الفصل 37 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
19
كلمة
6,093
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

بعد مرور أربعين يوم، إنتهى الربيع تقريبًا. أصبحت حرارة الشمس تشتد مع الوقت قليلًا. قبل الظهر، بأحد مصانع زهران. دخل رائف دون إذن وبإندفاع إلى مكتب عواد، الذي كان يمارس عمله على الحاسوب. ترك الحاسوب ونظر نحو رائف متعجبًا من طريقة دخوله الفوضوية. قبل أن يتحدث، تحدث رائف بإندفاع: "عواد، ليه كذبت عليّ؟ مد عواد يده على علبة السجائر وأخرج واحدة وأشعلها، ونفث دخانها قائلًا بإستفسار: "أنا كذبت عليك في إيه؟

تنهد رائف برفزة قائلًا: "اطفي المحروقة اللي في إيدك دي، وقولي ليه كذبت عليّ لما سألتك عن نتيجة الفحص اللي عملته في لندن؟ وقولت لي النتيجة كويسة." نفث عواد دخان السيجارة وأجابه بمراوغة وهدوء: "طب يبقى كذبت عليك في إيه بقى؟ تنرفز رائف أكثر قائلًا: "لأ كذبت عليّ يا عواد، النتيجة مش كويسة." لم يتفاجأ عواد وقال:

"كنت متأكد إنك هتتصل على أوليفيا عشان تعرف نتيجة الفحص، بس اتأخرت المرة دي شوية، يمكن بسبب انشغالك الفترة اللي فاتت." نظر له رائف قائلًا: "أنا مش عارف انت جايب الهدوء ده منين، بعترف انت تفوقت عليّ في البرود. أنا متأخرتش في سؤال أوليفيا بس هي كانت في إجازة خارج لندن ومكنتش تعرف النتيجة، لكن الصبح اتصلت عليا وقالت لي عليها." راوغ عواد في الرد:

"وقالت لك إيه، يخليك تدخل عليّ المكتب بهمجية كده، عارف لو حد غيرك اللي دخل عليّ بالطريقة دي كان الأمن بتاع المصنع معلقينه من رجليه." نظر رائف له بتهكم قائلًا: "عواد، نتيجة الفحص مش كويسة، ليه كذبت عليّ وعلى تحية؟ زفر عواد دخان السيجارة قائلًا: "أنا مكدبتش، بس في نفس الوقت مكنتش هقول على النتيجة اللي الدكتور قالهالي من خلال تواصلنا عالنت." رد رائف بغضب: "وليه إيه اللي في النتيجة دي مش عاوز حد يعرفه؟

نظر عواد له بسخرية قائلًا: "فيها اللي قالته لك أوليفيا، إني احتمال أرجع مشلول تاني." نظر له رائف بحِدة قائلًا: "وليه تفرض الاحتمال ده؟ أوليفيا قالت لي إن التدخل الجراحي ممكن يحل المشكلة دي بدون مضاعفات قوية، يعني ممكن مسألة وقت مع شوية علاج طبيعي." أشعل عواد سيجارة أخرى وأطفأ التي كانت بيده بالمنفضة ونفث دخانها قائلًا: "وفي احتمال تاني إن التدخل الجراحي يبقى زي كيف عدمه، ويبقى ألم مضاعف والسلام."

رد رائف عليه بإستغراب: "وهتستسلم بالسهولة دي؟ سبق قبل كده اتمردت ورجعت تقف على رجليك مرة تانية... وبعدين التدخل الجراحي السريع أفضل يا عواد، لأن مع الوقت ممكن تنسد الشرايين دي أكتر ويبقى التعامل معاها صعب." تنهد عواد بزهق قائلًا: "قلت سبق قبل كده، أنا خلاص مليت من التحدي. الدكتور كتب لي على مجموعة أدوية مع كورس علاج طبيعي واهو ربنا يسهل." تعجب رائف قائلًا: "أنا ليه حاسس إنك منهزم يا عواد؟

متعودتش منك على كده، انت سبق وكنت في مشكلة أقوى من دي وقدرت تتحدى." تنهد عواد قائلًا: "مش انهزام ده سأم وملل. لما اكتشف إن عندي تخثرات دموية بسبب الشرائح الطبية اللي سبق ساعدتني قبل كده إني أقف على رجليا، وأعرف إنها السبب بتضغط على الشرايين بتوقف ضخ الدم في بقية أوردة رجليا، والعلاج إني أشيل الشرائح والدعامات دي، وبعدها بالتأكيد هرجع تاني لنقطة البداية." شعر رائف ببؤس قائلًا: "والحل يا عواد؟

