يساعده في رجوع حبيبته. فقال لها:
"تنوري يا مرات عمي. طبعا انت وسوزي."
استأذنت حياه لتصعد الى فوق والغيظ ياكل قلبها. لتدخل حجرتها وتظل تجوبها يمينا ويسارا وتحدث نفسها قائله:
"اه ما هو طبعا خلالك الجو وهتبتدي تتصرمح مع حبيبه القلب خلاص. ما عادش في حياه سبتهالك. وانت طبعا ما صدقت وهي هتقفش فيك زي القراضه. ال ايه وحشتيني يا سولي. ربنا ياخذك يا شيخه على حرقه الدم اللي حرقتها لي. لا التاني تنوري. طب يا سليم."
بغضب، قالت: "أنا بتاعتي أنا وماحدش هياخدك مني." ثم جلست حزينة. "بس أنا زعلانة منه. طيب هعمل إيه؟"
قالت لنفسها: "وأنتِ مالك يا حياة؟ مش أنتِ اللي عايزة تسيبيه؟ سيبيه. أنتِ عايزة إيه بالضبط؟ أنتِ ما انتيش عارفة أنتِ عايزة إيه."
فردت مستنكرة: "يعني هو ما صدق إن أنا أقول له خلاص، يبقى خلاص! هو وجعني وذبحني وأنا من حقي أزعل وأنهار، يقوم هو يروح يجيب لي البنت الملزقة دي ويقعدها ويحضن فيها بالشكل ده؟"
"هو أي ست بتقول هبل من قهرها يروح يسيبها ويلزق في واحدة تانية؟ طيب يا سليم، والله لأوريك."
كانت تأكل في نفسها حتى دخل إلى الحجرة يدندن ليغير ملابسه ولم ينظر إليها، ثم اتجه إلى دولاب ملابسه ليقف أمامه فترة ليتصنع أنه ينقي بعض الملابس. لم تعد قادرة على السكوت أكثر من ذلك. فقامت وانتشت منه الملابس.
"أنت بتعمل إيه؟"
فتصنع الدهشة وقال: "هلبس فيه إيه؟"
فنهرته: "ما أنت لابس أهو. ولا لازم تسبسب للست هانم الملزقة اللي ما صدقت ونازلة فيك تحضين؟"
ابتسم واستدار إليها واقترب منها وحجزها جنب الدولاب وقال: "طب مالك متعصبة كده؟ دي بنت عمي."
فقاطعته صارخة: "وتحضنك بتاع إيه؟"
فقال هو: "القمر غيران ولا إيه؟"
فسقط قلبها وتلبكت وظلت تفرك في يديها: "غيرانة إيه الهبل ده؟ إحنا أصلاً كل واحد في حاله."
نظر إليها وهو يهيم بها فردت: "وأغير ليه بس؟ أنا مراتك قدامهم وأنت أنت لازم تحترمني."
اقترب من وجهها. "إزاي؟"
فهمست: "ماتقربش منها تاني."
فاقترب أكثر: "وإيه تاني؟"
فردت مسهمة: "وماتخليهاش تلمسك."
فنظر إليها وهتف جانب أذنها بهمس: "عيوني. اللي تأمري بيه."
وظلا ينظران لبعضهما، وهي لا تشعر به وهو يمسك يدها ويضعها على قلبه. وكان على وشك أن يقترب أكثر إلا أنها انتفضت وأبعدته.
"أوعي كده."
ومشت إلى حجرة الملابس، ثم رجعت غاضبة رافعة إصبعها بغضب: "أياك أهو. أما أشوف هتعمل إيه."
وتركته وهو يضحك.
لتذهب لتختار فستان رائع وتركت شعرها منسدلاً ونزلت وجلست بجوار سليم والتصقت به حتى تبين لسوزي أنها زوجته وأنه ملكها. كان سليم يشعر بالسعادة وأن روح قلبه وحبيبته ما زالت تريده وتغار عليه. ولكن غريمتها لا تستسلم بسهولة.
فطلبت من سليم أن يريها حجرتها. فنادت حياة أحد الخدم لكي تصعد معهم إلى حجرة الضيوف. وما إن دخلت ملك حتى اقتربت من سوزي وقالت: "دي فرصتنا يا سوزي. لازم توقعي بينهم. البنت شكلها متولع منك. أنا عايزاكي تستغلي دي لحد ما هي تقول حقي برقبتي."
قالت لها: "يا مامي، ما تقلقيش. سليم شكله باين ما بيحبهاش ولا إيه؟ لما جيت أحضنه مزعقليش زي قبل كده ولا بعدني عنه. خلاص، ادي إحنا نجرب ونشوف. ويا أنا يا هي."
في تلك الأثناء، كانت خرجت حياة إلى الحديقة تأكل في نفسها. فجاء من ورائها سليم يسألها ببراءة واضعاً يده على خصرها ويهمس بجانب أذنها: "مالك يا حياة؟ في حاجة ضايقتك؟"
استدارت إليه بغضب وتغلي بشدة وقالت: "وأنا إيه اللي هيضايقني؟ هو في حاجة حصلت عشان أتضايق؟"
كتم ضحكته وقال: "ما أنا بقول برضه، بس شايفك متضايقة."
"قلت لك مش متضايقة، ما فيش حاجة."
وجلست وظلت تهز قدمها من كثرة التوتر والغضب، وجلس هو بهدوء يحسد عليه، سعيداً من اشتعال تلك الشقية التي الهبت فؤاده من غيرتها وأنها ما زالت تعشقه كما يعشقها.
أخرج هاتفه وظل يوهمها أنه ينظر إليه وهي تأكل في نفسها وتريد أن تنقض عليه، ولكنها تمنع نفسها بشدة، فكرامتها لا تسمح لها أن تشعره بأنها تهتم به.
وأثناء ما هي غاضبة هكذا، إذا بتلك سوزي تنزل إلى الحديقة وتلبس مايوه صغيراً يظهر جسمها بالكامل. لتفتح حياة عينيها عن آخرهما. "يانهار أبوك أسود!" والقهر يأكل قلبها. فسوزي فتاة فاتنة ذات جسد رائع.
في تلك اللحظة نظر إليها سليم يسألها: "إيه يا حبيبي؟ مالك؟"
لم ترد حياة وعيناها تحترق وتتابع تلك سوزي وهي تاتي لتضع يدها على ظهر سليم وتقول: "الجو حلو قوي النهارده يا سولي. إيه رأيك تيجي تعوم معايا شوية؟" ثم نظرت إلى حياة وقالت بسماجة: "وتعالى أنت كمان يا حياة لو بتعرفي تعومي."
وهنا اندفعت حياة من دون أن تشعر ومسكت يد سليم وشدته وقالت لها: "لا، إحنا خارجين."
وهنا رفع سليم حاجبيه. نظرت إليه نظرة حارقة محذرة أن يرفض. فابتسم وقال: "مرة تانية نبقى نعوضها."
هنا لم تستطع حياة الصمود أكثر من ذلك وقامت وقالت له: "أنا راحة العربية. حصلني."
فقام وهو سعيد وهو ويدندن والسعادة تغمر قلبه ويذهب وراء محبوبته.
كانت تنتظره بالعربية وهي تأكل نفسه إلى أن دخل واستدار لها وقال بهدوء: "على فين إن شاء الله؟"
كانت من غلها وقهرها من تلك الفتاة لا تعرف ماذا تقول وظلت تفكر ماذا تقول له وهي تشعر بالحرج. ثم تذكرت فجأة وقالت: "عايزة أشتري شوية حاجات لروح، ولا أنت مش فاضي وعايز تروح تعوم؟ وعاجبك أوي الشو الروسي ده."
فضحك وظل يضحك ولم يستطع أن يملك نفسه من الضحك. فردت غاضبة: "بطل بقى. أنت بتضحك على إيه؟ هو أنا قلت حاجة تضحك؟"
قال لها: "الجميل مشعلل ليه؟ طيب دنتي حتة قشطة ملفوفة بكريمة. الـ شو روسي الـ..."
فهتفت غاضبة: "بقولك إيه؟ أنت تتعدل. أنا مراتك."
فاقترب بسرعة وقال: "وحياة النبي دا يوم المنى يا قلب سليم. يوم ما تبقي مراتي ونعلي الأفراح والليالي الملاح." وغمز لها.
نظرت إليه: "لا، أنت مالكش حل."
فضحك واقترب منها بشدة وبمكر: "طب ماتحليني ينوبك ثواب. الأنا سهل وماخدش في إيدك غلوة."
وانفجرت هيا وقالت: "أه، ما هو واضح. بأمارة ما أنت عايز تنط في الميه." ليضحك مرة أخرى وظل يضحك. لتصرخ غاضبة: "بطل بقى. هو أنا باقول نكت؟"
وهنا صدحت ضحكته أعلى وأعلى. ثم قررت أن تخرج من العربية من غيرتها. ولكنه مسكها وقال: "اللي تؤمر به يا قمر. دانا أروح معاك للنار تقليني وترجعيني بإيدك الحلوة دي."
فصمتت خجلاً. ثم أدار العربة وهو يدندن بسعادة واتجه إلى أحد المولات لتشتري بعض الأشياء. كانت هي تتصنع أنها تبحث عن أشياء وهو وراءها ملتصقاً بها. وأحضرت بعض الأشياء البسيطة. هي لم تكن تريد أن تحضر شيئاً من الأساس، ولكنها كانت تريد أن تكسب بعض الوقت لتبعده عن وجود تلك الفتاة.
ثم عادا وصعدت هي إلى الأعلى وانتظرته أن يأتي معها. ولكنه أراد أن يشعللها، فلم يذهب معها. وظل جالساً مع والدته وملك وسوزي. فصعدت مجبرة لوضع الأشياء. هنا قررت أن تبدو جميلة كسوزي، فلبست فستاناً جميلاً فاتناً. كانت تحاول أن تبرز جمالها وكان يلتصق بها ويبين جسدها بسخاء. وكان عاري الكتفين وقصير عالركبة.
ونزلت مرة أخرى لتجد سوزي واقفة بجوار سليم يتحدثان بجوار النافذة. وآتت تتهادى. وإذا بـ سليم يهوي قلبه من جمال حبيبته وهو يحترق من بعدها. فهي أصبحت تزيد من دلالها أمام سوزي وهو بشر لا يستطيع الصمود أكثر من ذلك، وخصوصاً أنها تتحول للنقيض مرة أخرى.
هنا آتت تتهادى ولا شعورياً اتجهت إليهما لتندس في أحضان زوجها الذي صعق هو من جمالها ثم من فعلتها هذه. ليضمها إليه بشدة ويقبل رأسها ويحتضنها إليه.
وشكر في نفسه زوجة عمه وابنتها على جعلها تغار بشدة وتشعل النار في قلبها وتقترب منه.
هنا استاذنت ملك والغيظ يأكلها.
أخذت سوزي ورحلت. ولكن حياة وسليم لم يتحركا من مكانهما، يظل كل منهما في حضن الآخر لا يريد أن يتركه. كان يضع رأسه على رأسها وكل حين وآخر يقبل رأسها. وهي في دنيا غير الدنيا تحاول أن تريح قلبها ولو قليلاً متحججة بوجود فريدة.
وظل طوال السهرة هكذا. وكانت فريدة تشعر بالسعادة الشديدة لما تراه من تألف بين سليم وزوجته ليرتاح قلبها أخيراً أن الزوجين عادا إلى بعضهما. حان وقت النوم وبدأا سليم وحياة يقومان إلى حجراتهم. وقبل أن يرحلا نادته سوزي واستأذنته أنها تريده في شيء.
أحست حياة بالحرقة في قلبها واضطرت أن تصعد بمفردها. دخلت غيرت ملابسها وانتظرته كي يأتي ولكنه لم يأت. كانت سوزي تتدلل عليه. ولكنه صد سوزي ولم يتجاوب معها. وكانت حياة تجوب الحجرة وتأكله في نفسها تنتظر سليم وتتخيلهما معاً والحرقة في قلبها.
إلى أن دخل عليها سليم هادئاً مبتسماً و.
رواية بائعة السعادة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميفو سلطان
دخل سليم مبتسمًا ليجد زوجته تقترب منه وتخبطه على كتفه.
"إيه ما باتش هناك ليه؟ ما كنت بات وأجي أجيب لكم لمون."
نظر إليها سليم.
"يا حياة، كل شوية خناق، أنا تعبت."
تنهد وتركها. وقفت قصاده.
"قصدك إيه؟ آه، مانا نكد، صح؟ إنما الصفرا التانية تتمايع عليك، تنح وتيجي تتزهقن عليا، ما آه، ماهي سابت."
"قال مش أنت يا بنت الناس اللي عايزة تبعدي؟ يبقى خلاص بقى، سيبيني براحتي."
"أسيبك براحتك؟ خلاص هتروح للهانم وتكملوا قصة حبكم؟"
هز كتفه بعدم حيلة.
فهبت إليه والقهر في قلبها وشدته.
"طب اسمع بقى يا أمور، طالما هتموت على الصفرا دي، أنا بقى مش هخليك تتهني بيها. أنا بقى هعذبك وهفضل مراتك وهقعد على قلبك وأبقى شوف هتروحلها إزاي يا بتاع سوزي."
تركته ودخلت الحمام.
ليصفق سليم بيده.
ظلت حياة تتقلى على الجمر في الحمام كالمجنونة.
"يعني إيه بعد ده كله تيجي الصفرا دي تاخده مني؟ ده بعدها أسيبهولها؟ يا قهري يا حياة."
وعندما دخل عقلها، صرخت.
"اسكت خالص، بلا عقل بلا زفت! أكن أنا اطلع في الآخر الهبلة وتيجي العقربة تاخد الواد اللي حيلتي. من قلة الرجالة."
جلست بغلب.
"آه من قلة الرجالة، أصله قمر وحنين ومز على الآخر وهموت عليه. بحبه يا رب، أعمل إيه؟ صحيح عمل عملته السودة بس غصب عنه. متربي مع عقارب، لأ وجايين بيتي ياخدوا الواد بتاعي. طيب يا سليم. أنا بقى أنكد عليهم وعليك يقوم يزهق ويرجعلي."
خرجت غاضبة وعزمت أن تريه العذاب وترجعه لها يترجاها كما كان.
اتجهت إلى غرفة الملابس ولبست قميص بيتي حريري يظهر جسدها وعليه روب قصير ووضعت برفان.
وعندما خرج من الحمام تسمر مكانه.
"يا ليلتك اللي مش معدية، لابسة إيه دي؟"
"يا سوادك يا سليم."
اتجهت بلا مبالاة إلى السرير وكانت كقطعة من المرمر الأصلي رائعة الجمال وبدأت تعد الوسائد وهو متصنم.
واتجهت بغضب للسرير، خلعت روبها.
وهنا أحس سليم بأنه سيجن من جمالها.
"طب أروح فين؟ أهرب إزاي دلوقتي؟"
واندست في السرير وظلت مستيقظة من الغيظ.
ظل هو على الكرسي لا يجرؤ أن يقترب.
كانت تتقلب.
وهنا قام واندس بجوارها وهو ينظر إليها.
كانت مستيقظة ومتوجسة.
وهو جسمه مشدود وحاسس أن قلبه هيقف.
ولكنها من قهرها لم تستطع الصمود أكثر.
قامت وصرخت عليه.
"وأنت بقى ناوي تركب أريل؟"
فصعق وقال.
"أريل؟"
"اه، ماهو الست هانم معرياها على الآخر وأنت مبسوط؟ مش بنت عمك دي وشرفك وعرضك؟ وإلا إيه بالظبط؟ فاتحينها بحري؟ وأنا كنت محرج عليا ألبس الضيق وإيدك ورحلك وهدومك؟ وإلا هو فيه خيار وفقوس؟"
نظر مذهولاً.
"خيار فقوس؟"
فنظر إليها ليزيد الطين بلة.
"بس هي مش مراتي لسه عشان أتحكم فيها."
قطبت.
"مش مراتك لسه؟ مش مراتك لسه؟ نهار أبوك عاصم أسود! أنت عايز تتجوز عليا يابن عاصم؟ دانت ليلتك مش معدية."
وانقضت عليه وظلت تحاول ضربه بكل قوتها.
وهو يضحك وهيا تغتاظ أكثر.
حتى قلبها وثبتها وقال.
"مش أنت اللي عايزة كده."
فنظرت إليه بقهر ولم تتكلم.
فكان مشتعلاً من منظرها وجمالها.
فحن قلبه لها.
"هتسيبني وتروحلها وتتجوز عليا صح؟"
زفر بقوة لمرأى الدموع في عينيها وقال.
"طب أنت هبلة؟ وبتصدقي أي حاجة؟ أعملك إيه؟ حد يبقى معاه نجمة عالية قمر كده وهيموت عليها ويبص لحتة صفيحة مصدية؟"
فنظرت إليه بحنان.
