الفصل 7 | من 30 فصل

رواية بك احيا الفصل السابع 7 - بقلم ناهد خالد

المشاهدات
20
كلمة
4,011
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

قالت وهي تشير لذاتها بعصبية وعدم تصديق في آنٍ: "أنا قتلته! طب ليه! أنا مكنتش عاوزة أبقى كده." وجلست فوق الأرضية الباردة بتعب وإرهاق نفسي، وهي تبكي بمرار. وهو يتابعها بقلة حيلة، فأي حديث قد يقوله يمكن أن يخفف عنها. لقد زل لسانه وانتهى الأمر. أصبحت الآن على دراية بما استطاع خفيه لعامين وأكثر. والحق أن كل شيء لابد له أن يُكشف يومًا.

اقترب منها يقف أمامها، ثم جثى على ركبتيه أمامها يتابعها بتأثر، قبل أن يقول بنبرة حنونة يحاول فيها تخفيف صدمتها وآلامها: "أنتِ مبقتيش كده بمزاجك. أنا لو حد دخل عليَّ دلوقتي وحاول يسرقني وقاومته، ولاقيته كان هيقتلني فسبقت وقتلته. وقتها محدش يلومني، ده في بيتي وبيتهجم عليَّ. ولو مكنتش قتلته كان سبقني وعملها، والقانون يبرئني." نظرت له تسأله بإدراك: "والقانون مبرأنيش ليه!

ليه اتصرفت من دماغك وخفيت الجثة رغم إن القانون كان هيبرأني!؟ رفع رأسه بثبات وهو يجيبها: "عشان وقتها خوفت عليكِ، وحالتك وانهيارك اللي كنتِ فيه مخلانيش أفكر. بعدين مكنتش أعرف عن القانون لأن عمري ما قريت عنه ولا دخلت في مشكلة قانونية عشان أفهم. أنا فهمت ده بعدين لما واحد صاحبي اتعرض لمشكلة مشابهة."

وصدقته لأنها ليست بحال يسمح لها بالمجادلة أو الشك. ولكن حتى وإن كان خارجًا عن إرادتها، حتى وإن كانت قتلته بلا جرم، فهي في النهاية قتلته. ارتعش كفها وتجعدت ملامحها ببكاء وهي تنظر له وتخبره بانهيار: "بس قتلته.. حتى لو مش مذنب، قتلته ودمه على إيدي.. إزاي قدرت أعمل كده؟ أمسك ذراعيها بكفيه يضغط عليهما برفق وهو يخبرها بالحقيقة التي يغفل عنها عقلها الآن:

"قتلتيه عشان تعيشي.. عشان كان هياخد منك شرفك، كنتِ بتدافعي عن نفسك يا خديجة." رفعت نظرها له وبعينيها نظرة لم يفهمها، وظلت صامتة لثوانٍ قبل أن تلقي بقنبلتها المدوية وهي تقول: "زي ما كنت بتدافع عني زمان! فغر فاهه وظل كالصنم أمامها لثوانٍ أخرى يستوعب جملتها ويربطها بنظراتها، ليتأوه بقوة وهو يقول بعدم تصديق وتعب كمن ركض ظهرًا باحثًا عن مخرج وبالأخير رأى نورًا يأتي من بعيد: "أخيـــــرًا، فهمتِ أخيرًا يا خديجة!

صدقتِ إن أنا كمان مش مذنب والي عملته كان بنية الدفاع عنك ومكنتش أعرف إنها هتوصل لكده." حركت رأسها باستسلام، وأردفت: "فهمت.. عشان بقيت في نفس الموقف، فهمت عشان بقيت زيك، بقينا متعادلين زي ما قولت." احتضن وجهه بكفيه يتلمس رد فعلها، ليجد الهدوء فقط هو ما قابله. لم تبتعد ولم تنفر ككل مرة. فتشجع وانتفخ صدره بالراحة وهو يقول بنبرة تجسد بها كل معاني الرفق والاحتواء:

