حدقت بها "سارة" بأعين تموج بالغيظ الدفين الموجه لهذه المسكينة. وقالت بنبرة ضائقة: -أنتِ لسه بتلعبي مع مراد ليه؟ مش قولتلك متلعبيش معاه تاني؟ تجعدت ملامحها حزنًا واردفت تبرر بشفتين مزمومتين: -أصل هو معملش حاجة وحشة، بعدين أنا بحب ألعب معاه، كمان لو ملعبتش معاه هيزعل. عقبت بغضب: -ما يزعل، يعني خايفة على زعله ومش خايفة على زعل اختك؟ سألتها بحيرة: -أنا مش عارفة أنتِ زعلانة منه ليه؟ وليه بتقوليلي ملعبش معاه؟
زفرت بملل وهي تخبرها: -قولتلك مية مرة هو مش كويس، وأنا خايفة عليكِ منه. والحت "خديجة" في الاستفسار أكثر وهي تقول: -يعني إيه مش كويس؟ بعدين أنا بشوفك بتلعبي معاه وأنتِ الي بتروحي تكلميه، ليه بقى أنا لأ؟ وهو لو مش كويس بتكلميه ليه؟ تفاقم غضبها ويئست من إيصال مرادها للصغيرة وجعلها تنصاع لرغبتها. فرمته بنظرة قاتمة، غاضبة، وهي تقول قبل أن توليها ظهرها لتنام:
-براحتك، بس بكرة بقى تحصلك مصيبة بسببه وبسبب مشيك وراه، ده لو قالك تولعي فينا هتعمليها، غبية.. بتسمعي كل كلمة يقولهالك، براحتك أنا نصحتك عشان أنتِ اختي برضه، وخايفة عليكِ. "خديجة" لم تلقي لها بالاً وقتها، ببساطة لأنها اعتادت على سماع ما هو أكثر من هذا من شقيقتها، وكانت تنسبه إلى أن شقيقتها لا تحب وجود مراد حولهما، وقربه منها، ربما لأنها تراه يأخذ مكانًا هو حقها في حياة الأخرى.
ولكن كانت تعود لتسأل ذاتها، إن كان الأمر هكذا، إذًا لِمَ تسعى دومًا للتقرب منه؟ الحديث معه واللعب؟ لِمَ لا تفعل هذا معها هي؟ أليست هي بالأحق؟! *** يبدو أن "سارة" كانت على صواب، فقد زج بها في مصيبة لم تستطع الخروج منها من يومها. ليتها استمعت لها وابتعدت عنه، لِمَ عانت كل ما عانته للآن. ترجل من سيارته حين زاد قلقه عليها وعلى صمتها وشحوبها هذا. والتف سريعًا ليفتح الباب المجاور لها، فتحه وطلَ برأسه عليها
وهو يسألها بنبرة لهوفة: -خديجة؟ ردي عليَّ أنتِ كويسة؟ شهقت بقوة وهي تفيق من شرودها على صوته القريب جدًا منها، القريب حد الخطر! فنظرت له بأعين زائغة غير مدركة متى أصبح وجهه مقابل وجهها بهذا الشكل. انتفضت بجسدها تبتعد للجانب الآخر قدر استطاعتها وقد لمعت عيناها بخوف غير مبرر بالنسبة له. وهي تهتف بارتعاش: -أنتَ عاوز إيه؟ أنتَ مقرب كده ليه؟ ضيق ما بين حاجبيهِ غاضبًا وهو لا يصدق مدى خوفها.
ربما توقعه منها في أول الأمر، لكن بعد مرور ساعات من التعامل الذي كان أفضل من توقعاته بكثير ظن أن الأمر أهون مما توقعه، لكنها الآن تثبت العكس وكأنها لم تكن قد استوعبت حقيقته بعد، أو لم يكن قد أخذ عقلها رد الفعل المناسبة! -هكون عاوز إيه؟ أنا بقالي كتير بنادي عليكِ مبترديش شكلك قلقاني. لم تجيبه ولم تعطيه أي اهتمام فقط ترجلت من السيارة من الجهة الأخرى، وأسرعت في خطواتها تجاه باب المنزل.
