اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته. تلك الجملة التي رددتها بعد أن وصلت بتفكيرها لما سبق، ومن حينها وهي راضية.. او مستسلمة! لكنها غير مستعدة للتعامل مع أحد.. فاكتفت بالانفراد في غرفتها، تتجنب الحديث مع والدتها بالأخص، فهي لا تجني من حديثها معها سوى "حرقة الدم" كما تهمس بها دومًا بعد كل حديث يجمعهما. وعلى ذكر والدتها ها هي تقتحم خلوتها وهي تصيح بنزق: ما تيلا يا عروسة، ولا ناسية إن الليلة دخلتك.
التفت لها بعد أن أغلقت النافذة وخرجت من شرودها، تجيبها بسخرية واضحة: يلا على إيه! هسوي إيه يا حسرة، ده يدوب هييجي ياخدني من دار لدار. عقبت بنفس السخرية: أومال إنتِ رايدة إيه يا حزينة! مش كفاية إنه كتر خيره الراجل جابلك فستان وخلاكِ تروحي تنجي العفش وتفرشي الأوضة على جوزك "ذوقك" كمان، رايدة إيه تاني عشان ترضي وتبطلي فراغة عين. فغر فاهها وهي تنظر لها غير مصدقة ما تسمعه، هل أصبح له الفضل في القليل الذي فعله!
وماذا عن حقوقها المهدورة والتي هي أكثر بكثير من تلك التفاهات التي نالتها! هزت رأسها مستنكرة وهي تجيبها: فراغة عين! بجى عشان بتكلم في حقي تبجى عيني فارغة! .. لا، لا ياما مش فراغة عين، ده أنا متنازلة عن حقوق كتير قوي عشان المركب تمشي، يكش يكون الفستان والعفش اللي نقيته هو ده اللي ليا!
طب والفرح والزفة، والفستان اللي بحق وحقيقي اللي بتلبسه أي بت في يوم فرحها، أنا لا هعمل زفة ولا هلبس فستان كيف الخلج ولا عملت حنة ولا نزلت اشتريت جهازي زي باقي البنات، وحتى العفش اللي اخترته يا حسرة، عفش أوضة.. أوضة في دار كاملة ماليش أعدل فيها كرسي.. وتجوليلي فراغة عين! ده أنا حتى عريسي ييجي أسبوع مش شفته ولا بيسأل عليا حتى بالتليفون.. وضعت كفها في خصرها وتمايلت في وقفتها وهي تحدقها بجمود مرددة:
مهوش قاعد على جد الكلام وياكِ، جوزك الله يعينه على حاله بعد ما مسك كل حاجة بعد موت خالك، عنده هم ما يتلم، ننجو نعذره ولا ندجج وياه في كلام فارغ.. يحدتك ليه، مانتوا من الليلة هتكون سوا وفي وش بعض ليل نهار.. ولا حكايات البنات وأكلت عقلك ورايدة تعملي كيفهم! قعدت ملامحها بضيق وهي تشيح لها بلامبالاة: بقولك إيه ياما.. جفلي على الكلام، الكلام ممنوش عازة.. قولي ريداني أسوي إيه وأسويه. اعتدلت في وقفتها
وابتسمت لها باصفرار مرددة: أهو كده الكلام.. ربنا يكملك بعقلك، يلا قومي عشان تجهزي وتلبسي فستانك.. إبراهيم كلمني وقال لي إنه نص ساعة وجاي. سألتها بسخرية خفية: وهو كان فين؟ كان بيشرف على عشا الرجالة.. قطبت مابين حاجبيها بعدم فهم تسألها: عشا إيه؟ ابتسمت باتساع وهي تتحدث كأنها تخبرها بأمر سيسعدها! فكرك يعني يوم فرحكوا هيعدي كده عادي!
طب ده دابح خمس عجول بحالهم وجامع أهل البلد كلهم قدام بيت خالك وبيعشيهم.. لأجل ما الناس كلها تعرف إن الليلة فرحكوا. ابتسمت بالكاد وهي تعقب: كتر خيره. يلا همي بقى.. لازم ييجي يلاقيكِ جاهزة ومستنياه. وقامت بتكاسل أشبه بقيام مريض بعد عام كامل من ملازمته الفراش.. ما يحركنا هو الحماس، والطاقة، وهي تفتقد الاثنان.. وثالثهما الشغف!