"لا يا ضيَّ، لا مش متعادلين. وعاوزك تنسي خالص اللي حصل. لو عاوزة تفتكري ذنبي أنا بس أنا موافق بس متحسيش إنك بقيتي زي اللي بقالك سنين شايفاه مذنب. متسامحنيش عشان بقيتِ زيي، سامحيني عشان فهمتِ وقدرتِ موقفي.. غير كده أنا مش عاوز مسامحتك." تنهدت بقوة قبل أن تخبره بصدق نبع من عينيها:

"مسامحتكش عشان بقيت زيك، سامحتك عشان فهمت.. فهمت اللي بقالي سنين مش عارفة أفهمه. أنا كمان مكنتش أقصد أقتله وكنت بدافع عن نفسي، زي ما أنتَ عملت! بس هو ليه دايماً مقابل حياتي يكون فيه خسارة لحياة شخص تاني! أنا مش عاوزة أكون مؤذية للي حواليا بالشكل ده." ابتسامة صغيرة زينت ثغره، ابتسامة حنونة أكثر من كونها سعيدة، وصوته يتسلل لها وهو يقول بنبرة هادئة:

"أوعي تقولي كده تاني. أنتِ عمرك ما كنتِ أذى للي حواليكِ، بالعكس، يعني كفاية إنك معيشة بني آدم ولا دي حاجة هينة يعني؟ قطبت حاجبيها بتعجب وهي تمسح دموعها بكفيها بينما تقول بنبرة باتت هادئة: "معيشة بني آدم إزاي يعني؟ هز رأسه بتأكيد وهو يخبرها: "آه، معيشة بني آدم اللي هو أنا، معيشاني... يعني إنك سبب إني لسه عايش، معيشاني يعني كل حاجة في حياتي مرتبطة بوجودك.. حتى النفس اللي بتنفسه، فمن غيرك...

أكيد فهمتِ إيه اللي هيحصل، يبقى معيشاني ولا لأ! غامت عيناها بنظرة مقدرة. كيف له أن يسرق نفسها منها بكلماته هكذا! تلك الكلمات التي لطالما سمعتها من "زين" اليوم تسمعها من "مراد" وهي مرحبة بها!

لم تكرهها لأنه يسمعها منه بعد أن علمت حقيقته، بالعكس.. تدرك الآن مدى صدقها، تعلم أنه لا يبتذلها، هو بالفعل يشعر بكل حرف يقوله. من ركض ورائها سنوات يبحث عنها ويزيف هويته لأجلها يستحق أن تعطيه فرصة. لأول مرة عقلها يدرك تضحياته الكثيرة من أجلها. لتجد لسانها يقول بموافقة عقلها وقلبها:

"تعرف إن عمري مانسيتك.. طول الوقت كنت في خيالي وفي منامي، كنت في خيالي بفتكر ذكرياتي اللي عقلي فضل حافظها معاك، وف منامي كنت بتخوفني وبترعبني، كل مرة كنت بشوفك بتقتلني.. ودلوقتي بس أدركت قد إيه كان حلم سخيف وغبي.. إزاي كنت بشوفك بتقتلني وأنتَ قتلت عشاني! طب أقولك سر.... لابد أنه يحلم! وياله من حلم جميل، "خديجة" هي من تقول هذه الكلمات! والادهى أنها تسترسل معه في الحديث وستخبره سرًا!

وعلى رأس كل هذا أنها ستفعل وهي تدرك أنه "مراد". وبحالمية كان يخبرها: "قولي سر.." تنهدت بهدوء قبل أن تبدأ حديثها: "أوقات كتير كنت بتبقى الجندي المجهول في حياتي، ساعات كتير كنت بفتكر كلامك معايا وأنا صغيرة وتشجيعك ليَّ في موقف معين وده يشجعني، وخصوصًا كلامك المحفز اللي كنت دايماً تفضل تقولهولي." قطب حاجبيهِ بعدم تذكر مصطنع: "كلام إيه مش فاهم؟ أجابته باستغراب: "مش فاكر إزاي ده أنتَ كنت دايماً تقولهولي! أصر على موقفه

وهو يخبرها بحجة واهية: "مانتِ عارفة بقى يا ديجا، يعني أوقات الواحد بيعدي على ذاكرته حاجات بتسقط منه." "ماكر أنتَ يابن وهدان! " رمى بكلمته المحببة التي تبغضها في وسط حديثه ليرى أثرها عليها. أستغضب كالعادة! أم أن اليوم هو يوم سعده! وقد كان. هي لم تغفل عنها، وشعرت ببعض المرار بحلقها فور سماعها لها، لكن تخطتها. تجاوزتها لأنها يجب أن تفعل، بعد أن أدرك عقلها حقائق كان يغفلها.

