بعد مرور ثلاثة أيام. بعد أن انتهين من العمل. بالسيارة. تبسمت صابرين لفادية التي فتحت باب السيارة وصعدت لجوارها قائلة بتنهيد: "يا أخيرًا رجعتي تاني إسكندرية، كنت حاسة إني زي الشريدة." تبسمت فادية وضمت صابرين قائلة بمرح: "سلامتك من التشرد يا رينا." ابتعدت صابرين عن فادية قائلة بعتاب:
"بلاش رينا، ده أكتر اسم بشمئز منه وبكرهه كمان، بيفكرني بصدماتي اللي عمالة آخدها واحدة وراء الثانية، لحد ما خلاص تكه وهفرقع زي فردة الكاوتش بتاع العربية... اللي فرقعت إمبارح." نظرت لها فادية قائلة: "الحمد لله ربنا نجاكي، متعرفيش أنا ما اطمنتش عليكي غير لما قولتلي إنك الحمد لله عرفتي تسيطري العربية." ردت صابرين: "بلا خيبة أنا اتمطوحت مع العربية شمال ويمين لحد ما هي اللي وقفت لوحدها، مفكراني "شوماخر" ولا إيه؟
أنا كنت اتشاهدت على نفسي الحمد لله إن الطريق ما كانش زحمة واتجاه واحد، كنت رشقت في أول عربية قابلتني، يلا الحمد لله مرت على خير، بس اللي زعلني فردة الكاوتش دي كانت جديدة، وفرقعت بعد مسافة صغيرة من الفيلا، حتى لما العربية وقفت اتصلت على واحد من الحرس اللي على بوابة الفيلا، وجه ركب مكانها الاستبن، ورجعت تاني للفيلا، يلا وأنا راجعة هبقى أسحب فلوس وأشتري عجلة استبن تبقى معايا، أنا خلاص بسبب تحليل بنت مصطفى قربت أشحت، وفي الآخر مش عارفة هوصل لإيه، ولا هستفاد إيه كان مالي، هو داء الفضول زايد عندي ليه؟
تبسمت فادية قائلة: "طب يلا سوقي يا كرومبو... خلينا نروح نجيب نتيجة التحليل اللي ضيع فلوسك، أنا كمان عندي فضول أعرف النتيجة." تبسمت صابرين قائلة: "تعرفي إني انبسطت لما رجعتي لهنا تاني ولقيتك مش زعلانة، بصراحة كنت خايفة عليكي من اللي حصل قوي، وإن الطلاق يأثر على نفسيتك." تنهدت فادية بغصة قائلة:
"بصراحة يا صابرين إنتِ الوحيدة اللي ما بكسف إني أخبي عليها حاجة، إنتِ مش بس أختي، إنتِ كمان صحبتي وساعات بحس إنك بنتي اللي ما خلفتهاش، أنا فعلًا من جوايا حزينة، بس مش حزينة عشان اتطلقت من وفيق بعد ما استغنيت عن كل حقوقي الشرعية المادية، حزينة على سنين ضاعت من عمري وأنا كنت بحاول أأجل الفشل، يمكن كان نفسي في حياة مستقرة، كنت بطنش على حاجات كتير وأفوت وأعديها عشان المركب تمشي، لحد مع الوقت كنت حسيت إني زاد عندي التبلد، ما بقاش شيء فارق معايا واستسلمت لطوفان جرفني لدوامة القبول، قبول أي شيء مش فارق معايا، أيام وبتمر والسلام، آخر الليل بحط دماغي وأنام ما فيش في دماغي أي هدف أو أمل، سنين مرت من عمري حاولت بس عشان خايفة من وصمة الفشل والطلاق.
كنت غلطانة أنا وقتها كنت حاسة إني متقيدة بأغلال من حديد، تعرفي إني حسيت بالحرية أول ما مضيت على التنازل رغم الشماتة اللي شوفتها في عين ماجدة، بس الحسرة اللي شوفتها في عين وفيق شفت جروحي كلها... ماجدة مفكرة أنها هي اللي فازت بس في الحقيقة أنا اللي لقيت نفسي بعد ما روحت ليها وساومتني." تنهدت فادية تبتسم وهي تتذكر لقائها بماجدة قبل أيام. [فلاشـــــــ/باك] قبل الطلاق بيوم، صباحًا.