ولكنه كان أسرع، فأمسك بذراعها في مدخل المنزل وهو يديرها له بنزق مرددًا: -ده بجد؟ أنتِ بتهربي زي العيال؟ ارتعشت تحت قبضته وخيم الرعب على ملامحها أكثر وهي تحاول انتزاع ذراعها منه مرددة بارتعاش: -ابعد، سبني أنا عاوزة أطلع. وتحت محاولتها للفرار ظهر إصراره وتعنته وهو يخبرها بقوة:
-مش هسيبك، لازم تفهمي الأول، لازم نصلح علاقتنا ببعض.. خديجة في أحلامك بس ممكن تحلمي إني أبعد عنك أو أطلقك، إحنا عمرنا ما هنبعد، عشان كده لازم نصلح الأمور بينا. صرخت بهِ ولم تهتم لأي شيء آخر وهي تتملص من قبضته: -ابعد قولتلك، أنا مش عاوزة أبقى كويسة مع حد.. ابعد أرجوك أنا مش طايقة أشوفك. -لييه؟ ليه كل ده؟ قولتلك مية مرة مقصدتش أأذيها، هفضل أبرر لامتى وأنتِ امتى هتفهمي؟ كفاية يا خديجة بقى كفـــــاية..
صرخ بها بسأم واضح، فلم يعد لديه ما يشرحه لها، وتبريراته لتلك الحادثة انتهت، وهي تصر على أفكارها ولم تتزحزح عن موقفها تجاهه. جحظت عيناه المظلمة مع صرخته الأخيرة، وتلون وجهه بحمرة الانفعال والغضب. فزاد رعبها، ولم تعد قدميها تحملها، لم تستطع التحمل أكثر، فكل ما لاقته اليوم أكثر من قوة تحملها. زاغت عيناها بغير هدى، وارتخت أعصابها وأعلنت الاستسلام. فسقطت أمامه عيناه التي جحظت أكثر ولكن بخوف هذه المرة.
وأسـرع يحتضنها بذراعيهِ قبل أن تلامس الأرضية الصلبة، ردد اسمها أكثر من مرة ولكن لم تستجيب. فحملها بين ذراعيهِ متجهًا لسيارته، ووضعها في المقعد الأمامي برفق محيطًا إياها بحزام الأمان. وقبل أن يستقل مكانه ضرب السيارة بقبضته يسب بعنف فقد نسي شقيقها الماكث بالأعلى. أغلق الباب وركض بخطوات سريعة للمنزل صاعدًا درجاته بسرعة، حتى وصل لباب شقتها فدقه على عجالة. حتى فتح "مصطفى" الباب وعلى وجهه التعجب من قوة الدق. لم يمنحه
فرصة للحديث فقط أخبره: -تعالى معايا. والرغبة في اصطحابه كانت أمانًا له إن فاقت "خديجة" في أي وقت فهو يعلم جيدًا أنها ستطمئن بوجود شقيقها. *** -حرام عليكِ ياما، أنتِ هتعملي معايا أكده ليه؟ مش بتك أنا أكده! هتفت بها "فريال" بسأم ونفاذ صبر، فها هي منذ ساعتان تجلس نفس الجلسة تحاول استمالة والدتها لتقف في صفها ضد إبراهيم لتكمل تعليمها. لكنها لا تُستمال، كالصخر الجامد لا تلين، تستمع لها بملامحها الجامدة دون رد فعل.