"أوعى في يوم تضعفي، متسمحيش لحد يكون سبب كسرتك أو يحط صباعك تحت ضرسه، لازم دايماً تكوني حرة.. محدش يقدر يجبرك على حاجة." "خذي حقك حتى لو من مين، متعمليش حساب لحد مادام هو وهو بيظلمك معملش حساب ليكِ ومفرقتيش معاه." "شوفي نفسك دايماً كبيرة، ساعتها هتجبري الكل يشوفك كده." أنهت الثلاث جمل التي قالتهم تذكره بحديثه معها سابقًا، ليُدهش وتتسع عيناه ذهولاً، لا يصدق أنها مازالت تتذكر!

لقد كانت صغيرة، ومرت الكثير من السنوات كيف تتذكر للآن! "أنتِ لسه فاكرة؟ إزاي؟ أنتِ كنتِ صغيرة و... قاطعتها تخبره:

"بس كل جملة من دول كان فيها موقف عمري ما هنساه، ويمكن هو اللي مخليني لسه فاكرة.. أول جملة لما باباك ضربك في مرة عشان خسرت بطولة، وقتها بعد ما فضلت تعيط شوية قلت لي الكلام ده، عشان أنتَ أصلاً مكنتش حابب الرياضة دي.. والثانية لما باباك حبسك في الأوضة أربع أيام عشان عرف إنك لسه بتكلمني.. بعد ما خرجت قلت لي الكلام ده وحلفت لتاخد حقك منه، فسرقت ورق شغل مهم وحرقته.. ومهديتش غير لما شوفتُه هيتجنن على الورق ده....

وآخر جملة.. لما حصلت مشكلة في مدرستي وواحدة شتمتني وقالت لي إن مستوايا أقل منها، وقتها فضلت أعيط وأقولك إن كلامها صح عشان كده مردتش عليها.. وساعتها قلت لي لا، مينفعش تشوفي نفسك قليلة.. لازم تشوفي نفسك كبيرة عشان الناس تشوفك كده... هزت رأسها باستسلام تقول: "كل مرة كان بيحصل موقف مشابه، كنت بفتكر كلامك.. وبيقويني."

"وأنا كل لحظة كنت بتمنى نفسي إني هلاقيكِ، وإن هييجي اليوم اللي تكوني فيه قدام عيني وأكلمك وأنتِ قدامي بجد مش في خيالي، وده بقى كان بيخليني أكمل يومي." نظرت له بتمعن قبل أن تسأله باستفسار: "هو أنتَ إزاي قدرت تسيب كل ده وتروح تشتغل في مطعم وتخدم الناس! أكيد كان صعب عليك." "بالعكس أنا كنت بعمل ده وأنا مرتاح." رفعت حاجبها بتعجب تسأله: -مرتاح! أومأ مبتسمًا ابتسامة صغيرة: "أيوه مرتاح...

عشان بعمل كل ده عشانك، وعشان أنتِ جنبي.. إزاي بقى مش هكون مرتاح! أنا كان عندي استعداد أعمل أي حاجة توصلني ليكِ." أغمضت عيناها بارهاق وقالت: "أنا حاسة إني عاوزة أنام.. دماغي مصدعة أوي." سألها باهتمام جلي: "تحبي أجيب لك مسكن." "لا، أنا بس عاوزة أنام وهكون كويسة." أنهت حديثها ونهضت عن الأرضية متجهة للفراش وفورًا ألقت بجسدها عليهِ مغمضة عيناها، دون أن تعبأ بوجوده.