هتستسلم وتفضل عايش بالألم ده؟ نفث عواد دخان سيجارته قائلًا: "مش بس هتحمل الألم، لأن زي ما أنت قولت من شوية ممكن مع طول الوقت التخثرات دي تزيد وتأثر على حركة رجليا وأرجع مشلول. بس قبلها لازم... صمت عواد لدقيقة. ليقول رائف بإستفهام: "سكت ليه؟ وقتها لازم إيه؟ شعر عواد بوخزات قوية في قلبه وهو يقول: "قبلها لازم أنفصل عن صابرين." إنصدم رائف قائلًا: "يعني إيه تنفصل عن صابرين؟ رد عواد:

"يعني هطلق صابرين، يعني انفصالي عن صابرين مسألة وقت قبل ما أرجع تاني مشلول." ذُهل رائف وكان سيتحدث لولا أن سمع طرق على باب المكتب ودخول ماجد بعده. صمت رائف بينما دخل ماجد قائلًا بترحيب: "أهلاً، المصنع نور يا رائف بقالنا فترة متقابلناش." أومأ رائف رأسه ببسمة طفيفة. بينما عاود ماجد الحديث وهو ينظر لـ عواد: "إيه جيت في وقت غير مناسب قطعت عليكم الحديث؟ نهض رائف واقفًا يقول:

"لأ أنا كنت قريب من هنا وقولت أجي أغلس على عواد شوية، بس لقيته مشغول. هستأذن أنا." تبسم ماجد قائلًا: "إحنا الفترة دي مشغولين جدًا، أنشأنا مصنع جديد وأكيد عواد مشغول." نظر رائف نحو عواد قائلًا بمغزى: "ربنا يقويه. يلا بلاش أعطلكم، هستناك على العشا في المطعم الرئيسي يا عواد." أومأ عواد برأسه. بينما مزح ماجد قائلًا: "ومفيش عزومة ليا أنا كمان؟ أنا واحد من زباين المطعم مفيش مرة كده مجانًا... For free." ابتسم رائف قائلًا

بمجامله: "أكيد طبعًا، يلا سلام." غادر رائف وأغلق خلفه الباب. بينما جلس ماجد بالمقابل لـ عواد قائلًا: "الملف ده فيه طلبات مطلوبة مننا لبعض العملاء الجداد، وكمان في ملف تاني حولته لك على الإيميل فيه بيانات عن العملاء دي... الطلبات دي لوحدها هتغطي إنتاج المصنع الجديد لمدة تلات شهور على الأقل، يعني كويس إننا شغلنا المصنع ده في الوقت المناسب." رد عواد بعملية:

"فعلاً، أنا كنت متوقع إن المصنع الجديد هيشتغل بسرعة. عالعموم ده الإنتاج مسؤليتك، مش عاوز أي تأخير في استلام العملاء لطلباتهم." رد ماجد: "لأ اطمن، أنا عملت خطة إنتاجية وحفزت العمال في المصانع إن لهم مكافآت كبيرة مع زيادة الإنتاج." نظر عواد لـ ماجد متعجبًا من تغيُره قائلًا بتفاجؤ له: "سمعت إن عادل حندوق سيطر على مشاكله في الغرفة الصناعية ورجع تاني يشغل مصنعهُ." رد ماجد:

"أنا كمان سمعت كده، بس مش متأكد من المعلومة ولا متأكد من عادل نفسه إنه يشتغل في السليم. عادل كل هدفه الربح السريع، غير كتير من العملاء نفسهم فسخوا التعامل معاه لأنه بيغش سواء في المنتجات أو حتى مواعيد التسليم، وأكيد الغرفة الصناعية هتبعت له لجنة مرة تانية عشان تتأكد سواء من مواصفات الجودة أو الصحة كمان." تساءل عواد: "هسألك سؤال يا ماجد ولو مش عاوز ترد عليه براحتك...

انت ليه فسخت شراكتك مع عادل وكمان ليه طلقت فوزية رغم إنك كنت مغرم بيها." ارتبك ماجد وشعر بغصة في قلبه وقال بندم:

"اكتشفت إني كنت غلطان ومش عارف مصلحتي فين، وانت جاوبت على سبب انفصالي عن فوزية "كنت مغرم" يعني كان في السابق وكل شيء مع الوقت بيتغير حتى مشاعرنا، وبالذات إني اكتشفت إن عندها مصلحة أخوها أهم من مصلحتي أنا وبناتها اللي من يوم ما سابتهم ومشيت مسألتش فيهم، تقدر تقول ظهرت لي على حقيقتها الأنانية بس متأخر شوية. عالعموم أنا خلاص كيفت حياتي بين شغلي في إدارة المصانع وبين بناتي، والمشاعر دي ألغيتها. يلا أنا عندي شوية مشغوليات هروح أخلصها ونتقابل المسا في الفيلا، سلام."

