فتحت عينيها بعد نوم هادئ استمر لساعات، هكذا ظنت. حين بدأت تتحرك وتفتح عينيها، ظنت أنها تستيقظ من نومها كما اعتادت. لكن ما إن رأت عيناها سقف الغرفة واشتمت انفها لروائح غريبة تعود لمستحضرات طبية، مالت برأسها للجانب لتبصر حاملًا معدنيًا معلقًا عليه محلول متصل بكفها. وحينها أدركت أنها في مستشفى ما. وقذف بذهنها المشاهد الأخيرة قبل الإغماء. مصطفى!
كان الاثنان يقفان أمام باب الغرفة من الداخل، و"مراد" يحادثه في أمر ما. لكنه التف فورًا حين سمع همسها. فالتفت فورًا ناحيتها ليجدها قد استفاقت. فأوقف حديثه مع شقيقها وخطى نحوها بخطوات واسعة متلهفة. و"مصطفى" الذي لم يسمعها، لكنه انتبه لحركة "مراد". تحرك على الفور هو الآخر ما إن أبصرها تحرك رأسها بوهن. "خديجة أنتِ سمعاني؟
هتف بها "مراد" وهو ينحني قليلاً وعيناه تتفحص ملامحها بلهفة. كانت قد أغمضت عينيها حين شعرت بقربه. والآن ربما حُبس نفسها وهي تشم رائحته وتشعر به بهذا القرب. وبالفعل لم تخطئ. فحين فتحت عينيها مجبرة، أبصرته يطل عليها من علو. لتشيح برأسها للجهة الأخرى فوجدت شقيقها يناظرها بابتسامة سعيدة لاستفاقتها. فغمغمت بضيق: "هو إيه اللي حصل يا مصطفى؟
اختفت ابتسامته رويدًا ونظر لمراد بتوتر. فليس لديه القدرة على إخبارها بما تعانيه. أشار له "مراد" بعينيه بحركة فهمها على الفور. فأخبرها بعدما انحنى يقبل جبهتها بحنو: "معلش يا حبيبتي هروح بس أجيب حاجة آكلها. أصل ما أكلتش من وقت ما جينا هنا. وأبيه مراد هيحكيلك اللي حصل. مش هتأخر." "مصطفى!
نادته وهي ترى هرولته للخارج. لكنه لم يجيبها. ولم يلتفت لها حتى. قطبت ما بين حاجبيها غاضبة، وقررت عدم السؤال. لا تريد أن تعرف. أو ربما يأتي الطبيب الآن وتعرف ما تجهله منه. لا داعي للتواصل مع هذا الكائن الذي لا تتقبل وجوده من الأساس. ظل ينظر لها بضع ثوانٍ فاستشعر قرارها في عدم الحديث. خاصة وهي لم تعد برأسها تجاهه. ولكنه ماكر. يعرف كيف يجعلها هي من تحثه على الحديث. اعتدل واقفًا واصطنع الضيق والجدية وهو
يسألها بصوت به نبرة حادة: "إزاي ما تصارحنيش بحاجة زي دي؟ مش شايفه إن كان من حقي أعرف؟ مش معقول بعد ما أبقى جوزك تفاجئيني كده." رمشت بأهدابها عدة مرات بعدم فهم. على ماذا يتحدث هو؟ أي شيء هذا الذي لم تخبره به! ظلت صامتة لثوانٍ لكنها لم تستطع بعد أن آكلها فضولها. فسألت وهي على نفس الوضعية: "تقصد إيه؟ إيه اللي خبّيته؟ محدش هنا خبّى حاجة غيرك." رفع رأسه معتزًا بنفسه وقد نجح في لفت انتباهها. وأجابها بوضوح وجدية
خالية من أي مكر أو دهاء: "أنتِ متعرفيش موضوع تعبك؟ لفت رأسها له هذه المرة وهي تخبره بتقطيبة حاجب: "اتكلم بوضوح." تردد قليلاً في إلقاء الخبر عليها. فقد شعر أنها ليست على دراية بالأمر. نظر لها قليلاً بصمت، يحاول انتقاء كلماته. وأخيرًا لفظ أنفاسه وهو يخبرها: "بصي هو.. أنتِ وقعتِ واحنا بنتكلم وجبتك هنا. الدكتور كشف عليكِ وقال إن دي كانت غيبوبة."