وسبحان من يبدل حال بحال، فهي نفسها من كانت تنام وتستيقظ على حلم رؤيته أو الحديث معه.. من لم تحلم يومًا بأن ينظر لها بنظرة عادية بدلاً من نظراته الساخرة والماقتة التي لطالما حدقها بها، اليوم تتزوج منه.. تنتقل للعيش في كنفِه.. ولا تملك شغفًا لفعل هذا! تشعر وكأنها زهدته! فجأة!
وتخشى أن يتزايد هذا الشعور بالوقت.. فتزايده سيجعل حياتها بائسة وهي تعلم، رغم أن حبه لم يقل مثقال ذرة في قلبها، ولكن الآن فقط بدت تعي أن الحب وحده لا يكفي.. فالحب مقترن بأشياء أخرى... كثيرة. مساء الخير ياباشا.
قالها "طارق" بتوتر طفيف، وهو يستقبل "مراد" الذي خرج من الشركة للتو، يستقل سيارته للعودة للمنزل، ليحدقه الآخر بنظرة من جانب عيناه وهو يستقل مقعده في السيارة كانت كفيلة لجعل الأول يشعر بتوتر أكثر، فيبدو أن الأمر ليس على ما يرام بالدرجة التي ظنها..
أغلق باب السيارة خلفه، واستقل هو الآخر مقعده في الأمام جوار السائق، وطال الصمت طوال طريق العودة، حتى وصلوا لمنزله الجديد، فترجل "طارق" سريعًا يقوم بمهمته وفتح له باب السيارة متنحيًا جانبًا باحترام.. ترجل "مراد" بهيبته المعتادة وظهره المفرود بحدة تليق بهِ، ووقف محله دون أن يتحرك، ينظر ل"طارق" بجانب عيناه قبل أن تنطق شفتاه القاسيتان: تجبلي أوراقها كلها بكرة، وقولها تتعامل عادي اليومين دول لحد ما أبلغك.
رفع نظره متفاجئًا من حديثه، ولمعت عيناه بالأمل وهو يسأله بلهفة: يعني ياباشا وافقت تساعدنا؟ حرك رقبته بكبر وهو يغمغم: مش عشانكوا.. عشان متستاهلوش.. بس عشان الطفل اللي جاي، ملوش ذنب في كل اللي هيحصل لو متدخلتش. ابتسم ابتسامة واسعة بعدم تصديق، وأخيرًا رأى مخرجًا لما هو فيه! يعلم أن "مراد" مادام سيساعده سينتهي كل شيء كما يرغب.. بسلام. باشا أنا مش عارف أشكرك إزاي والله، أنا كنت واثق إن حضرتك مش هتتخلى عني.
جعد أنفه المستقيمة باشمئزاز وهو يقول: إيه تتخلى عني دي! هو أنتَ مراتي! اظبط يا طارق وبلاش هلفته كلام، متخلنيش أرجع في كلامي. رفع كفيهِ باستسلام وما زال ثغره يبتسم بسعادة: آسف ياباشا، هسكت أهو. تحرك من أمامه وعقله يعيد مشهد الأمس... بعد أن عاد من الخارج وقد انتهى هو وخديجة من شراء ما يلزمها وما يفيض عن حاجتها أيضًا، كان على اتصال ب "طارق" الذي ما إن وصل للمنزل رآه ينتظره أمام بابه..