حتى صرخت بها أخيرًا: -رُدي ياما متسكتيش أكده! رُدي الله يكرمك أنا أعصابي متحملش. تخلت عن جمودها وقد نفذ صبرها هي الأخرى وأردفت بضيق واضح: -وه! ماخلصنا بجى، بكفياكِ لت ولعجن، حديثك لا هيجدم ولا هيأخر، إبراهيم جوزك واللي هيجوله هيمشي، لاهو بحديثي ولا بحديث غيري، فريحي نفسك يابنت بطني. تهاوت دموعها أكثر وأكثر وهي تسألها بنبرة وجع: -أنتِ متأكدة إني بنت بطنك؟ مابينش ياما. رفعت حاجبها ساخرة وسألتها بفظاظة:
-وأثبت لك كيف يا حلوة، بأني أقف جدام جوزك وأعارضه، وياريت هعارضه في الغلط لا ده أنا هعارضه في الصح، وجتها أبقى أمك! -صح! فين الصح اللي هتتكلمي عنه؟ مش شايفاه ياما، كيف عاوزني أهمل علامي بعد سنتين، كيف يا عالم عاوزين تضيعوا سنتين من عمري أكده؟ قالتها بقهر حقيقي، وهي تشيح بذراعيها معبرة عن يأسها وقلة حيلتها. وانتفضت واقفة حين سمعت "سرية" تقول بينما تحدقها بتحدي: -شكلك اتوحمك ضربي، وماله مانتي من زمان محدش جابك من شعرك.
وقبل أن تذهب من أمامها هاربة لغرفتها حدقتها بنظرة أخيرة. نظرة خيبة، ويأس، ويزينها سؤال لِمَ؟ سؤال لن تجد إجابته. وتكملته هو لِمَ لا تعاملها والدتها كأم تعامل ابنتها؟ لِمَ تشعر بأن والدتها تكمن لها كرهًا حقيقيًا غير مبررًا؟ والنظرة لم تؤثر بمقدار انشٍ واحدٍ بهذا الحجر الجامد، بل بالعكس رددت بخفوت بعدما ذهبت "فريال" من أمامها:
-ياريتني خلصت منك كيف ما سويت في اللي جابلك، كان زمان راسي ارتاحت.. جال خلفة بنات جال، مبيجلبوش غير الهم والغم. *** اقتربت منه ببطء تحيط عنقه بذراعيها وهي تهمس له بدلال: -وحشتني. لم تلين معالم وجهه، ولم يتخلى عن جموده، حتى أنه لم يكلف نفسه عناء إحاطتها بذراعيهِ هو الآخر. تنهدت بهدوء وهي تخبره بضيق مصطنع: -مش معقول قساوة قلبك يا طارق، بقى بقولك وحشتني وأنتَ ولا اتهزيت حتى! مستكتر تقولي أنتِ كمان؟ ابتسم ابتسامة
سمجة وهو يخبرها بغير رضا: -وأنتِ كمان، كويس كده؟ قالها وازال ذراعيها من حوله ليتجه لأحد الكراسي وجلس فوقها بهدوء ووجوم. زفرت بضيق بدأ يتسلل لها وهي تراه صلد الرأس هكذا، هي تعرفه، وتعرف أنه صعب الخصام، وحين يأخذ موقفًا يحتاج لوقت ومجهود كي يُصالح. لذا اتجهت له بابتسامة صادقة قبل أن تجلس فوق قدميهِ عنوة. وزادت ابتسامتها وهي تراه يشيح بوجهه للجانب رافضًا أي محاولة منها.