وصمت. علها تدرك ما يريد إيصاله من كلمته الأخيرة. وإن لم تفعل سيضطر آسفًا للتوضيح. والغريب كان رد فعلها. حين تنهدت تنهيدة عميقة قبل أن تقول براحة: "فكرت حاجة تانية." رفع حاجبه الأيسر بدهشة يسألها: "أنتِ كنتِ عارفة بجد؟ أغمضت عيناها بسأمٍ تجيبه باقتضاب: "أيوه." "من إمتى!؟ "من كذا سنة. بعد موت ماما على طول." "إزاي بجد مقولتليش؟ رددها بتساؤل مستنكر، غير مصدقًا أنها لم تخبره بأمر كهذا. أمر بالغ الأهمية. فتحت عيناها ونظرت
له بسخرية مريرة مردفة: "مابلاش أنتَ." أدرك مغزى جملتها. فقلب عيناه بضيق وهو يخبرها: "الموضوع مختلف. أنتِ كان لازم تبلغيني. لأن ببساطة من حقي كجوزك أعرف. عشان أبقى دايمًا ملاحظك وألحقك لو حصل حاجة. النهاردة لما وقعتِ كده لو كنت أعرف كنت فهمت إنها لها علاقة بيه. بعدين إزاي مقولتيش طول فترة الخطوبة. يعني كنتِ ناوية تخبي لامتى وتخبي ليه أصلًا؟ احتدمت ملامحها وهي تجيبه:
"أنا مخبتش قاصدة. أنا بس الموضوع عندي مش لدرجة تخوف. تقريبًا ممكن يحصل مرة كل شهرين أو أكتر. غير كده سكري منتظم على الأغلب. وعمري ما دخلت في غيبوبة. كنت بلحق نفسي على طول. عشان كده مشوفتش الموضوع مهم للدرجة. بعدين أنتَ آخر واحد تلومني إني خبيت حاجة. على الأقل يوم ما خبيت، خبيت حاجة تخصني لوحدي. عدم معرفتك بيها مش هتأذيك في حاجة." هز رأسه موافقًا حديثها وقال:
"أنا فاهمك على فكرة. بس اللي أنتِ خبيتِ عليه زين مش مراد. زين اللي كان طبيعي جدًا يعرف إن خطيبته عندها مرض زي ده. يعني متبرريش لنفسك. فاكرة لما خرجنا وجبتلك مولتن كيك. وقتها أكلتي معلقة واحدة ورفضتي تكملي. وقولتلي إنك مبتحبيش الحلويات. رغم إني عارف إنك من صغرك كنتِ بتعشقيها. بس وقتها قولت يمكن اتغيرتي. لكن دلوقتي فهمت.. وفهمت برضو الكميات القليلة اللي كنتِ بتاكليها من أي نشويات. كان ممكن في أي مرة من دول تقوليلي الحقيقة.. عرفتي بقى إن مفيش حاجة اسمها مجتش فرصة."
وقبل أن تتحدث قطع حديثها فتح الباب ودخول شقيقها ومعه الطبيب. الذي ألقى نظرة أخيرة عليها ليخبرهم بعدها: "لأ تمام كده. هكتبلك على خروج فورًا. مستوى السكر بقى عال وثابت بقاله شوية كويسين." "دكتور ياريت متنساش طلبي." أومأ موافقًا يخبره:
"بالفعل كلمتهم، وهيتشحن من بكرة. خلال يومين هيكون عندك. وده أحدث نوع نزل وكل الدكاترة بيشكروا فيه جدًا. بس هو له مدة وبعدها لازم تجدده. يعني غالبًا هتحتاجي واحد كل شهرين. ودي مدة طويلة بالنسبة لصالحية باقي الأجهزة المشابهة عشان كده غالي شويتين." هز رأسه بلامبالاة وعقب: "اطلبلي ١٠ واول ما يوصلوا بلغني." اتسعت عينا الطبيب بذهول الجمه لثوانٍ. ثم حرك رأسه باستنكار يقول: "١٠ إيه! لأ حضرتك مش متخيل سعره. ا...
"جرا إيه يا دكتور! أنا عارف أنا بقولك إيه؟ هتف بحدة وقد ضاق صدره. لتمرر "خديجة" أنظارها بينهما وقد أدركت أن الحديث الدائر حول شيء يخصها. فنظرت للطبيب تسأله: "هو إيه ده؟ نظر لها الطبيب ومازالت ملامحه مدهوشة، مستنكرة: "جهاز لقياس السكر، عشان يعرفك إذا كان عالي ولا واطي. وكمان بيدي تحذير قبل ما تتتعبي بوقت كافي عشان تلحقي نفسك. بس الأستاذ مش عاوز حتى يسمع السعر مني. لأنه أكيد مش هيطلب العدد ده بعدها." "بكام؟
سألته بفضول. ليقاطعها "مراد" قائلاً: "مفيش داعي نعرف." "لأ في... حولت أنظارها له وهي تخبره بتحدي وكبرياء: "فيه إني مش هسمح إنك تجبهولي. أنا هجيبه لنفسي. شكرًا لخدماتك بس مستغنيين عنها." أعادت ببصرها للطبيب تسأله بإلحاح: "بكام يا دكتور؟ رأى الطبيب الإصرار يلمع في حدقتيها فاضطر لإخبارها وقال: "الجهاز الواحد بـ ٤٥٠ دولار لأنه لسه حديث." ابتلعت ريقها بتوتر وهي تسأله بأعين زائغة: "هو الدولار بكام دلوقتي؟
ابتسم لمظهرها وهو يجيبها: "بـ ١٦ ألف ج. بصي الجهاز تكلفته ٧٢٠٠ج. عشان كده بقول إن الـ ١٠ أجهزة هيكون مبلغ. يعني هيكون ٧٢ ألف جنيه. فده اللي كنت عاوز أوضحه." بُهتت وهي تستمع لتلك الأرقام الخيالية. يا للسخرية! سعر الجهاز الواحد يكفي معيشتها لثلاثة أشهر كاملة! (افتكروا أننا في عام ٢٠٢٠) . إن حاولت التدبير لشراءه ستحتاج لستة أشهر ربما! وستدبرهم بعناء. ابتلعت ريقها لتذهب تلك الغصة التي انتابتها وهي تقول:
"شكرًا يا دكتور متطلبش حاجة." رفع الطبيب نظره لـ "مراد" الذي أشار له بعينيه بألا يهتم لحديثها. وهي فهمت ملامح الطبيب حين هز رأسه بلا معنى وذهب. ليتأجج غضبها وتطيح بهِ وهي تقول: "على فكرة فهمت إنك غمزتله.." قاطعها مشيرًا لنفسه بذهول، مرددًا باستنكار، ناهيًا بنبرة عبثية: "أنا أغمز لده؟ أنا مغمّزتش لحد غيرك يا جميل." شهقت بتفاجئ من جملته الأخيرة، والتي اتبعها بغمزة حقًا من عينه اليسرى! هل هذا وقته!