توقف بسيارته وهي بجواره تلتقط أنفاسها بعد ثلاث ساعات من الشراء.. رغم أن جميع ما اشترته كان من مكان واحد، ولكن ما أرهقها أنه أراد رؤية كل قطعة عليها قبل أن يوافق على شرائها، فجعلها ترتدي جميع الملابس التي اشترتها ليقيمها وكأنها بعرض أزياء! وكم كان الأمر محرجًا لها.. لكنه لم يهتم وبالأخير كانت جميع المشتريات مطابقة لما أراد. أتمنى تكوني انبسطتي. انتبهت لجملته التي قالها للتو، لتنظر له بجانب عيناها وهي تجيبه:
لا المهم تكون أنتَ انبسطت. التواء طفيف ظهر في جانب فمه يشبه الابتسام، وهو يسألها: هو أنا مخرجك عشان انبسط أنا؟ قول لنفسك. داعب مقدمة أنفه بسبابته وهو يردف: واضح إن الأمور ممشيتش زي ماخططتلها. تنهدت بهدوء قبل أن تعقب: مش فكرة كده، بس يعني أنتَ اشتريت كل حاجة على مزاجك تقريبًا. سألها بجدية: كان في حاجة نفسك تشتريها ومجبتيهاش؟ نفت برأسها موضحة:
مقولتش كده، بس أنتَ كل حاجة علقت عليها، وكل حاجة اختارها لازم أقيسها الأول... فالموضوع مرهق. مش لازم نتأكد إن اللبس مناسب! مش يمكن يكون ضيق شوية ولا مش مظبوط عليكِ. عقبت بعدم اقتناع: ده لو هشتري طقمين ولا تلاتة، لكن.. أنتَ تقريبًا شاريلي فوق العشرين طقم.. ومش عارفة ليه كل ده؟ مانا عندي هدومي مش محتاجة لكل ده! حاول انتقاء كلماته بعناية وهو يجيبها بحذر:
خديجة.. لبسك مش مظبوط عليكِ، ومن أول ما اتخطبنا أصلًا وأنا كنت دائمًا بلفت نظرك لده، وكنت من وقت للتاني باصر أجيب لك فستان ولا طقم هدية عشان شايف إن فيه كتير عندك مش مناسب، فاعتقد مبقاش في داعي دلوقتي لأي حاجة منهم.
هي تعلم.. ثيابها لم تعد تناسبها البتة، وهذا ليس بجديد، فهي لا تناسبها منذُ مدة، فجسدها قد تغير، نضجت أكثر، وامتلئت بعض المناطق والتي لم تكن على هذا النحو من قبل، وثيابها لم تتغير، فبالتالي باتت ضيقة.. قصيرة قليلاً.. ناهيك عن رثاء بعضها، وشحوب البعض الآخر.. لذا لم تفهم معنى حديثه خطأ بل بالعكس.. فهمت المعنى المقصود من حديثه تمامًا. هزت رأسها واكتفت بالصمت، لتتوقف عيناها على الواقف بجوار درج الفيلا الخارجي، قطبت ما بين
حاجبيها بعدم فهم وهي تسأل: هو مش ده أستاذ طارق؟ إيه اللي جابه هنا؟ ولم تنتظر ردًا بل ترجلت من السيارة وتبعها "مراد" في صمت، اقترب "طارق" منهما وهو يردد بتحية: مساء الخير.. مساء النور. أجابا بها، لتسبق هي في الحديث متسائلة بفضول لا تستطيع كبحه: أستاذ طارق هو حضرتك بتعمل إيه هنا؟ وعرفت مكان البيت إزاي؟ تنحنح "طارق" بخفة بعد أن أدرك أنها لم تعلم الحقيقة كاملة... أو بالأصح لم تعلم تفاصيلها.. ليهتف وهو ينظر ل"مراد":
أنا جاي لمراد باشا يا خديجة هانم. قطبت حاجبيها مرة أخرى باستغراب جلي، ورمشت بأهدابها غير مستوعبة صفته للتو، فضلاً عن الارتباك الذي انتابها لدعوها ب" الهانم! هانم إيه وباشا مين! أنا مش فاهمة حاجة! تبادلا النظرات بينهما لثوانٍ قبل أن يتطوع "مراد" بالحديث وهو يقول معرفًا بالأخير: طارق حربي.. دراعي اليمين، وأكتر حد بعتمد عليه في شغلي. دراعك اليمين! رددتها مستنكرة، وهي تنظر لهما بعدم تصديق، ثم قالت: يعني إيه؟
كل اللي حواليا كان كدبة! مفيش مطعم! مفيش مدير! تولى "طارق" توضيح الأمر وهو يقول: المطعم ملك الباشا، أنا يدوب كنت بأدي دوري. رمقه "مراد" بنظرة غاضبة جعلته يبتلع باقي حديثه ويشيح بنظره بعيدًا، رآها تنظر له بنظرة لائمة قبل أن تنسحب متجهة للداخل.... كان لازم تنسحب من لسانك وتجود! حاول التبرير وهو يقول: باشا والله.... آخرص بقى، استناني في الجنينة على ما أصلح اللي هببته.