وما يشفع له عندها أنها تعلم جيدًا أن رفضه ظاهري، وإلا لِمَ ألحت عليهِ لتراضيه. -طروقتي، طقطوقة.. التفت لها يحدقها باشمئزاز مرددًا بضيق: -طقطوقة! أحاطت وجهه بكفها وهي تقرب رأسها له هامسة بابتسامة: -ممكن أعرف ليه الزعل ده كله؟ قرر إنهاء الصمت ومواجهتها فعقب بغضب وعقله يستعيد تلك الدقائق السخيفة: -يعني مش عارفة! محتاجة تسألي؟ معتقدش إن شغلك معاه بيحتاجك تقربي كده. رفعت حاجبيها بدهشة وهي تجيبه:
-طارق متكبرش الحكاية، كل ده عشان مالك عليَّ يهمسلي بحاجة؟ انتفض واقفًا فسبقته واقفة بطبيعة الحال، وأردف بضيق بالغ: -ده بجد؟! ده أنا مكنتش شايفك منه، عاوز يهمسلك بحاجة يميل عليكِ الميلة دي؟ ده كان كأنه حاضنك! عذرت غضبه وهي تتخيل كيف رأى الوضع من بعيد، لذا أخبرته بهدوء:
-ده اللي يبان من بعيد، لكن أقسم لك يا طارق إنه كان في space "فراغ" بيني وبينه، هو آه مش كبير بس مش زي ما أنت متخيل والله، أكيد مش هسمحله يقرب بالشكل ده، يمكن عشان هو بس أطول وأعرض مني فلما وقف قدامي ومال شوية طلع الوضع بالشكل ده، أرجوك متكبرش الموضوع بقى. زفرة قوية صدرت منه قبل أن يبتعد وهو يهدر بها: -أنا تعبت.. تعـبت ومبقتش متحمل الوضع ده. اقتربت منه ووضعت كفها فوق كتفه تهدئة وهي تهتف برفق:
-هانت يا طارق، هانت.. باقي شهرين بس وبعدها كل حاجة هتنتهي. التف لها وهو يهتف بسخرية: -ولو غلطنا غلط واحد، إحنا اللي هننتهي. قطبت ما بين حاجبيها بضيق وهي تسأله: -في إيه يا طارق؟ أنتَ عمرك ما كنت متشائم كده، ده أنتَ اللي كل مرة كنت بيأس أو بمل فيها كنت بتهون عليَّ وتطمني! غامت عيناه بسحابة تعب حقيقي وهو يردف: -تعبت، مش من حقي أتعب؟ أنتِ عارفه بقالي كام سنة في الدوامة دي؟
وعارفة بقالنا قد إيه مخبيين علاقتنا بسبب الحوار ده. مدت ذراعيها تمسك كفيهِ بتشجيع وهي تجيبه: -عارفه، بس بعد الصبر نصر.. إيه مش كنت دايمًا تقولي الجملة دي! أومئ برأسه بإرهاق حتى من الحديث. ليجدها تقترب أكثر وهي تغمز له بعينيها اليسرى تحاول إخراجه من حالة اليأس التي تلبسته وهي تقول بدلال: -بعدين قولتلك وحشتني، هو أنا موحشتكش بجد ولا إيه يا طقطوقة؟! حرك رأسه يائسًا منها وهو يخبرها بصدق: -وحشتيني يا عيون طقطوقة..! ***
وصل بها لمستشفى خاصة يعرفها. ترجل سريعًا والتف لجهتها حاملاً إياها بلطف وكأنها قطعة زجاج يخشى كسرها، ودلف بها للمستشفى. ليطلب من الممرض الذي قابله أن يسرع بجلب طبيب، ودلف بها لغرفة الطوارئ الذي يعلم مكانها. وضعها فوق الفراش ووقف جوارها محتفظًا بكفها في يده، يمسكه بقوة وكأنها ستهرب، هذا ما يبدو. لكن الحقيقة أنه يستمد الثبات منها، فقلبه ينتفض خوفًا عليها. أتى الطبيب وهو لم يتحرك من موضعه، ليهتف الأول بهدوء:
-لو سمحت تتفضل بعيد شوية عشان أكشف. نظر له بجمود وهو يردف بنبرة وقحة: -هو أنا مضيق المكان؟ ماتكشف! من نظرته ورده أدرك أن الواقف أمامه ربما وجه إجرام! وهو رأى الكثير من الشخصيات المماثلة والتي يفضل تجنبها. لذا اكتفى برميه بنظرة ضائقة قبل أن يبدأ في الكشف. والأخير يقف كمن يقف على الجمر، رافضًا التلامس الطفيف الذي يحدث بين الطبيب وبينها. لكنه يكبح لجامه فقط كي يطمئن عليها.