ترك ماجد عواد الذي مازال غير مصدق كيف استطاع ماجد التغلب على مشاعره ناحية فوزية بتلك السهولة، رغم أنه كان مغرمًا بها لفترة قبل أن يتزوجها وهو على علم أنها لا تكن له نصف مشاعره وسار خلف وسوستها لسنوات، لكن يبدو أن لا شيء مستحيل، فـ حتى وهج المشاعر قد ينطفئ مع الزمن. ... بشقة فادية. وضعت فادية تلك الصينية الصغيرة على المنضدة. شعرت بغصة من ذلك الوجوم الذي أصبح ملازمًا على وجه صابرين. حاولت المزح معها علها تخرجها

من تلك الحالة قائلة: "الجو بدأ يحرر الصيف رجع تاني، عملت لينا كاسين عصير فريش وجبت معاهم كيكة، اللي عملتها بالبيض اللي ماما بعتته مع هيثم. وقالت له ده لـ صابرين قول لها ده حلال مش مسروق هيكون طعمه ألذ."

نظرت صابرين للصينية ببسمة متهمة تغص قلبها. بداخلها تتمنى لو يعود الزمن لأقل من عام، وقتها كان هناك فتاة تستعد لمرحلة جديدة بحياتها، لكن تلك المرحلة لم تكن إلا كبوة في حياتها تتمنى لو تستطيع أن تمحي ذلك العام من حياتها بكل أحداثه، لكن لا يوجد ممحاة للزمن. لاحظت فادية نظر صابرين إلى قطع الكيك قبل أن تقول:

"كيكة فراولة، مصطفى كان بيحبها، فاكرة لما كان يطلبها من ماما تعملها له، ومرات عمي مكنتش بترضى تعملها له عشان فادي عنده حساسية من الفراولة مع إن فادي نفسه كان بياكل منها معانا. دلوقتي بس عرفت ليه مرات عمي كانت بتعرف تسيطر على مصطفى إزاي. هو مش ابنها ومكنش بيشوف منها حنان له زي حنانها لـ فادي، فكان بيرضخ لها عشمان في رضاها عنه." جلست فادية جوار صابرين ووضعت يدها على كتفها قائلة:

"صابرين، انتِ من يوم ما اتأكدنا من التحليل إن مصطفى يبقى ابن طنط تحية بعد ما نسبة التوافق بينها وبين بنت مصطفى عدت التسعين في المية، وانتِ متغيره." نظرت لها صابرين قائلة: "في حلقة مفقودة في النص، إزاي مصطفى وصل لمرات عمي، وطنط تحية أكدت إن ابنها مات بعد ساعات من ولادته. عقلي خلاص قرب يشت، معقول مرات عمي تكون خطفته؟ ولا اتبدل في الحاضنة ولا... ولا...

ولا خلاص قرب عقلي يشت مني، نفسي أوصل للحلقة المفقودة يمكن وقتها أرتاح من العذاب اللي أنا عايشه فيه، وفي نفس الوقت خايفة الحقيقة تظهر." نظرت صابرين لـ فادية قائلة برجاء: "فادية، قول لي إن اللي أنا فيه ده حلم وهصحى ألاقي كل اللي فات ده كابوس وانتهى، وإن مصطفى لسه عايش وعواد ممرش بحياتي، كان طيف وانتهى لما فتحت عينيّ." تفاجأت فادية من قول صابرين، بنفس الوقت شفقت عليها. ضمتها لصدرها قائلة:

"صابرين، انتِ ليه محملة نفسك فوق طاقتها؟ سبق وقولت لك بسهولة نعرف الحلقة المفقودة في القصة كلها لو قولنا عالنتيجة اللي وصلنا ليها. بتحليل DNA حتى ممكن بسهولة نثير الشك لو جمعنا بنت مصطفى وبنت رائف الاثنين في مكان واحد بنفس الوقت، في تشابه كبير بينهم يكاد يكون تطابق." ردت صابرين بدموع قائلة:

"متأكدة هيجي وقت ويحصل ده بس الأفضل قبل المواجهة دي لازم أطلق من عواد. مش هقدر أتحمل وقتها إني أكون في عيونهم سبب صراع بين الإخوة وإن أخ قتل أخوه في الآخر عشان يتجوزني." ضمت فادية صابرين قائلة: "مش صحيح اللي قولتيه ده يا صابرين، السبب في كده من البداية طمع مرات عمي في الأرض." خالفت صابرين قول فادية قائلة: "السبب عواد هو اللي دخلني في دايرة انتقامهُ. أنا بكره عواد، أكتر شخص كرهته في حياتي هو عواد."