وكيف يتعامل بارتياحية هكذا! "على فكرة لو جبته مش هاخده. فوفر فلوسك." ابتسم ببساطة يخبرها بصدق واضح: "فلوس إيه بس. هي دي فلوس! على فكرة لو كان قالي الواحد بمليون كنت هجيب ١٠ برضو ومش ببالغ ولا بفتح صدري على الفاضي. بس أنا عمومًا مبهتمش للفلوس ولا بركز معاها. هركز بقى وهي مصروفة في حاجة تخصك! المهم متخضنيش عليكِ تاني كده."
قال جملته الأخيرة وقد تجعد جبينه بالحزن، كما ظهر التأثر جليًا على وجهه. لتشيح برأسها وهي ترى صدق شعوره، وتوقن مصداقية حديثه. "يلا عشان نخرج ولا إيه؟ قالها "مصطفى" منهيًا الحديث في ذلك الموضوع الشائك. فليكفي قبل أن يتحول النقاش لشجار وتتعنت شقيقته أكثر. "آه يلا أنا اتخنقت."
رددتها وهي تعتدل محاولة الاستناد على ذراعيها للنهوض بعد أن أزال الطبيب الإبرة من كفها. وأسرع شقيقها يساندها. بينما وقف "مراد" مانعًا ذاته بالكاد من الاقتراب. فقط كي لا يخلق مشكلة. وهو يعلم رفضها، ويعلم أنها لن يتقبل الرفض صراحة هكذا. استندت على ذراع شقيقها وسارت معه وأمامهما "مراد" حتى وصلا لسيارته. فاستقلت المقعد بالخلف بصمت. ولم يعقب أحد. واستقل "مصطفى" المقعد المجاور لـ "مراد". ***
ترجلت من سيارتها ودلفت للمستشفى على الفور. أخذت تشق طريقها الذي تعلمه جيدًا حتى تصل لمكتبه. ولكن حين وصلت لم تجده. ظلت تلتفت حولها حتى وجدت ممرضة تمر من جانبها فاوقفتها تسألها بعجالة: "لو سمحتِ دكتور باهر فين؟ "الدكتور بيمر على مريض. خمس دقايق وهتلاقيه هنا. تقدري تنتظريه." وانسحبت لتجلس "جاسمين" أمام باب غرفة مكتبه، تنتظر مجيئه. وأحنت رأسها بإرهاق جلي، تشعر بالأرض تدور بها من فرط مجهودها ربما منذ أن علمت الخبر.
دقائق قليلة وكان يقف أمامها. لتنتبه له. فرفعت رأسها تواجهه. ونهضت بعدها تقف أمامه. طالت النظرات الصامتة بينهما. وكلاهما يتفحص الآخر. هو يبدو مرهقًا، شاحبًا، تائهًا! وهي تبدو متعبة، حزينة، يائسة. الأعين خلت من العتاب من جهتها. لكنها شعرت أن عينيه تعاتبها هي. فعضت شفتها السفلى بتوتر وبعدها هتفت بارتعاش: "أنا.. أنا مكنتش أعرف.. لسه عارفة. البقاء لله."