ثواني وانتهى الطبيب من الكشف، ليطلب من الممرضة أن تأتي بمحلول ملحي وحقنة ما. -خير؟ أردف بها "مراد" باقتضاب واضح. لينظر له الطبيب بضيق من طريقته الفظة، لكنه أجاب بعملية: -غيبوبة سكر. رمش باهدابه غير مستوعبًا ما سمعه، ليسأله بملامح متأرجحة بين الخوف وعدم الاستيعاب: -إيه؟ وهنا صدح صوت "مصطفى" يسأل هو الآخر بخوف: -سكر إيه؟ هي معندهاش سكر! تعجب الطبيب من جهلهم بالأمر، ليهتف: -انتوا متعرفوش!
لا عندها مرض السكري، وواضح إنه بقاله فترة معاها. صدمة. لن ينكر أنه صُدم بهذه المعلومة، فعامان كاملان قريبًا منها ولم يعلم بإصابتها بمرض كهذا! خفتت انفاسه وهو يشعر بقرب فقد سيطرته على ذاته. لكن بضغطة واحدة على كفها امدته بالسيطرة دون أن تعلم، فهدأ ذاته وسأل الطبيب بجمود واضح: -أنا عاوز أفهم أكتر. يفهم جملته فسأله هو الآخر: -تفهم عن إيه؟ أجابه باقتضاب: -عن المرض.. ليه جالها والمفروض أتعامل معاه إزاي؟ ضيق الطبيب
عيناه باستغراب يسأله: -تتعامل؟ هو حضرتك اللي هتتعامل مع المرض! المفروض المريض هو اللي يفهم ويعرف خطورة المرض وإزاي يتعامل معاه. أغمض عيناه بنفاذ صبر، ولازمته زفرة قوية منه. ثم فتحهما وهو يقول: -هي مش مهتمة بصحتها، فقررت أهتم أنا، فيه مشكلة؟ تنحنح الطبيب بحرج وهو يسأله: -حضرتك تقربلها إيه؟ أجابه بحنق: -جوزها، ويا ريت التحقيق يكون خلص، عشان صبري فنذ.
جاءت الممرضة بما طلبه الطبيب فأسرع يعطيها حقنة الأنسولين ويدعم جسدها الذي يبدو أنه لم يتغذى منذ وقت بالمحلول. وهو يجيبه: -حضرتك سبب المرض بيكون متعدد، ياسبب وراثي، أو بسبب حمل وده بيكون مؤقت، أو بسبب اضطرابات في وظائف الجسم، وممكن بسبب الحالة النفسية السيئة المستمرة لفترة طويلة أو الاكتئاب و.. -كلمني أكتر عن السبب الأخير..
-ده بيكون مرض من النوع الثاني، بيكون بسبب الحزن الشديد لفترة طويلة أو مشاكل نفسية، بتسبب لخبطة في الجسم فممكن وقتها يصاب بالسكري، وعمومًا لازم تاخد بالها من صحتها أكتر، تنظم أكلها وتبعد عن النشويات والسكريات، ومتبذلش مجهود جامد، وكمان تلاحظ مستوى السكر باستمرار، لما تحس بأي بوادر لأن مستوى السكر واطي أو عالي لازم تاخد حقنة الأنسولين قبل ما يحصلها إغماء، ويفضل تبعد عن الزعل والعصبية أهم حاجة، لأنها بتلعب في مستوى السكر بسرعة فيسبب إغماء وميلحقش المريض ياخد الأنسولين.