"يعني مش هتجوزها ولا بتحبها؟"
فقال وهو هيمان وهيا بين يديه وقلبه يرجف.
"أنا مافيش حد غيري جوايا."
ظلت تنظر إليه ببلاهة وسعادة ثم صرخت وزقته.
"متحترم نفسك! أنا أصلاً زعلانة ومالكش دعوة بيا. وده بس بس عشان شكلي قدام الناس."
"بس طالما مبتحبهاش خلاص مش هتخانق. يلا نام."
ورفعت إصبعها في عينه.
"نام من سكات، وإياك تفكر فيها، بقلك أهو. بت ملزقة وصفرا."
واستدارت ووضعت المخدات ونامت سعيدة.
كان هو مبهوت منها. مصعوق من تقلبها السريع.
هز رأسه.
"متجوز مجنونة، أقسم بالله البت دي مش طبيعية. يا غلبك يا سليم. طب أنام إزاي بمنظرها ده؟"
"نام يا سليم واتخمد. أنت تستاهل الولعة. اتخمد أنت اللي شعللتها."
في الصباح ذهب سليم لعمله تاركًا حبيبته بمفردها.
لتستيقظ لتجد نفسها بمفردها.
أغاظت. وتوعدت لسوزي ولبست وتجملت ونزلت وبدأت تتصرف كأنها سيدة المنزل ولا تدع لسوزي أي مجال لتغيظها.
وكانت تهتم بفريدة وتداعب روح.
فكانت سوزي وملك يحترقان من منظرها وحبهما لبعض.
حتى جاء سليم.
فقامت إليه وقبلته على خده بعمق.
"وحشتني يا سولي."
كانت قد أعدت المائدة.
جلست بجواره تداعبه وتطعمه في فمه وهو على وجهه ابتسامة بلهاء.
فقاطعتهم سوزي.
"أنا زهقت، أنا هنزل البسين. هتيجي يا سولي؟"
نظرت إليها حياة بغل.
"هنيجي كلنا."
وصعدت ولبست شورتاً قصيراً جداً وبادي حمالات يظهر جسدها بسخاء.
وقالت.
"يانا يانتي يا بومة. كله إلا الواد اللي حيلتي تاخديه."
واستقرت ونزلت إليهم واقتربت من سليم ليقف قلبه.
وهيا تقول.
"تعالى يا حبيبي علمني العوم."
وبدأ هو في النزول وهو متخشب.
وهيا تتدلل عليه وليس في دماغها إلا سوزي.
زادت من دلالها.
فقال.
"حياة، وحياة أبوكي كفاية. معاش قادر."
نظرت ببلاهة وقطبت.
"إيه تعبتك؟"
قال.
"آه بولع والله بولع."
وشدها إليه وظل يدور بها وهو مغمض العينين.
هنا نظرت سوزي بحقد. وتركتهم وخرجت من المياه.
لتتركهم في دنيا تانية.
ظل سليم يداعبها. وهنا كانت سعيدة للغاية أنها بين يدي حبيبها.
وعندما لاحظت أن سوزي خرجت مغتاظة ظلت تضرب في المياه بسعادة.
وعندما اقترب أكثر زقته.
"إيه ده؟ أنت خدت عليها أوي؟ أنا طالعة وخلي الهانم تنفعك."
نظر إليها ببلاهة وركن على حائط البسين لا يصدق أنها كانت بين يديه.
ثم تحولته بسرعة شديدة لمجنونة شقية.
فهز رأسه بتنهد.
وظل يسبح ليهدأ من روعه وليصبر نفسه على ما هو قادم.
صعدت حياة حجرتها وظلت تتراقص وتغني وتتنطط.
وتقول.
"لسه هتشوفوا مني. أنا أه زعلانة ومقهورة بس يمين بالله اللي يجي على حتة بتاعتي القمر لاجيبه نصين."
"ده سولي الحتة الشمال. هو ماله بيحلو كل شوية كده؟ يا غلبك يا حياة."
"بس لا، اجمدي كده. طلعي عينه الأول."
"طب ولما يطفش يا حلوة إيه الحل؟"
"طب هطلع عينه نص ونص وبعدين أحطه في قلبي. بحبه يا ناااااس."
كانت ملك وسوزي في تلك الأثناء تاكلان في نفسهما.
فهتفت سوزي.
"يا مامي، شوفي لك صرفة في الزفتة دي. مش عارفة أقرب من سليم. غوريها في داهية."
هنا هتفت ملك.
"لا، ماهو مش عارفة. ألاقي لي صرفة. لازم أكلم عاصم."
وهنا اتصلت بعاصم. وسمع منها وأشار إليها.
"طالما واقع لشوشته كده يبقى هي اللي هنقطع بيها رقبته."
فقال لها.
"اسمعيني كويس واللي أقوله يتنفذ. ساعتها سليم هيبقى تحت جزمتي. آخد منه اللي أنا عايزه."
ردت عليه باهتمام وقالت.
"أنا كلي أذان صاغية. قول."
وبدأ بسرد خطتهم الشيطانية.
قررت سوزي أن تمثل التعب على سليم وطلبت منه الذهاب للطبيب.
فامتثل وابتسم وهو يرى زوجته تأكل نفسها.
أراد أن يخفف من نشفان رأسها وخرجا معًا.
وكان كل ذلك تمثيل وتحت عين ووعي سليم.
ثم طلبت منه.
"معلش يا سليم ممكن بس ناكل بيتزا؟ هموت عليها."
فاشترى هو لها وطلبت منه أن تفتحها.
وظلت تأكلها في السيارة وسليم يتمهل في العودة.
وآ أن دخلا حتى بدأت سوزي الكلام لأمها.
"اسكتي يا ماما."
"الحمد لله الدكتور طمني وطمن سليم. كان قلقان."
فرفع سليم حاجبيه.
وأكملت تلك الحرباء.
"وأكليني بقى شوية بيتزا."
ايه؟ وكانت تتكلم بدلع.
كان سليم رفعها إلى السماء.
وهنا أحست حياة بالوجع والقهر وأنها ببعدها عنه وعدم قبولها مسالمته قد فقدته.
فأحست بالوجع الشديد ونزل عليها الوجوم.
وسليم ينظر إليها وأحس برجفة في قلبه.
واقترب منها ليقبلها ولكنها لم تأخذ رد فعل.
وظلا هكذا والقلق ينهش قلبه على حبيبته.
فهناك شيء يؤلمها.
كان قد أنهى طعام العشاء ولم تأكل حياة إلا القليل.
وظلت جالسة معهم بصمت وتحاول أن تستجيب.
وهو يريد أن يخطفها ويصعد بها ليرى ما بها ولكنه تجلد بالصبر.
ما أن جاء ميعاد النوم حتى ابتدا الجميع بالذهاب.
وجاءت سوزي وقبلت سليم لتقول له.
"شكراً على اليوم الجميل ده."
تحت مراي ومسمع من حياة التي يتمزق قلبها أشلاء.
وتركتهم وصعدت.
دخلت والقهر يكلبش فيها.
وقالت.
"خلاص يا حياة اتكتب عليكي الهم طول عمرك."
ولبست بيجامة حريرية رائعة.
كانت جميلة حتى في حزنها.
ودخل سليم ليخيم الوجوم على المكان.
ليقترب منها وهيا ترتب ملابسه وشدها.
"فيكي إيه مالك؟"
نظرت إليه وتصنعت البرود.
"هيكون فيه إيه؟ مفيش حاجة."
فقلق أكثر.
"أنت مش شايفه شكلك؟"
أحست ببعض الغضب.
"وماله شكلي؟ معلش استحمله شوية. تعالي على نفسك."
وزقت يده ودخلت إلى الحمام لتذرف الدموع على حبيبها التي تظن أنها فقدته.
ظل سليم ينتظرها والقلق ينهش قلبه.
وعندما خرجت واتجهت إلى السرير لم تهتم حتى بترتيب المخدات ونامت من سكات.
ليقترب منها ويحركها.
فنظرت إليه غاضبة.
"عايزة أنام. ينفع؟"
فصرخ بها.
"فيه إيه يا حياة؟ ماتنطقي! عاملة فيها أمينة رزق ومحسساني إني عامل عاملة وأنا ماعرفش؟"
هنا طفح الكيل.
وقمت لتجلس وتصرخ به.
"لا عيب عليك، عامل إيه يا راجل؟ لأ دانت حليوة وما بتعملش حاجة."
قطب وقال.
"دا الموضوع كبير بقى."
فهتفت.
"الموضوع كبير من زمان وأنا خلاص كنت فاكرة إن ممكن يبقى ليا فاضل مكان. بس خلاص يا سليم أنت حر وروح ربنا يهنيك وسيبني بحالي."
ونزلت منها دموعها واستدارت لتنام.
فشدها مرة أخرى.
"أنت عايزة تجنيني؟ مكان إيه ويسعدني إيه؟ أنت مجنونة يا حياة؟"
هنا قامت من عالسرير وانتفضت.
"أه مجنونة إني بحب واحد زيك يعمل فيا ما بداله وأنا لسه بحبه. يقهرني ويرجع يعيشني في دنيا حلوة وأنا برضه بحبه. وآخرتها خلاص معاش قادر يصبر لحد ما أغور في داهية. عايز يرجع حبه القديم وماشي يتصرمح مع الهانم وبياكلها بيتزا. خلاص يا سليم أنا تعبت وأنت اعمل ما بدالك. تحبو بعض تاكلوا بعض براحتكم. أنا خلاص يأست منك."
هنا تقدم منها وهتف وخبط على رأسها.
"أنا نفسي أعرف دماغك دي متركبة إزاي. بس اللي متأكد منه إن فيه شوية لا شوية إيه؟ فيه هبل زايد."
أخذها في أحضانه وشدد عليها.
وكانت تحاول أن تبعده بعنف إلا أنه أحكم قبضته حولها.
"يابنتي صرمحة إيه وزفت إيه؟ ودتها عالدكتور؟"
فقاطعته.
"وأكلتو بره وانبسطو. ربنا يهني سعيد بسعيدة."
فاقترب بها أكثر والتصق بها.
"والله ما طفحت حاجة. دا قعدت في العربية تتحايل وكلتها في العربية واحنا بنسوق. أنا برضه يا حياة أنا برضه بعد دا كله؟ دانا أتمنالك الرضا. ترضي بصة بس يا قمر والقمر مش معبرني وواجع قلبي."
أحست بالخجل.
فرفع وجهها ثم قال.
"بحبك والله بحبك. مش كفاية بقى؟ إلا فعلاً تعبت وقلبي بيصرخ من جوه."
فحاولت تركه.
فهتف.
"يمين بالله مانا سيبك إلا أما تقولي لي انت لسه بتحبيني."
"مع إن سمعتها بس سمعتها وأنت زعلانة."
فأطرقت وقالت.
"لا مش هقول يا بتاع سوزي يا طفس."
فقال.
"طب بزمتك أنا كده؟"
فزغدته.
وقالت.
"أه وأبو كده وعينك يندب فيها رصاصة. وعلى آخر الزمن تيجي العقربة تاخد الواد بتاعي اللي حيلتي."
فصدحت ضحكته.
وقال.
"بجد يا حياة أنا الواد بتاعك اللي حيلتك."
فأدركت تهورها واطرقت.
فهتف بهمس.
"والله بحبك ولا أقدر أفكر في حد غيرك. ويومها روحي تفارقني. بحبك يا مغلباني وما معاش قادر أبعد عنك. ونفسي أسمع كلمة بحبك. هموت يا حياة."
فردت عليه: "وهوانا كنت بطلت أحبك أصلاً."
هنا صرخ عالياً: "يا حلاوتك يا واد يا سليم!" وحملها للأعلى وظل يدور بها.
أنزلها وقال: "والله تبت وندمت وهموت."
فنزلت دمعة من عينيها وقالت: "مش عارفة يا سليم، مش قادرة لا أقرب ولا أبعد. كل اللي أعرفه إني مش عايزة أسيبك، بس مش عارفة أرجع زي الأول."
أخذها في حضنه وقال: "كفاية دلوقتي عليا كده، كفاية. أنا راضي إنك معايا وبرضاكي وهتحاولي، كفاية عليا القمر بتاعي يرضى عليا وأنا بقى عليا الباقي."
فنظرت إليه بطرف عينها متوجسة: "يعني إيه؟"
فضحك: "لأ يا قلبي، دي حاجة كده مالكيش فيها، أنا اللي هعمل كل حاجة."
وأخذ يدها وقبلها وقال: "تعرفي يا حياة إن وجودك في حياتي نعمة؟ آه والله، حاسس إني بني آدم وله إحساس وشعور."
"خبطته: "آه، ويوم ما تحس تروح للصفرا دي."
فضحك: "أنا ما بشوفش لا أصفر ولا أخضر، أنا بتاعك كلك على بعضك، مش أنا الواد اللي حلتك برضه يا مز أنت يا بوغمزتين عسل."
فخجلت وهتف: "يا بت ما تحمريش كده، قلبي هيقف." وحضنها واستسلمت لأحضانها.
وأخذها في حضنه لأول مرة بكيفها دون إجبار، لتنام في هدوء داعياً أن يشفي جروح قلبها ويطبطب على قلبها.
ويكمل ما بينهما من ود ليعيشا في سعادة.
ولكن البشر هكذا لا يتركون أحداً سعيداً.
فالشر أصبح في عالمنا متوغلاً ولا يقف له أحد، فيفرد قلاعه على الجميع إلى أن تأتي إرادة الله.
رواية بائعة السعادة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ميفو سلطان
بدأت ملك تحاول أن تقترب من حياة، وبدأت تنهر سوزي أمامها كثيرا. وكانت حياة ترى فريدة تعاملها بحنية، فوثقت بها وكانت تعاملها جيدًا.
وأثناء ذلك، كانت ملك وعاصم يعدان خطتهما للاستيلاء على ثروة سليم عن طريق حياة. فحياة هي قلب سليم وسيدخلون له من هذه الناحية.
في تلك الأثناء، حضرت هنا لتأخذ حياة ويخرجان لبعض الوقت. فاستأذنت سليم وأشار عليها أن تأخذا الحارس. فتوسلت لسليم أن يخرجا بمفردهما، فتذمر في البداية ولكنه رضخ لها. وظلت الفتاتان تتسكعان وتشتريان طلباتهما وظلا معًا طول اليوم، فهما نعم الصديقتين.
دخلت هنا إحدى المحلات ووقفت حياة. فقررت أن تكلم سليم، وكانت تقف بمفردها. فرد عليها سليم وقال: "القمر مبسوط". فهتفت بدلع: "مبسوطة أوي يا قلبي". هتف سليم: "يا لهوي يا ناس على حبيبي اللي ملففني حواليه. بس بقى أنا في الشارع". فرد بلهفة: "وأنا في النار مولع".
كانت تبتسم ويبدو عليها الهيام، ليأتي رجلان ويبدآ معاكستها.
"زبالة رجالة زبالة. أهم دول بقى اللي ماينقلعوش من الرجل".
وبدأ في مضايقة حياة: "إلا القمر هيمان على مين كده. ماينوبناش من الحب جانب".
فتركت حياة الهاتف جانبًا وردت بغضب: "ماتحترم نفسك يا أستاذ أنت".
وكان هناك على الطرف الآخر شخص يسمع ما يحدث ويشتعل. وانتفض واقفًا وصرخ في حياة أن ترد عليه، ولكنها كانت تتشاجر مع ذلك الوقح الذي تجاوز وبدأ يتطاول عليها. فبكت حياة، وكل ذلك وسليم يسمع بتطاول ذلك الحقير وأصبح على شفا الانهيار. وهنا أغلق الخط من عند حياة لاشتداد الخناق ولم تحس بهذا.
وبدأت حياة بالصراخ، ثم ضربته بالقلم. فاقترب منها ومسكها من يدها وقال: "انت نهارك أسود. ماتعرفيش أنا مين يا روح أمك. أنا ضابط وهوديك في داهية". واستدعى الأمن وأخذهم على القسم. وكان ذلك الوقح يتبجح أنها كانت تتجاوز معه وأنها ضربته وهو لم يقترب منها، وشهد معه صديقه. فصرخت بهم: "انتو زبالة. ربنا ينتقم منكم. والله انتو مش بني آدمين".
فاقترب منها الضابط وصفعها على وجهها ومسكها من شعرها وقال: "عشان تبقي تمدي إيدك على أسيادك". وأخذوها ورموها في الحجز. وكانت قد أصبحت على شفا الانهيار بعد أن رفض الضابط أن تجري مكالمة شخصية.