بعد أن غادر سالم إلى عمله، ظلت فادية مع شهيرة تتحدثان، لكن لفت انتباه شهيرة سرحان فادية فقالت لها: "مالك يا فادية عقلك شارد في إيه؟ ارمي حمولك على ربنا وهو هيحلها من عنده، كل عقدة وليها حلال." جملة شهيرة الأخيرة طنت بعقل فادية، وعادت الجملة بتأكيد: "فعلًا كل عقدة وليها حلال، وأنا عرفت مين اللي هتحل لي عقدتي."
قالت فادية هذا ونهضت تتوجه نحو غرفتها، مما أثار استغراب شهيرة ونهضت خلفها إلى الغرفة وجدتها تبدل ثيابها المنزلية بأخرى مناسبة للخروج، زاد استغراب شهيرة وقالت: "بتغيري هدومك ليه؟ إنتِ خارجة؟ ردت فادية: "أيوه يا ماما مشوار مهم." تعجبت شهيرة وقالت باستفسار: "وفين المشوار المهم ده؟ أنهت فادية ارتداء ملابسها في عجالة قائلة: "لما أرجع هقولك يا ماما، بس لازم أخرج دلوقتي عشان أضمن الوقت قبل رجوع وفيق من شغله... سلام."
تعجبت شهيرة وكادت تسأل فادية، لكن كانت فادية أسرع وخرجت من المنزل، وليس على شهيرة سوى انتظار عودة فادية. بعد قليل كانت فادية تقف أمام منزل وفيق، شعرت بشيء من الضعف وبلحظة كادت تقرر العدول عن الذهاب للمنزل وانتظار قرار المحكمة، لكن قالت لنفسها: "هتستني إيه يا فادية لحد ما تلاقي نفسك في بيت الطاعة؟ المحامي قال تفاوض ودي، ادخلي هتخسري أكتر من كده إيه؟ وفيق لعبة في إيد ماجدة."
سمت الله ودفعت بوابة المنزل ثم دخلت تسير ذلك الممر الصغير قبل أن تقف أمام باب المنزل الداخلي، كانت تشعر بخواء بلا مشاعر، منزل غريب عليها أليس هذا المنزل يومًا كان هدفك بناؤه الآن بلا أي مشاعر، لكن قامت بوضع يدها على جرس المنزل. سرعان ما فُتح الباب. لم تكن صدمة لها من فتحت الباب ووقفت تنظر لها بشماتة ثم قالت: "فادية، إيه جاية دلوقتي وعاوزة ترجعي وفيق؟ يبقى بعدك، وفيق خلاص رماكي." ضحكت فادية بسخرية وقالت بحنق:
"رماني وخد أسوأ عقاب في حياته، إنتِ يا ناهد. عمومًا إنتِ ما تفرقيش معايا، وأكيد أنا مش جاية أجري وراء وفيق لأني أنا من البداية سيبت البيت بمزاجي." كادت ناهد أن ترد عليها، لكن فادية دفعتها بهدوء من أمامها ودخلت إلى المنزل تقول: "فين عمتك المصون؟ سرعان ما تقابلت فادية مع ماجدة التي تقول بفضول: "مين اللي كان بيرن جرس البيت يا ناهد؟ تحدثت فادية بثبات:
"أنا اللي كنت برن الجرس يا طنط، اعذريني أصلي ضيعت المفتاح اللي كان معايا، أو يمكن كان في شنطة هدومي اللي طلعت من البيت غيرها." نظرت ماجدة نحو ناهد وازدردت ريقها بتوجس. تهكمت فادية على نظرات ماجدة المتوجسة بوضوح وقالت:
"عندي كلمتين لو تحبي أقولهم قدام ناهد عادي، ناهد برضه مرات ابنك ولا تكوني بتعامليها زي ما كنتِ بتعامليني على إني دخيلة مش مرات ابنك وتقعدي إنتِ وبنتك تتوشوشوا طول اليوم وأنا أشتغل خدامة في البيت ولولاد بنتك اللي خسارة فيها." نظرت ماجدة لناهد قائلة: "روحي إنتِ دلوقتي يا فادية شوفي المطبخ، وإنتِ يا فادية تعالي معايا لأوضة الضيوف." تهكمت فادية وقالت بإغاظة:
"أنا مش ضيفة يا طنط أنا صاحبة بيت ناسيه إني لسه على ذمة الننوس ابنك." تحدثت ماجدة بضيق: "بلاش طريقتك دي وقولي جاية ليه النهارده؟ ردت فادية: "عاوزة أطلق، وأظن ده مناكي من يوم ما دخلت البيت ده." ردت ماجدة بجحاحة: "وأنا هطلقك إزاي؟ كنتِ متجوزاني؟ لو بإيدي كنت طلقتك بالتلاتة." تهكمت فادية قائلة:
"لأ بإيديكي، كلمة منك لوفيق مش هيردها وهيطلقني فورًا، إنتِ اللي واقفة لوفيق إنه ما يطلقنيش عشان حقوقي الشرعية، بمعنى أصح المادية، زي النفقة والمؤخر وقايمة العفش." جلست ماجدة بجبروت ووضعت ساق فوق أخرى قائلة: "من النهاية عاوزة إيه يا فادية؟ ردت فادية:
"مش أنا اللي عاوزة، قوليلي إنتِ عاوزة من الآخر وتؤمري وفيق يطلقني، وينسى بيت الطاعة، لإن لو حكمت أنا مش هنفذ قرار المحكمة ووقتها عارفة هيبقى صعب أطلق أو أرفع قضية خلع بس وقتها مش هيهمني وهروح لشيخ الجامع يوم الجمعة ساعة الصلاة وهقول إني خرجت من البيت بالهدوم اللي عليا وبس وهحلفك على المصحف قدام الناس إنك تكذبيني يا أم الأخلاق الكريمة." توجست ماجدة لكن ادعت الثبات قائلة:
"عاوزة تطلقي ما عنديش مانع، بس لازم قبلها تتنازلي عن كل شيء، نفقة ومؤخر وقايمة العفش." تبسمت فادية قائلة: "كان من الأول قولتي دوغري، على العموم موافقة، بس بشرط أطلق الأول، بصراحة ما اضمنش واحدة طماعة زيك ممكن بعد ما أتنازل عن حقوقي أتفاجئ إني لسه على ذمة الننوس ابنك...
عارفة إن كلمة منك له هيوافق، على العموم أنا همشي دلوقتي وأعتقد المحامين بتوعنا عارفين بعض، خلي المحامي بتاعكم يبلغ المحامي بتاعي بالقرار، بس بلاش تأخير عشان نلحق نخلص قبل قرار المحكمة بتنفيذ حكم بيت الطاعة ووقتها هتبقى الفرصة إنك تخلصي مني ببلاش راحت." نظرت ماجدة لها بفجاجة قائلة: "طالما موافقة أنا كمان موافقة وهحاول أقنع وفيق." سخرت فادية قائلة: "تمام هنتظر الخبر من المحامي."
قالت فادية هذا وخرجت من الغرفة، تبسمت بتهكم حين رأت ناهد كانت تقف جوار الباب، وقالت ساخرة: "مش بس ناهد رنات لأ وكمان بتلمعي أوكر، فعلًا ما جمع إلا ما وفق." ارتبكت ناهد حين رأت خروج ماجدة خلف فادية وقالت بتبرير كاذب: "أنا كنت جاية أطمن على عمتي وكمان أفكرها بميعاد دوا القلب بتاعها." تبسمت ماجدة بغيظ لفادية قائلة: "تسلمي يا حبيبتي، ربنا يتمم لك بخير... قالت ماجدة هذا ونظرت لناهد مبتسمة تقول: "ناهد حامل."
علمت فادية أن ماجدة تحاول معايرتها، نظرت نحو ناهد، وتهكمت بثقة قائلة: "ألف مبروك ربنا يتمم لها بخير وتجيبلك الحفيد الغالي."