غص قلب فادية على حالة صابرين المنهارة رغم ذلك تبسمت تواجه صابرين بالحقيقة التي تنكرها قائلة:

"بس انتِ بتحبي عواد يا صابرين وخايفة تعترفي بكده. انتِ عمرك ما حسيتي بأي مشاعر تجاه مصطفى غير إنه كان ابن عمك مش أكتر من كده لآخر لحظة كان جواكِ رفض لجوازك منه، لكن عواد كان الأمر مختلف، أخدتي القرار بسهولة بحجة إنك هتنتقمي منه على كذبهُ وخداعهُ، بس كان جواكِ شيء بيشدك له عكس مصطفى. أنا فاكرة إن مشاعرك كنتِ مترددة فيها دايمًا... صابرين أنا متأكدة إن اللي تاعب نفسيتك هي مشاعرك لـ عواد اللي بينكرها عقلك. عواد...

قاطعت صابرين فادية من استرسال حديثها قائلة بتهجم: "غلطانة، أنا معنديش أي مشاعر ناحية عواد. عواد زي مصطفى، الاثنين حاولوا يقتلوني، واحد بالرصاص والتاني بالخنق بدون ما يفكروا لحظة." ذُهلت فادية قائلة: "قصدك إيه؟ عواد كان هيخنقك؟ إمتى! بزيادة غزارة الدموع ردت صابرين:

"أيوه عواد كان هيخنقني لما كنت في المستشفى وقت ما أجهضت، هو وقتها فكر إني كنت نايمة تحت تأثير الأدوية، سمعت همسة في ودني وهو بيقول لي "الموت راحة مش هطوليها يا بنت التهامي"." ذُهلت فادية قائلة بتبرير: "مش يمكن ده محصلش وبسبب الأدوية وقتها كانت هلوسة منك." ضحكت صابرين بتهكم وتوجع قلب قائلة: "ياريت كانت هلوسة بأمارة بعدها سابني مرمية في المستشفى حتى مسألش عني بالموبايل. بقولك صدق إن أنا اللي أخدت أدوية عشان أجهض...

أنا لما عرفت من الدكتور وقت ما روحنا له متابعة قبل ما نرجع لهنا في إسكندرية وقال لنا إنه قال على سبب إجهاضي لـ عواد وطبعًا عواد زي مصطفى نفس الدم بيجري عروقهم، وأسهل شيء عندهم أذيتي. الاثنين دمروني، لأ عواد كان بالأكثر، أو بمعنى أصح أنا اللي سمحت له يأذيني لما وافقت عالجواز منه. كنت هنتظر إيه من واحد اتلاعب بالشرف من البداية؟

أنا تعبت بقيت حاسة إني زي اللي بيغرق في قاع البحر والضلمة عامية عينيه مش شايف أي نور حتى. تعبت مبقتش قادرة أحاول أتحرك من مكاني زي ما يكون رجلي غرست في طين البحر." ضمت فادية صابرين تبكي هي الأخرى لكن قالت لها: "وليه مقولتيش لي قبل كده على كده؟ وليه وافقتي ترجعي بيت زهران؟ ليه مرجعتيش على بيت بابا." تهكمت صابرين بدموع حسرة:

"هرجع بيت بابا اللي اتخلى عني وصدق كذب عواد من البداية ووافق مصطفى على كشف العذرية، حتى لو مصطفى كان أصر هو كان لازم يرفض. حتى التقرير لما طلع شك فيا زي مصطفى وصدق الكدبة." صمتت فادية هي الأخرى تبكي مثل صابرين التي تشعر أنها على شفا الانهيار بأي لحظة قد تتخذ قرارًا وتبتعد عن الجميع، لكن لن تتركها وحدها. بنفس اللحظة صدح رنين هاتف فادية. نظرت لشاشته، كذلك صابرين. كادت فادية أن تغلق الهاتف.