طفق الحزن على ملامحه وهو يسأله بنبرة مهزومة خفية: -تعرف إزاي إن فيه مشكلة في مستوى السكر؟ -هتحس بأعراض زي الدوخة أو الهبوط الشديد، أو العرق الغزير، أو الصداع الشديد اللي بيصاحبه شعورها بالتقيؤ، وممكن كمان تشتري جهاز قياس السكر، وده هيفيدها كتير أوي. -إيه الجهاز ده؟
-ده جهاز فيه منه أنواع كتير بيبقى له سلكين وبلزق بيتلزق في البطن والجهاز نفسه، جهاز لوحي عادي قد كف الإيد بيتحط في جيب المريض وبيقيس مستوى السكر باستمرار وفي حالة الارتفاع أو الهبوط بيدي إنذار. -إيه أفضل نوع له؟ -هقولك على نوع كويس جدًا لسه منزلش مصر تقدر تطلبه من ألمانيا، وأسهل في الاستخدام، هو مجرد لاصق بيتحط على الدراع أو في أي مكان والجهاز منفصل مش متصل بيه، بس غالي شوية، يعني ممكن يوصل ل....
قاطعه وهو يخبره بحزم: -ميهمنيش السعر، اطلبلي الجهاز ده فورًا، واطلب ييجي في أسرع وقت حتى لو هيكلف مصاريف مضاعفة. أومئ برأسه موافقًا وانسحب من أمامه تاركًا إياه معها و"مصطفى" يقف بالقرب من الباب. عيناه ممتلئتان بالدموع، وهو ينظر لشقيقته بخوف حقيقي يشعر بهِ لأول مرة. يخشى أن تتركه يومًا كما فعل الجميع، فلم يعد لديه غيرها. ربما يتشاجران كثيرًا، لكنه يقسم أنه يحبها أكثر مما تتخيل.
وكيف لا وهي والدته التي اعتنت بهِ، ووالده الذي سعى ليحقق له مطالبه ويمنحه حياة مستقرة، وشقيقته التي تخشى عليهِ وتحاول دومًا أن تدفعه ليكن في حال أفضل، وصديقته التي تتفهمه حين يحكي لها عن مشاكله وأزماته. هي كل شيء له، فكيف لا يفعل! -متخافش يا مصطفى، هتكون كويسة. نظر له وقد سقطت دموعه تعبر عن عجزه، ليهتف بخوف: -هي مقالتش قبل كده، أنا خايف تسيبني. أخبره بقوة ناهرًا إياه عن التفكير بهذا الشكل:
-متقولش كده، مش هسمح يحصلها حاجة وحشة، كن متأكد أنها هتكون بخير. حرك "مصطفى" رأسه بلا معنى وعيناه مسلطة عليها. كما فعل "مراد" الآن، حين نظر لها وقد نجح في كبح دموعه وحبسها في مقلتيهِ. وردد بسخرية لذاته "مصرة تعذبيني يا خديجة، حتى من غير ما تقصدي"! *** صباح اليوم التالي... نزلت درجات السلم الداخلي للفيلا بسرعة رهيبة كادت تسبب سقوطها عدة مرات.
لكنها لم تهتم، فكل ما يهمها أن تلحق ذلك المجنون الذي يجالس صغيرها في حديقة الفيلا، كما طلب! فقد طلب منها في صباح اليوم أن يجالس صغيره بحرية دون وجودها، والآن ومن شرفة غرفتها رأته من بعيد يكاد يرتكب كارثة. أسرعت في ركضها لتصل للصغير تلتقطه من فوق قدمه بعنف وتعانقه بقوة لهوفة، جعلته يغضب وهو ينظر لها بسأم. ولم يمنع نفسه من التعقيب على فعلتها وهو يقول بسخرية: -إيه ناقص إيد ولا رجل!؟ نظرت له بشرار منبعث
من عينيها وهتفت بغضب: -أنتَ كمان بتتريق! أنتَ كنت هتعمل مصيبة دلوقتي، عُمر عنده حساسية من الشيكولاتة اللي حضرتك رايح تاكلهاله من غير ما تسألني. اختفت سخريته وقطب حاجبيهِ بقلق متسائلاً: -حساسية؟ -أيوه حساسية، جسمه كله بيورم لو كل شيكولاتة، فهمت ليه جيت جري وصرختلك من فوق. زفر انفاسه بضيق معقبًا: -ياريت تبقي تبلغيني بكل التفاصيل اللي تخصه عشان منحطش في موقف زي ده تاني.