طالعها لثوانٍ بصمت، قبل أن يتحرك ليغلق باب الشرفة المفتوح، وأمسك بجهاز التحكم ليشغل المبرد الهوائي كي تنعم بنوم جيد في ظل الأجواء الحارة التي تجتاح شهر يوليو. ثم تحرك للخارج مغلقًا الباب خلفه بهدوء. *** "إيه يا مراد منزلتش معاك ليه؟ تسائلت بها "ليلى" فور رؤيته وبجانبها يجلس "مصطفى" ممسكًا بطبق بها سندوتش ما يتناوله بتروي. ليبتسم لها وهو يجيبها: "نامت، تشوفيها لما تصحى بقى." "أكيد؟ سألته بشك وهي تضيق عيناها،

ليؤكد عليها وهو يقول: "أكيد.. يلا بقى أوديكِ أوضتك تشوفيها." "هو أنتَ لسه مجبتش خدامة؟ "لا لسه، بس هتيجي بكرة." قالها وهو يقود كرسيها المتحرك لطرقة صغيرة بها المصعد الكهربائي الذي صُمم خصيصًا من أجل والدته كما كان في الفيلا القديمة. "إيه ده أنتَ كنت عامل حسابي وأنت بتصمم البيت؟ "أكيد يا لولة.. تتخيلي يعني إنك مش أول واحدة جيتِ في بالي وأنا بصمم البيت." سألته باستغراب:

"بس أنا مكنتش قولت لك لسه عن رغبتي إني أسيب بيت أبوك." "أيوه، بس أنا معملتش ده بنية إنك تقعدي معانا هنا، عملته لأني كنت ناوي كل أسبوعين أجيبك أسبوع تقعدي معانا هنا وتغيري جو." وضعت كفها على كفه الموضوع على ظهر الكرسي تربط عليهِ بامتنان: "ربنا يرزقك الخير يابني ويكرمك يارب زي ما أنت كارمني." وكالعادة لم يعقب على دعائها، فقط قال: "هسيبك تريحي شوية في الأوضة، عشان لما تصحوا اجيب أكل لينا كلنا." ***

فتحت باب شقتها لتراه أمامها واقفًا بملامحه الواجمة التي تخفي غضبًا هائلاً. كادت تغلق الباب ليضع قدمه مانعًا، ودلف للداخل قسرًا، فسبقته للصالة واقفة في منتصفها واضعة كفها في خصرها بتحفز وعيناها المتورمة من البكاء تحكي حالها. وحالما أصبح أمامها هدرت بهِ بغضب: "إيه اللي جابك؟ نسيت كلمتين في التليفون جاي تقولهم؟ ولا جاي تاخدني عشان نروح نسقطه؟ أغمض عينيه بقوة مستمدًا الهدوء ثم قال:

"لا ده ولا ده. أنا لما عرفت الخبر مقدرتش أتحكم في أعصابي.. ويمكن رد فعلي كان... رفعت حاجبها بغضب أكبر، ليحمحم بتوتر قبل أن يعيد حديثه: "أكيد رد فعلي كان بايخ، بس غصب عني، مكنتش اتوقع حاجة زي دي، وأنتِ عارفة الوضع اللي احنا فيه." ضغطت على أسنانها بغضب وهي تعقب: "مش محتاجاك تقولي... أنا عارفة الوضع كويس، وأعتقد كان واضح من رد فعلي لما كلمتك.. لكن أنتَ حتى مقدرتش حالتي اللي أنا فيها.."

اقترب خطوتين يحاول إمساك ذراعيها لتشيح يده بعيدًا وتتراجع هي للخلف برفض تام. فقال بأسف حقيقي: "أنا آسف والله... مقصدش.. حقك عليَّ، بس أنا دماغي بتودي وتجيب ومش عارف أعمل إيه.. هنتصرف إزاي، أنا خايف عليكوا وهموت لو اتعرضتوا لأذى." أشاحت وجهها بإباء وهي تقول: "قولت لك ننزلُه... خطى الخطوات الفاصلة، وأصبح أمامها ممسكًا ذراعيها رغم رفضها ونفورها الواضح، وهو يقول: "مش ده الحل، افهمي.. أنا فعلاً في حيرة ومش لاقي حل وسط."