قالها بنزق قبل أن يتبعها للداخل محاولاً إصلاح ما يمكن إصلاحه.. فللتو أصبحت الأمور في طريقها للسير على ما يرام! خديجة استني. توقفت قبل أن تخطو قدماها باب غرفتها، والتفت له تطالعه بحدة وإنفة، كأنها تخبره بالصمت أنها لا تريد الحديث معه. وقف أمامها يقول بهدوء بعد أن التقط أنفاسه من صعود الدرج ركضًا: حاسس إنك زعلتي وشكلك اتغير! حركت رأسها ساخرة وهي تقول: حاسس! لا أبدًا هزعل ليه يعني. قلب شفتيهِ بحركة رتيبة وهو يقول:
تمام.. مش حاسس.. أكيد زعلتي، بس ليه يعني! أصل أنتِ عرفتي الحقيقة! أخبرته بنزق: عرفت الحقيقة آه، لكن ماشاء الله كل مدى بكتشف حقيقة جديدة، يعني مكنتش أعرف إني مغفلة وكل اللي حواليا كانوا بيشتغلوني. أوضح لها الأمر: على فكرة محدش كان فاهم حاجة غيري... طارق اشترى المطعم بناءً على رغبتي، وقولتله هتعمل كذا وكذا.. عمل من غير ما يسأل، ومكانش فاهم بعمل كل ده ليه أصلًا... وطبعًا الناس اللي اشتغلوا معانا كانوا تبعك!
نفى برأسه موضحًا: لا خالص.. كانوا ناس عادية لا يعرفونا ولا نعرفهم. ورنا!؟ رفع منكبيهِ بلامبالاة: ولا نعرفها. عمومًا أنا تعبانة وعايزة أدخل أرتاح شوية. أنهت حديثها والتفت متجهة لداخل الغرفة، لتتوقف حين أمسك برسغها وهو يقول: ومين قالك إن دي أوضتك!؟ توقفت ملتفة له، وطالعته بجهل، ليكمل: يعني قررتي إن دي أوضتك بناءً على إيه؟ قلبت شفتيها بلامبالاة: آه هي اللي جت في وشي، مش هتفرق يعني.
جذبها من رسغها الممسك بهِ لتسير خلفه، وهو يتحرك بها في ممر الغرف الطويل لحد ما، بينما يقول: لا يا حبيبتي هتفرق كتير أوي.... أومال أنا عامل أوضتنا لمين؟ عشان أقعد فيها لوحدي! تسمرت قدماها على باب الغرفة التي توقف أمامها، وحاولت جذب رسغها منه وهي تقول: استنى بس.. أصل... أصل مش هينفع. كبح ضحكته بصعوبة بالغة وهو يرى ذعرها وكأنه يقنع طفل بأن يجرب لعبة مرعبة فبدى خائفًا من الفكرة.. جاحظ العينين ومصفر الوجه كما هي الآن!
استنى إيه! في إيه يا حبيبي هو أنا واخدك المعتقل! نفت برأسها وهي تقول بتوتر: لا.. مش قصدي بس.. مش حاسة إني هبقى مرتاحة. ضحك بخفة وهو يسألها باستنكار: مش مرتاحة! هو أنتِ نسيتِ إننا متجوزين!؟ لا بس... حابة آخد وقتي. اقترب منها الخطوة الفاصلة وعيناه تنضح بمشاعره الفياضة نحوها، وقال بتفهم لحالتها:
مش مطلوب منك أي حاجة غير إنك تكوني معايا في نفس الأوضة.. خدي وقتك اللي عاوزاه زي ما تحبي.. بس جوه، متحلميش إني أسيبك تنامي في أوضة وأنا في أوضة! أنتِ متعرفيش أنا مستني اللحظة دي من إمتى. وكأنها أمسكت بهِ بالجرم المشهود، فإشارت له بسبابتها وهي تردد: شوفت.. شوفت كلامك يقلق إزاي. ارتدت رأسه للخلف ضاحكًا بصخب فلم يستطع منع ضحكته هذه المرة، وهي تشير إليه هكذا كالقطة المذعورة.. هل لها أن تخبره كم أن ضحكته رائعة!
