الفصل 10 | من 30 فصل

رواية بك احيا الفصل العاشر 10 - بقلم ناهد خالد

المشاهدات
20
كلمة
4,857
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

دلفت من باب الفيلا وهي تخلع حذائها ذو الكعب العالي بتعب، فاليوم كان مرهقًا لها. كانت تستلم طلبية عمل طلبتها من فرنسا خصيصًا، والأمر أخذ منها فوق الأربع ساعات لتنهي استلامها ونقلها للأتيليه الخاص بها والإشراف على ترتيبها بالمكان المناسب بداخل الأتيليه. كان يومًا حافلاً بالأعمال، ولم يكذب دياب حين أخبرها أن تستطيع فقط مجاراة العمل، فها هي على يومين متتاليين لا تنتهي من العمل.

منذ وطأت قدماها أرضية الأتيليه وحتى تنصرف لا يتوقف العمل، وتذمرها الذي كان في أول أيام أسبوع عملها، تبخر بعد أيام قليلة جدًا، حتى أنها باتت لا تعود في موعدها الذي حدده. الأمس عادت بعد الثامنة مساءً، واليوم أعلنت الساعة عن وصولها للتاسعة مساءً، وهي للتو دلفت من باب الفيلا. أمسكت حذائها بيدها وهي تسير بتعب، ليتبخر تعبها فور وقوع عيناها على طفلها وهو يركض ناحيتها يصيح بحماس: "ماما جت." التقطته في أحضانها تقبل

رأسها بحب بالغ وهي تغمغم: "روح قلب أمك أنتَ، وحشتني." أبعد رأسه عن صدرها الذي دفنه فيهِ قبلاً، وقال بنزق طفولي يجعلها تريد أكله: "لو وحشتك مكنتش اتاخرتي." "والله وحشتني، بس معلش غصب عني كان عندي شغل لازم يخلص، وبعدين أنا جايبالك اللي يصالحك." همست بالأخيرة إغراءً له، ونجحت حين ابتسم باتساع يسألها بفضول ولهفة: "إيه؟ وضعته أرضًا وفتحت حقيبتها تخرج لوحًا كبيرًا من الشوكولاتة وهي تقول: "جبتلك شوكولاتة كبيرة."

صاح بحماس وفرحة وهو يقبلها على وجنتها بحب وقال وهو يلتقط اللوح منها: "أنتِ أحسن مامي." داعبت وجنته بحب تخبره: "وأنتَ أحسن ابن في الدنيا، بس مش هتاكل كتير من الشوكولاتة عشان متتعبش، هتاكل جزء صغير ماشي.. الشوكولاتة دي بتاعت أسبوع." أومأ متحمسًا. ابتسمت هي بحنان ما إن رأت سعادته الواضحة، ولكن لم تدم ابتسامتها حين سمعت صوته يأتي من مكان ما وهو يقول: "طب هو ضحكتي عليه بالشوكولاتة، وأنا هتضحكي عليَّ بإيه عشان اسكت؟

نهضت مستقيمة ونظرت للجانب حيث خرج من غرفة مكتبه، لتنادي بصوتٍ عالٍ: "ماري." أتت مهرولة من الداخل وهي تجيب بلكنة أجنبية: "نعم مدام؟ أخبرتها "رنا" بنفس اللكنة: "من فضلك خذي عمر لغرفته، ولا تدعيه يأكل كثيرًا من لوح الشوكولاتة، ثم اغسلي أسنانه لينام." "حسنًا مدام، هيا سنيور عمر." "تصبح على خير يا حبيبي." قالتها وهي تنحني لتقبله على وجنتيهِ تباعًا، ليردف بحب: "تصبح على خير مامي."

واتجه بعدها لوالده الذي رفعه لاحتضانه ليطبع الصغير قبلة على وجنته وهو يردف بهدوء: "good night dady." رفعت "رنا" حاجبها باستنكار، فصغيرها يتعامل مع والده كأنه من طبقة أخرى غيرها! يغير من طريقته في الحديث و"يعوج لسانه" كما تطلق عليهِ دومًا، كأنه يعامل كل شخص حسب المكانة التي يراه فيها. "good night يا قلب أبوك." أنهى "دياب" جملته وهو يطبع قبلة على وجنته بحب، ثم أنزله أرضًا وهو ينظر لماري ويقول: "خذيه."