ما إن انقطع الخط على سليم حتى أحس أنه سيصاب بذبحة صدرية. فحبيبته كانت تتشاجر مع شخص وتبكي ولم يعرف ماذا يفعل. وهنا تذكر صديقتها هنا فاتصل بها وصرخ: "حياة فين يا هنا؟ انتو فين؟". فردت برعب: "فيه إيه؟ أنا كنت سيباها بره وباشتري حاجة". فصرخ وقال لها: "انتو فين؟". فأخبرته عن المكان. فهرع إلى النزول ومعه الحرس. وما إن وصلا حتى وجد هنا تبكي وهي تقول: "أنا سألت اللي في المول وقالوا إنها اتخانقت مع واحد ضابط وراحوا القسم".
هنا أمر أحد رجاله بإيصال هنا وذهب مسرعًا وقلبه مخلوع على حبيبته. وفي الطريق اتصل بأحد رجال الأمن الكبار ليقلب الدنيا عليهم ليصل إلى القسم ومعه بعض اللواءات الكبار ينتظرونه.
دخل سليم بهيبته يبحث عن حبيبته، لم يجدها. وما أن عرف أنها في الحجز حتى هجم على الظابط وظل يضرب فيه، والآخرون يحاولون إبعاده. وهو يصرخ: "مراتي أنا يا ولاد الكلاب تترمي في الحجز مع المجرمين".
وهنا أمر مأمور القسم بإحضارها. فلم ينتظر، فذهب مسرعًا لتخرج له تلك المسكينة. مشعثة الشعر وخدها عليه علامات الضرب. فارتمت في أحضانه وظلت تبكي وهو يحاول أن يهديها. وصرخ في أحد اللواءات: "شوف لي أوضة فاضية". فأشار إليه وأخذها وظل يهدهدها ويطبطب عليها ويلصقها بقلبه حتى هدأت وتوقفت شهقاتها.
وقال: "ممكن القمر أبو مناخير حمرا كده وخدود مولعة تحكي لي براحة كده اللي حصل. ألا قلبي هيقف". ظلت تحكي له حتى أحس بالجمر في جوفه وعيناه احمرت من الغضب. "طب يا حياة يا حبيبتي خليكي هنا". فمسكت فيه. فقبل يدها: "والله رجع لك حالا".
وخرج كالثور الهائج وانقض مرة أخرى على الرجل وظل ينعته بأبشع الألفاظ: "أنا مراتي. مرات سليم الحديدي تنضرب". وظل يضرب فيه حتى اقترب منه المأمور. بدأ أن يتدخل: "أظن كده كفاية، أنت خدت حقك". كان سليم هائجًا: "لا حقي لا ما أخذتوش. يروح للهانم تديله نفس القلم ويعتذر لها، وإلا يمين بالله لأنهي مستقبله عشان يبقى عبرة".
ودخل مرة أخرى على حياة وأخذها في أحضانه وأخبرها ما سيحدث. فرفضت رفضًا باتًا وأنها تريد أن ترحل من هنا. فرضخ لها وجعل ممن معه ينهون الموضوع. وأخذ حبيبته التي التصقت به ورجعا للمنزل.
ودخلا واقتربت فريدة بحسرة: "إيه ده يا بنتي اللي بهدلك كده". هنا انفجرت حياة في البكاء مرة أخرى. وكانت تلك الحربايتان في قمة الشماتة. واتت ملك تتصنع اللهفة: "مالك يا بنتي". وقالت سوزي وهي جالسة في مكانها: "إيه اللي شلفطك كده يا بنتي".
فنهرها سليم واستأذن من والدته وحمل زوجته التي كانت تلتصق به وتبكي. فهي طيبة وبسيطة وليست قادرة على مواجهة كل هذا القبح الموجود حولنا. صعد بها وحاول أن يضعها على السرير فلم تتركه. فجلس بجوارها يهدئها. وقام ودخل وأعد لها الحمام. وحملها وأدخلها وقال: "اقعدي براحتك وأنا مستنيكي بره". فهزت رأسها بهدوء وجلس هو ينتظرها وقلبه يوجعه على حبيبته.
وقطب قليلاً وتساءل: "ماذا لو لم أعرف كل هذا؟ ماذا لو كانت بمفردها؟". فقطب قليلاً ثم رفع تليفونه وكلم الحرس وطلب منه طلب معين يكون عنده على الفور. ثم فتح تليفونه على صفحة محل المجوهرات التي يتعامل معه ليختار سلسلة رقيقة بشدة بها قلب صغير كانت كسلسلة الأميرات لا تنفع إلا لأميرته. فطلب الجواهرجي ليجهزها له وأن الحرس سيأتيه ويكلفه بعمل عاجل.
كانت في ذلك الوقت قد خرجت حياة وهي محنية الرأس منهكة. فاقترب منها سريعًا وأخذها في أحضانه وشدد عليها وحملها ووضعها على السرير. وظل يداعب شعرها ليلاحظ احمرار خدها من ذلك الحقير ليتساءل بوجع: "إيه يا قلبي بتوجعك؟". فهزت رأسها وقالت: "أنا كنت خايفة أوي يا سليم. أنا اتبهدلت أوي". وانفجرت بالبكاء.
فاخذها في أحضانه وهو يتوجع. وظل معها حتى هدأت. فهتف بهدوء: "حبيبتي بعد كده مفيش خروج لوحدك نهائي. ما عنديش استعداد أموت من الخوف عليكي كده زي النهارده. فهمت؟". أن تعترض. فقال: "ده ما فيهوش نقاش. أنا قلبي كان هيقف أقسم بالله وأنت بتتخانقي ومش عارف أبقى معاكي. ولما الخط اتقفل حسيت إن قلبي هيخرج من ضلوعي. كده يا قلبي تقلقيني عليكي". فمسكت يده وقالت: "خلاص مش هخرج لوحدي". فقبل رأسها وهتف بهمس: "قلبي يا ناس على حبيبي القمر لما يبقى هادي كده وبيسمع الكلام".
ثم شدها إليه وقال: "نامي يا قلبي". فمسكته وقالت: "أنت هتروح فين؟". فخلع بدلته: "هروح فين يعني يا ملوعة قلبي. أهو جنبك أهو". فابتسمت ونامت على الفور واندست في أحضانه وهو مبتسم. كان حمل انزاح من على قلبه وهو أن حبيبته سالمة بين يديه.
بعد قليل انسل من أحضانها. نزل وأمر الخدم أن لا يزعجوا حياة ولا يقترب أحد من الحجرة. ثم خرج وقد أحضر الحارس ما أمره به واتجه إلى والدته لتسأله عن حياة. فأخبرها أنها نامت وأنه سيذهب إلى مشوار صغير وسيعود. ذهب إلى الجواهرجي ليطمئن أن ما أراده قد حصل ووضعها في علبة رائعة ولفها بطريقة حالمة ليهديها لحبيبته ما أن تستيقظ.
وعاد مرة أخرى ليجد زوجته مازالت نائمة ودخل وأخذ حمامًا وغير ملابسه بملابس مريحة ثم اتجه إلى زوجته وظل ينظر إليها يريد أن يملي عينيه منها بعد أن أحس بالرعب أنه كان من الممكن أن يكون قد حدث لها مكروه.
بدأت حياة تتململ وهي بجانبه وهو ينظر إليها وهتف وقال: "طب حد يتجوز حد حلو كده. لا وبتصحي قمر ومحمرة وحاجة مقطعة قلبي". بدأت تفتح عينيها وظلت فترة تائهه حتى استيقظت لتجد حبيبها أمامها. لتلهمه أجمل ابتسامة ممكن أن يتخيلها.
فاقترب وقبل رأسها وهتف ملهوفًا: "بقيتي أحسن". فاعتدلت قليلاً وقالت: "الحمد لله". فاردف: "طب مش عايزة حاجة أجبهالك". فهتفت هامسة: "عايزاك جنبي ماتسبنيش". فهتف سليم: "إيه ده إيه ده. إلا حقه والنبي عايزاني جنبك يا هناك يا سليم يا بن فريدة. عايزاني إزاي تنستري. إلا أنا دماغي فيها كمية عايزان هتبهدلك". فخبطته وقالت: "اتلم". فهتف بوله: "لا مش عايز أتلم". فاحمر وجهها.
تنهد وأخرج من جيبه علبة قطيفة. فعبست وقالت: "إيه ده". ففتحها: "دي حاجة كده جايبها لوحده بحبها وهموت عليها". فزغدته وقالت: "والله واحدة كده. طب هي مين". فاقترب منها وقبلها بجوار أذنيها هامسًا: "هو فيه حد غير أبو غمزات قمر يا ناس". فضحكت.
هتف: "يمين بالله فريدة دعيالي من قلبها. آه يا قلبك يا سليم هيرتاح امتى وحبيبه يرضي عليه". حاولت أن تتجاهله: "طب يلا وريني جايب لي إيه". فاخرج سلسلة رقيقة بها قلب صغير به فص ألماس. كانت رقيقة للغاية فانبهرت بها وقالت: "دي حلوة أوي يا سليم". ومسكتها وظلت تتلمسها بإعجاب. فقال: "عجبتك". فردت بلهفة: "أوي يا سليم. رقيقة أوي".
فاخذتها وقامت للمرآة لتراها. فتقدم منها وأخذها ليلبسها إياها. ثم ليقبلها من رقبتها وهي سعيدة حالمة وقال: "اوعديني إنها ما تفارقش رقبتك يا حياة". استدارت واحتضنته: "اوعدك يا قلبي دي أغلى من أي حاجة في الدنيا. ربنا يخليك ليا يا قلبي".
ظل هكذا لفترة يتنهد وتكلم أخيرًا: "بجد يا حياة أنا قلبك ولسه جواه". فابتعدت قليلاً وقالت: "أنت ما خرجتش من قلبي يا سليم أصلًا". فقبّلها. قال: "ودي الحاجة الوحيدة اللي تهمني. عارفة يا حياة لو هقعد مستني العمر كله تسامحيني وتمرمطي فيا هستنى سعيد وراضي إن". اقترب ووضع يده على قلبها: "وأنا عارف إنك لسه هنا ما خرجتش". فنظرت إليه هائمة: "لا والله ما خرجت خالص".
فحملها وظل يدور بها إلى أن هدآ. وهنا قالت: "بس أنا محتاجة وقت. أنا اللي جرالي مش قليل وعارفة إنه كان صعب عليك انت كمان". فهتف قائلاً: "وأنا هستناكي لو لحد آخر نفس في عمري طالما حبيبي بدأ يرضى وناوي يسامح". واقترب منها: "وإيه النظام؟". خبطته وقالت: "ماتبطل حركاتك دي بقى بتكسف". فاقترب منها وقال: "حركات؟ دانا بس تديني الضوء الأخضر وهتلاقي حركات ماشفتيهاش في حياتك يا بنتي. أنا مش أي حد وعليا حركات هتعجبك وربنا. بس أدونا فرصتنا طيب". فضحكت وهربت منه سريعًا. فهمس: "فاضل على الحلو تكة وهناخد فرصتنا وهتعيش يا بن فريدة وهتتهني".
ثم قاما معًا ليلبسا وينزلا معًا لتستقبلهم فريدة بكل الحب ومعها ابنتهما. وتستقبلهم ملك وسوزي بغل العالم كله. فلم يعد الإنسان يرضى بما قسمه الله له، أصبح ما في يدي الآخرين مضغة في أعين كل من هو مريض ولا يؤمن بأن الله وزع لكل إنسان نصيبه من الدنيا بالعدل إلا من ابتلي وصبر فله جزاء الصابرين.
رواية بائعة السعادة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ميفو سلطان
مرت الأيام وسليم يتقرب من حياة ويشن هجوم حبه عليها، يداعبها بكلماته، وتارة أخرى يلهبها بأنفاسه بقربه منها، وتارة بكلامه المعسول. وهي تحن إليه، وبدأت طريقها لتغفر له لأنه فعل تمامًا كما أشارت عليه والدته. فهي امرأة وتعرف مكنون المرأة، ألا وهو أن يعطيها الأمان.
كان هو يتربص بها في كل وقت ليبثها حبه، ويحملها ويداعبها، ثم يأخذها في أحضانه ويبثها أمان الدنيا لتنام وهي قريرة العين. إنه الأمان يا سادة، ما تطلبه المرأة من رفيق دربها أن تنام بجواره وظهره تعلم جيدًا أنه مغطى ومحصن بحب حبيبها. فالمتزوجة تحب بقلبها وأذنها، فتحب معسول الكلام. وهذا شيء يفتقده كثير من الرجال، فغالبًا يظن أنه يحبها وهي تعلم، ولكنه لا يترجم ذلك.
فهناك رجال تفهم المرأة ودواخلها وتدخل لهم من مدخل الحنية والطبطبة، فيملك حبيبته أبدا الدهر. وهناك رجال يظن أن أفعاله تعبر عن حبه، وهنا ستعاني من معه، فهي تتمنى كلمة حب وحنية منه حتى ولو بالكذب. فإن كنت من هذا الصنف، فلتكذب وأشبعها كذبًا حتى تملكها، وإلا فعليك وعلى رفيقة دربك السلام.
وفهم سليم أن بث عشقه لها سيأخذ أمامها قلبها ومسامحتها، فلم يتوان عن فعل أي شيء ليصل إلى رضاها. أما تلك الحربوائين، فكان القلق والغيرة تنهش قلبيهما. كانتا يغلان من تقارب حياة وسليم وفريدة. كانت ملحمة جميلة من الحب لا يحتملها ذوو القلوب المريضة.
ولكن ملك كانت لا تفارق فريدة وحياة أثناء غياب سليم، وتتقرب من حياة كما أمرها ذلك التعبان الأكبر عاصم الحديدي. وبدأت ابنتها تخف من غيظ حياة حتى يأمنا جانبهما. بدأت اكتمال الخطة وأمنت حياة تمامًا لملك وابنتها. وكانت ملك قد صرفت نظرها عن زواج سوزي بسليم وتفرغت هي وابنتها لخطتها الشيطانية هي وذلك التعبان.
وذات يوم، اقتربت ملك من حياة لتتأكد أنها تسمعها، وبدأت في الكلام.
"بتقول إيه يا فاضل؟ لا، أنا ما أرضاش إن عاصم يأذي سليم."
هنا انشدت حياة وخفق قلبها.
"فأكملت تلك الحية: إنت بتقول إيه؟ عاصم هيورط سليم في مصيبة؟ وإنت عرفت إزاي؟"
"سمعته."
"طب إيه هي؟"
"ما أعرفش."
"يعني إيه ما أعرفش؟ طب هنعمل إيه؟"
"إحنا لازم نقول لسليم."
"لا... لا ما أقولوش ليه؟ يا نهار أسود، سليم ممكن يقتل أبوه."
هنا أحست حياة بالذعر على حبيبها.
"طب ما تكلمي عاصم يا فاضل؟"
"والله دا عاصم برضه ممكن يجي منه لو حد طيب كلمه ونحاول ندخله العيلة، اللي هو وحيد. وكان كلمني وقعد يعيط ونفسه يشوف روح."
"لا يا عم أنا مالي، أقول لحياة إيه؟"
"تقربهم من بعض. تصدق والله فكرة. حياة طيبة وعاصم ممكن يسمع منها ونخلص من قصة النار اللي بينهم، ولو شاف روح، البنت قمر، هيحن لها على طول، وساعتها تبقى حياة جمعت العيلة، أصلها طيبة أوي وحنينة أوي. بس سليم استحالة أقول له، ده هيقوم الدنيا حريقة. إنما حياة مسيطرة على سليم وبيحبها، وبيحبها، ماهي تتحب. فلما تكلمه هيسمع منها. بس الأول نخليها تكلم عاصم قبل ما نكلم سليم، وبكده نبقى جمعنا العيلة. إلا أنا قلبي واكلني إنه ممكن يموت في شقته لوحده."
كانت حياة قد تأثرت بهذا الكلام، ظلت تتكلم وتتحدث مع نفسها كأنها تكلم فاضل. وحياة بدأت فعلاً تفكر أن تجعل سليم وعاصم يتصالحا، مصدقة أن عاصم طيب كما تقول ملك وأنه يحتاج لحضن العيلة. وبدأت تكمل تلك الحية:
"أنا هحاول ألمح لها كده، مش عايزة أخش هجمة كده فتتخض. وأقوم بقى وأخدها وأروح لعاصم يقوم يفرح، ماهو يا كبدي كبر وبقى عضمة كبيرة. وشوية نكلم سليم ونوريه البنت روح والعيلة تتلم. دانا قاعدة معاهم دول شوية ملايكة، البيت مليان حب."
وبدأت حياة تسرح وتفكر كيف ستفعل ذلك. وكانت قلقة على سليم أن يستفرد به عاصم ويدبر له مصيبة. فمرت بعض الأيام وقلبها يأكلها، فذهبت إلى ملك وبدأت بالحديث.
"إزيك يا طنط؟ إنتو منورين والله."
"دا نورك يا مرات الغالي."
فقالت: "كنت حابة أتكلم معاكي يا طنط عن عمو عاصم."