جمدت ملامحها وهي تسأله بسخرية: "وإيه هو بقى الحل الوسط؟! ترك ذراعيها مرددًا بعجز: "مش عارف... أنتِ مش هينفع تكملي في شغلك بالوضع ده." تنهدت بقوة وهي تقول: "عارفة.. ومش لاقية حل.. ومستحيل أخليهم يعرفوا إني متجوزة، أنتَ عارف إن وقتها هيدوروا ويعرفوا أنا متجوزة مين... وساعتها... أكمل بالنيابة عنها: "ساعتها هيصفونا إحنا الاتنين...

من أول ما اشتغلنا معاهم واحنا عارفين إن من قوانين المنظمة إن مينفعش اتنين شغالين فيها يتجوزوا.. قال إيه عشان ميبقوش خطر ع المنظمة." "أكيد هيبقوا خطر.. لما أنا أكون عارفة حاجات كتير من شغلي مع دياب.. وأنت عارف حاجات كتير تانية من شغلك مع مراد.. تخيل بقى لو إحنا الاتنين قررنا نقول لبعض الأسرار اللي نعرفها.. هيكون معانا أسرار توديهم في ألف داهية.. عشان كده حرموا إن اتنين يرتبطوا حتى مش يتجوزوا ويخلفوا! "وبعدين؟

هنعمل إيه؟ حتى مش عارفين ننفصل عنهم، بقالنا سنتين بنحاول ندبر مكان نهرب له ونبعد عنهم ومش عارفين." أغمضت عيناها بألم وهي تبوح بالحقيقة المرة: "مش هيسبونا.. ده لهم عين في كل دولة، لو خرجنا بس من المطار هيعرفوا." طال الصمت لبعض الوقت... والألسنة تعجز عن إيجاد حل... حتى قطعته هي وهي تقول بتعب: "طارق...

أنا مبقولش ننزلُه عشان زعلانة من طريقتك ولا غضب من رد فعلك.. أنا بقولك ننزلُه عشان لو روحنا شمال ولا يمين مش هنلاقي حل.." هز رأسه رافضًا بقوة، وهو يقول بإصرار: "مش هنقتل ابننا عشانهم.. كفاية المرار اللي شايفينه بقالنا سنين واحنا مش عارفين نعيش حياتنا طبيعي بسببهم... كفاية بقى." سألته بقلق: "وهتعمل إيه؟ طارق... أي خطوة غلط هيكون تمنها حياتنا." أجابها وهو ينظر أمامه بغموض: "مفيش غير حل واحد... *** صباح اليوم التالي...

كانت واقفة في المطبخ تعد الإفطار بعد أن تركته جالسًا في شرفة غرفته كعادته كل يوم صباحًا، يجلس شاردًا بأفكاره هناك، وهي تتركه يخرج همه بينه وبين نفسه دون تدخل، حتى تنتهي من تجهيز الإفطار فتدعوه للدخول. ولكن اليوم تفاجأت بهِ خلفها في المطبخ، فابتسمت بتكلف قبل أن تعاود استكمال ما تفعله. "أنا آسف." التفت له تسأله باستغراب: "آسف؟ على إيه؟ تحرك ناحيتها حتى وقف أمامها تمامًا وقال بصدق:

"آسف عشان خزلتك.. آسف عشان ضايقتك بكلامي، بس أنا كنت مضغوط.. كنت مضايق عشانك، وكنت حاسس إن في ضغط كبير من كل جهة، أنا الفترة دي بجد مكنتش ملاحق يا جاسي، ما بين الشغل لمشوار كل يوم معاكِ لمكان شكل، لعجزي عن إني أساعدك، حتى المساعدة اللي عرضتها عليكِ رفضتيها من غير ما أفهم سبب رفضك! تجمعت الدموع في عيناها وهي تقول بوجع:

"عارفة إن تعبتك معايا، وعارفة إني ضغطت عليك بزيادة من غير ما أحس، كان كل همي ألحق الناس اللي بشوفها في أحلامي ومفكرتش في اللي ممرمطاه معايا، بس كلامك كان صعب يا باهر...