لكن صابرين ابتعدت عن حضنها تجفف دموعها وقالت بصوت محشرج بالدموع: "ردي عليه." كادت فادية أن تغلق الهاتف لكن صابرين منعتها قائلة: "ردي عالوغد التاني من عيلة زهران اللي بخِتنا معاهم أسود، شوفيه عاوز إيه." ردت فادية: "هيكون عاوز إيه؟ هيقول لي نتقابل وأنا بصراحة كده فاروق ده صفحة وانطوت في حياتي." تبسمت صابرين بغصة قائلة: "طب ورائف." تعجبت فادية قائلة: "ماله رائف ده كمان؟ تبسمت صابرين:

"يعني مش ملاحظة نظراته ليكِ أو حتى تلميحاته، ده غير بنته اللي لحظة ما تشوفك ترمي نفسها عليكِ وتبقى مش عاوزة تسيبك." تنهدت فادية بشوق لتلك الصغيرة وقالت:

"فعلاً، أنا بحب ميلا معرفش ليه من أول مرة شفتها دخلت قلبي، يمكن لأني اتمنيت يكون عندي بنت زيها في يوم من الأيام، أو يمكن حسيت إنها بتكمل الجزء الناقص عندي.. ويمكن هي عندها نفس الإحساس ده. أنا وهي كل واحدة فينا عندها تكملة الجزء الناقص عندها، هي محتاجة أم وأنا محتاجة طفلة كانت أمنية بالنسبة لي تقريبًا بقى صعب تحقيقها." نظرت صابرين لـ فادية قائلة: "ليه صعب تحقيقها؟ انتِ معنديش عيب يمنع إنك تخلفي." تنهدت فادية:

"يمكن معنديش عيب بس السن. أنا خلاص كملت الخامسة والثلاثين، غير كمان فكرة الجواز التاني عندي مستبعدة." كادت صابرين أن تتحدث لكن مازال رنين الهاتف مستمر، فقالت لها: "ردي على فاروق وبعدها نبقى نشوف حكاية الجواز التاني المستبعدة دي. هقوم أغسل وشي على ما تخلصي معاه كلام." تبسمت فادية. بداخلها غصة قوية على حظها هي و صابرين والحب اللتان لم تأخذن منه سوا الخذلان.

ردت فادية على اتصال فاروق. بعد قليل عادت صابرين مرة أخرى أثناء إنهاء فادية الحديث مع فاروق قائلة بتأكيد: "تمام، لأ مش هعتذر. هاجي عالـ معاد نتقابل بكرة في نفس المكان... سلام." أغلقت فادية الهاتف ونظرت لـ صابرين التي قالت: "هتروحي تقابليه ولا هتعتذري زي الفترة اللي فاتت." ردت فادية:

"لأ هروح أقابله، أشوفه عاوز إيه. رغم إني عندي توقع إنه عاوز يوصل الغرام القديم اللي انتهى. بقولك إيه، سيبك من سيرة فاروق وعواد. ما تيجي نروح المشتل بتاع صبرية بين الزهور والورد يمكن نفسيتنا ترتاح شوية." تبسمت صابرين بموافقة. ... بمنزل زهران بالبلدة، بغرفة سحر.

بعد أن ارتدت ثيابها استعدادًا للذهاب إلى منزل والداتها، شعرت بسيلان ساخن بين ساقيها صاحب ذلك السيلان مغص بسيط. رفعت سحر ثيابها ونظرت إلى ذلك السيلان. تفاجأت أنها دماء. زفرت بألم من ذلك المغص وقالت: "إيه ده، شيء بقى غير طبيعي دي خامس مرة البريود تجيلي خلال شهرين، لأ كده لازم أستشير الدكتورة." مع ذلك بررت لنفسها:

"يمكن بسبب وسيلة منع الحمل، لو كان هي يبقى أمنعها وفيها إيه لما أحمل مرة رابعة. ناهد أهي أكبر مني بشهور وحامل ومفكرة إنها نوغة وإني أكبر منها، ولما بشوفها بحس إني زي اللي قطعت خلف. في أقرب وقت هروح للدكتورة........ ... بغرفة غيداء. دخلت تحية مبتسمة تقول: "صباح الورد عالجمال." لم ترد غيداء. تبسمت تحية بحنان وذهبت نحو ستائر الغرفة وأزاحتها ليدخل النور للغرفة. ثم ذهبت نحو الفراش وداعبت وجنتي غيداء قائلة بمرح:

"يلا يا دودو قومي قربنا عالضهر. انتِ جاية هنا تقضي الإجازة نوم؟ يلا قومي كده فوقي وتعالي نقعد مع بعض نسلي بعض، واحكي لي زي زمان لما كنتِ بتحكي لي على زمايلك. يلا قومي كده وبلاش كسل." وضعت غيداء الوسادة على رأسها قائلة بوخم: "اقفلي الستاير يا ماما وسيبيني أنام أنا مشبعتش نوم." جذبت تحية الوسادة من على رأس غيداء قائلة:

"يلا قومي كده خدي لك شاور وبلاش كسل خلينا نقعد مع بعض، عيد ميلادك وكمان بعده عيد ميلاد عواد قربوا في الشهر الجاي، انتوا الاتنين مولدين في نفس الشهر بينكم عشرين يوم بس. يلا عاوزين نخطط نعمل حفلة حلوة كده، ونفرح شوية... أنا مش عارفة إيه حكاية النوم معاكِ كده من يوم ما رجعتي هنا بتفكريني لما كنت حامل مرة تانية بعد عواد كان الوحم جايني بنوم." توقفت تحية لدقائق تتنهد بأسى وأكملت:

"يمكن عشان كنت بنام كتير وأنا حامل لما ولدته اتوفى بعدها بسرعة." نفضت تحية عنها ذلك الشعور سريعًا ثم قالت: "يلا يا دودوا بلاه الكسل ده، هروح أشقر على أحلام وارجع لك تاني. قومي على ما تاخدي شاور أكون اطمنت عليها ورجعتلك نخطط بقى عاوزين نعمل حفلة حلوة كده." نهضت تحية من على الفراش وتوجهت ناحية باب الغرفة فتحته لكن قبل أن تخرج مزحت قائلة: "يلا يا دودوا بلاش وخم نوم الحوامل ده." طنت الكلمة في عقل

غيداء التي نهضت فزعة تقول: "مُصيبة! أكووووون حامل! لطمت على فخذيها قائلة: "أنا فعلاً متأخرة، دي تبقى مصيبة هتصرف إزاي؟ أنا لازم أتأكد من كده النهارده قبل بكرة." ... بغرفة أحلام. مدت تلك الخادمة يدها بكبسولة دواء لـ أحلام قائلة: "اتفضلي يا ست أحلام ده ميعاد الدوا." رغم وجع أحلام الراقده على الفراش لكن تهجمت على الخادمة وضربت يدها الممدودة لها بالعلاج قائلة باتهام:

"انتِ عاوزة تموتيني، وبتاخديني علاج غلط بيدوب بيسكن الألم شوية ويرجع تاني أقوى. أنا عارفة أكيد تحية اللي اتفقت معاكِ على كده، ادتيكِ قد إيه عشان تتسببي في موتي بالعلاج؟ أكيد فتنّتِ لها على إني أنا اللي عطيتك دوا الإجهاض تحطيه لمرات ابنها في النعناع. غورى من وشي مش هاخد الدوا من إيدك، هستنى فهمي هو اللي يعطيني الدوا، غوري بره." تذللت الخادمة لـ أحلام كي تأخذ من يدها الدواء.

بينما تحية التي تصنمت مكانها جوار باب الغرفة الموارب بسبب سماعها لقول أحلام أنها بمساعدة تلك الخادمة تسببن بإجهاض صابرين، فرت الدموع من عينيها. أهذا جزاؤها؟

لم تفتعل أي ضرر ضد أحلام يومًا ما حتى زواجها من فهمي كان رُغمًا عنها، حتى أنها شفقت عليها حين علمت قسوة مرضها الذي ينتهك جسدها. ألا يكفي أنها سامحتها كثيرًا بالماضي على أفعال سيئة ومقالب كانت تضعها بها لتظهر بصورة سيئة أمام الجميع وبالأخص والد عواد، لكن رغم ذلك تحكم ضمير تحية الطيب بها لكن لم تدخل إلى غرفة أحلام بل ذهبت إلى غرفتها كي تتصل على فهمي كي يأتي للمنزل من أجل أحلام التي رغم مرضها مازال شيطانها يتلاعب برأسها.

... مساءً. بالمشتل الخاص بـ صبريه. بعد أن شعرن فادية وصابرين بهدوء نفسي بعد أن تجولن بين دروب ذلك المشتل واستنشقن عبق تلك الزهور المختلفة ذهبن إلى مكان جلوس صبرية بأحد الغرف المرفقة بالمشتل، لكن تفاجئن بوجود فادي معها. نهض فادي واقفًا يبتسم لهن: قائلًا: "صدفة جميلة إني شوفتكم النهارده." ردت فادية بعتاب:

"يعني لو مش الصدفة مكنتش هتسأل علينا إحنا بنات عمك برضوا، حتى مش بتسأل بالموبايل تقول لي بنات عم، بيني وبينهم عشر دقايق بالموتوسيكل." شعر فادي بالخزي من عتاب فادية له قائلًا: "أنا فعلاً غلطان بس الفترة اللي فاتت كنت مشغول في ضغط العمل في مصنع السيارات اللي بشتغل فيه، و أوعدك بعد كده هسأل على بنات عمي... إزيك يا صابرين." ردت صابرين: "الحمد لله بخير."