أخذته وصعدت درجات السلم الداخلي للفيلا متجهة لغرفته. التفت على الفور لها وهو يقول بتجهم: "لسه بدري، كنتِ فضلتِ لنص الليل بره." نظرت له بضيق وهي تعقب: "عشان جيت ٩ تبقى نص الليل! احتدت نبرته وهو يقول: "الفكرة مش في إنك جيتي ٩ ولا ١٠، أنتِ بتكسري كلامي، أنا قايلك شغلك من ٢ لـ ٦، قوليلي إمتى جيتي في الميعاد؟ من وقت ما اشتغلتِ يا تيجي ٧ يا ٨ والنهاردة ٩، يبقى أنتِ بتعاندي معايا! تنهدت بقوة وهي تجيبه:

"مش عِند، بس مفيش حاجة اسمها محدد لي وقت، أنا مش صغيرة يا دياب." "أنتِ مراتي، ومن حقي أحدد وقت خروجك ورجوعك." جعدت ملامحها بضيق وهي تقول باستنكار: "مراتك مش بنتك، إيه ليك حق دي؟ مين فهمك كده؟ رفع حاجبه مستنكرًا واقترب منها لحد الخطر وهو يقول: "مين اداني الحق؟ مراتي ليَّ الحق أتصرف في كل شيء يخصها.. ومش أنا اللي بقول كده، اسألي أي حد هيقولك كده.. ده أنتِ متخرجيش من الباب ده غير لما أأذن لك."

أثار أعصابها، وأشعل نار الغضب بداخلها بطريقة حديثه واستفزازه الواضح لكونها أنثى تثور دفاعًا عن حقها، لترفع زاوية فمها باستعلاء وهي تقول: "حيلك حيلك.. مين ضحك عليك وفهمك كده؟ أنتَ مش وصي عليَّ، وأنا ليا شخصيتي وكياني كبني آدمة، ملكش تتعداهم."

ابتسم ابتسامة مقلقة، ثم جذبها من عضدها وسار بها نحو أحد الأرائك تحت نظراتها المتعجبة والمستفهمة، حتى جلس فوق الأريكة وجذبها من عضدها بقوة لم تستطع صدها، لتعلو شهقتها حين أصبحت تجلس فوق فخذه الأيسر، فقد ظنت أنها سيجلسها لجواره، لكن خاب ظنها، فاخذت تتلوى وهي تحاول أن تنهض وتهتف بتوتر بالغ: "أوعى يا دياب ميصحش كده." ضحك ضحكة خافتة قصيرة وهو يسألها باستنكار: "هو إيه اللي ميصحش!؟ ده أنتِ مراتي، هو أنا شاقطك!

"إيه شاقطك دي! بلاش ألفاظك دي معايا قولتلك كذا مرة، بعدين مش قصدي كده، بس حد من الشغالين يشوفنا هيكون شكلنا وحش." أجابها بلامبالاة: "وحش ليه عادي! واحد ومراته إيه الغريب في كده! "شكلنا مش لطيف، وأنا مش هكون مرتاحة، أوعى بقى." قالت الأخيرة بضيق حقيقي، ليضطر أن يتركها. نهضت فورًا، وجلست على الكرسي المقابل للأريكة، تتجنب النظر له، في حين بدأ هو في الحديث.

"أنتِ ناسيه إن حتى دينك بيأمر الزوجة تطيع جوزها، وبيملك الزوج كل الحقوق في إنه يتحكم فيها، هو مش برضه في الدين مينفعش الزوجة تاخد تصرف أو تخرج من غير علم وموافقة الزوج." "يتحكم فيها!؟ لا أنتَ فاهم الموضوع غلط خالص، ديننا مبيخليش الزوج يتحكم فينا زي ما بتقول.. وكل حاجة في الدين ليها سبب مش لمجرد التحكم، وكمان الزوجة ليها حقوق، ولا أنتَ تعرف اللي على مزاجك وبس."