منذ رآها وأدرك أنها علمت بالخبر. لا يهم من أين. لكنها علمت وأتت لتواسيه. هز رأسه قليلاً وهو يقول بجمود: "الدوام لله وحده." أصابها التوتر أكثر لتفرك كفيها ببعضهما باحثة عن حديث مناسب. حتى قالت: "ا.. يعني مكانش المفروض تنزل الشغل. كان المفروض ترتاح." هز رأسه نافيًا وقال: "مفيش داعي." حركت رأسها باتجاه مكتبه لتهتف بنفس التوتر: "ينفع ندخل بدل وقفتنا دي؟
وبدون أن يجيبها تقدم يفتح الباب لتتبعه وأغلقت الباب خلفها. بينما اتجه هو للأريكة وجلس فوقها بارهاق واضح. وثبت نظره على الأرضية اللامعة. اقتربت وجلست على المقعد المجاور له تنظر له تارة وتتنهد تارة أخرى. ظلت هكذا لدقيقتين على الأغلب حتى قررت الحديث: "باهر.. أنتَ كويس؟ أومأ برأسه والتزم الصمت. لكن تأكيده لم يفرق معها. فهي تدرك كذبه. لذا أصرت على الضغط عليه. فقالت بكلمات تبدو سخيفة: "كويس إزاي!
أنتَ والدك لسه متوفي امبارح! طبيعي تكون كويس يعني!؟ رأته يغمض عينيه وتهتز جفناه بشكل مبالغ. لا تعلم هل من العصبية أم يحاول التحكم في نفسه. وسمعته يقول بنبرة ارتعدت في آخرها: "أعمل إيه يعني؟ أقعد أنوح زي النسوان؟ ولا أروح أدَفن نفسي جنبه!؟ "مقولتش كده بس... قاطعه حين فتح عينيه وهو يردف بصوتٍ مرتفع قليلاً: "هو مدانيش فرصة لأي حاجة أصلًا. راح فجأة من غير حتى ما أودعه.. راح من غير ما.."
صمت وأخذ يتنفس بسرعة. وقد علت صوته تنفسه وكأنه يلهث. لتنهض على الفور وجلست بجواره تشاركه الأريكة. ودون تردد وضعت كفها فوق ذراعه تمسد فوقه بمؤازرة وتقول: "خرج اللي جواك يا باهر.. كتمانك ده وحش وهـ.." قاطعها حين تشنج جسده فجأة أسفل كفها. ورفع كفيهِ يغطي وجهه. لتسمعه ينخرط في نحيبٍ حارٍ. لتتساقط دموعها فورًا بتألم. وهي تجذبه لحضنها تحيطه بذراعيها بقوة وهي تقبل رأسه تارة. وتمسد بكفيها على ظهره تارة أخرى علّه يهدأ.
فقدان الأب شعور لا يوصف مدى بشاعته. وهذا في العموم. أما بالخصوص إن كان رجلاً صالحًا، حنونًا، متفهمًا، رحيمًا بأولاده. يكن غيابه جرحًا غائرًا لا يلتئم مهما مر الزمن. ولحظة فقدانه تكون كسرة حقيقية لظهر أولاده. كسرة لن تعالجها العمليات الجراحية ولا أمهر الأطباء. وتشعر أنك قفزت بسنوات عمرك لتصل لسنوات مضاعفة من المسؤولية. والهم، والحزن، والتشتت. وتقذفك الحياة لحيثما تشاء. فلا تجد من يواجه تخبطها بدلاً منك. وتحتمي أنتَ بظهره.. بظله.
*** توقفت السيارة ففتحت عينيها وقد ظنت أنها وصلت لحارتها المألوفة. لكنها قابلت مكانًا غريبًا لا تعرفه. مبنى معماري غريب عليها، جميل وأنيق، بشكل آثار قلقها. حتى المنطقة السكنية جميعها على نفس السياق. تلتفت حولها وهي بالسيارة ليزداد ذعرها وهي تدرك أنها في أحد الأحياء الراقية المنتمية للطبقة المخملية. عادت برأسها له في حدة تسأله بنظرات تطلق شرارًا: "أنتَ جبتنا فين؟ نظر لها عبر المرآة الوسطى، وأجابها بهدوء:
"بيتك يا حبيبتي." استشاطت أكثر لتضرب جانب مقعده بكفها بعنف وهي تصرخ بهِ: "بيت مين! أنتَ شارب حاجة! أنا لا يمكن أقعد هنا. رجعني بيتي فورًا. أنتَ سامع." "صوتك عالي أوي يا حبيبتي ومزعج بصراحة." قالها ببرود تام. فتعالت أنفاسها الغاضبة. وما كادت تطيح بهِ مرة أخرى حتى أوقفها حديث شقيقها: "خديجة، مش هتفرق كتير دلوقتي من آخر الأسبوع. مش كنتوا هتيجوا هنا آخر الأسبوع؟ ارتفع صوتها أكثر وهي تجيبه:
"ده كان قدام باهر الكلام ده. لكن عمري ما كنت هسمحله يحصل. أنا بس سكت عشان مش وقته وباهر فيه اللي مكفيه. لكن كنت ناوية أكلمه وأفهمه كل حاجة قبل الأسبوع ما يخلص." رفع مراد إصبعه وهو يردد بمرح زائف: "شوفي عشان نيتك دي. حصل موضوع تعبك ومينفعش أسيبك تكوني في البيت لوحدك." "ليه نوغة! رجعنا قولتلك." صرخت بالأخيرة ليضع كفه فوق أذنه بتأفف زائف. وعقب "مصطفى":
"معاه حق. أنا نفسي هبقى خايف عليكِ وأنا رايح الدروس أو المدرسة. وجودك هنا آمن. ده كمان فيه خدمة يعني حتى لو أنا وأبيه مش موجودين في عشرة غيرنا موجودين هياخدوا بالهم منك. ويلحقوكي لو حصل حاجة." "أنا بقالي سنين عايشة لوحدي وعارفة وضعي كويس مش محتاجة حد ياخد باله مني متعصبنيش أنتَ كمان. دي مش حاجة جديدة عليَّ! رفع منكبيهِ بعدم اهتمام بحديثها: "أنا مش هبقى مرتاح بعد ما عرفت. وهفضل قلقان عليكِ...