بل ساحرة.. لا أنها أجمل ضحكة قد سمعتها على الإطلاق.. ويالجماله وهو مبتسم بشدة هكذا.. حتى ظهرت تلك الحفرة البيضاوية المسماة لديه ب "الغمازة" على جانب خده الأيمن، والتي لم تراها سوى مرتان فقط طوال فترة خطوبتهما.. وها هي تراها للمرة الثالثة.
انتبه لتحديقها بهِ ويبدو عليها الشرود، فاكتفى بالابتسام ولم يقاطع شرودها، لأنه لم يرد أن يفعل، فتركها تروح وتغدى بملامحه كما تشاء، حتى استفاقت هي بعدما شعرت أن الصمت قد طال فجأة، لتحرك رأسها بحرج وهي تتململ في وقفتها، وقالت بارتباك: هدخل أنا بقى... إيه ده إحنا مجبناش الشنط!؟ قالتها فجأة بعدما تذكرت أمر الحقائب التي ما زالت في السيارة.. ليخبرها بهدوء متجاهلاً حرجها عمدًا:
أنا هجبهملك، ادخلي خدي شاور على ما أشوف طارق وأرجع لك. كلماته العادية تربكها! أي تلميح بحقيقة قربه منها يشعرها بالتوتر الزائد.. حركت رأسها بصمت ودلفت للغرفة تلتقط أنفاسها الهاربة في حضوره. في حديقة المنزل... اخلص يا طارق بقالك خمس دقايق بتلف وتدور وأنا خُلقي ضيق ومش فاضيلك. هدر بها "مراد" بحدة بعدما نفذ صبره القصير من مراوغة "طارق" في الحديث، ليبتلع الأخير ريقه بتوتر أكبر وهو يقول:
يا باشا مانا بقول لحضرتك إني يعني اتجوزت. هز رأسه يقول بنفاذ صبر: ماشي وقولتلك مبروك.. فين المشكلة!؟ عاوز مساعدة؟ أومئ متلهفًا وهو يجيبه: أيوه، محتاج مساعدتك. تمام قولي محتاج إيه؟ عاوز فلوس؟ نفى برأسه والتزم الصمت، لينهض "مراد" فجأة وهو يشيح بيده في وجه الذي نهض أمامه: لا مانتَ مش هتعملي زي النسوان أسالك وتهز راسك.. ما تخلص يا جدع أنتَ بدل ما أطلع وأسيبك.
ابتلع إهانته مضطرًا، ويدعو أن تكن هي كل ما في الأمر فهو أكثر ما يخشاه ما سيحدث تاليًا... باشا أنا اتجوزت هاجر.. اللي شغالة مع... مع دياب. جذبه من ياقة قميصه بقوة وقد نفرت عروقه وذراعيهِ وهو يصرخ بهِ.. نعم يا روح أمك!!!!! ردد من بين قبضته: باشا اسمعني بس.. هزه بين قبضته وهو يهدر: اسمع إيه يالا! ملقتش غير ال**** ده واللي شغالين عنده؟
ياباشا والله ما بكيفي.. وسيادتك سيد من يعرف الحب وعمايله، غير إني كنت أعرفها من قبل ما تشتغل عنده لما كانت شغالة مع المنظمة بتخلص حاجات ليهم قبل ما دياب يطلب تكون من رجاله. ضغط على أسنانه يسحقها بغضب: أنتَ عارف أنا بكره الواد ده قد إيه! حاول التحرر من قبضته وهو يومأ: أيوه عارف.. بس غصب عني والله، لقيتني حبيتها واتجوزتها.. ومش عارف أبعد عنها ولا أنهي علاقتي بيها.