جلسن فادية وصابرين معهم بالغرفة يتمازحوا بالحديث فيما بين صبرية وفادية، بينما فادي كان مشغول العقل كان يود سؤال صابرين عن غيداء التي بعد ذلك اليوم قطعت علاقتها به حتى اتصالاته الهاتفية ورسائله لم ترد عليها حتى حين كان يذهب لها أمام الجامعة كانت تتجاهله، حتى حين حاول قطع الطريق عليها كي تستسلم وتتحدث معه طلبت من السائق العودة للخلف والسير من طريق آخر. غيداء قطعت كل شيء، لكن هو مازال يلوم نفسه على ما فعله معها، لا يعلم سبب لما لم يرسل لـ عواد صورة من عقدي الزواج العرفي اللذان بحوزته. هناك جزء بضميره يحثه على ذلك...

وهناك جزء آخر ينهره ويجبره ألا يفعل ذلك. غيداء لم تكن تستحق الأذى. تنبه لحديثهن حين سألت صبرية عن قصد منها على غيداء قائلة: "أمال أخبار غيداء إيه يا صابرين." ردت صابرين: "غيداء خلصت امتحانات وسافرت البلد هتقضي الإجازة هناك مع طنط تحية وباباها، بسبب مرض طنط أحلام." لاحظت صبرية ملامح وجه فادي التي تحفزت حين ذكرت اسم غيداء. شعرت أن فادي يحمل مشاعر جدية لـ غيداء. لكن قالت بسؤال: "هي أحلام إيه مرضها؟

مش كان كسر في رجليها." ردت صابرين: "والله ما أعرف، بس طنط تحية آخر مرة كانت هنا سمعتها صدفة بتكلم عمو فهمي وطلب إنها ترجع بسرعة للبلد عشان رعايتها، محدش هيتحمل عصبيتها غيرها. شكل في حاجة تانية هما مخبينها، دي شك عندي مش أكتر بس الشريرة اللي زي نوعية أحلام دي مفيش حاجة تهدمها حتى المرض." ضحكت صبرية قائلة:

"فعلاً عندك حق، أحلام مرات أخويا وأنا عاصرتها قبل كده عندها حقد كبير في قلبها والنوع ده حتى المرض مش بيأثر عليه، والغريب إنه بيفكر نفسه ضحية دائمًا والدنيا ظالماه." ... بغرفة غيداء. بعد أن اختلست وجود تحية بغرفتها وتسحبت من المنزل وخرجت دون أن يراها أحد وذهبت إلى إحدى الصيدليات وابتاعت اختبار حمل.

جلست على الفراش تقرأ طريقة استعماله قبل أن تنهض بتردد وتذهب نحو الحمام لإجراء ذلك الاختبار. تتمنى أن تحصل على نتيجة سلبية. بعد قليل عادت للجلوس على الفراش تنتظر ظهور النتيجة بدعاء ألا يعاقبها الله أكثر على تلك الخطيئة التي ارتكبتها حين ضعفت أمام ما يسمى بالحب. لكن خاب رجائها وها هي النتيجة أمامها واضحة.... هي حامل! حامل بنبتة شيطانية نبتت من جرم محرم ارتكبته بعفوية العشق... لكن لابد من حل الآن لذلك.

جاء إلى خاطرها أولاً أن تجهض هذا الحمل فورًا وينتهي الأمر على ذلك. لكن بسبب خوفها مما سمعته سوء أصاب بعض نساء حاولن الإجهاض من هن من ماتت تراجعت عن هذا الحل الآن. هناك حل آخر... فادي لابد أن يعلم بهذا الحمل، بالنهاية هو مثلها أخطأ لما تتحمل وحدها هذه الخطيئة. لكن بنفس الوقت خشيت أن يتبرى فادي من ذلك الخطأ ويزيد من خذلانها. وقتها سيكون الإجهاض هو الحل الأخير لها.

جذبت هاتفها وبحثت بين الأرقام. من الجيد أنها لم تحذف رقم جواله. بأصابع مهزوزة وعقل متردد لكن بالنهاية ضغطت على علامة الاتصال. تسمع رنين الهاتف تنتظر رد فادي الذي لم يرد عليها بعد أكثر من ثلاث مرات. ألقت الهاتف على الفراش وجزمت لنفسها أنه يتهرب منها. ... بشقة فادي.