"ماله عاصم؟ ربنا يهديه. دا غلبان وواقف هو وسليم لبعض، وهما الاتنين غلابة وسليم صعب ودماغه ناشفة."
فهتفت حياة: "طب ما إحنا نقدر نجمعهم ونلين دماغ سليم."
"لا يا اختي، سليم صعب، بس عاصم كبر وعجز وما عادش زي زمان، وانهد وسهل نقدر نمله ونكلمه، بيجي بالحنية."
فأسرعت حياة: "خلاص سيبي سليم عليا."
"لا، لازم عاصم اللي نكلمه الأول، طالما إنت ضامنة سليم. إلا أنا خايفة نكلم سليم قبل عاصم، وإنت ما تقدريش عليه. لازم نفطم عاصم الأول عشان حتى يقلل من زعبوباته مع سليم."
فكرت حياة قليلاً وقالت: "عندك حق، طب ما تيجي نكلمه يا طنط."
نظرت إليها ملك بخبث: "طب استني، إلا هو تعبان وراقد وما حدش جنبه. نبقى نكلمه لما يخف."
فهتفت حياة: "لا، دا أنسب وقت يحس إننا محتاجين له، وبيبقى الإنسان عايز حد يقف جنبه."
فقالت لها: "ماشي، هاجي معاكي وهقول له بكرة إننا رايحين له، وبعدين تيجي معايا من سكات."
واتفقا على ذلك.
في الليل، دخل سليم عليها، كانت سرحانة. ماذا ستقول لعاصم، وكيف ستحنن قلبه، وماذا ستفعل مع سليم. لم تحس به وهو يتسحب ويقف ويحملق بها مربعاً يديه، وهي في عالم آخر. فاقترب بهدوء وحضنها من الخلف، فشهقت.
فقطب جبينه: "إيه؟ حيلك حيلك، اتخضيتي كده ليه؟"
وأدارها إليه، فارتبكت وتلبكت وقالت: "كده يا سليم، حد يخض حد كده؟"
فهتف وقال: "أعمل إيه؟ كان شكلك عسلية كده وإنت واقفة سرحانة، يا ترى في مين؟ هاه هاه."
وأشار على نفسه، فضحكت.
"يا دين النبي يا جدعان، الدنيا بتنور لما تضحكي. بس قوليلي، كنت سرحانة فيا إزاي؟"
فاحمرت وقالت: "عادي يعني، حبيبي وبسرح فيه."
فاقترب منها: "يعني وشك أحمر وسرحانة فيا وعادي يعني؟"
فغمز لها: "اللي هو إزاي طيب؟ ماتدينا نبذة مختصرة كده نفك بيها الليلة، وإلا أقولك؟ طب ما تيجي نقلب السرحان لحقيقة، إلا أنا ما عدتش عارف أشتغل. والله بقيت طول النهار في الشغل مبتسم وسرحان في قلبي زي الأبلة، وحازم الجزمة هارينى تريقة."
فهتفت: "وبعدين معاك، يلا يا بابا شطبنا."
واقتربت منه وقبلته من خده وقالت: "تصبح على خير يا روح حياة."
وذهبت إلى السرير، فذهب إليها، ووجدت نفسها تطير من الأرض، وظل يلف بها قائلاً: "يمين بالله ما أقدر أسيبك كده. قولي كده تاني وسمعيني."
فضحكت وقالت: "نزلني يا مجنون. بس يا ماما هتقولي، وإلا نكمل الليل كده؟"
فاحمرت وقالت: "ماشي يا روح وقلب حياة."
فأنزلها واحتضنها: "يا رب دايماً أبقى روحك وتبقي روحي وما نتفرق أبداً."
ظلت صامتة، فتوجس منها وقال: "حياة، إنت نمتي؟"
فردت: "تؤ تؤ."
فتنهد وردد ما قالته: "تؤ تؤ. يا غلبك يا سليم. طب يا قلبي، يلا روحي نامي."
فنظرت إليه بهيام: "وإنت؟"
فرد بقهر: "أنا هخش آخد دش ميه بارد بارد يا حياة."
فردت: "بارد يا سليم، حرام كده يا قلبي."
فهتف بغلب: "الحرام اللي أنا فيه وربنا، ده عشان أعرف أنام. روحي يا قلبي روحي، الله يبارك لك."
قطبت جبينها وذهبت إلى السرير وهي تقول: "ماله ده؟"
ثم صعدت على السرير، وانتظرته حتى أتى واندست في حضنه ونامت على الفور. وظل هو مستيقظ. "يا رب أنا إيه الغلب ده؟" ونظر إليها وهي نائمة، ومالها نايمة كده ولا أي حاجة. "تكونش يا واد يا سليم فاكرك سوسن وإنت مش واخد بالك؟ دا حتى ولا أي تعبير ولا خضة ولا حاجة، نايمة ولا حتى مكسوفة مني وقافشة فيا كأني أخوها. وأنا الولعة شابطة فيا. هيا... هيا، أكيد سوسن، أكيد مفكراني هيا. يا حزنك يا سليم، مراتك جنبك ولا على بالها وإنت فاضلك تكه وتاكل قطن المرتبة من غلبك. نام نام يا سليم وعدي ليلتك."
وبعد وقت طويل، نام من الإجهاد، حامداً ربه بالقليل منها بدلاً من لا شيء.
استيقظت في الصباح لتجده ما زال نائماً، فظلت تلعب في شعره، تداعبه. فاستيقظ ونظر إليها، وقالت: "أحلى صباح على أحلى سولي. يلا قوم عشان نفطر ونقعد شوية مع ماما فريدة."
"طب ماتقعدي معايا شوية زي جوزك برضه."
خبطته وقالت: "يلا قوم يا بابا."
فشدها، ولكنها تملصت منه وأخرجت له لسانها وخرجت من الحجرة.
قام وجلس على السرير وظل مبتسماً لفترة. "شكلي بقى وحش أوي كده، فيه إيه يا سليم؟ هنفضل في نظام حاورينه يا طيطة ده لما تقلب سوسن بجد؟ طب يا حياة، كده أنا بقى عملت اللي عليا ومش هعتقك بعد كده. دي سمعتك بقت زفت أوي يا سليم."
وتنهد وقام ليستعد لعمله، ونزل وجلس معهم، ثم ودعهم وذهب إلى عمله.
هنا قامت ملك وتظاهرت بالمرض، وأخذتها سوزي وهي تدعي البكاء. فعبست حياة واقتربت منها وقالت: "إيه يا طنط؟ مش هنروح؟"
"لا، مش قادرة النهاردة، خليها مرة تانية. كمان عاصم مسافر بكرة، لما يرجع بقى عشان نبقى سوا."
فهتفت حياة بهبل شديد: "طب ما تديني العنوان، هروح ومش هتأخر. لسه هنستنى لما يرجع."
"يا بنتي عشان نبقى سوا."
فهتفت سوزي: "يا ماما إنت واقفة في الخير ليه؟ ما تسكتي."
"أنا هعرف أقنعه طالما عيان ونفسه يشوف روح، وهاخد صورها، وإن شاء الله خير."
ظلا يتناقشان فترة، فتنهدت ملك وتصنعت قلة الحيلة، ورضخت ملك بعد إصرار حياة، وهي متصنعة الحزن. وسوزي تنظر بخبث شديد. أعطتها العنوان وقالت لها: "ما تقوليش لفريدة، إلا هي ممكن تقف في الموضوع. خليها من عاصم لسليم."
فقالت: "ماشي يا طنط."
وطلعت لتتجهز، وأحضرت تليفونها واتجهت إلى فريدة. وقالت إنها هتروح تشوف هنا ومش هتتأخر. فدعت لها فريدة، واتصلت بزوجها لتستأذن منه، وما إن رفع السمّاعة.
فهتف: "إيه الهنا اللي أنا فيه ده؟ حبيبي بيكلمني، واسه ما لحقناش نسيب بعض، واحشتني أنا صح؟ قولي يا شيخة، أنا عارف نفسي، واد جامد وتقيل."
فضحكت على مشاكسته. فهتف: "يا دين النبي، يعوي. أعمل إيه دلوقتي؟"
فهتفت بحب: "حبني يا سواي وبس."
صمت سليم فترة ولم يرد. فهتفت: "سليم، إنت رحت فين؟"
فرد عليها قائلاً: "سايم هيعيط كمان شوية. إلا لس عايزة أنبهك لنوع، لتكوني فاكرة إني بقيت سوسن يا حياة. لا، دا أنا راجع لك وهيعجبك قوي. والله هعجبك."
فضحكت: "ما تتلم. فيه إيه؟ إنت مالك بقيت قليل الأدب كده؟"
فهتف: "يعني واحدة بتحب في واحد مش عايزاه حتى يقل أدبه، يبقى لا كلام ولا فعل. يا غلبك يا سليم. والله يا حياة، البطاقة مكتوب فيها ذكر. وهروح أغيرها وأكتب ذكر وأرمي ومحصور."
فضحكت بشدة: "إنت مالكش حل."
فهتف: "ما قلنا كذا مرة، حليني ومستني أتحل. إلهي أشوفك محلول في حضني يا اللي ملوعني."
همست بحب: "بس بقى، اختشي. إنت مالك كده؟ سيبني بقى أقول كلمتين."
تنهد وقال: "قولي يا عمري. أمري أمر كده."
فقالت بتردد، وهي تعلم أنها تكذب: "أنا هروح لهنا شوية، ماشي."
فوافق على الفور: "ماشي يا عيوني، وخلي بالك من نفسك."
فهتفت: "حاضر يا قلبي، تساملي."
كانت ستغلق الخط، ولكنه هتف وقال: "حياة."
فتنبهت ولم تغلق الخط وقال: "بحبك أوي يا عمري."
فابتسمت حالمة: "وأنا بحبك فوق حبك ده ألف مرة. سلام يا قلبي."
وأغلقت الخط.
وظل سليم مبتسماً ومغمض العينين، وحالماً ويتنهد، ولم يحس بحازم وهو يدخل عليه، وظل جالساً ينتظر أن يفيق من سرحانه. وهنا تفاجأ سليم بوجود حازم. فهتف: "إنت هنا من امتى ياض؟"
فقال له: "أنا هوا، من أيام السينما. تلصمت فيلم لوعة تلحب."
فكشر: "يا من هقلك، أرقدك. احترم نفسك."
فقال: "أنا محترم الدور، والباقي على اللي هيقلب حسحس كمان شوية. ماننشف ياض، دا إنت سليم الحديدي."
فابتسم سليم: "بس باقي قدامها وأقلب واحد معرفوش."
فهز حازم رأسه مستنكراً: "طب يا سي قيس، نكمل شغلنا بقى."
فخبطه حازم ببعض الأوراق: "إنت لسانك عايز يتقص."
وظلا فترة يتشاكسان، وابتدأ التحدث في العمل.
نعود لحياة، بعد أن أنهت المكالمة وهيا سعيدة، خرجت وحرصت أن لا تأخذ أي حرس، ولكن معها السائق.
ذهبت ولكنها تذكرت أن السائق قد يخبر سليم، فأمرته أن يذهب فعلاً لهنا. ثم نزلت وصعدت لتجلس بعض الوقت مع هنا حتى لا تكون كذبت.
بعدها، استأذنت بصعوبة منها ونزلت واستقلت تاكسي إلى حيث ينتظرها عاصم على أحر من الجمر. لقد أخبرته ملك أن حياة في الطريق.
وصلت حياة إلى مكان عاصم وصعدت إليه. عندما فتح لها، كانت تقف ببراءة وخجل. وهو ينظر إليها متصنعاً الدهشة، وقال: " مرات سليم جيالي لحد عندي؟"
فهتفت وقالت: "إزيك يا عمو، ألف سلامة. عرفت من طنط ملك إنك تعبان فجيت أشوفك."
فتصنع الإرهاق وقال: "تسلمي يا بنتي، بنت أصول برضه. ربنا يهديك يا سليم يابني. اتفضلي يا بنتي."
ودخلت حياة إلى بيت ذلك التعبان، ولم تكن تعلم أنه ينوي أن يغرز أنيابه بها. جلست وقالت: "انت شكلك تعبان، اعملك حاجة؟ انت كويس؟"
فهتف: "الحمد لله."
فبدأت كلامها مرتبكة: "أنا جيالك يا عمو وعشمانة إننا نبقى عيلة واحدة وننسى الخلافات. دا حتى انت ماشفتش روح." وقامت وأرته الصور: "بص حلوة إزاي."
افتعل عاصم التأثر وقال: "يا حبيبتي يا بنت ابني. لله الأمر، هموت لوحدي وسليم قلبه جمد عليا."
فاقتربت منه ووضعت يدها عليه: "سيب سليم عليا بس، نقول يا رب وننوي الخير."
قال لها: "ايدي على ايدك يا بنتي."
فهتفت بسعادة: "أوعدك مش هتندمي."
فنظرت بخبث: "لا اندم إزاي وانت موجودة، دا انتي ملاك."
فهتفت: "بص يا عمو، العيلة دي أهم حاجة في الدنيا ومهما حصل دا ابنك حتى لو كان شديد، وحضرتك حصل منك حاجات زعلته. يبقى لما القلوب تتصافى الدنيا هتمشي."
ثم هتف: "الله على كلامك، يا بختك بمراتك يابني، متجوز جوهرة."
ثم هتف: "انت ماشربتيش حاجة، لازم تشربي." وقام.
فقاطعته وقالت: "لا أنا كده خلاص همشي. واتأكد حضرتك إني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان نبقى عيلة واحدة."
ولكنه صمم أن تشرب شيئاً لأنها عيبة في حقه. وذهب وأحضر العصير، وطبعاً وضع به مخدر، وأحضره ووضعه أمامها. وسألها كيف تزوجت سليم. وظلا يتحدثان وهي تحكي ببراءة وهي تشرب إلى أن أنهت الكوب وبدأت تحس بالدوار.
فهتف: "مالك يا حبيبتي؟"
فحاولت أن تتكلم أو تقوم، ولكنها قد دخلت في حالة التوهان. ثم استرخت تماماً ودخلت في ثبات عميق.
ظل عاصم ينظر إليها وقال: "مزة بنت الإيه، خسارة في جتتك يا سليم، يلا مالناش نصيب فيها."
هنا نظر إليها وظل يضحك وطلب الحرس التابعين له لكي يأتوا لياخذوها. ليضحك وهو سعيد: "خلاص يا سليم، قلبك في إيدي ومابقاش عاصم الحديدي إن ماكنت أحرق قلبك. هاخد منك اللي أنا عايزه."
فأحس أخيراً أنه سيقتص من سليم ويضع رقبته تحت خنجره ليجزها كما يشاء. فبين يديه قلب سليم، وهيا زوجته وروحه حياة.
ولكنه لا يعلم أن لله تدابير أخرى، لابد أن تقف للشر الذي يفرضه البشر ويختارون هذا الطريق بأنفسهم. فالله عادل، ترك الإنسان مخيراً ليمشي كل منا في الطريق الذي اختاره. وكان عاصم قد اختار طريق جميع الشياطين والابالسة.
رواية بائعة السعادة الفصل السادس عشر 16 - بقلم ميفو سلطان
عاد سليم من العمل وقت الغروب ليجد والدته تجلس ومعها روح.
رآها تداعب ابنته لفترة، ثم سأل عن حياة.
قالت له إنها منذ الصباح عند صديقتها هنا.
استعجب سليم أنها لم تقل له.
أخذ الهاتف ليكلمها، ولكنه وجد هاتفها مغلقًا.
اتصل بـ هنا، لتصيبه فاجعة في قلبه عندما قالت له إن حياة جاءت إليها لتجلس فقط نصف ساعة، وكانت متوترة، ثم رحلت لتعود إلى البيت.
أحس سليم بالذعر على زوجته، ليذهب مرة أخرى إلى والدته ليسألها هل كانت حياة تنوي الذهاب إلى مكان آخر.
قالت له: "لا يا ابني، كل اللي قالته إن هي راحة عند هنا".
أحس بالدوار وظل يتصل ويتصل بها، ولكنه لم يكن ذا فائدة.
أحس بقبضة في قلبه.
نادى السائق يسأله، فاخبره أنه أوصلها عند مدام هنا وطلبت منه الرجوع، لأن صديقتها ستوصلها.
هنا أحس بالرعب الشديد على زوجته، لأنه يعرف أن حياة لا تذهب إلى مكان بدون أن تقول له.
جمع الخدم بالبيت وظل يستفسر منهم، والحرس أيضًا.
إذا بخادمة تقول له إنها قبل أن ترحل، كانت تقف مع السيدة ملك وسوزي وأعطتها ورقة.
أخذتها حياة ووضعتها في حقيبتها وخرجت.
هنا تحول سليم إلى شخص هائج، يريد أن يفتك بكل من حوله.