قالت هذا وغادرت المنزل، بينما ناهد لا تعلم لما شعرت برجفة من نظرة وحديث فادية كأن لديها ثقة أنها لم تعد حاملًا، لكن بنفس الوقت نظرت نحو عمتها شعرت بالرهبة من تلك الكاذبة التي ادعت أن فادية تركت المنزل وأخذت معها بعض من نقود وفيق وكذلك الصيغة الخاصة بها، زاد بقلبها الطمع تود العثور على تلك الصيغة. مساءً. قالت ماجدة لوفيق بإقناع: "إنت ليه باقي على فادية؟
خلاص ربنا جبر بخاطرك وناهد أهي حامل وهتجيبلك الولد اللي يشيل اسمك، وفادية هي اللي جت لهنا برجلها وقالت هتتنازل عن كافة مستحقاتها، يبقى ليه تتمسك بواحدة بايعاك؟ اسمع كلامي، عمرك في مرة سمعت كلامي وما كسبتش من وراه؟
خلينا نخلص من فادية، حتى عشان ربنا يبارك لك في ابنك اللي جاي، دي نظرت لناهد نظرة خوفتني على اللي في بطنها، بلاش تتمسك باللي بايعك، وكفاية كده، واسمع كلامي وهتكسب، واتصل على المحامي وقوله يبلغ محامي فادية إنك وافقت على عرضها." بغصب امتثل وفيق لها، وهو يشعر بانسحاب في قلبه الذي يريد فادية. [عودة] عادت فادية من تلك الذكرى حين توقفت صابرين بالسيارة، قائلة:
"وصلنا لمكان مركز التحليل، هطلع أجيب التحليل وأرجع، خليكي هنا في العربية لا الونش يجي يشيلها هو ده اللي ناقصني." تبسمت فادية قائلة بمزح: "لأ ما تخافيش لو الونش جه هقوله بلاش صاحبة العربية غلبانة ومتجوزة من عواد زهران المختال الأبرص." نظرت لها صابرين بعبوس مصطنع قائلة: أنا بحاول أنسى إني متجوزة من عواد وإنتِ بتفكريني بخيبتي، يلا هطلع بلاش نوقف كتير هنا، المنطقة قريبة من مديرية الأمن ممكن يشتبهوا فينا.
ضحكت فادية، وظلت بداخل السيارة لكن فجأة سمعت صوت طرق أصابع على زجاج باب السيارة المجاور لها. فتحت الزجاج وتفاجئت بمن أمامها يبتسم قائلًا: مدام فادية، إيه اللي موقفك بالعربية هنا وفين صابرين؟ تعلثمت فادية ونظرت نحو مدخل البناية ثم إليه قائلة: ها أبدًا، مستنية صابرين على ما ترجع يا بشمهندس رائف. رد رائف بأسف قائلًا: آسف إن كنت تطفلت عليكِ، بس أنا شوفت عربية صابرين واقفة هنا استغربت.
ردت فادية وهي تنظر نحو باب البناية رأت خروج صابرين وبيدها ذلك المظروف. عادت بنظرها نحو رائف قائلة بارتباك: لأ أبدًا مش فضول ولا حاجة، إزيك عمو صادق وكمان ميلا؟ رد رائف: ميلا بخير، وكمان بابا. تبسمت فادية قائلة: دايمًا يا رب. في نفس الوقت اقتربت صابرين من مكان وقوف السيارة رأت وقوف رائف جوار باب السيارة. تفاجئت للحظة، ثم قالت: بشمهندس رائف. تبسم رائف قائلًا: بلاش ألقاب، أنا في نفس سن عواد هما كام شهر. تبسمت له صابرين.