وقبل أن تتحدث كان يسأل "مراد" مبتسمًا: "قولي يا أبيه فيه pool جوه؟ حرك رأسه ببساطة: "طبعًا." "أنا بقول أنزل أشوفه لأحسن هموت وأشوفه على الحقيقة. مش في الصور وبس." أنهى حديثه وفتح باب السيارة مترجلاً منها. تحت نظرات الدهشة من "خديجة" التي صرخت باسمه بعصبية بالغة والحقته بسبة بذيئة لحد ما. قبل أن تحاول فتح بابها للنزول خلفه. لكن لم يفتح. "افتح الزفت ده أحسنلك."
قالتها وهي تشب على الباب بعصبية وقد أدركت أنه من أغلقه. ليلتفت بنصف جسده لها وهو يخبرها بنظرات ثابتة: "مش قبل ما نتفق." "نتفق! "سر من الماضي" "بعض الخبايا تظل سرًا لسنوات حتى يأتي الوقت الذي تُكشف فيهِ، وبعضها يظل سرًا أمد العمر، كالاسرار تمامًا فبعضها يُكشف وبعضها يُدفن مع صاحبه" "نتفق على إيه؟ مفيش اتفاق ممكن يجمعنا."
قالتها بعدائية واضحة. ليرفع حاجبيهِ مع زفرة قوية منه. يبدو أن الطريق سيكون أطول مما توقعه معها. ولكن هو نفسه أطول. تحدث بنبرة هادئة قدر المستطاع: "حبيبتي تعرفي إن... صرخت بهِ وهي تنهره على ما تلفظ بهِ: "متئولش حبيبتي دي. أنا... قاطعها وهو يقول باستفزاز:
"ماشي يا عمري. المهم خلينا في موضوعنا. تعرفي إن مصطفى بنفسه اللي طلب مني نييجي هنا النهاردة. يعني الحقيقة الموضوع كان في بالي بس هو سبقني وطلب مني ده. وأنتِ شوفتِ اهو سبقنا لجوه. فياترى هترجعي البيت لوحدك؟ "أنا استحالة أسيب أخويا معاك." كان يتوقع ردها. كان متأكدًا من عدم تركها لشقيقها لذا كان هو ورقته الرابحة. حدقته بنظرات غاضبة وتطاير منها شرارات الغيظ قبل أن تضرب بقبضتها الباب وهي تهتف: "افتح الزفت ده."
ضغط على زر فتح الباب وهو يخبرها بابتسامة ساحرة: "حسني ملافظك يا ضي. عيب كده." قطبت ما بين حاجبيها بتعجب وهي تسمع هذا الاسم منه. ولم تستطع كبح فضولها وهي تسأله: "ده إيه ده كمان؟ غمز لها بعينيه اليسرى وهو يخبرها: "هتفهمي بعدين. يلا انزلي خليني أفرجك على البيت." ضغطت على أسنانها وهي تردف بغيظ: "ده أنا اللي هفرج الناس عليك لو مبطلتش استفزاز." ضحك بخفوت وهو يردف قبل أن يترجل من السيارة: "أول مرة أكتشف إن لسانك طويل."
ترجلت هي الأخرى واستدارت حول السيارة لتقول ما إن وصلت له: "عشان زين مكانش يستاهل أوريه طولة اللسان دي. لكن أنت حتى طولة الإيد تستاهلها." "ده من كرم أخلاقك." أردف بها وسبقها للداخل تطأ قدماه فوق البساط الأخضر الممتد بمسافة كبيرة قبل أن يصل لدرجات قليلة تصل به لباب الفيلا الأبيض.