يعلم أن زوجة عمه وابنتها ليس إلا حربايتين.
ليس شخصًا سهلاً.
أحس أن لهما دخلًا في هذا الموضوع.
خرج إلى حجرة الحراس وطلب من الخادمة أن تخبر ملك هانم وابنتها أنه ينتظرهما في الجنينة.
وأمر الحراس أن يدخلوا إلى الحديقة حتى يأتو بها إليه.
عندما دخلت ملك وسوزي إلى حجرة الحرس، وجدت سليم وعيناه كعيني الصقر وملامحه تتسم بالغموض ولا تبشر بالخير.
فتوقفا قلبهما وتسمرتا قدميهما، وأحسا بالرعب الشديد مما هو قادم.
اقترب من ملك ومسكها وظل يهزها بشدة ويقول: "مراتي فين يا مرات عمي؟ عملتوا فيها إيه؟ انطقي بدل ما أطلع روحك في يدي".
ظل يضغط على رقبتها حتى كادت أن تلفظ أنفاسها.
فبهتت المرأة وبكت المرأة وقالت: "هتكون فين يا ابني وأنا أعرف منين".
هتفت سوزي: "ما تروح شوف مراتك بتروح من وراك فين".
هنا تحول سليم إلى شخص لا يرى إلا الشياطين.
أمسك سوزي ورزع وجهها في الحيط وانقض عليها وظل يضربها بغل.
"مراتي ما بتروحش في حتة يا حيلتها، مراتي مش بتاعة سكك زيك يا زبالة".
ظل يضربها حتى كادت أن تلفظ أنفاسها.
فرزعها على الأرض واتجه إلى ملك ومسكها من شعرها، فظلت تصرخ وتصرخ وقال: "أنا مش ها يحوشني عنكم حاجة. في هتقولي مراتي فين وإيه الورقة اللي انتي اديتها لها؟ يا أطلع روحك وروح بنتك الو$خة دي في في يدي".
"أظن انت عارفاني كويس، وأنا ما عدتش باقي على حاجة طول ما مراتي مش موجودة في حضني".
حاولت أن تثنيه عما يفعل، ولكنه ابتدأ في صفعها إلى أن نزفت من فمها وأنفها.
فقال لها: "يعني أنتم عايشين في خيري وهي مأمنة لكم، وأنت تدوري من ورايا تخططي تأذيها يا مرات عمي".
كانت سوزي تقريبًا فقدت النفس من الضرب.
وزوجة عمه لم يعد لها ملامح.
فصرخ بها: "هتنطقي ولا طقم التيران دول ينطقوكي بمعرفتهم".
هنا هتفت من الرعب: "خلاص خلاص هاقول كل حاجة بس ما لكش دعوة بيا".
وابتدأت في قص روايتها البشعة عليه، وأن عاصم اتفق معها على أن تحضر له حياة ليؤثروا عليه ليوافق على أي طلب يطلبه منه.
ليقع قلب سليم خوفًا على روحه.
هنا لم يستطع سليم أن يمسك نفسه، وأنهال عليها ضربًا وطاح فيها وابنتها.
وطلب من الحراس أن يتصلوا بالشرطة لكي تأتي.
ثم أمر قائد الحرس أن يعد مجموعة كبيرة من الحرس.
وهنا فتح تليفونه ليعرف مكان زوجته.
فمنذ فترة عندما أهداها السلسلة في رقبتها، وضع بها شيئًا يخبره بها عن المكان الموجودة به.
وهنا أشارت التليفون إلى مكان زوجته، فكانت في إحدى الفلل النائية البعيدة التي تتبع عاصم.
وكانت تقريبًا مسافة الساعتين.
فصرخ في الحراس وأمر منهم أن يخبروا الشرطة وأن يعدوا خمس عربات من الحرس على أعلى مستوى ليحضروا زوجته.
وهو يشعر بالذعر عليها، لأنه يعلم أنها بين يدي شيطان كبير ليس لديه رحمة، وممكن أن يفعل بزوجته أي شيء.
كان قلبه يرجف من الرعب على حبيبة قلبه وعلى طيبتها الشديدة التي أوقعتها تحت أنياب ذلك الثعبان.
في تلك الأثناء، كانت حياة مغمي عليها.
و الحراس نقلوها إلى فيلا عاصم بعيدًا عن الناس.
كانت فيلا مهجورة ووضعوها داخلها ورافقها بعض الحراس.
وعاصم جلس ينتظرها حتى تفيق.
مرت ساعتان حتى فاقت حياة.
أحست بالصداع الشديد عندما فتحت عينيها لتجد نفسها في مكان غريب يحيط به بعض الرجال.
فأحست بالدوار الشديد وأن هناك شيئًا خاطئ، ولم تعرف ماذا تفعل.
فصرخت فيهم قائلة: "أنا فين؟ انت مين؟ عايزين مني إيه؟"
هنا سمعت ضحكة مدوية تصدح في المكان، لتلتفت لتجد عاصم يضحك لتصعق من منظره.
فهتف: "ما كنتش أعرف سليم بجلالة قدره متجوز واحدة عبيطة وهبلة. انت ما تنفعيش تبقي مرات سليم. سليم عايز واحدة لازم تكون زيه مش أي واحدة والسلام".
أحست بالقهر وبعض الدونية من كلامه وقالت له: "انت بتعمل كده ليه؟ أنا صدقتك وأمنتلك، تقوم تعمل كده؟ أنا مراه ابنك يعني شرفك وعرضك، إزاي تعمل حاجة زي كده؟"
فضحك وقال: "ولو أمي بذات نفسها طلعت من التربة هاعمل فيها كده. مش عاصم اللي يتخد منه شركاتي وحتة عيل زي ده يذلني؟ دلوقتي قلبي في إيدي، أطلعه وأعصره وأحطه تحت جزمتي".
أحست حياة بالرعب على حبيبها والندم على خطأها الشديد على ما فعلت، وأنها كان يجب أن تقول لزوجها وأن لا تكون حسنة النية إلى هذا الحد.
وهذا هو العيب الشديد الذي يعاني منه الكثيرين في هذا الزمن، لا يجب أن يكون الإنسان حسن النية لكل من حوله، فلا نعلم من أين تأتينا الطعنة.
هتفت به وقالت: "انت عايز إيه من سليم؟ ما تسيبه في حاله يا أخي، مش كفاية اللي عملته طول عمرك".
فضحك وقال: "إيه ده؟ هو حكى لك الغنيوة بتاعة كل مرة؟ أغنية أمه وعذابها والأفلام دي؟ أنا مش عارف هو مريض بأمه ولا مريض بأيه بالضبط. ما في رجالة كتير بتضرب ستتها وبتعيش وبتسكت".
نظرت إليه مبهوتة من كلامه ولا تعرف ماذا ترد، لأنها أدركت أنه ليس مجرد إلا شيطان يتحدث على الأرض.
اقترب منها وقال لها: "دلوقتي نقعد مؤدبين كده بدل ما أطلع جناني عليكي لحد ما أكلم جوزك وأشوف هاعمل معاه إيه. وساعتها يا حلوة شوفي انت عايزة تروحي له حتة واحدة ولا كم حتة".
وهنا أجهشت بالبكاء من الخوف.
ليذهب عاصم ويرفع تليفونه ويتحدث إلى سليم وبدأ في الكلام ساخرًا: "ازيك يا ابني؟ أخبارك إيه؟ لعل مزاجك يكون أحلى وأحلى، أكيد النهارده مزاجك في السما".
وظل يضحك.
هنا صرخ سليم وقال: "مراتي فين يا عاصم؟ مراتي لو جرى لها حاجة تترحم على نفسك، مش هأسيبك وهطلع روحك في إيدي".
فضحك عاصم وقال: "سبحان الله يا أخي، حتى وروحك في إيدي بتتفرعن على إيه ما أعرفش. انت فاكر نفسك جيمس بوند؟ ما تهدى على نفسك كده وتشوف وتقدر اللي انت فيه".
كان سليم يريد أن يشغله في الكلام، وهو قد بدأ في التحرك ليصل إلى ذلك المكان المهجور الذي فيه حبيبته وروح فؤاده.
فأراد أن يكسب أكبر قدر ممكن من الوقت.
كان قد بدأ يحل عليه الليل، وعربات سليم والحرس تأكل الطريق أكلًا.
وكان أثناء ذلك يتحدث مع والده.
وهنا قال عاصم: "أظن تسمع بقى طلباتي وتبقى مؤدب كده عشان ما أزعلش منك، وساعتها هتزعل على الأمورة اللي قدامي ولا إيه".
صرخ سليم: "أنا عايز أسمع صوتها".
فضحك عاصم: "ماشي يا عم الحبيب".
واتجه إليها ونظر إليها ليعطيها الفون ويقول بسخرية: "سمعيها صوتك يا أمورة".
فأخذت التليفون وكانت تبكي بشدة وهي تقول: "أنا... أنا... أس... أسفة يا يا حبيبي... ما تزعلش مني... كان غصب عني".
فهتف محاولًا أن يهدأها، لأنه يسمع شهقاتها من بين كلامها، وكانت حالتها تدمر قلبه: "ما تقلقيش يا قلبي، أنا هرجعك لحضني. بطلي يا عمري واهدي، ما تخافيش طول ما أنا عايش".
وهنا رجع عاصم إليه وقال: "شوف يا ابن عاصم، إحنا الاتنين ثعابين ونفهم بعض كويس، يبقى تقدر الموقف وتعرف كويس إن أنا ها أذي مراتك من غير ما يتهزلي شعرة. يبقى تسمع الكلام بدل ما تجيلك على كذا حتة".
وهنا صرخ فيه سليم: "والله لو حصل لها حاجة لهاجيب رقبتك حتتين".
فضحك عاصم: "ماشي يا يا عم الحبيب، أنا عايز نصيبي في الشركة وتكتبه لي باسمي، أنا عايز نصيب 50% مش هأقول 60 أو 70، لا هاخذ الـ 50% زي زيك بالضبط عشان أبقى راسي براسك. أنا عايزك تتوسل لي عشان أوافق على مشاريعك. والقصر يكتب باسمي".
فضحك سليم وقال: "طب وأخوك فاضل مش هتديله حاجة بالمرة؟"
فأردف عاصم: "والله فاضل ده ما لوش لازمة وبيشتغل معاك. وفضل إنه يشتغل معاك. خلاص يشرب بقى، إنما أنا ما بشتغلش عند حد. واسمع بقى قدامك لبكرة الصبح كلم المحامي بتاعي تكون جهزت كل حاجة. وإلا يمين بالله هاكون مخلص على المزة بتاعتك. بس طلعت ابن أبوك حقيقي، حتة موزة يا واد يا سليم بتفهم يا واد في النسوان".
فصرخ فيه سليم وقال: "انت أحقر إنسان شفته في حياتي، انت أزبل من الزبالة نفسها. بتبص لمرات ابنك يا زبالة يا واطي".
تصنع سليم أنه سيستمع إليه وقال إنه سيتحدث مع المحامي يفعل ما يريد، ولكنه أراد أن يكلم زوجته مرة أخرى.
وهنا ضحك عاصم وأعطى التليفون لحياة وهو يقول: "ده الولد واقع لشوشته، يا ترى انت عامله فيه". وظل يضحك.
هنا بدأ سليم يتكلم معها وهي تبكي وتشهق، ويحاول أن يهدئها ويقول لها أن كل شيء سيكون على ما يرام، وأنه سيخرجها مما هي فيه.
لتعتذر وهي تبكي بشدة ومبررة فعلتها أنها كانت تريد أن تلم شمل العائلة، وأنها كانت تظن أن عاصم ممكن أن يكون جدًا لابنتها، وأن ملك هانم هي من أوهمتها بذلك.
ظل يتحدث معها فترة حتى جاء أبوه، بعد أن وعدها أنه سيخرجها من ما فيه.
وأخذ منها عاصم التليفون بعد أن قال له ضاحكًا: "في انتظارك يا غالي يا حتة مني".
وضحك ضحكة شريرة عالية.
كان سليم في ذلك الوقت يأكل الطريق أكلًا حتى بدأ يظهر محل فيلا عن بعد.
بدأ يهدئ من العربات التي معه، وأشار إلى الحرس أن ينتبهوا جيدًا، وأنه لا يريد إلا أن يخرج زوجته سليمة معافاة.
كان الليل قد حل، وكان حرس عاصم يجلسون معًا يتسامرون، وكانوا يطمئنون على الآخر، فمن أين يأتيهم الغدر؟ فهم يعلمون أن لا أحد يعلم مكانهم ويثقون في عاصم.
ولكن تلك السلسلة في رقبة حياة هي من كانت السبيل والهداية إلى مكانها.
وكان ذلك القلب هو من سيرجع إلى سليم نبض قلبه وروحه وهي زوجته.
كان يصدر إشارة على مكان حبيبته، وكان سليم قد صممها خصوصًا لهذا الغرض بعد حادثة المول.
بدأ حراس سليم يحوطون الفيلا جميعًا بأعدادهم إلى أكثر من خمس عربيات، وبهن رجال يتمتعون على درجة عالية من درجات القتال.
وبدأوا في التسلل حتى لا يحس بهم من بداخل الفيلا ولا يعرفون ما يحدث خارجها.
انقض الحرس جميعًا بهجمة مباغتة على جميع حراس عاصم دون أي شوشرة، لكثرة عددهم ولقلة عدد حراس عاصم، وأنهم لم يعطوا أي خوانة لأي دخيل.
كان عاصم يأكل بالداخل يحتسي الشراب انتصارًا بهذه الطعنة الغادرة لابنه، وينظر إلى زوجة ابنه نظرات حقيرة وهي تبكي بشدة.
وكان معه في داخل الفيلا فرد واحد وهو كبير حراسه، كانوا يتحدثون معه، وكان يتحدث عن عاصم عن أحلامه وعن امتلاكه للشركات وكيف سيحط على سليم ويتسيد هو الشركة ليرجع أمجاد عاصم الحديدي.
ولا يعلم عاصم أن الشر لن يدوم إلى الأبد.
هنا دخل الحراس مفاجأة إلى الفيلا.
وحاول الحارس أن يشتبك مع حرس سليم ليحاول بسرعة أن يقترب ويقوم أحد الحراس بقتله على الفور.
فيبهت عاصم.
وهنا عاصم مسك حياة من يدها بسرعة، وهي تحاول أن تفلت منه.
لم يكن عاصم معه شيء يحاول أن يؤذي به حياة، وكان الشراب يؤثر عليه.
ولكنه قام بوضع يده وحاول أن يخنقها. سليم نظر إلى مزعور وهجم عليه بسرعة، لأن حياة كانت قد أصبحت على وشك أن تكون جثة هامدة.
أيضًا، هجم جميع الحراس وانقضوا على عاصم. ولكن سليم شد زوجته إليه ليحتضنها ويدخلها بداخله، كأن روحه كانت ستصعد إلى خالقها.
كانت هي منهكة، تشعر بالتعب الشديد وتتنفس بصعوبة. سقطت مغشيًا عليها، فلم تعد تتحمل ما يحدث.
هنا، أراحها سليم بهدوء على الأريكة واتجه إلى عاصم وظل يضرب فيه. فهو هنا مع هم أن يفتك بعاصم ويضع فيه غل السنين ويبرحه ضربًا، بعد أن قد تحول إلى إبليس، ليس به شفقة ولا رحمة ولا رجولة بأن يستغل النساء في الخصومة، يأخذ ما يظن أنه حقه. فالإنسان القوي يأخذ حقه بيده، وليس عن طريق التجبر على الضعفاء. فالإنسان القذر هو فقط من يؤذي آخر في منطقة ضعفه، ألا وهي زوجته أو أبناؤه أو أمه.
هنا حضرت الشرطة وأخذت عاصم. وكان قبلها قد أخذت ملك وسوزي. وذهب معهم الحراس وقبضوا على من يجدون في الفيلا، ليعترف الجميع بما يحدث.
تبدأ فصول جديدة في حياة كل من عاصم وملك وسوزي. فصول هي عبارة عن عقاب من رب العالمين. فعاصم أب انتزع منه صفة الأبوة والإنسانية. وملك وسوزي كانتا فصيلًا من النساد، هو عبارة محراب للشر ومبعث للبغض والضغينة بين البشر.
لياخذا عقابهما، فهما قد وُجه إليهما التخطيط للخطف والابتزاز والشروع في القتل. لياخذا عقابهما في الدنيا، وينتظر كل منهم عقابه في الآخرة. فهما يستحقان كل هذا لما يملكان من غيرة وحقد تجاه البشر، والنظر والحقد على ما في أيدي الآخرين.