"مقصديش، أنا فاهم إن الموضوع مش تحكم، على قد ما هو حقوق وواجبات، وكل حاجة ليها سبب فعلاً وحكمة. سمعت زمان أبويا قال إن السلطة اللي الدين أدهالنا بتفيد الست أكتر ما تفيد الراجل، لأنها حماية ليها وأمان ورحمة لضعفها الفطري اللي ربنا خلقها بيه، وعشان المفروض إن الراجل هو نقطة قوتها... بس ده طبعًا لو الناس عملت باللي المفروض يتعمل." ضحكت ساخرة وهي تنظر له بذهول مرددة: "يعني فاكر كلام والدك، ومبتعملش بيه."

عقد ما بين حاجبيه برفض: "ليه؟ هو أنا أذيتك؟ رنا.. أنا حتى لما لقيتك بعد ما هربتي بابني وكان الطبيعي إني أأذيكِ وقتها وآخد حقي منك معملتهاش.. قوليلي بقى إمتى أذيتك! "أنتَ مأذيتنيش.. أنتَ قتلتني، قتلتني لما نمت وصحيت لقيت نفسي متجوزة واحد معرفش عنه أي حاجة، لما فجأة اتصدمت بحقيقتك، بعد حياة وردي أشوف اللون الأسود اللي بجد، بعد ما كنت فاكرة إني اخترت الراجل الصح لحياتي ألاقيني مع تاجر م.... لا مع راجل مافيا! أنتَ متخيل!

وتقولي مأذيتنيش! إزاي طيب! هربت وإحساسي كل يوم كان بيبقى رعب إنك تلاقيني.. كنت بنام مغمضة عين ومفتحة التانية.. كنت بمشي في الشارع أتلفت حواليا... ويوم ما لقيتني ورجعت ليك تاني كنت حاسة زي اللي فضل يجري في طريق طويل على أمل إنه يخرج من متاهة وفجأة بعد كل الجري ده لاقى آخر الطريق هو البداية، ورجع لنفس المكان اللي بدأ يجري منه.. متخيل بقى إحساس الفشل!

متخيل خوفي وقتها إنك تاخد ابني وتحرمني منه كعقاب، أو تأذيني بأي شكل.. بعد كل ده مأذيتنيش! صمتت تلتقط أنفاسها ومن ثم قالت بقهر حقيقي، ودموع ظهر بها عجزها ومقتها، ولوم عيناها يجلده: "أنتَ خلتني زوجة ليك تاني وأنتَ عارف إني مش قابلة، خلتني أكون في حضنك وأنا من جوايا رافضة، أجبرتني أديك حقوقك وأنتَ عارف إني مش عايزة أعمل ده."

ألمه قلبه من حديثها، وغص حلقه من نظرتها اللائمة، يعلم أنه أجبرها على علاقتها معه، وكان هذا جليًا من ردود أفعالها وهي بأحضانها، على الأغلب كانت متبلدة لا تبادله أي شعور ولا أي لمسة منه، وكل حين وآخر تحاول محاولة ضئيلة أن تشعره بأنها مرحبة، ولكنها لم تكن تدري أنها تفشل.. وهو يلاحظ. "أنا ما جبرتكش تكوني معايا، خيرتك." نزلت دموعها بضعف وهي تقول باستنكار: "خيرتني!

بين ده وبين ابني.. أنا جحيمك جنة ليا عشان بس ابني فيه.. إزاي بتعتبره خيار!؟ أنا طبيعي هختار ابني.. بس قولي أنتَ إزاي قادر تكون معايا وأنتَ عارف إن ده بيحصل بدون أدنى مشاعر.. أنتَ عارف إني بكون مش متقبله ده."