أسفل مياه الصنبور الباردة كان يقف فادي. رغم أن المياه باردة لكن يشعر بحرارة في جسده. يتذكر سؤال صبرية عن غيداء. تسأل عقله لما لمحت صبرية لغيداء اليوم أمامه. لا جواب برأسه. علاقة غيداء وصبرية علاقة سطحية تقابلن مرات قليلة لا تسمح لهن بأكثر من السؤال حول الحال...

لكن سؤالها ذكره بغيداء التي يشعر بعد بعدها عنه أنه ينقص بل فقد أهم وأغلى شيء بحياته بعد ذلك اليوم المشؤوم الذي استسلم الاثنان فيه لضعفهم. لم يكن حدوث هذا مدرج في انتقامه هو كان أقصى شيء يوده توقيعها فقط على ورقة الزواج العرفي.

أوصد المياه ولف خصره بمنشفة وخرج من الحمام. سمع رنين هاتفه. سريعًا توجه إليه لكن قبل أن يصل له كانت انتهت مدة الرنين. نظر لشاشة الهاتف تفاجأ بإسم غيداء. لم يصدق وتردد في الاتصال عليها قد لا ترد عليه، لكن هي من اتصلت عليه. حسم أمره واتصل عليها. سُرعان ما ردت عليه غيداء. باختصار: "أنا جاية بكرة إسكندرية، لازم نتقابل، هستناك في الكافيه اللي كنا بنتقابل فيه الساعة خمسة المسا." كان ردها هذا وأغلقت دون سماع رده.

رغم استغراب فادي لكن شعر بانشراح في قلبه. ... باليوم التالي صباحًا. بغرفة عواد. خرج عواد من الحمام وجد صابرين انتهت تقريبًا من تغيير ثيابها. رغم شعوره بالألم لكن قال: "رايحة فين؟ ده مش فادية خلاص أخدت إجازة آخر السنة، ولسه بدري على ميعاد شغلك." ردت صابرين: "فعلاً فادية أخدت الإجازة الدراسية، بس أنا عندي تفتيش النهارده في مصنع بعيد شوية عن هنا ولازم أوصل في ميعاد وصول باقي اللجنة." تساءل عواد بتهكم:

"ومصنع إيه ده بقى اللي بعيد عن هنا." لاحظت صابرين تهكم عواد وقالت: "مصنع حندوق." "ارتاحت لما عرفت، عن إذنك مش عاوزة أوصل متأخرة." غادرت صابرين الغرفة. بينما شعر عواد بعدم القدرة بالاستمرار واقفًا على قدميه أكثر. جلس على أحد المقاعد يزفر نفسه بغضب. صابرين في الفترة الأخيرة ازدادت برودتها وتبلدها. حسم قراره الذي قاله لـ رائف بليلة أمس لابد من أن يُنهي زواجه من صابرين بأقرب وقت...

لكن بنفس اللحظة شعر بالضعف وهناك شيء قوي يمنعه من ذلك. قلبه أصبح ضعيف غير قادر على اتخاذ قرار حاسم بالانفصال عن صابرين الذي يؤجله، لكن مع الوقت سيكون لا مفر من ذلك الانفصال الغير قادر عليه. لكن لن يتحمل نظرة شفقة من صابرين عليه حين يعود قعيدًا مرة أخرى. ... عصرًا. بكافيه قريب من أحد شواطئ الأسكندرية.

احتسى فاروق عدة أكواب من مشروبات مختلفة. عيناه على مدخل الكافيه بترقب منذ وقت وهو ينتظر. إلى أن سمع رنين هاتفه. نظر إلى شاشة الهاتف شعر بغبطة قبل أن يرد متوقعًا أن تلغي اللقاء بأي حجة كما فعلت سابقًا... لكن قام بالرد ليسمع: "آسفة يا فاروق على التأخير، كان عندي حصص كتير، أنا قدام الشط القريب من الكافتيريا أيه رأيك نتمشى شوية مع بعض."

تبسم فاروق وهو ينهض يخرج حافظة ماله ووضع الحساب مغادرًا. يخرج من الكافيه ينظر أمامه إلى أن رأى فادية تسير. عاد العمر لشاب بالرابعة والعشرون من عمره كان يتواعد مع فتاة أحلامه للقاء على شط البحر بذلك الوقت من اليوم، يشاهدان غروب الشمس من بعيد كان بداخلهما أمل أن تشرق شمس حبهما يومًا ما، لكن الشمس اختفت وقتها بين ظلمة بحر هائج.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...