هنا حمل سليم زوجته وذهب بها إلى العربة وأجلسها على قدمه وهو يحتضنها بشدة. وظل يمسد على شعرها وعلى جسدها حتى بدأت تستفيق شيئًا فشيئًا. ما إن رأته وأحست أنها أخيرًا في أحضانه سالمة وبأمان، حتى أجهشت بالبكاء متشبثة به، كأنها طفلة تتشبث بأبيها.
وهو يحاول أن يهديها ويمسد على شعرها وجسدها، ولكنها لم تكن قادرة على التوقف عن البكاء. ظل يهمس إليها ببعض الكلمات الحانية حتى تستعيد وعيها.
حتى وصلوا إلى الفيلا. وما إن وصلا، حتى حملها وصعد بها إلى الأعلى ولم يترك أحدًا يقترب منها. ثم وضعها على السرير وأخذها في حضنه. واقترب منها وأعطاها بعض المهدئ وطلب منها أن تنام وترتاح. ظلت تحتضنه، لا تريد أن تتركه، حتى هدأت تمامًا ونامت.
وهنا، انسل سليم بهدوء ونزل وأخبر أمه بما فعلته تلك الحيتان وعاصم معًا. كيف خططا لذلك. لتحزن الأم. فملك بنت الحسب والنسب قد أصبحت ذات سابقة، تتمرغ في الوحل. هي وابنتها. حراء قلوبهم المليئة بالغل تجاه أناس لم يفعلوا لها إلا كل الخير. وأحست بالراحة الشديدة أن عاصم أخيرًا أخذ جزاءه وسيتعفن في غياهب السجون.
هنا خرج سليم وأنهى جميع المعاملات القانونية. وكل من عاصم وملك وسوزي في انتظار محاكمتهما على تهمة خطف أنثى ومحاولة الاعتداء عليها وقتلها، ومحاولة ابتزاز سليم عن طريق زوجته.
وهنا قد أُغلق فصل من فصول الشر في حياة بعض البشر. فيتعجب الإنسان أن يأتي الشر من الأب، الذي هو المفروض أن يكون أمان ابنه. فالغدر حينًا لا يأتي إلا من القريب. إما أن يكون أخًا أو أختًا، يكون قاتلًا نافذًا.
ولكننا في آخر الزمان يا سادة. نرى كيف يأكل الأخ أخيه ويقتله ويتجبر عليه، حيث فقدنا جميع المشاعر. فنحن نسير من سيء إلى أسوأ. وأنا أتمنى أن يصبح نور الخير ونور الحق بيننا واضحًا. ولكن كل ذلك لن يحدث إلا حين يحل العدل بين الناس. العدل هو من يخلق بيئة سوية يتمتع فيها الإنسان بصلاح النفس، ونظافة ورقي القلب.
رواية بائعة السعادة الفصل السابع عشر 17 - بقلم ميفو سلطان
مر الوقت وكان قد انتهى سليم من الأمور القانونية ليُغلق ذلك الفصل الذي كان يعذبه طوال حياته. لقد عانى كثيرًا، وكان يحاول أن يهدئ زوجته وهي كانت في حالة يرثى لها، إلى أن هدأت قليلاً وأصبحت إلى حد ما بخير.
وما إن تأكد سليم أنها تعافت، هنا قرر سليم أن يعاقبها. كان لأول مرة غاضبًا منها غضبًا شديدًا لأنها لم تهتم به، وأن تخبره، وأنها أخفت عليه كل ذلك وعرضت حياتها للخطر. وكان هذا عنده شيئًا لا يُتسامح فيه أبدًا، حتى لو كانت هي عشقه الأعلى.
فكان يقضي معظم أوقاته في العمل، وعندما يأتي يتجاهلها تمامًا ثم يصعد إلى الأعلى لكي ينام في هدوء. وهي تحاول أن تقترب منه ولكنه لا يعطيها الاهتمام، فتنام وليلتها باكية، نادمة بشدة على غضب حبيبها وأنها أخطأت بشدة في حقه، ولم تعد تعرف ماذا تفعل حتى تجعله يسامحها.
فسليم عندما يتحول يصبح شخصًا حديديًا، باردًا ببرود الثلج، لا يستطيع أي أحد أن يُنهيه عما في رأسه. كان سليم يريد أن يفهمها ويعرفها أن سلامتها وسلامة عائلتها لن يتهاون فيها، وأنها كان من الممكن أن يحدث لها مكروه، وبذلك تنتهي حياته وحياة عائلته.
كان يسمعها كل يوم وهي تنام باكية، ويحن لها قلبه، ولكنه كان يتجلد بالصبر ولا يستدير إليها حتى تشعر بالخطأ والندم، ولا تجرؤ على فعل شيء دون أن تخبره.
في يوم دخل سليم ليجدها تنتظره وهي جميلة، تتزين له، وعلى وجهها ابتسامة شديدة شفافة ألهمت قلبه. ولكنه أخذ ملابسه ودخل إلى الحمام لكي يهرب منها. وعندما خرج يتصنع اللامبالاة، اقتربت منه واحتضنته من الخلف وهمست: "أنا آسفة.. وحشتني." وظلت فترة طويلة، وكان هو متجمدًا، يحاول ألا يبدي أي فعل، وهو في الواقع يريد أن يأخذها بين أحضانه وأن يهلكها بين ذراعيه. ولكنه قال: "أنا تعبان وعايز أنام.. تصبحي على خير."
في تلك اللحظة أحست بالقهر الشديد، جلست وظلت تبكي وتبكي، وتتذكر كل ما مر بها لتجهش بالبكاء، تتساءل هل ضجر منها سليم وضاق من تصرفاتها الهوجاء؟ أم أنه لم يعد يحتمل الحمل الذي وضعه زواجه منها؟ وهنا أحست بالرعب الشديد أنه ممكن أن يتركها زوجها ويرحل عنها، لأنها هذه أول مرة تراه بهذه الحالة من البعد، بعد أن حاولت الكثير والكثير لتراضيه وتحسسه بندمها، ولكنه لا يعطيها الفرصة. فهو لم يكن أصلًا يجلس في البيت كثيرًا، وكان يفعل ذلك لأنه في الحقيقة لا يقدر على مواصلة بعدها وترجيها له.
مرت الأيام، وبعدها جلست حياة مع فريدة. كانت فريدة تلاحظ جيدًا ما يحدث بينهما، ولكنها لا تتدخل أبدًا بين زوج وزوجته. هنا نظرت إليها حياة وطلبت منها أن تجعل سليم يسامحها، ثم أجهشت بالبكاء. اقتربت منها وأخذتها في أحضانها وقالت لها: "معلش يا حبيبتي، سليم بس زعلان شوية. هو سليم كده لما بيزعل بيبعد."
فترد حياة وهي تبكي: "بس بعده صعب عليا قوي. أول مرة يعمل كده. أنا ما كنتش مستوعبة إنه هو ممكن يبعد عني كده.. بس أنا عارفة إن أنا استحق ده وعارفة إن أنا أجرمت، بس أنا والله كانت من نيتي كويسة وكان نفسي العيلة تبقى عيلة."
ونظرت إليها فريدة: "بصي يا بنتي، أي زوج وزوجة هما سر بعض، مافيش حاجة اسمها أنا وأنت، في إحنا. كل زوج وزوجة ربنا خلقهم سكن لبعض وروح واحدة. ربنا خلقهم عشان يركنوا لبعض، يبقى كل منهم ظهر للثاني. في زوج هو سند الزوجة وروحها، والزوجة هي أنس الزوج والقلب الذي يركن إليه من وجع الدنيا. هكذا يجب أن يكون الزواج، أن يكون الزواج هو عبارة عن تناغم وحب بين فردين. قررا أن يكونا فردًا واحدًا، يتغاضى كل منهم عن أخطاء الآخر وما يقفوش لبعضهم. عندما يراعي كل طرف الآخر ويتحمله أثناء غضبه أو ضعفه، يقدرها له شريكه أنه وقف معه في وقت ضعفه ووقت غضبه. وحينئذا يعطي في المقابل الكثير والكثير. العطاء مقابل الحب يكون كثيرًا كثيرًا."
أحست حياة بالراحة الشديدة بعد أن تكلمت مع فريدة، وقررت أن تصبر على زوجها وأن تنتظر أن تنتهي نوبات غضبه. فهي تستحق فعلًا ذلك العذاب لأنها أخطأت وخبأت على زوجها وأنها عرضت نفسها وحياتهم للخطر دون أن ترجع إليه.
كانت حياة بعد أن مر أسبوعين من العذاب من بعد زوجها عنها، لم تعد تطيق ذلك، وأصبحت بعد أن فعلت كل المحاولات كي تصالحه تحس بالوجع الشديد، بوجع حين حاولت أن تصالحه وهو لا يستجيب. كانت تلبس له أجمل الثياب وتحتضنه وتدلل عليه، ولكنه يبعدها بهدوء متحججًا بالتعب ويذهب للنوم.
عندئذ أصابها الغضب الشديد منه، ولا تعرف ماذا تفعل، فكانت تأكل في نفسها كل ليلة، فهو لا يأتي إلا على النوم ولا يتحدث معها. هنا قررت سلاح الأنثى، التدلل وإثارته أكثر، ولبست ما يشده إليها. فكان يدخل ليجد زوجته على أكمل وجه، أنثى بالرقي والجمال، تنتظر زوجها على أحر من الجمر، وعيناها ترجوانه وتحثه على أن يسامحها. كانت تجلس بهدوء على الأريكة، جميلة، رائعة، وفاتنة، ولكن كل ذلك لم ترَ أمامه منه أي رد فعل، رغم احتراقه من الداخل.
مرت فترة وهما هكذا، وهو يتقلى على الجمر وهي لا تعرف أنها تؤثر به. وكانت بعد أن ينام تقترب إليه وتنام في أحضانه، ليستيقظ في الصباح يجد معذبته نائمة كالملاك في أحضانه، وكان هذا بالنسبة إليه العذاب الأكبر.
ثم أتت أحد الأيام، كانت تقف في الشرفة، جميلة، رائعة، فاتنة. كان الجو به بعض البرود الخفيف، كانت تفكر في زوجها وفي حياتهم التي أصبحت على المحك. وفكرت في بعده واختياره البعد، وأحست أن هذا هو ما سيكون عليه حياتهم. فزوجها يبدو أنه زهد بها، فظلت تفكر ماذا تفعل. أما أن تستمر، أو أن ينفصلا كل منهما. وهنا قررت أن تريح قلبها وتتركه بسلام. فزوجها قد كل منها، فهم من عالمين مختلفين، وما حدث وما يحدث سببه اختلافهما.
فأحست بالبرودة والسكون، وتذكرت كلمات عاصم: "أنتِ ما تستحقيش سليم، أنتِ بسيطة." كما لو أن البساطة أصبحت سبة. هنا أحست بأن روحها انسحبت منها، وأدركت أن هذا هو آخر المطاف، وأن عليها أن تقدم على خطوة النهاية. فزوجها لم يعد لها، ولم يعد يطيق وجودها، وأصبح يهرب منها كأنها مرض سيصيبه. هنا سلمت أمرها لله، وآثرت أن تدعه يختار حياته ورفيقة دربه التي تناسبه، وأنها أبدًا لن تكون عائقًا في سعادته، فيبتعد عنها ويريح نفسه من هذا العذاب.
كان عالمه هو من جعله يصدق ويدبحها مرة، فيؤذيها. وعالمها هي من جعلها تأمن جانب الشر وتذبحه مرة، وتؤذيه. فلذلك العالمان لا يلتقيان. لو كان هو سيدخل عالمها، كانت الأمور ستكون أبسط من البساطة. أما دخولها هي إلى عالمه، فهذا صعب حدوثه. فعالمه يحتاج صفات معينة ليستمر الإنسان فيه، وهي لا تتمتع بهذه الصفات. فهي أبسط من أن تكون له. لا تحس بالدونية أبدًا أو أنها أقل منه، ولكنها تحس أنها فعلًا ليست مناسبة له ولعالمه. وهو جعلها تحس بشدة بذلك. فزهده بها وابتعاده عن البيت ليس له سبب إلا أنه يختنق بوجودها ولا يطيق زواجهما.
كانت تقف في تلك الأثناء وشعرها يداعبه نسمة لطيفة من الهواء، وكانت تقف وتضع يدها حولها، ليس فقط من البرودة، ولكن من عدم الشعور بالأمان. فغصبًا عنها، فهو روحها وهو حبيبها وزوجها. أحست بالبلادة، وأن بداخلها قد تراخت كل مشاعرها.
مر بعض الوقت ليدخل سليم ليجد زوجته واقفة هائمة، واضعة يدها حول نفسها، فمنظرها كان كالملاك الشارد، كان الحزن قد ساد محياها. وهنا زادت خفقات قلبه، وأنه لم يعد قادرًا على بعدها أكثر من ذلك، ولكنه فعل ذلك لكي يعاقبها، ولكنه كان يجب أن يدرك أن كثرة البعد تُدمي القلب، تجعل الإنسان يلجأ إلى تصرفات معادية. البعد ليس هو السبيل الأمثل لحل الخلافات، وإنما المصارحة والتصالح مع النفس. فالتقارب هو السبيل لحل الخلافات وليس البعد. فالبعد يجعل الإنسان لا يشعر بالأمان من رفيقه، وأنه باعه ورحل. يشعر الإنسان أنه فقد مكانه، وأن القسوة الظاهرة هي نابعة من القلب. وهنا يفقد الإنسان الأمان، ويكون مدخل دخول الشيطان بينهم، لينهش عقل وقلب الآخر، ينهشه ويصور له أن كل من الآخر يبغض تصرفاته. وكلما ابتعد الإنسان عن حبيبه، كلما تفاقمت الأمور. فيصبح من الصعب استعادة التناغم والحب والرحمة. فالعلاقة بين أي زوجين تقوم من الأساس على الرحمة والمصالحة والمصارحة والتصالح مع النفس.
وهنا وقفت حياة، فقررت أن تجعل سليم يقرر ماذا يريد، فهي أدركت أنه سيتركها ولن يدخلها إلى نعيم قلبه. كان سليم يقف بعيدًا ينظر إليها وقلبه ينهشه على حبيبته، وهو يراها تحتضن نفسها وتشعر بالوحدة الشديدة، وأحس بوجع في قلبه.
ليقترب منها بهدوء، لياخذ شالًا ويذهب إليها، ويقترب منها، ووضع عليها الشال، وظل واضعًا يديه حولها لفترة، ليغمضا عينيهما لفترة. فقد كل وتعب قلب كل منهما. وهنا أحست بوجع في قلبها، فحبيبها أوجعها كثيرًا منذ أن دخل حياتها. أوجعها كثيرًا وقد تعب قلبها من الوجع ولم تعد قادرة على الاحتمال. فالأنثى ضعيفة، هشة، تحتاج إلى جرعات دائمة من الحب والحنان، فإذا فقدتهم يتساقط معها كل شيء.
أفاقت حياة على يد زوجها وهو يدثرها بالوشاح، تململت قليلاً، وابتعدت عنه، ثم نفضت عنها الوشاح وأعطته إياه وشكرته في هدوء، وانسحبت من أمامه في صمت وهدوء، ودخلت، وكانت قد بدأت تستعد إلى النوم. فاستغرب سليم وأحس بالتوجس والخوف من رد فعل حبيبته الهادئ والمميت. فحياة في الفترة الماضية كانت شعلة من الحب والجنون، وقلبها ملهوفًا عليه، وعيناها تترجاه. وتساءل في نفسه: هل يا ترى زاد هو في عقابها؟ ولكنه كان يريد ألا تفعل ذلك مرة أخرى، وأراد أن يعلمها درسًا قويًا. ولكن بعده عنها كان أكبر معاناة لقلبها، فهي كانت تمر بفترة صعبة تحتاج إلى زوجها وحنانه، ولكنه آثر الابتعاد في وقت كانت تريد أن تغوص في أحضانه.
دخلت حياة بهدوء وابتدأت الاستعداد للنوم. وهنا لم يستطع سليم أن يصمد أكثر من ذلك، فقلبه يوجعه على منظرها. فتوجه إليها واقترب منها. سليم لأول مرة يسألها: "أنتِ كويسة؟" بدأت الدموع تتجمع في عينيها، ولكنها تماسكت، ناظرة بعيدًا وقالت: "كويسة.. ما تشغلش بالك." كان صوتها يقطر حزنًا. استدارت لكي تذهب إلى النوم، فمسك يديها وشدها إليه. حاولت أن تبتعد، ولكنه لم يعطها الفرصة، مشددًا عليها، إلى أن كلت ولانت بين ذراعيه مستسلمة. فتوقف قلبه، فهي بين ذراعيه، لا يحس بأي مشاعر، وهو الذي كان يظن أنها ستتلهف لأحضانه. ولكن البعد يا سادة يقتل الأنثى ويجعلها كروح فارقت دنياها إلى الأبد.