شد من قامته بكبرياء زائف، فحديثها في معناه جارح لكرامة أي رجل يسمع حديث كهذا، تخبره صراحة أنها تُجبر على علاقتها معه، وتجاهله لهذه الحقيقة المرة لن ينفع الآن وهي تلقي بها في وجهه، ولكنه هو أيضًا مُجبر.. وهنا مربط الفرس، هو يعلم أنه يُجبرها، ولكن إن انتظر أن يأتي الأمر برغبتها فلن يحدث.. لن يعيشا حياة طبيعية كأي زوجين، وهو تحمل كثيرًا...

لأكثر من أربع سنوات تحمل أن يبقى بدون امرأة، ومنهم عامان كانت أمامه.. بجواره، لكنها محرمة عليهِ، وفاض كيله... ومن يلومه؟ لقد حفظ حبها لسنوات ولم يلجأ لامرأة غيرها ويا كثرتهم، ولكن لمتى سيحفظ هذا الحب؟ لمتى سيبقى محروقًا بنيران الشوق والهجر؟ اتخذ موقفًا لينهي كل هذا... حتى وإن كان سيُحرق بنيران أخرى... وهي الرفض!

"عشان لو استنيت مشاعرك مش هطولها، لو استنيتك ترضي يبقى هستنى عمري كله، وأنا ليا طاقة.. واللي طلباه عشان ترضي مش هقدر أنفذهولك، يبقى رضاكِ مستحيل، ولو سبتك تعيشي بنفس الوضع الأولاني يبقى حياتنا زايفة.. حتى الطبيعي مش موجود فيها، الطبيعي اللي هو إنك مراتي.. فطبيعي نقرب من بعض ونعيش حياة عادية مش طالب أكتر من كده.. وعشان الحياة العادية تكمل.. ياريت ترمي الحبوب اللي في الدرج فوق." اتسعت عيناها، ورمشت

بأهدابها بتوتر وهي تسأله: "حبوب إيه؟ لمعت عيناه بنظرة وجع، واختنقت نبرته وهو يجيبها: "حبوب منع الحمل اللي بتاخديها من ورايا، أنا شفتها امبارح ومرضتش أنكد وأعمل مشكلة، فياريت تترمي ومتحصلش تاني، عشان لو اكتشفت إنك لسه بتاخديها، وحياتك عندي لهتزعلي مني جامد." انتفضت واقفة وهي تشيح بيدها بجنون: "مش من حقك تجبرني على الخلفه كمان! مش من حقــــك... !!! صرختها الأخيرة جعلته ينتفض هادرًا هو الآخر:

"قولتلك أي حاجة في حياتك من حقي أتحكم فيها، الخلفه دي مش تخصك لوحدك، ده قرار يخصنا إحنا الاتنين، وأنا عايز أخلف عيل تاني." اشتعلت غاضبة وتنفست بسرعة وهي تقول بعصبية: "وأنا قلت مش هخلف تاني منك.. واعلى ما في خيلك أركبه.. هو أنا بطلت أندم على خلفتي الأولى عشان أجري أخلف تاني، ده أنا أبقى حمارة لو عملتها." التقط معصمها يقبض عليه بقوة بكفه حتى ابيضت مفاصله وهو يهدر بفحيح مرعب:

"تمام، اعمليها بقى.. اعمليها وكملي على كده وخذي الحبوب، عشان وقتها محدش يلومني.. واعلى ما في خيلي هركبه فعلاً." ثم لفظها بعيدًا بقوة حتى اختل توازنها لكنها تماسكت وهي تنظر له بأعين مذعورة، وسمعت صوته يهدر وهو يتخذ خطواته للخارج: "وبعد كده ٦ بالدقيقة تكوني في البيت." تهاوت على الكرسي تبكي بانهيار على حالها، كيف تنجو منه؟ كيف تتخلص من عبء ما تعيشه؟

لقد قربت طاقتها على النفاذ، لم تعد تستطع الصمود أكثر، لو فقط تجد حلاً مناسبًا... لو يسمع لها حتى ويفعل ما يرضيها... وآهٍ من كلمة لو التي لا تتحقق. *** "خلاص يا زين بقى قولتلك جرح بسيط! رفع رأسه لها بعدما كان جاثيًا على ركبته أمامها يطهر جرحها بقلق واضح عليها، ظهر العتاب في نظرته وهو يسألها بيأس: "برضه زين؟ أشاحت بنظرها بعيدًا قائلة بتوتر: "مانا قولتلك على ما أتعود بس."