تحدث رائف: خير، إيه الظرف اللي في إيدك ده، متأسف إنه فضول مني. ارتبكت صابرين قائلة: لأ أبدًا ده تحليل روتيني، بس حضرتكم هنا بتعملوا إيه؟ رد رائف: أبدًا، كنت بعمل فيش وتشبيه محتاجه لبعض الأوراق، ولما شوفت العربية ومدام فادية، قولت أسلم عليها. تبسمت صابرين وقالت: إن كنت خلصت ممكن أوصلك. نظر رائف إلى فادية وقال بتورية: كان بودي مرفضش إنك توصليني بس للأسف معايا عربيتي. تبسمت صابرين قائلة:
فرصة سعيدة إني شوفتك النهارده، إبقى سلملي على جدو صادق وكمان ميلا. تبسم رائف وعينيه ما زالت مسلطة على فادية: يوصل، مع إني عرفت إن بقى في صداقة بينك وبين بابا، هو طول عمره بيحب البنات، حتى كان بيحب البنت غيداء ويدلعها أكتر مني أنا وعواد، حتى ميلا ليها معزة خاصة عنده بيحبها أكتر مني. ضحكت فادية وصابرين التي فتحت باب العربية قائلة: فعلًا جدو شخصية لطيفة، هنستأذن إحنا. أومأ لها رائف برأسه قائلًا:
براحتك، انبسطت من الصدفة الجميلة دي وأتمنى تتكرر، وتقبلوا عزومتي على الغدا في أي يوم في المطعم بتاعي. أومأت فادية رأسها، بينما قالت صابرين: إن شاء الله قريب، سلام. رد رائف وهو يود البقاء ينظر ويتحدث إلى فادية التي شبه ترد عليه باقتضاب لكن، تعجب من النظر لعينيها الآن، انتهت تلك النظرة الحزينة: سلام. سارت صابرين بالسيارة بينما رائف ظل واقفًا لدقيقة ينهر نفسه قائلًا:
يعني العربية كانت هتطير كنت وافقت على عزومة صابرين إنها توصلني عالأقل كنت فضلت شوية مع "فتوش". غبي دايمًا يا رائف، بس أحسن حاجة بسمة عينيها رجعت تاني هو كده الحريم بتحلو بعد الطلاق. بالسيارة تنهدت فادية قائلة: يا باي شخص بارد. تبسمت صابرين قائلة: مين البارد ده؟ رائف؟ والله ده شخص دمه خفيف، ومرح مش زي الوغد الأبرص. نظرت فادية لها بحنق قائلة: خفيف ومرح؟
ده شخص معدوم الذوق، لو واحد غيره كان طنش إنه شافنا ومقرفناش بأسئلته البايخة. تبسمت صابرين: مش كتر خيره جاي يشوفنا واقفين هنا ليه. نظرت فادية لها قائلة: سيبك من سيرة السمج ده وخلينا نشوف نتايج التحليل المرة دي. ردت صابرين: التحليل أهو، بصراحة مش قادرة أصبر على ما نوصل للشقة ونعرف النتيجة. مدت فادية يدها وأخذت المظروف من يد صابرين وقامت بفتحه قائلة: ولا أنا كمان عندي صبر... أوقفي في أي مكان قريب.
فتحت فادية المظروف، وبدأت بقراءة بعض النتائج... تعجبت قائلة: النتيجة بتقول في توافق كبير بنسبة خمسة وستين في المية. توقفت صابرين بالسيارة فجأة قائلة: كام! نظرت فادية باستغراب، لصابرين قائلة: يمكن عينات الشعر اتبدلت بين بنت مصطفى وبنت رائف. ردت صابرين قائلة: معتقدش ده مستحيل، يمكن انتِ قريتي النتيجة غلط. ردت فادية: أهو النتيجة أهي، صحيح أنا مدرسة لغة عربية بس عندي لغة إنجليزية كويسة.
أخذت صابرين التقرير من فادية وبدأت بقراءته لتتعجب هي الأخرى قائلة: مستحيل التقارب ده بين بنت مصطفى وبين عواد، أنا مش مصدقة. ردت فادية: ولا أنا، مش يمكن منال تكون قريبة من عيلة مامت عواد. ردت صابرين بنفي: لأ منال قالتلي إن باباها كان من الفيوم وجه هنا إسكندرية عشان وظيفته واستقر هنا بعدها، في لغز في القصة، أنا خلاص توهت، أنا خايفة أكتشف إن مصطفى يبقى أخو... توقفت صابرين ونظرت لفادية التي فهمتها وقالت بمغزى:
مصطفى وعواد أخوات، ده مستبعد طبعًا. ردت صابرين: فعلًا، مش بس مستبعد لا مستحيل. قالت صابرين هذا وتوقفت للحظة ثم قالت: فاكرة وإحنا صغيرين لما كنا بنشبه على بعض مين بيشبه مين، ووقتها كلنا قولنا إن مصطفى مش شبه لا مامته ولا باباه ولا حد من العيلة، وحتى كنا هزرنا وقولنا له إنت لقيط بس هو زعل وقتها. ردت فادية: فعلًا أنا فاكرة الموقف ده، بس إحنا كنا صغيرين وقتها. حكت صابرين جبهتها بأنامل يدها قائلة:
أنا حاسة بتوهان، والموضوع فيه شيء غامض، النسبة كبيرة، يعني حتى لو المعمل غلط وبدل العينات زي ما بتقولي كانت النتيجة هتبقى مناصفة مش خمسة وستين في المية، دي نتيجة أقرباء من الدرجة الأولى، أب واحد وأم واحدة تقريبًا. ردت فادية بحيرة قائلة: والعمل إيه دلوقتي؟ ردت صابرين: مش عارفة أنا بقول كفاية كده، مش ناقصة مفاجأت تانية. ردت فادية: بس أنا عندي فضول نعرف الحقيقة. نظرت لها صابرين بذهول قائلة: حقيقة إيه أنا مش فاهمة حاجة؟
ردت فادية: حقيقة مصطفى، طول عمرنا شايفين معاملة مرات عمك له بقسوة ومع ذلك كان بينفذ ليها اللي هي عاوزاه بدون نقاش. ردت صابرين: والحقيقة دي هنوصل ليها إزاي؟ هنروح لمرات عمك أو عمك وناخد منهم شعريتين ونعمل لهم تحليل تطابق أنسجة مع مصطفى. ردت فادية: لأ، هناخد الشعريتين من طنط تحية. نظرت صابرين لفادية بذهول. بمصنع عواد دخل رائف إلى مكتب عواد قائلًا: فاضي ولا أعطلك. رفع عواد بصره عن ذلك الحاسوب ونظر إلى رائف قائلًا:
لا هتعطلني، خد بعضك وشوف طريقك في مكان بعيد عني. تبسم رائف وجلس على أحد المقاعد قائلًا ببرود: كنت متأكد إنك هتقولي مش فاضي، بس أنا بقى فاضي، وجاي من مديرية الأمن كنت بعمل فيش وتشبيه. تبسم عواد قائلًا: وإزاي سابوك ومأخدوكش اشتباه كنت ارتاحت من رخامتك كام يوم. ضحك رائف قائلًا: الحمد لله الصحيفة الجنائية نضيفة، بس عارف قابلت مين بالمكان هناك؟ رد عواد متهكمًا: إيه قابلت الخط... ولا راية وسكينة. ضحك رائف قائلًا:
لأ قابلت صابرين وأختها فادية أم وش بشوش... راح الحزن من وشها بعد الطلاق. تعجب عواد قائلًا: قابلتهم فين؟ في مديرية الأمن؟ رد رائف: لأ في مكان قريب منها، أنا شوفت عربية صابرين هناك روحت أشوف ليه واقفة هنا، بس صابرين مكنتش في العربية جت بعد شوية وفي إيدها ظرف بتاع تحليل، ولما سألتها قالت ده فحص روتيني هي عملاه. للحظة انخض عواد قائلًا: هي قالتلك كده إن الفحص كان ليها؟ رد رائف بتأكيد: أيوا مالك متعجب كده ليه؟
هي مقالتش لك ولا إيه. تعجب عواد قائلًا: لأ. رد رائف: أكيد الموضوع مش مستاهل. وافق عواد رائف قائلًا: اسم المعمل اللي كان الظرف إيه. رد رائف: مش فاكر، ولا أقولك أنا شوفت اليافطة بتاع المعمل ده هناك بالمنطقة ونفس الشعار كان عالظرف اللي كان مع صابرين... اسمه تقريبًا حاجة الصحة، مركزتش في الاسم بصراحة.
تذكر عواد ذلك المظروف السابق كان لنفس المعمل، لكن صابرين وقتها تضايقت وقالت أن التحليل لفادية واليوم قالت لرائف أن التحليل لها... هنالك سر تخفيه ولابد أن يعرفه بأقرب وقت. مساء بالفيلا. عادت صابرين، استقبلتها الخادمة قائلة: البشمهندس عواد والآنسة غيداء، ومعاهم ماجد بيه في أوضة السفرة. أومأت صابرين لها وتوجهت نحو غرفة السفرة، توقفت للحظات وفكرت في عدم الدخول. لكن مجيء الخادمة جعلها تدخل للغرفة، ألقت عليهم السلام.