كانت مستسلمة، تنتظره أن يفك يده عنها. ما إن لانت يديه حتى ابتعدت واتجهت إلى الحمام لتتركه في صمت وهدوء. وظل هو واقفًا مذهولًا من هدوء زوجته المريب، لا يعرف ماذا بها. ظلت فترة بالداخل تستعيد نفسها. لا يجب أن تبدو ضعيفة حتى لا تصعب عليه. وهنا اتخذت قرارًا سيبدل مجرى حياتهم. وما إن هدأت وتبلد الألم بداخلها، وكلمات عاصم: "أنها لا تنفعه ولا تستحقه" ترن في أذنها، وكلمات سليم عندما نعتها بالجربوعة تلتهب فؤادها، فهي فعلًا لا يجوز أن تكون في عالمه.
خرجت من الحمام لتجد سليم ليس في الحجرة، فكان قد غادر لغرفة ابنته ليراها وليهرب من مواجهة حياة، لأنه إن بقي سيلهبها عشقًا. يا لهذا العناد الذي يذبح فؤاد الحبيب. فابتسمت بسخرية وقالت في نفسها: "وأنت كنت مستنية إيه غير كده؟ هيفضل مستنيكي حتى بعد ماشاف حالتك. يا خسارة يا سليم، يا خسارة حبي وعشقي ليك، بس فعلًا كفاية ذل لحد كده. أنا أصلًا لسه ما اتعافيتش من طعناتك السابقة والتمست لك العذر لأني بحبك وكنت مستعدة أبقى تحت قدميك، ولكن كفى. فأنا عزيزة في نفسي، لن أذل نفسي أكثر من ذلك." واتجهت إلى السرير وتدثرت بالغطاء وغطت في النوم، وهي قد عقدت العزم على شيء يريحها ويرحه في نفس الوقت.
دخل سليم متوقعًا أن يجدها مستيقظة، ليجدها نائمة، والإنهاك يبدو على وجهها، فأحس بنغزة في صدره. وتحدث في نفسه: "كفاية يا سليم، أنت مالك قاسي كده؟ كفاية، أنت مش شايف حالتها." فرد عقله: "بس هي كانت هتروح مني، كان لازم أعمل كده عشان ماتتكررش." بعدها عنها، مش هستحمله أبدًا. كفاية الوجع اللي عشته، وكفاية رعبي عليها وهي بين إيدين عاصم." وهنا نظر إليها واقترب، وظل يداعب شعرها، ثم أخذها في أحضانه، فتململت واندست بين أحضانه، ليظل ينظر إليها بحب وهيام، وقرر أنه سينهي هذا العقاب، وأنه سيحضر لها هدية كبرى ويلهبها عشقًا، وينهي عذابه وعذابها.
فقد تحمل الكثير ببعدها عنه وكان يتعذب ببعده، وهيا تتدلل عليه. وهنا نام سعيدًا، وقد وصل إلى قرار إنهاء البعد. ولكنه لم يكن يعلم أن بعده أصاب قلبها في مقتل، لتقابله بالجحود. ونام كل منهم على حاله، وشخص في قلبه القرب والعيش سعيدًا، وأخرى في قلبه البعد ليكمل حياته في تعاسة.
استيقظت حياة في الصباح لتجد نفسها وحيدة، فشعرت بالسخرية الشديدة من نفسها، ونهرت نفسها أن تتمنى نفسها بعد ذلك. فهنا قد انتهت حياتها مع حب قلبها. هيا باعت سعادتها في غير مكانها، وكانت ستظن أن السعادة يمكن أن تعم على كل الأطياف. ولكن السعادة تختلف من شخص لآخر ومن نظرتهم لها. فسليم سعادته ستكون مع امرأة قوية من المجتمع المخملي، وليست فتاة بسيطة كل همها توزيع الابتسامة على قلوب الآخرين. فذلك المجتمع له حسابات أخرى.
هنا قامت حياة واتجهت إلى حجرة فريدة واحتضنتها، ثم بكت وأخبرتها أنها ستأخذ روح وترحل. وهنا فزعت فريدة واحتضنتها بشدة وظلت تثنيها عما في عقلها وتصبرها على زوجها. وهنا أدمعت حياة وقبلت فريدة وقالت: "خلاص يا ماما. كفاية كده، ما عادش ينفع. كل حاجة بقت واضحة. سليم خلاص وصل لآخره وأنا من الواضح إني ما عادش أنفعه."
فردت فريدة وهتفت: "انت اتجننتي؟ مين دي اللي ما تنفعوش؟ دانتي ست الستات يا قلبي. يا حبيبتي هو كده وأنا هكلمه."
فقاطعتها حياة وردت بحب: "لا يا قلبي ماتتعليش نفسك، مش عافية هيا. أنا فعلاً وسليم ماننفعش لبعض، كل واحد من دنيا وكل واحد من عالم مختلف. وهو من الواضح إنه تعب من اللي حصل وأنا عمري ما هفرض نفسي عليه. لازم أمشي لأن سليم مش هيمشيني عشان روح وعشانك، وأنا لازم أبعد عشان يبقى حر يعيش حياته ويختار الست اللي تنفعه. الموضوع مش فقر وغنا، الموضوع شخصية. وعاصم فعلاً كان عنده حق لما قال إني ما أنفعش سليم. هيعيش طول عمره مع واحدة الناس فاكراها هبلة وسهلة وبسيطة. لا يا ماما. سليم وجعني مرة ودبحني بقسوته، ورجع وجعني ببعده. أنا كنت محتاجاه بعد محنتي وكسرتي ورعبي بعد عاصم وعملته، وهو زهد في عيشتنا. أنا صبرت وحاولت أسامحه وفعلاً سامحته، بس كنت محتاجة لسه شوية وقت. وساعتها كنت في حضنه محتاجاه أوي. إنما سليم بعد عني أميال واتذليت ليه كتير لما حسيت إني رخيصة أوي. سليم قسوته منعته إنه يسامحني. عارفة لو زعل ووقف جنبي وخدني حتى في حضنه كنت هستنى العمر كله. بس سليم قاسي وصعب ودي طبيعة يا ماما، غصب عنه. وأنا ما عادش عندي المقدرة إني أكمل بالوجع ده."
قاطعتها فريدة وهي تبكي: "يا بنتي والله دا طيب وحنين، بس زعله وحش يا بنتي، أنا هكلمه."
ردت حياة بوجع: "وتنهدت. خلاص يا ماما صدقيني أنا مرتاحة كده. وهو هيبقي مرتاح. أنا عارفة إنك زعلانة، سامحيني. أنتِ أمي اللي ماشفتش حنية زيها بعد جدتي. كان نفسي أفضل جنبك بس ربنا ما أرادش. أنا اتكتب عليا أبقى لوحدي في الدنيا. أنا همشي وروح هتكون عندك على طول، ابعتي في أي وقت، خديها ونوريني، أشيلك على راسي." ثم قبلتها وتركتها.
وأجهشت فريدة بالبكاء، وصعدت حياة وأعدت حقيبتها هي وابنتها، ثم مدت يدها وخلعت القلب الذي في رقبتها لتضعه بجوار المنضدة التي يضع عليها أشياءه فور دخوله، وهي تشهق: "خلاص يا قلب حياة، خلاص كل حاجة راحت وكل حاجة لازم ترجع لأصحابها. أنا خلاص طلعت بره حياتك وقلبك يبقى ملوش لازمة أعذب بنفسي بحاجة من ريحتك. خلاص يا سليم. خلاص يا سعادتي اللي راحت." ثم أخذت ابنتها ونزلت وتركت المكان الذي شهد سعادتها وشقائها لتنهي عذابها في هذا المكان.
عاد سليم في المساء وكان سعيدًا، يظن أن اليوم سيكون أروع أيام حياته وأنه قرر أن يصب حبه على زوجته. ولكنه لا يعلم أنها زهدت منه وأنها لن تنتظره للأبد. فكثرة الانتظار تميت القلب وتفتته إلى حطام. دخل سليم ليجد البيت هادئًا، فصعد إلى حجرتها، فهو يشتاق إلى زوجته. وما أن دخل حتى قطب جبينه، فهي ليست بالحجرة وليست بالأسفل. فقرر أن يذهب إلى حجرة روح. وقبل أن يفعل ذلك، ذهب ليضع تليفونه وأشيائه على المنضدة بإهمال، ليلمح شيئًا لمع، ليدقق النظر ليهوي قلبه من مكانه عندما يجد...
رواية بائعة السعادة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ميفو سلطان
دخل سليم ليضع أشياءه باهمال، ليرى ما جعل قلبه يهوي بين أضلعه، ليجد على المنضدة القلب الذي أهداه إلى حياة. وعدته أنها لن تخلعه أبداً، وأنها حين تخلعه سيكون مع آخر نفس تتنفسه معه بحب. أحس سليم بالذعر، ليذهب إلى حجرة روح فلم يجدها، فهوى قلبه. ثم اتجه إلى حجرة والدته ليدخل عليها، لترفع عينيها ولاحظ أنها كانت تبكي.
ليقترب منها.
"فيه إيه يا أمي مالك؟ وفين حياة وروح؟ حياة فين يا أمي؟"
فنظرت إليه أمه.
"لسه فاكر يابن قلبي. ياااااه يا سليم، وكانت فين اللهفة دي من شهر يابني؟ لسه فاكر تسأل على مراتك؟"
فتوجس من كلامها وأحس بنغزة في صدره.
"فيه إيه يا أمي بتكلميني كده ليه؟"
فهتفت بحدة.
"أمال عايزني أكلمك إزاي؟ أصفقلك وأنت خربت بيتك بإيدك وقسوتك وجبروتك؟ أقعد أفرح إن ابني مراته طفشت منه؟ مابعرفش أزغرد يا حبيبي عشان أفرحلك إنك دبحت مراتك للمرة التانية."
كان هو في ذلك الوقت قد هوى قلبه في قدميه وأحس بالقلق ينهش قلبه وهو يسمع أمه ويراها هكذا.
"بالله عليكي يا أمي حياة فين؟"
فصرخت فيه.
"سابتلك الدنيا ومشت. سابتلك دنيتك تقعد فيها لوحدك بقسوتك يابن عاصم."
فبهت من كلام أمه واتسعت حدقتاه وهو يقول.
"ابن عاصم؟"
فهتفت.
"أمال عايزني أقولك إيه؟ لما تقسى على مراتك وتوجع قلبها وتحسسها إنها ولا عادت في بالك وحياتك؟ عايز إيه؟ قسوة في قسوة. أنت إيه الجبروت ده؟ أنت مين أصلاً عشان تعمل فيها كده وتستحملك؟ أنت مين عشان تذل فيها كده؟ أنت ولا حاجة يابن عاصم. يابن أبوك. هو العقاب مش له آخر؟ العقاب مش بالبعد يابن قلبي. إحنا الستات قلبنا بيقسى من البعد، وأنت بس مش بعدت، دا أنت جحدت واتجبرت ودست عليها. دعكت قلبها تحت جزمتك والبت صابرة تعيط وأصبرها وأقول دابني طيب ابني حنين ويا حسرتك يا فريدة. البت عملت ما يعمل، كان ناقص تعمل إيه تاني؟ كنت عايز إيه؟ توطي على جزمتك تبوسها يابن عاصم؟ لكن لا. أفرح بقه، أهي طفشت منك ومن وجعك اللي رشق في قلبها. لو تشفها كنت بكيت بدل الدموع دم وهي ماشية، خلعت قلبي وخدته."
كل ذلك وسليم يبكي ودموعه تنهمر على حبيبته. فأكملت فريدة.
"يا ريتك زعقتلها ولا حتى ضربتها. إنما إزاي؟ أنت السيد وتطاع وتؤمر. أنت داغك اللي ماحدش يقدر عليها. وهي يا قلبي انطعنت وغرزت سكينتك في قلبها وطلعته في إيدك. وبعد دا كله سامحتك ونامت في حضنك متخيلة إنك عمرك ما هتجرحها، وأنت الحمد لله وفيت وكفيت. لما البت خلاص قلبها كل وتعب وانقهر. هو خلاص كفاية عليك أصلاً، هي خسارة فيك من الأساس. أنت ماينفعش تعيش سعيد. هي طفشت منك وقالت خلاص يروح يشوف له واحدة شبهه. إنت يابن بطني خليتها تحس إنها ماتنفعش لدنيتك، ماتنفعكش. حسستها إنها بسيطة وسهلة، ونفس اللي عاصم قاله ليها أنت عملته فعلياً. هو قال لها أنت بسيطة وماتستحقيش سليم، وأنت بقسوتك وجعتها لأنها بسيطة. لما عرفت إنها فعلاً ماتنفعكش يابن عاصم. يا حسرتك يا فريدة. من عاصم لسليم يا قلبي، لا تحزن."
وظلت تبكي.
"هتف بوجع ودموعه تنهمر."
"يا أمي."
فنهرته وقالت.
"بلا أمي بقه بلا هباب. روح يابن عاصم اخرج وهاتاي بنتي وبنتها. وإن مارجعتش مراتك وبنتها ماشوفش وشك ولا تدخل قوضة ولا تتسمالي ابن. اخرج بره."
هنا خرج سليم وقلبه سيخرج منه وأحس بالتمزق. أحقا كان قاسياً لترحل عنه حبيبته للمرة الثانية؟ أكان حقاً ابن عاصم؟ ماذا فعلت في حياتها لتستحق شخصاً قاسياً مثله؟ أحس بالوجع واحتقر نفسه بشدة.
"إنت إيه القسوة دي يا سليم؟ هو مفيش غيرك في الكون بيمشيه يا أخي؟ دا ربنا كبير وفوق بينظر لعباده وبيرحم وبيعدل. إيه الجبروت؟"
وتذكر محاولاتها لتحنن قلبه، وتذكر دلالها وصبرها عليه، وقلبه كالحديد ووجعه يزيد من جحوده.
"إيه الجبروت بتاعك ده ليه؟ بتعاقبها على طيبتها وقلبها الأبيض؟ بتحاسبها على نظافتها؟ بتحاسبها على إيه يا أخي؟ على إنك مريض ومكلكع؟ دا أنت لو فرعون يا أخي كنت اتهديت. توصلها للحالة دي ليه؟ تزهد فيك بغباوتك وقسوتك ليه؟ هي أصلاً ما كانتش ارتاحت، تقوم توجعها تاني. يابن عاصم فعلاً."
وهنا ذرف دمعة من عينه على الوجع الذي ألهم به قلب حبيبته، وأقسم أنه سيعيدها، وأنه لن يأتي يوم إلا وهي في حضنه، وأنه سيجعل حضنها علاجاً لغضبه من أي شيء في الدنيا دي بأكملها.
في تلك الأثناء كانت حياة قد رحلت إلى بيت جدتها للمرة الثانية. فالأولى كانت مطعونة، والثانية كانت منتهية بلا روح. ظلت جالسة بعض الوقت لتحس بقبضة في قلبها. كيف ستكمل حياتها هكذا؟ مر بعض الوقت لتحس بأنها تحتاج إلى أن تخرج وتذهب إلى المكان الذي كان يهبها السعادة. إنه شاطئ الصخور يا سادة. ذهبت ووضعت ابنتها في عربتها وذهبت لتجلس وحيدة، لتصبح هي التي كانت بهجة الشاطئ، تصبح هي الحزينة الوحيدة عليه. كانت تهيم وتفكر في زوجها وانهمرت دموعها بقوة.
كان في ذلك الوقت قد ذهب سليم إلى بيت جدتها فلم يجدها، ثم إلى المحل فلم يجدها، فشعر بالذعر. أين تكون قد ذهبت؟ وهنا جاء في باله شاطئ الصخور. أيعقل أنها هناك؟ أسرع هو بدون تفكير. كانت جالسة وقلبها ممزق، ولكنها رفعت رأسها لربها لتقول إنها راضية. كانت جالسة هائمة وعلى وجهها هموم العالم، ليصل سليم ليجد من ملكت قلبه في عالم آخر وابنتها بجوارها. شعر بالغلب الشديد عليها يمزق قلبه. أحس بقرف من نفسه وشخصيته وفرعنته وأنه كان من الغباء حتى يصل بها إلى ذلك، لتجلس على الشاطئ لتنتظر أحداً يعطيها سعادة أفقدها هو بجحوده.
هنا اقترب إليها بهدوء ليجلس بجوارها، لتستدير ليخفق قلبها وتهتف بدهشة.
"سليم؟"
فنظر إليها وتنهد.
"أيوه سليم يا معذبة قلبي. سليم يا روح وقلب سليم."
ظلت تنظر إلى وجهه قليلاً، ثم أخذت ابنتها وقامت.
"جاي ليه يا سليم؟"
فهتف وقال.
"يلا يا حياة هنتكلم في البيت."
فنظرت إليه وقالت.