لفظه من قبضته بقوة ارتدى على أثرها للوراء محاولاً حفظ توازنه، وهو يلتقط أنفاسه ببعض الهدوء.. واتنيلت قولتلي دلوقتي ليه؟ إيه كشفوكوا؟ بس لو كشفوكوا مكنتش زمانك واقف قدامي أصلًا. لا، محدش عرف حاجة لسه، بس.. أصلها حامل. رفع "مراد" حاجبه الأيسر متفاجئًا وساخرًا بالوقت ذاته وأردف بضحكة زائفة: لا وقررتوا تبنوا أسرة وتستقروا كمان! طموحكوا حلو أوي.. عاجبني. أوضح تفاصيل الأمر وهو يقول:
والله ياباشا ما كان في نيتي.. ومكنتش ناوي أخلف دلوقتي خالص، بس حصل غصب عنا وفجأة، وده خلانا ارتبكنا ومبقتش عارف المفروض أتصرف إزاي.. وهي لازم تبطل شغل عند دياب عشان خطر عليها وعلى اللي في بطنها. حدقه بجانب عيناه ازدراءً وانهى الحديث قائلاً: مش عملت فيها راجل واتجوزتها وأنتَ عارف المخاطر، لا وحملت كمان.. كمل بقى راجل للآخر واحمي مراتك وابنك بمعرفتك. باشا.. ياباشا اسمعني بس..
قالها "طارق" بصوتٍ عالٍ محاولاً إيقاف "مراد" بعدما أخذ خطواته للداخل غير عابئًا بهِ.. ضرب الأرض بقدمه غاضبًا وشد خصلات شعره بكفه بعصبية بعدما شعر بأن ورطته قد زادت للتو... عودة دلف للفيلا يمرر نظره على الأرجاء باحثًا عن قاطنيها لكنه لم يجد أحد.. ولكن جذبه صوت يأتي من أحد الزوايا.. فاتبع الصوت حتى وصل للمطبخ فوجد الصوت منبعث منه بالفعل والذي لم يكن سوى صوت زوجته..
وجدها تجلس على مقعد مرتفع أمام طاولة وُضعت في منتصف المطبخ واسع المساحة، وبيدها سكين وبعض حبات البطاطس تقوم بتقطيعها بوتيرة سريعة، متوترة، وتتحدث! تتحدث لأحد، بعصبية، ويبدو هذا جليًا على نبرة صوتها الغاضبة وحركة يدها السريعة وهي تقطع البطاطس.. وقف عند مدخل المطبخ، ينظر لها بحاجبين مقطبين بعدم فهم، ولكنه آثر الصمت حتى يفهم حديثها.. وهل هو موجه لأحد أم تتحدث مع ذاتها بصوتٍ عالٍ فقط.
وهي كانت تسمع صوت "سارة" تحدثها في أذنها بإلحاح.. استمر الحديث بينهما طويلاً هذه المرة على غير المعتاد، فهي تتحدث معها منذُ خمس دقائق تقريبًا.. -وهفضل أعمل مش شايفاكِ لحد ما تبعدي عني بقى. -مبقتش حاسة بذنب ناحيتك خلاص، ومعرفش ليه لسه بتظهري.. هو قالي لو اعترفت إني مش مذنبة في حقك هتختفي. علاقتي بيه شيء ميخصكيش.. ومش هسمحلك تتدخلي فيه.
زادت عصبيتها وارتفع صوتها أكثر وهي تهدر بجملتها الأخيرة، وأخذت تتنفس بعدها بسرعة كأنها تكبح غضبها بالكاد... وأخذت تهز قدمها بسرعة مقلقة.. ووجهها أصبح عبارة عن كتلة دماء حمراء.. مع وتيرة تقطيعها لقطعة البطاطس المسكينة الواقعة تحت يدها، أخذت تردد بطريقة غريبة ورأسها تتحرك للجانب هذا وذاك: هعيش حياتي، مش هسمحلك تدمرى باقي عمري، أنا مش مذنبة، أنا مليش ذنب في موتك، أنتِ ملكيش وجود أصلًا.. مش هسمعك.. مش هرد عليكِ.. مش..
قطعت حديثها صارخة بوجع وقد نالت السكين من إصبعها بدلاً من قطعة البطاطس المسكينة! تحت نظرات الصدمة والاندهاش والخوف من الواقف بالقرب منها...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!