زفر بضيق ولم يعلق وهو يعاود تطيب جرحها البسيط، وبعد ثوانٍ سمعته يقول دون أن ينظر لها: "مش ناوية تحكي؟ "احكي إيه؟ سألته مستغربة، ولم تفهم معنى جملته بأول الأمر، ليوضح وعيناه الحادتان تنظر لها بتدقيق: "تحكي اللي مرضتيش تحكيه قبل كده وقولت أسيبك براحتك، لكن بعد اللي شوفته النهاردة ده.. مش هسيبك غير لما أفهم، إيه حكاية الناس اللي بتشوفيها وبتكلميها دي؟ فيكِ إيه يا خديجة؟

أدمعت عيناها بشدة، وكتمت شهقاتها بزم شفتيها بقوة، ليحتضن وجهها بكفيهِ وعيناه يملأها الحزن عليها، بينما يغمغم بنبرة متألمة: "مالك بس يا ضي، فيكِ إيه يا نور عيني؟ وكانت جملته إذنًا لها بالانفجار، لتنهار باكية وصوت نحيبها يرتفع، فأسرع يحتضنها بقوة ويده تتحرك صعودًا ونزولاً على ظهرها، وقد أدمعت عيناه من صوت نحيبها الذي مزق نياط قلبه.

خمس دقائق كاملة وهي على هذا الوضع، وبعدها بدأت تهدأ تدريجيًا حتى هدأت تمامًا بعد عشر دقائق أخرى، ليبعدها عن أحضانه بهدوء ما إن سمعها تقول: "قوم من على الأرض أكيد ركبتك وجعتك." ليومئ لها برأسه وهو ينهض جاذبًا إياها معه: "تعالي نطلع أوضتنا."

سارت خلفه بهدوء حتى وصلا لغرفتهما فاتجه بها للكنبة الموجودة في الركن الأيمن من الغرفة، وجلس عليها وأجلسها بجواره ملاصقة له تمامًا، وما زال معتقل كفيها بين كفيهِ وبدأ بالحديث وهو ينظر لها بتمعن وبسؤال مباشر فاجأها: "أنتِ بتشوفي سارة؟ بمعنى أدق بتتخيلي وجودها؟ أغرورقت عيناها بالدموع وهي تجيبه بقهر: "بشوفها!

دي يعتبر عايشة معايا.. أنا سارة مختفتش من حياتي ولا يوم.. من سنين وهي عايشة معايا ومهما حاولت أبعدها معرفتش.. وأهي هم تاني بيزيد من همومي." "بتشوفيها إزاي؟ وبتقولك إيه؟ شردت بنظرها بعيدًا وكأنها تستحضر كل مرة ظهرت فيها أمامها: "بتلومني، دايمًا بتلومني وبتتهمني إني السبب في موتها، بتجلدني بكلامها، وبتخليني أفقد أعصابي وأحس إني فعلاً مذنب." "ليه مفكرتيش تتعالجي منها؟ نظرت له باستنكار مجيبة: "مفكرتش!

طب ده أنا أبويا خدني بعد موت أمي على طول وجه القاهرة مخصوص عشان يعالجني، وفضلت أتعالج مع الدكتور اللي جبته له من غير أي نتيجة.. ٣ سنين من غير نتيجة لحد ما يأست، وأول أبويا ما مات بطلت أتعالج عنده، واشتغلت في العيادة بس أوهمته إني بقيت كويسة ومش محتاجة أتعالج." "وهو ملاحظش ولا مرة إنك بتكذبي؟ ابتسمت بسخرية مؤلمة وهي تجيبه:

"لا مهو أنا كنت اتأقلمت مع وجودها، فمبقتش زي الأول، يعني كنت أشوفها وأسمعها بتكلمني وأنا قاعدة ثابتة ولا كأني سمعاها، ولا كأنها موجودة، فده اللي خلاه ميلاحظش، أو أنا فكرت كده لحد ما اكتشفت إنه كان متأكد إني بكذب عليه وإني مخفتش، ورجعت أتعالج معاه تاني يمكن أخلص منها.. وبرضه بقالي سنتين ونص أهو لدلوقتي ومفيش نتيجة.. كان قالي إن بداية العلاج إني أقتنع إنك مش مذنب، وإن أنا وأنتَ ملناش ذنب في موتها، بس مانا اقتنعت أهو، ليه لسه بشوفها!؟

ابتسامة غريبة ظهرت على وجهه، جعلتها تقطب ما بين حاجبيها مستغربة، وأحنى رأسه قليلاً يطالع كفيها الممسك بهما وهو يقول بنبرة ظهرت مختنقة: "معقول أذيتك كده! معقول يبقى أنا السبب في معاناتك بالشكل ده!؟؟ طب ده أنا أكتر واحد يهمني راحتك ويهمني إنك تكوني بخير تحت أي تمن.. إزاي أبقى أنا السبب في عدم راحتك؟!!

"محدش فينا كان قاصد أي حاجة حصلت.. لو بس يرجع الزمن بينا، واليوم ده نقدر نغير فيه اللي حصل، كل ما أفكر مبقدرش أستوعب إزاي يوم واحد يكون السبب في تغيير حياتنا كلها، يقلب حياتنا بالشكل ده، أنتَ متخيل لو مكانش اليوم ده موجود، واللي حصل مكانش حصل.. مكنتش حاجة اتغيرت، مكنتش بعدت، ومكنتش عانيت من هلاوس سارة اللي تعبتني نفسيًا وجسديًا فوق ما تتخيل، ومكانش أبويا اضطر يروح بلده ونشوف المر من أهله، ولا كنت عيشت أنا وأخويا في حياة صعبة ومرينا بأسوأ ظروف واحنا لوحدنا، كانت حاجات كتير أوي اتغيرت."

كان يتابعها بنظراته وهو يستمع لحديثها بتمعن، وما إن انتهت حتى ظهرت ابتسامة بسيطة حالمة ولمعت عيناه لمجرد التخيل: "لو مكانش حصل مكنتيش بعدتِ عني، كنتِ فضلتِ معايا وكبرتِ قدام عيني يوم بيوم، مكنتش اتكويت بنار فراقك، مكنتش أنام وأصحى على أمل إني ألاقيكِ، مكنتش بقيت.... قطع حديثه وتنهد تنهيدة قوية ثم أكمل: "فعلاً، كانت حاجات كتير أوي اتغيرت." ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن يقطعه وهو يسألها:

"معاكي رقم الدكتور اللي كنتِ متابعة معاه؟ "لا، بس أنا عايزة أروح البيت أجيب تليفوني القديم، عشان الخط عليه أرقام تهمني، وكمان متنساش إني شغالة عنده وبقالى ٨ أيام مروحتش أكيد اتصل عليا كتير، و عايزة أكلم رنا معرفش عنها حاجة بقالي أسبوع، وكمان عايزة أعرف صاحب البيت إني هسيب الشقة وأجيب الحاجات الضرورية من هناك." "خلاص، نروح بكرة نعمل كل ده، بس أنتِ لسه مشغلتيش تليفونك الجديد؟ "هشغله أعمل بيه إيه؟ ممعيش أرقام حد."

"هسجلك عليه رقمي." رفعت جانب فمها ساخرة وهي تقول: "واتصل عليك وأنتَ في الجنينة! مهي دي أبعد مكان بتروحه، غير النهاردة بس اللي روحت الشغل ساعتين ورجعت، أنا عايزة أفهم هو أنتَ معندكش شغل زي الناس الطبيعية!؟ ابتسم ابتسامته المهلكة وهو يردد بعبث: "عندي، بس أعمل إيه مش قادر أبعد عنك." أشاحت بنظرها بخجل، واحمرت وجنتيها قليلاً وهي تقول: "هو أنا يعني هروح فين، مانت هتروح شغلك وترجع تلاقيني، ما برضو أكيد شركتك محتاجاك."