"والله؟ هنتكلم؟ لا بجد بهرتني. بعد إيه قلي؟ لسه فاكر؟ والا جاي تكمل ذل فيا؟ أصل اللي عملته ما كفاكش. ماتقول."
فهتف.
"حياة اسمعيني."
فصرخت فيه.
"أنا رايحة بيتي يا سليم. يا ريت كفاية لحد كده."
وهمت أن تمشي. هنا تقدم منها وأخذ ابنتها وقال لها.
"حصليني."
وتركها وذهب إلى عربته ودخل العربة. لتقف غاضبة لتفتح العربة ليضع ابنتها على قدميها.
"لتصرخ فيه."
"بقلّك وديني بيتي."
فرد بهدوء.
"دا أنتِ تأمري. وبلاش تصرخي عشان روح بتخاف."
فصمتت ونظرت أمامها، لتجده يتجه إلى طريق الفيلا.
"لتهتف."
"إنت موديني فين؟"
فرد ببراءة.
"مش قلتي وديني بيتي. أمال أوديكي فين تاني يا حياة؟ ما احنا رايحين يا حبيبتي أهو."
فنظرت بغضب.
"بقلّك بيت جدتي. يلا لف وارجع. ماتستعبطش."
كانت تصرخ.
"فهتف مرة أخرى قاطباً ومشيراً لابنته."
"شوفي أهي عيطت. سكتيها بقه."
هنا شرعت حياة لتهدهد ابنتها فترة من الوقت حتى وصلا إلى الفيلا، ولكنها لم تنزل. كانت مثل الطفلة الغاضبة. فنزل وأخذ طفلته ونادى لأحد الحراس لتحضر الخادمة. فحضرت وأخذت ابنته. كل ذلك وحياة تأكل نفسها. ثم استدار وقال.
"انزلي يا حياة."
فلم ترد ولم تستجب. هنا ابتسم وقال.
"طيب براحتك."
فظنت أنه سيتركها. فسمعته يقول.
"استعنا عالشقا بالله."
ومد يده ليأخذها ويحملها على كتفه، لتظل تصرخ وتخبط على ظهره حتى وصلا إلى جناحهما. فوضعها وتركها وهي تفرك وتصرخ.
"إنت اتجننت؟ عايز تفضحني؟"
فنظرت بذهول.
"أفضحك؟ واحد بيشيل مراته فين الفضيحة؟"
فنظرت إليه بغضب.
"نعم؟ عايز إيه يا سليم؟ أظن كده خلاص كل واحد عرف مكانه وخلاص يا سليم. وصلنا لآخر حياتنا."
رد عليها.
"معلش هو إيه اللي خلاص؟ عشان بس فهمي على قدي. ومين بقه اللي قال ده كله؟"
هنا صرخت من بروده واقتربت.
"أنا قلت. أنا خلاص يا سليم. ما عدتش عايزة أعيش معاك. إحنا خلاص انتهينا. دنيتك غير دنيتي، وأنت ليك الحق تشوف لك واحدة شبهك. مش هجبرك على العيشة اللي خنقتك دي. خلاص يا سليم خلصنا. أنت خليك في دنيتك وسيبني في دنيتي البسيطة اللي ماتنفعش تدخل دنيتك."
همت أن تبتعد إلا أنه شدها إليه واعتصرها. فحاولت أن تدفعه بشدة. وهنا أحس بمدى الخطأ الذي فعله. إنه أوصل حبيبة روح قلبه إلى الانهيار وأن تكون بهذه الحالة بين يديه، بدلاً من أن يكون لها السند والرفيق. فليعاقبها ولكن لا يقتل بداخلها كبرياءها ومشاعرها الجياشة ويلقي بهم عرض الحائط. ولكنه كان غاضباً، فأثر الابتعاد، فهو لا يريد أن يؤذيها. تململت بين أحضانه ثم ابتعدت عنه. ناظرته والدموع بدأت تتجمع في عينيها قهراً على ضياع زواجهما.
وبدأ انهيار كل شيء. فقالت.
"سليم الحديدي بجلالة قدره، حياة البسيطة مالهاش مكان في حياته. ولم يكن من المفترض أن تخش عالمه من الأساس، فالنقيضان لا يجتمعان."
وهنا قالت وقلبها يقطع.
"إنت عايز إيه يا سليم؟ أظن الفترة دي كلها بقي من الواضح إن أنا بقيت عبء عليك، وإنك كفاية عليك كده، فانت ما عدتش قادر إن تتحملني. عشان كده أنا بعفيك من أي وعود بيننا. إحنا أصلاً يا سليم كل واحد له دنيته المختلفة والخاصة، ما عدش ينفع نكمل مع بعض. إحنا عايشين عشان نؤذي في بعض وخلاص. شخصين مختلفين. أنت من دنيا وأنا من دنيا ثانية. أنت شخصية وأنا شخصية ثانية."
كان يسمعها مصعوقاً مبهوتاً، وقلبه لا يصدق أنه مرة أخرى فعل بحبيبته أذية جديدة. إنه جعلها تزهد في علاقتهما وتؤثر الرحيل عن وجعها بقربه. هنا أكملت حياة بهدوء.
"فيه بينا تناقض وبينا كل الاختلاف. أنا بطلب منك إنك ما تحملش نفسك فوق طاقتها، لأن خلاص أنا ما عدتش عندي طاقة إني أكمل في العيشة دي خلاص. أنت يا ريت تاخذ القرار اللي يريحك، وأنا ساعتها مش هازعل، لأني فعلاً الاختلاف صعب. أنا إنسانة بسيطة وسهلة، الدنيا عندي قدام عيني كلها واحد. ما بشوفش الحاجات اللي ممكن تؤذي البني آدم. مش متخيلة إنها موجودة. إنما أنت إنسان مختلف وحاد وشفت كتير في حياتك. ما عندكش حاجة بسيطة ولا سهلة، وكل حاجة بحساب، وما فيش سهولة. مش من السهل إنك تربط نفسك بواحدة زيي، وأكيد طول الفترة اللي فاتت دي عرفت ده ووعيت ليه. وأنا بقلك أنت صح، وأنا عمري ما هزعل. ربنا خلق الناس بأشكالها لتقع على بعض. وأنا مش شكلك ولا أنت شكلي. أنا تعبت. أنا بجد تعبت. كفاية لحد كده لحد لما تاخذ قرارك وتنهي كل حاجة. أنا مستنية انت تشوف انت عايز إيه، وصدقني أنا عمري ما هعملك مشاكل."
وضحكت بغلب لأنها أصلاً مابتعرفش تعملها. واستدارت لتبعد عنه والدموع تتساقط من عينيها، لتجد نفسها فجأة في أحضانه يعتصرها بحب شديد، ويحس بوجع في قلبه على حبيبته التي قررت الانفصال عنه لبعده عنها وقسوته وجحوده وعدم مراعاة شعورها. في ذلك الوقت أدرك فعلاً أنهما مختلفان، وأنه لا يستحقها، وأنها لا تستحق هذه المعاملة. فهي مختلفة تماماً، رقيقة، حساسة، ملاك. من يمتلكه يجب أن يضعه بعيونه، وأن يعاملها كملكة دنياه بأكملها. ظل يحتضنها مدة طويلة وهي تبكي بين أحضانه، وتحاول بين الحين والآخر أن تبعد عنه ليبدأ في مخاطبتها، هو يقبل رأسها، يعتذر لها، ليبدأ في طلب الغفران. بدأ يقول.
"أنا آسف يا حبيبتي. آسف يا عمري."
هنا أبعدته.
"لأ بس بقه مش تاني. مش هتعمل كده تاني وتحنن قلبي. أنا خلاص أنت نشفت قلبي من جوا وذلتني. ابعد عني بقه وسيبني بغلبي."
انت عايز تجنني؟ انت بتعمل فيا كده ليه؟ وقت أما تعوز تبعد تبعد، ووقت أما تقرب تجي تضحك عليا بكلمتين.
وأجهشت بالبكاء: وحياة روح بنتك، كفاية. أنا قلبي ما عادتش متحمل.
هنا شدها مرة أخرى، فصرخت فيه: ماتقربش، بقلك أهوه، اياك تقرب. قربك بقى بيوجعني، انت إيه يا أخي؟
ولكنه لم يتركها تكمل، وشدها بالقوة إليه، وظل يحتضنها وهي تشهق بشدة، وهو يمسد على جسدها بهدوء حتى استكانت بين يديه.
وهنا تكلم بهدوء: أنا عارف إنّي تاني وجعتك، وما كنتش فاهم إن بعدي ممكن يضيعك منّي. كنت فاكر إنك هتخافي على نفسك، لأنّك أنت نفسي اللي هتجنن لو جرالها حاجة. مش متخيلة وأنت في إيدين عاصم، كنت زي المجنون. حياة، أنا بعشقك، أقسم بالله. أنتِ فاكرة بعدي عنك كان سهل؟ وأنا شايفك عايزاني وبتقربي منّي، كنت بتقطّع يا قلبي. كنت حاسس إنّي هتجنن، بس سلامتك فوق كل اعتبار. وبعدي عنك كل الفترة دي، أنا كنت حاسس إن قلبي كان بيروح منّي، فما قدرتش بغبائي إلا إنّي أعمل كده. كنت غضبان بشدة إن يجري لك حاجة، بس ما كنتش مقدر إنك ممكن توصلي للحالة دي. غبائي وتربيتي المريضة السبب. أنا آسف يا عمري، أنا آسف يا حتة من قلبي، إنّي وصلتك للحالة دي.
فهتفت: وأعمل بإيه أسفك ده؟ هيحوش وجعي؟ أنا ما عدتش عارفة أعمل إيه. أنا بقيت في إيدك، ماليش لا حيل ولا قوة. أنت بتظلمني وأنا مش قادرة عليك.
هنا ظل يهمس لها بحبه وأسفه، وهتف: أنا عرفت إنّي كان المفروض آخدك في حضني وأمسد وجعك، بس كنت غبي، غبي وحمار كمان. كنت فاكر إنك بكده مش هتأذي نفسك. يا حياة، أنت كنتي هتروحي منّي، يعني كنت هموت. عملت كده وفاكر إنّي بحميكي، وطلعت أنا اللي بأذيكي وأموت كل مشاعرك وأجرح كبريائك. أنا اللي ما أستحقكيش، بس ما أقدرش أبعد عنك. ساعتها أموت أهون. أنا آسف يا قلب سليم. أنا كنت قاسي ووجعتك للمرة التانية، بس ده غباء. سليم الحديدي بجلالة قدره بيبوس إيدك وبيترجاكي ويقولك سامحيه. بيذل نفسه ليكي وبيقولك حقك عليا. سليم اللي أنتِ بتقولي عليه اختلف، يتمنى يبقى ربعك وربع قلبك الأبيض البسيط. سليم الجبروت من غيرك هيموت.
ظلت صامتة لا تعرف ماذا تفعل. وهنا أكمل: طب وحياة بنتي، حبك مكلبش في قلبي كلبشة. دانا بقالي شهر ما نمتش وحاسس إنّي هتجنن. أنتِ حتة من قلبي، لا حتة إيه، أنتِ كله كله. والله ما شفت النوم، كنت بتسوي على الجنبين.
وهنا أحست بنفسها تبكي مرة أخرى من كلامه، لأنه كان يمسد آلامها. حاولت أن تبتعد، ولكنه رفض أن يبعدها وقال: مش هتطلعي من حضني نهائي. أنا بقالي شهر بتقلي على الجمر وأنتِ مش حاسة بيا.
فهتفت: أنت السبب. أنت اللي أسود من جوه وشراني.
خبطته على صدره وقالت: أنت وحش قوي يا سليم ووجعتني أوي. وبطلت تحبني.
أبعدها وقال: آه، أنا وحش. وقبلها، ثم قال: إنّما بطلت أحبك دي.. دي على موتي يا قلبي. دانتِ حتة الروح اللي حيلتي، زي ما أنا الواد اللي حيلتك اللي كانت الصفرا عايزة تاخده منك، وإلا إيه؟
فضحكت بهدوء. فهتف: يا صلاة النبي، أخيراً دنيتي نورت وشفت قلبي بيضحك.
فنظرت إليه مرة أخرى وردت: بس أنا فعلاً زعلانة وموجوعة. أنت إزاي بتقدر تقسي كده؟ إزاي؟ دانا أموت لو زعلتك تاني. إزاي جالك قلب تبعدني كده؟
تنهد بغلب: تربيتي يا عمري، تربية الهم والقهر هيا السبب. خلتني جامد وممكن أدوس على أي حد. اتربيت مارحم، واتربيت إن اللي يخصني ما أتهاونش فيه. وأنتِ بس مش تخصيني، أنتِ روحي ودنيتي. يا حياة، أنفاسك دي اللي معيشاني.
ابتعدت عنه وقالت: يعني ممكن تدوس عليا يا سليم؟
اقترب منها وشدها: دانا أموت ساعتها. أنا اتعلمت واتربيت على إيدك، على إيد أبسط إنسانة في الكون. بساطتك اللي مزعلاكي دي اتغلغلت جوايا وزرعت حنية جوه قسوتي. والله دانا شفت شهر عذاب ما حدش شافه، حبيبه بين إيديه وهيموت عليه وهو مش قادر يقرب.
فهتفت: لا، أنت كذاب. وأنا كل مرة بصدقك. وهتفت بغلب: وأنا مش عايزة خلاص.
فاقترب منها بهيام وقال: مش عايزة إيه بالضبط؟
فتنهدت بحب: مش عايزة أتوجع تاني.
فقبل رأسها وأخذها بأحضان: أوعدك يا قلبي إنّي عمري ما هزعلك. ولو حصل هتزعلي وأنتِ جوه حضني وأنا جوه حضنك. أنا اتربيت وعرفت إن قربك هو البلسم لجروحي ودنيتي اللي قتلت حاجات جوايا، وأنتِ جيتي رجعتيها.
ظلت مستكينة بحب تفكر في كلامه وأحست بالسعادة، ولكنها تذكرت دلالها عليه وبعده عنها، فزقته فجأة. فقطب جبينه.
طب خلاص، ابعد بقى عشان أنت عذبتني شهر وأنا كنت هموت عليك، يبقى أنت كمان تتعذب زيي. واقتربت منه ورفعت إصبعها محذرة: دا عدل ربنا. وإياك أهوه، إياك تقرب. روح نام، مش كنت بتحب تنام طول الشهر وتسيبني؟ روح كل في المخدة بقى ونام بسكات.
واستدارت لتتركه، فشدها إليه وأردف: أنتِ هبلة يا حياة، صح؟ وربنا متجوزة هبلة. يعني تقوليلي إنك اتعذبتي وهتموتي عليا وأسيبك؟ أنتِ فاكراني جبانة يا حياة؟
فزقته وقالت: آه، أحسن عشان تحرم تاني. يلا يا بابا، مفيش خلاص. نحنحة قدامك شهر، هوريك الويل وربنا.
فاقترب منها والتصق بها: طب هتوريني الويل إزاي؟ ماتديني نبذة مختصرة كده. وغمز لها: ماهو أنا مش هسيبك إلا أما أعرف، مانتش متجوزة سوسن يا قلبي.
فاحمر وجهها وحاولت الابتعاد، فهتف: بس استني بس وتعالي قوليلي، أحيا أبوكي، كنتي هتموتي عليا إزاي؟
فخبطته وقالت: بطل قلة أدب وابعد بقى.
فاتجه إليها ثم حملها فجأة: دا بتقولي ابعد؟ لا وكمان أبطل قلة أدب؟ هو أنا كنت بدأتها لما أبطلها؟ لا يا قلبي، قلة الأدب لو بطلناها نموت، دا هيبقي فيه قلة أدب من هنا للسنة الجاية. بس يا حبيبتي اسكتي وما تسمعش نفسك. دانا هقل أدبي للسنين قدام. وظل يدغدغها ويبثها عشقه وحبه ليعيشا معاً بحب وهيام، وتعود القلوب إلى بعضها ويتآلف قلوبهم، ليعلم سليم أن جروحه لا تشفى إلا بقربه من حياة، وعندما نامت على صدره أخيراً وهو يشعر بسعادة الدنيا، وهي نائمة حالمة بعد ليلتهم معاً، ظل مستيقظاً يمسد جسدها ويتمتم وعوده أنه لن يجعلها يوماً موجوعة، وأنه لن يكل عن عشقها، وأنه وعى درسه، أن بعده عنها هو نهاية روحهما. عاش سليم حياته مع حياة يتغير شيئاً فشيئاً، حتى ذابت قسوته في حنانها. فالحب هو شفا القلوب العليلة. فكلما أعطيتم حباً، كلما وجدتم السعادة تملأ صدوركم بهجة. فلن يفيد الإنسان في حياته إلا أن يعيش لحظة حالمة سعيدة تملأ صدره، ليتمنى أن تكون آخر لحظة يقضيها إلا وهي وجود حبيبه بين يديه.