كانت تتفحص معالم المكان وهي تسير خلفه. مساحة خضراء لا بأس بها، مريحة للعين والنفس. والفيلا بأكملها طُليت باللون الأبيض "لونها المفضل في المنازل" تشعر أنه يبعث سلامًا من نوع خاص. بدا كالقصر رغم صغر حجمه. صعدت الدرجات القليلة وتخطت بابها لتنبهر بالتصميم الداخلي. كل شيء راقٍ بشكل لا يوصف. بعيد عن أي بهرجة أو مظاهر مستفزة للترف. مجرد ردهة صغيرة على الحائط الأيمن بها ثلاث طاولات متجاورات بعد الباب وفوقهم فازات بها ورود
جميلة. والحائط المقابل مرآة بطول الشخص. وعلى الحائط الأيمن أيضًا فتحة مدخل توقعت أنه للمطبخ ربما. والردهة تنتهي لردهة أخرى أكبر. واسعة وبها صالون فخم، وشاشة عرض ضخمة. وبمنتصفها درج عالٍ يصل للأعلى. بينما تحاط بزجاج يعكس الرؤية للخارج. ومنه استطاعت رؤية "مصطفى" وهو يقف على حافة المسبح الكبير. والذي يحاط بخضرة وكراسي طويلة وشمسية وبجواره حوض ملئ بالزهور. وقفت في منتصف الردهة تنظر للذي التف لها وهو
يخبرها بينما يشير خلفها: "الطرقة اللي دخلتِ منها على يمينك المطبخ وحمام وأوضتين للخدم. ودول أصلًا مش هيكون ليكِ أي علاقة بيهم بس حبيت أعرفك. والخدم ليهم باب على الجنينة على طول مش هيطلعوا من الباب ده. ولا هتشوفيهم في الفيلا غير لو طلبتيهم. وده الـ pool زي ما أنتِ شايفة وله باب خاص من الصالة. والباب ده.." أشار على باب آخر لم تكن منتبهة له يقبع على يمينها.
"هيخرجك على طريق فيه كل المولات والمعارض والنوادي الموجودة في الكمبوند. أي حاجة هتلاقيها هناك. تعالي نشوف فوق." "ناديلي مصطفى." أردفت بها وهي تهز ساقها بعصبية واضحة. وبدا أنها لم تهتم بأيًا مما قاله. رضخ لرغبتها ونادى على شقيقها الذي أتى فورًا وهو يهتف بسعادة وابتسامة واسعة لم تراها على وجهه من قبل:
"خديجة شوفتِ الفيلا حلوة إزاي. دي فيها كل حاجة. وال pool يجنن. ولا الورد اللي بره ريحته تحفة ومالية المكان. تعالي شوفيه مش أنتِ بتحبي الورد." تلجمت في الحديث وهي ترى حماسة شقيقها وسعادته. حاولت أن تتحدث أكثر من مرة لكنها أخفقت وهي ترى الفرحة تشع من عينيهِ. والجمها أكثر حين أكمل:
"بقولك إيه إحنا أصلًا مش محتاجين نروح الشقة ولا نجيب منها حاجة. إحنا ممكن نجيب بس الورق المهم والحاجات دي. لكن حتى اللبس مش محتاجينه. أبيه مراد قالي إنه هياخدنا بليل وننزل المولات هنا نجيب كل اللبس اللي عاوزينه... خديجة ده فيه هنا بلاستشين.. وفيه نادي كمان هقدر ألعب فيه كرة السلة اللي كنت هموت وأتعلمها." كيف لها أن تحطم آماله؟ كيف لها أن تحرمه من السعادة بعد أن حُرم منها طوال عمره؟
مصطفى لم يعش طفولته ولا صباه. دومًا أراد أشياء لم يحصل على القليل منها حتى. دومًا كان لديه طموحات كان موقنًا أنها مستحيلة النيل. حتى أبسط حقوقه في الطعام أو الملبس لم يحصل عليهِ كما أراد. وترددت في أذنيها القليل من شكواه سابقًا حين كان يفيض بهِ الكيل.. "نفسي آكل إيه؟ ده على أساس إني لو قولتلك عاوز آكل لحمة هتعرفي تجيبيها!
دي مبنشوفهاش غير كل عيد. إحنا آخر الشهر يا خديجة ومعروف إننا في الوقت ده مبناكلش غير الجبنة فبتسأليني في إيه! "أيوه يعني أروح ألعب كورة مع صحابي بالشبشب! ولا آخد الكوتشي الجديد عشان ينقطع وميبقاش عندي غير الشبشب برضو! "عشان من حقي أعيش زي صحابي. ده أنا حتى الكتب بيطلع عيني على ما بجيبها. وبتمرمط إني أروح لده وده أنقل منه الواجب على ما تعرفي تجيبيلي الكتب."