هز رأسه بلامبالاة: "لا كبري دماغك، بابا هناك هيمشي الأمور في غيابي، أنا روحت النهاردة بس لحاجة مهمة، بعدين أنا لو روحت الطبيعي بتاعي مش هتعرفي تتلمي عليَّ، واسألي لولا.. كنت بخرج من الصبح مبرجعش غير ٨ بليل، وأوقات بضطر أخرج بليل تاني لو في شحنة أخلصها في المينا." "أيوه بس أكيد مش هتفضل معطل مصالحك وقاعد جنبي."

"أكيد لا، بس أرتبلك الدنيا الأول، أنتِ شايفة عاوزه تروحي البيت وعاوزين نروح للدكتور بتاعك محتاج أسمع منه عن حالتك، ونشوف طرق تانية غير اللي اتبعها معاكي السنين اللي فاتت، وكمان عاوز أطمن إن الأمور بينك وبين لولا تمام عشان أبقى مطمن إنك هتبقي مرتاحة لما أسيبك معاها لوحدك." توترت على ذكر والدته وقالت: "أنا مش عارفة أحدد موقفها ناحيتي، أوقات بحسها كويسة جدًا، وأوقات بحسها متضايقة من وجودي." عقب بجدية:

"بصي يا ديجا، هقولك حاجة لو فهمتيها كويس هتفهمي تصرفاتها ناحيتك." هزت رأسها تشجعه على الحديث باهتمام، ليقول:

"بصرف النظر عن إني ابنها، وإن أي أم بيكون في جواها غيرة على ابنها لما بتشاركها فيه واحدة تانية، بس علاقتي بماما غير، طول الوقت معاها وقريب منها وبحكيلها كل حاجة، وهي حياتها متمركزة عليَّ خصوصًا بعد ما علاقتها ببابا شبه انتهت، هي شاهدة على حبي ليكِ آه، بس ده وأنتِ مش موجودة، لكن لما هتبقي موجودة هتحس أوقات بالغيرة، وإحنا المفروض نتفهم شعورها ده، ولا إيه؟ أومأت بتفهم وهي تقول:

"أكيد طبعًا، حقها خصوصًا وهي شايفة كمهتم بيا للدرجادي، هتحس إنها مبقتش عندك بنفس الأهمية، عشان كده المفروض أي اهتمام زايد تجاهي متحسسهاش بيه." ابتسم لها بحب واقترب طابعًا قبلة فوق جبينها ثم ابتعد وهو يردد بفخر: "مكنتش أعرف إن حبيبتي عاقلة أوي كده." توترت، وعلىَ تنفسها وهي تشعر بقربه لهذه الدرجة وحديثه الذي دومًا يصيبها بالارتباك، لتبتلع ريقها وتبتسم له دون تعليق. أراد إزالة حرجها وارتباكها، ليقول مقترحًا:

"إيه رأيك سيبك من العشا اللي كنتِ بتعمليه تحت ده وتعالي نطلب من بره، هو لولا ومصطفى فين؟ "مصطفى نام عشان هيصحى بدري بكرة عنده امتحان، وطنط قالت إنها حاسة بصداع فخدت مسكن ونامت." نهض وجذبها معه يقول بحماس: "واحنا هنقعد نعمل إيه! إحنا نخرج نتعشا بره أحسن." جذبته ليجلس مرة أخرى وهي تقول:

"طب أنا هقولك اقتراح أحسن، إحنا نطلب عشا ونقعد تحت في الجنينة، حوض الزهور اللي تحت ده حلو أوي، نقعد جنبه ويبقى القمر فوقنا والهوا حوالينا وبراحتنا مفيش أحسن من كده." "نقعد فين؟ حوض الزهور مفيش جنبه كراسي دول الناحية التانية." رفعت حاجبها بتحدي وهي تجيبه: "نقعد على النجيله، ولا عندك اعتراض! نفى برأسه فورًا كأنه يبعد تهمة ما عنه، ليقول بعدها: "بس عارفة القعدة هتحلى بإيه." "إيه؟ تنهد وقال بتمني:

"لو بس تعتبريني جوزك وتشيلي الحجاب، مش هطلب منك تغيري البيجامات المقفولة دي، بس يعني على الأقل شيلي الحجاب، ده بيحسسني إني قاعد مع واحدة غريبة عني مش مع مراتي." أجابته بهدوء:

"هو أنا في البداية مش كنت بلبس فساتين حتى وأنا نايمة، وبعدها بدأت ألبس البيجامات، أنا قولتلك إني واخداها تدريجي، أنا طول عمري مبتعاملش مع حد، غير مصطفى.. حتى باهر كان بعيد عني ومبشوفوش، ففكرة إني أقعد بحريتي قدام حد تاني بحس إني مش قادرة أعمل كده." "طب ما تعتبريها بداية من النهاردة، وخذي الخطوة اللي بعدها، حتى عشان تنامي براحتك، أنا مش فاهم بتنامي إزاي وأنتِ مخنوقة بالبتاع ده."

طال الصمت لدقيقتين وهي تفكر في حديثه وتتشجع لأخذ خطوة جديدة، تنهدت أثناء تفكيرها لثلاث مرات تقريبًا وهي كثيرًا ما تفعلها حين تشعر بتوتر زائد، قبل أن تنظر له وهي تقول: "طيب، اطلب الأكل واستناني تحت في الجنينة هحصلك." لم يريد أن يبدي أي رد فعل قد يزيد توترها كي لا تتراجع في قرارها، اكتفى بالابتسام رغم أنه أراد الصراخ بوجهها معبرًا عن فرحته لتخطيها حاجز جديد معه، ونهض في هدوء خارجًا من الغرفة. ***

خرجت من بيت والدها لبيت زوجها المصون، هكذا دون أي مراسم تُذكر، تتذكر شفقة "رباح" عليها وهي تربط على كتفها وتقول بحزن "متزعليش يا بتي بكرة ربنا يعوضك باللي أحسن من الفرح والزفة، ومتحسيش نفسك أقل من أي بت، ده انتِ ست البنات، يكش بس الظروف، والمخ الصلد" هي بالفعل تشعر بأنها أقل من أي فتاة تتزوج، وحديث والدة زوجها لم يفرق معها، ولم يحسن شعورها.

تجلس على الفراش تتابع تحركاته داخل الغرفة بقلب يدق وجلاً، تريد الحديث معه في أمر هام لكنها تخشى رد فعله، فظلت تتابعه حتى انتهى من الاستحمام وتغيير ثيابه، فتشجعت وهي لا تجد وقتًا أكثر للصمت، وقالت: "إبراهيم، أنا رايدة أتحدت وياك في موضوع مهم." نظر لها مستنكرًا وهو يقول: "ده وقته؟ نهضت تواجهه وأجابت: "مفيش أنسب من الوقت ده." ظهر الملل على ملامحه وهو يقول: "جولي." فركت كفيها بتوتر وهي تقول بلجلجة واضحة خشية من رد فعله:

"أنا كنت عايزة آخد وقتي.. يعني بلاش يكون في جُرب بينا الليلة." تجمدت ملامحه بشكل مخيف وهو يسألها: "بتجولي إيه؟ ارتفع تنفسها وارتدت بجسدها للوراء قليلاً وقد تمكن الخوف منها أكثر: "بجول... يعني أنا... كنت محتاجة وقت نتعود على بعض، إحنا مكنناش بنشوف بعض كتير، وحاسة إني مخضوضة.. ومخدتش وقتي.. يعني مش لازم يحصل بينا حاجة الليلة.. الأيام بينا كتير." ورد الفعل لم تكن تتوقعه أبدًا....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...