ردت غيداء وماجد عليها، بينما عواد نظر لساعة يده وزفر نفسه. بينما قالت غيداء بمزح: متأكدة ماما بتحبك، جاية العشا بالضبط. رسمت صابرين بسمة قائلة: أنا كمان بحب طنط تحية، بس للأسف أنا اتعشيت مع أخواتي، ومش هقدر أشارككم العشا بالهنا، هطلع أنا أرتاح، تصبحوا على خير. قالت صابرين هذا ولم تنتظر وغادرت. بعد دقائق نهض عواد هو الآخر قائلًا: أنا شبعت وهطلع أنام عندي شغل مهم بكرة، تصبحوا على خير.
تبسم ماجد كذلك غيداء التي تنهدت بشوق، هي لاحظت تلك النظرات التي ينظرها عواد لصابرين، كم ودّت أن ترى تلك النظرات من فادي، وتعيش تلك اللهفة قريبًا مع فادي، يترك كل شيء ويذهب خلفها... عواد من كان لا يبالي بشيء سوى عمله، أصبح يترك كل شيء ويذهب خلف صابرين. بالغرفة جلست صابرين على الفراش تحك جبهتها تشعر بتوهان، بسبب نتيجة ذلك التحليل، كيف كل هذا التوافق... لا بد من تفسير قاطع. في ذلك الأثناء دخل عواد للغرفة.
نظر نحو الفراش، رأى صابرين تنهض حين دخل إلى الغرفة وذهبت باتجاه الدولاب، وفتحته وجذبت منامة خاصة لها ثم توجهت نحو الحمام بصمت. زفر عواد نفسه وخلع ثيابه، وتمدد على الفراش... يشعر بسأم من ذلك الصمت الذي أصبح هو السائد بينهم. لا يعلم لما قبل قليل عاود رؤية شريط التسجيل الذي سجل تهجم فوزية على صابرين، وتلك الألفاظ التي قالتها لها فوزية، عاود نفس شعور الغضب، لكن ظلت جملة واحدة تطن برأسه: "محدش خسر من الجوازة دي غيري".
ماذا قصدت صابرين بتلك الجملة؟ كان الرد لديه سريع: الندم، صابرين ندمت أنها تزوجت به، أصبح يشعر أنها مع الوقت تنطفئ بداخلها تلك الشعلة التي كانت ببداية زواجهم، شعلة التحدي التي كانت تناطحه بها.
أصبحت تميل للصمت وهي معه، حتى حين كانت تعاند وتذهب للنوم على الأريكة بعيدًا عنه، ذلك العناد اختفى، أصبحت تنام جواره على الفراش، لكن تتعمد البعد عنه، حتى حين كانت تتضايق من دخان السجائر وتتذمر، الآن لا تبالي بذلك، أصبح هو الآخر يشعر بالسأم، من تلك الحياة بينهم كأنهما رفيقَي سكن لا زوجين، تنهد بضجر، وهو يسمع صوت فتح باب الحمام، وطلت من خلفه صابرين بعد أن أبدلت ثيابها بأخرى ملائمة للنوم.
ثم توجهت مباشرة إلى الناحية الأخرى من الفراش، ونحت الغطاء قليلًا، ثم تستطحت فوق الفراش، تغمض عينيها. فكر عواد بقطع تلك المسافة الصغيرة بينهم، بالفعل كاد يقترب منها لكن تحكم عقله: بلا أيها الأبله، هكذا هن النساء يردن هدم هامة الرجال... كل ذلك الشعور تعود، بسبب قربك منها خلاص، لما هتسافر لندن وتبعد كم يوم الشعور ده هيتغير وترجع زي ما كنت متفرقش معاك، هكذا أرضى غرور عقله. اعتدل بجسده على الفراش.
بينما صابرين شعرت باقتراب عواد منها، ودّت أن يضمها له، كم تريد أن تشعر أن لديها أهمية عند أحد. حتى لو كاذب، لكن عواد ابتعد، وهي أيضًا أصبحت تشعر بخواء روحها، ربما بسفر عواد وابتعاده عنها تستطيع أخذ قرار نهائي يرتاح عقلها بعده. لم يستطع الاثنان النوم، كل منهم عقله سابح بالآخر، يفسر ما يشعر به على هواه ويعتقد أن البعد قد يكون بداية الوصول إلى الراحة المنشودة له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!