"مش هينفع أروح أتمرن كرة سلة في النادي اللي جنبنا. هم طالبين في الشهر ١٥٠ج اشتراك. هتدفعيهم إزاي ده أنتِ بتجيبي معظم طلباتنا بالقسط. والأكل بتدبري فلوسه بالعافية." "خديجة أنا مش بلومك والله. بس أنا نفسي أعيش حياة أحسن من دي. لكن أنتِ كتر ألف خيرك بتعملي كل اللي تقدري عليه. بس الحياة صعبة يا خديجة خصوصًا لما تكون اللي متحملة المسؤولية بنت صغيرة زيك وأنا مش عارف أساعدك." "خديجة مبترديش ليه؟
هتف بها "مصطفى" لتستفيق من شرودها. وابتسمت له بالكاد. بينما قد أخذت قرارها. ستضحي.. ستضحي للمرة التي لا تعلم عددها من أجل شقيقها. أمانة والدها لها. فوجهت نظرها لـ "مراد" تقول بجمود: "هطلع أتفرج فوق.." واستدارت صاعدة الدرجات بخطوات كارهة. وما إن غابت عن أنظارهما حتى شقت البسمة وجه "مراد" الذي تنهد براحة لم يظن أنه سيدركها. ثم نظر لـ "مصطفى" ورفع ذراعه يحيطه بهِ بحميمية بينما يثني على فعلته:
"جدع. عملت المطلوب منك واحسن كمان." "عجبتك؟ أنا عملت زي ما قولتلي بالظبط وبينتلها قد إيه فرحان ومتمسك بحياتنا الجديدة." أنزل ذراعه من عليهِ وأخرج محفظته ملتقطًا بعض العملات الورقية بينما يقول: "عجبتني جدًا. وادي مكافأتك زي ما وعدتك." التقطهم منهُ، وقال بجدية وصدق:
"أبيه أنتَ أكيد عارف إن لو مش متأكد إنك هتحافظ على أختي وبتحبها عمري ما كنت أوافق أتفق معاك ولا أقف في صفك. أنا كل ده مبيسواش حاجة قصاد سعادة أختي. بس أنا كنت شايف قد إيه كانت تعبانة وشقيانة في حياتنا القديمة. وعاوز أوفرلها هي حياة أحسن قبل ما أوفرها لنفسي. عاوزها تكون مرتاحة وتعيش حياتها أحسن من الأول لأنها عانت كتير أوي." ربط "مراد" على كتفه وهو يخبره:
"أوعدك إنك عمرك ما هتندم إنك وقفت في صفي وشوفتني الخيار الصح لأختك. أختك هتكون معززة، مكرمة معايا. وبكره تشوف سعادتها بعينك. بس الموضوع محتاج شوية وقت لحد ما تتقبل الحياة دي.." أومأ متفهمًا. وحاول تغيير الجو الكئيب. ليبدأ في عد المال وهو يسأله بمرح: "قولتلي دول كام؟ ابتسم "مراد" ابتسامة صغيرة وهو يخبره: "١٠٠٠ جنيه يا خفيف. مش كان اتفاقنا! أومأ مؤكدًا وقال:
"أصل أنا أكبر مبلغ مسكته في حياتي ٤٠٠ج وكانوا بتوع الدروس. فتلاقيني مرتبك." "المهم. أنا لازم أروح مشوار ضروري. مش هوصيك. عينك على خديجة عشان أنا مضمنهاش لحد باب الفيلا ده." وضع "مصطفى" كفه على رقبته وهو يردد ببسالة: "رقبتي. اتكل أنتَ على الله وهتيجي تلاقيها قاتلاني بعون الله." هز "مراد" رأسه يائسًا قبل أن يخطو للخارج مرة أخرى. فلديها أمر بالغ الأهمية يجب عليه إتمامه.. *** وبالداخل..
بالأعلى، سارت في ممر طويل متعرج حتى وصلت لآخر غرفة بهِ وقد مرت على سبعة غرف قبلها. قررت الدخول لها بما أنها لن تعود كل هذه المسافة مرة أخرى. وما إن حاولت فتحها لم تُفتح. فزفرت بضيق على حظها التعيس قبل أن تقرر فتح الغرفة التي تسبقها. ونجحت بفتحها. دلفت لتجدها غرفة جميلة وهادئة بشكل أراحها. فقررت البقاء فيها ولم تجد فضولاً لتفحص باقي الغرف. فاغلقت الباب وحرصت أن تغلقه بالمفتاح خلفها. وتحركت في الغرفة التي لم تحتوي سوى على فراش وثير وسراحة ومرآة طويلة وخزانة من الزجاج متوسطة الحجم. وأريكة بنية. وطاولتان أحدهما صغيرة قرب الفراش والأخرى متوسطة أمام الأريكة. وباب مغلق أدركت أنه للحمام الملحق.
خلعت نعليها وصعدت فوق الفراش لتنام ببطء فوقه كأنها تختبر تحمله لجسدها. وما إن أراحت رأسها حتى أغلقت عيناها... وبعد ثوانٍ كانت دموعها الغزيرة تنسدل على جانبي وجهها وصدرها يعلو ويهبط بتنفس سريع.. وشهقاتها بدأت في العلو رغمًا عنها... *** وصل لمنزله الآخر.. منزل والده على الأحرى.. دلف للداخل باحثًا عن والدته. لكنه اصطدم بمن لم يرد الاصطدام بهِ الآن.. والده الذي كان يخرج من مكتبه في طريقه للخروج من الفيلا..