رفع صوته مناديًا على المربية الخاصة التي جلبها خصيصًا للاعتناء بهِ في صباح اليوم رغم رفض "رنا". -ماري. أتت الشمطاء المسماة بماري، لتنظر لها "رنا" بضيق وحنق. لِمَ عليها أن تكون جميلة ومقسمة بهذا الشكل، أي مربية هذه! أنها تشبه ممثلات هوليود بدون منازع. أخذت الطفل من بين ذراعيها تحت ملامحها الرافضة. وما إن ذهبت حتى قالت مبدية رفضها: -أنا مش محتاجة مربية لابني، ده من كتر مشاغلي يعني! مانا فاضية ومش ورايا حاجة.
ابتسم ابتسامة غير مفهومة وهو يسألها: -مين قالك إنك فاضية!؟ قطبت ما بين حاجبيها باستغراب: -يعني إيه؟ ابتسم لها وهو يقترب حتى أصبح على بُعد عدة خطوات قد يجتازها في خطوة واحدة من قدميهِ الواسعتان. فزاغت عيناها رغمًا عنها وهي تشعر بهيمنته عليها، لطالما أسرتها طِلّته وهيمنته هذه قديمًا. والآن وبعد غياب وعودة زادت فيهم طِلّته وأصبحت تأسر أكثر، بدا الأمر مربكًا. فقد أصبح أكثر ضخامة وهيبة، وهي تضعف أمام هذه الهيبة.
لكن ليس الآن.. ليس الآن.. رددتها أكثر من مرة وهي تشيح بنظرها عنه. ولكنه لم يغفل أبدًا عن نظراتها له. ولأنه أراد أن تأخذ حريتها في التعامل معه لم يعقب. بل قال بهدوء: -أنا عملتلك أتيليه لفساتين الأفراح والسهرة.. مش أنتِ كان دايمًا نفسك تعمليه؟ جحظت عيناها وهي ترفع رأسها له على الفور، وتجمدت ملامحها من الصدمة. بينما لسانها يسأل: -بس.. بس أنتَ رفضت وقتها. أومئ برأسه وهو يخبرها بصدق:
-خفت حاجة تشغلك عني، ومكنتش عاوز الناس تشوفك.. مكنتش عاوزك تكوني فاضية لحد غيري، بس حاليًا، أنتِ أوردي انشغلتِ بسي عُمر، وأنا كمان انشغلت أكتر ومبقتش موجود أغلب بالنهار وبرجع بليل متأخر، فأيه المانع تشغلي نفسك وتحققي حلم حياتك.. افتكر إنك قولتيلي على الأتيليه ده من أول ما اتجوزنا وقولتي كمان إنه حلمك من زمان. نظرت له في حيرة، بين السعادة والجمود، فها هو حلم حياتها يتحقق ولكن. والأزمة في ولكن!
فهل تقبل أن يتحقق حلمها بماله الذي تعلم مصدره جيدًا، أو هل تقبل أن يتحقق حلمها وهي تعلم يقينًا أنه يفعل هذا فقط ليجلبها لصفه مرة أخرى ويكسب جانبها. نظرت له بنظرات حائرة ولكنها حسمت قرارها أخيرًا وهي تقول بينما عيناها لا تفارق عيناه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!