توقفا الاثنان ونظراتهما لبعضهما تنم عن عاصفة ستندلع. والتي بدأها "مراد" وهو يقول: "ارتاحت؟ هديت لما عرفتها. ولا ده كان من قهرك إنك ملحقتش تبوظ جوازتي!؟ بدى وجه "حسن" باردًا وهو يجيبه: "كنت فاكر إني هسكت بعد ما روحت اتجوزتها من ورانا؟ "والي عملته ريحك يعني؟ "مش هيريحني غير لما ترجعها للمكان اللي جت منه." ابتسم بقسوة لا تظهر عليهِ كثيرًا ألا حينما يتعلق الأمر بشيء لا يقبل فيهِ التفاوض. وقال بابتسامة ساخرة ملتوية:
"حسن بيه. احتمالية إنك تدخل الجنة هي نفسها احتمالية إنك تعرف تبعدها عني." وبالطبع دخوله للجنة احتمالية صفرية بحتة! فأي جنة سيشم ريحها وهو لم يترك محرمًا إلا وفعله! ولا ينوي التوبة حتى. هز رأسه بلامبالاة بحديث الأول وقال: "هنشوف يا مراد بيه." تحرك "مراد" خطوتان وقال بعدها بخطورة متوحشة: "بس نصيحة متحاولش.. عشان اللي هيفكر يقربلها مش هبقى عليه. وأنتَ عارفني محدش عزيز عليَّ... غيرها."
أردف بكلمته الأخيرة مصححًا. ليستشيط "حسن" غضبًا والتزم الصمت. فلن يجدي الحديث نفعًا ولكن لنرى من سينتصر في الأخير. رأى والدته تدلف بكرسيها من الحديقة الخلفية. ليخبرها على الفور: "يلا يا ماما عشان هنمشي." "على فين؟ سألته "ليلى" بجهل. ليجيبها وهو ينظر لوالده بثبات: "لبيتي.. هتعيشي معايا ومع.. مراتي." "نعم ياروح أمك!
أردف بها "حسن" بعد أن خطى الخطوة الفاصلة بينهما جاذبًا "مراد" من ياقة قميصه بعنف. وقد تحولت ملامحه للشراسة كأنه سيفتك بهِ أمام ملامح الأخير الباردة. "سيبه يا حسن." هتفت بها "ليلى" بذعر وهي ترى تناطح الاثنان كأسدين يتقاتلان على فريسة للفوز بها. *** واثناء إغمض عينيها لاحت بذاكرتها ذكرى قديمة... تعود لها بعد وفاة شقيقتها.. "نعم؟ "قوليلي يا خديجة أنتِ مبقتيش تقعدي مع مراد زي الأول ليه؟ توترت وفركت كفيها الصغيرتان بتردد.
وكذبت وهي تجيب: "م... مفيش." "قولي يا خديجة متخافيش." هزت رأسها ثابتة على موقفها بالنفي. ليخبرها المتحدث: "أقولك أنا؟ عشان هو اللي قتل سارة مش كده؟ شهقت بصدمة وجحظت عيناها وهي تضع كفها فوق فمها بذهول. ولم تنطق. ليكمل المتحدث.. "يبقى صح. عمومًا أنا مقدر خوفك. خايفة ليقتلك في يوم زي اختك صح؟ لم تجب لفترة. ليصرخ بها بغضب: "ردي! هزت رأسها سريعًا بخوف موافقة على حديثه. ليبتسم بمكر مرددًا: "ده وارد يحصل فعلاً.."
واتسعت ابتسامته حين رأى ذعرها يزداد. وأكمل متلاعبًا بها: "أصل اللي يقتل مرة يقتل ألف. وخصوصًا إن مراد مبيشوفش وقت غضبه. واديكِ شوفتي النتيجة. عشان كده أنا حابب أساعدك وأنقذك." تلهفت للحل وللمساعدة التي كانت ترجوها طوال الليالي الماضية. فانتبهت له واحسنت الإنصات لحديثه وهو يقول:
"لازم تمشي من هنا. كلمي أبوكِ وامشوا من هنا في أقرب وقت. قوليله إنك خايفة من المكان ومش قادرة تفضلي فيه. واطلبي منه ترجعوا بلدكوا. ومتسبيهوش غير لما يوافق. حتى لو اضطريتي تمثلي إنك تعبانة وبتشوفي كوابيس كل يوم عشان يمشي. المهم تهربي يا خديجة سامعة؟ سألته بتردد وتوتر في آنٍ واحدٍ: "طب ومراد لو عرف...
"مراد مش هيعرف.. مش لازم يعرف حاجة. هتتعاملي معاه عادي جدًا وهتمشي من غير ما يعرف. وإلا مش هيسيبك وهتخسري فرصتك في إنك تهربي وتنجدي بنفسك. ها قولتي إيه؟ صمتت لثوانٍ تفكر. قبل أن تدرك أنه الحل الوحيد والأصوب لها. فهزت رأسها موافقة وهي تقول: "حاضر... عادت من ذاكرتها لتهمس وكأنها مازالت في الماضي: "حاضر..... حاضر يا حسن بيه." وها قد كُشف "سر من الماضي"... !!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!