عارف لما تكون كل ما يحصل معاك مشكلة تجري تشكيها لأمك وأنت مش شايل هم إنها ممكن تزهق من كتر شكواك.. إحساسك هيكون إيه لو في يوم اتخنقت وقالت لك قرفتني بمشاكلك.. وقتها هتحس إنك اتخذلت، الشخص الوحيد اللي كنت بتحكيله وأنت متأكد إنه مش هيتأفف منك، طلع زهقان منك ومن شكاويك.." اقترب منها مكوباً وجهها بين كفيهِ، وقد أدمعت عيناه تأثرًا بحديثها وشعورها الذي جعلها تشعر بهِ دون قصد.

"إيه بس اللي بتقوليه ده، يشهد ربنا إني مزهقتش منك ولا من مشاكلك زي ما بتقولي، أنا كانت كل مشكلتي إنك رافضة تشوفي حل.. رافضة تتعالجي يا جاسي، كأنك حابة تفضلي في الوجع ده واللخبطة دي." بدأت في البكاء وهي تقول: "مش حابة.. بس حاسة إن دي حاجة ربنا مكلفني بيها، إني أحاول أحمي الناس دي، لما أروح أتعالج منها يبقى أنا كده بقضي عليها ومش هعرف أنقذهم." نظر لها يتعجب من تفكيرها، ليردف باستنكار: "هو إيه ده؟

يا حبيبتي دي حاجة بتأذيكِ، وأنتِ معرفتيش تنقذي غير واحد بس من كل اللي شوفتيهم في حلمك، لا وإنقذتي وهو أصلاً كان هيعدي منها من غيرك.. الحادثة اللي كانت هتموته هو أصلاً مكنش هيروح المشوار عشان اتلغى واحنا واقفين.. يعني برضو كان ربنا هينجيه، لكل أجلٍ كتاب يا جاسي، واللي ربنا كاتبه له يعيش هيعيش من غيرك.. لازم تفهمي ده عشان تريحي نفسك وترتاحي." أغمضت عيناها لثوانٍ بقوة تحاول التماس الهدوء النفسي أولاً، ثم فتحت

عيناها وهي تقول باستسلام: "ماشي.. شوف أنتَ عاوزني أعمل إيه وأنا أعمله." ضمها لصدره بحنان ورفق، وقبل أعلى رأسها وهو يتمتم لها: "إن شاء الله كله هيعدي وهنرجع نعيش حياتنا من تاني زي باقي الناس." أغمضت عيناها ورأسها تستكين على صدره ولم ترد. فقط اكتفت بالصمت. *** جلس فوق الفراش بجوارها ينظر لها بهدوء، ولكن داخله يعج بالمشاعر الموجهة لها هي فقط. عيناه تفيض حبًا وحنانًا، واحتواءً. مد كفه يتلمس كفها برفق وهو يناديها.

"ديجا... خديجة اصحي يا حبيبتي.." تململت بعدم راحة وفتحت عيناها ببطء حتى طالعته أمامها. فنظرت له بصمت. "صحي النوم.. بقالك خمس ساعات نايمة، وماكلتيش.. فطلبت أكل وجبت لك البيتزا اللي بتحبيها... مارجريتا الغريبة اللي معرفش بتاكليها إزاي دي." توقع أن تعارضه مدافعة عن طعمها المفضل في البيتزا، كعادتها. ولكنها لم تفعل، ليسألها بقلق بدأ يتسلل إليه: "في إيه يا خديجة.. ساكتة ليه يا حبيبتي؟ "مفيش."

قالتها بصوت مبحوح من كثرة انفعالاتها اليوم، ليقطب ما بين حاجبيهِ بقلق يسألها: "صوتك ماله؟ ابتلعت ريقها ببطء وهي تجيبه بنفس البحة: "مش عارفة.. حاسة زوري بيوجعني شوية." "طب يلا عشان تاكلي واجبلك دوا يريحك، بس أنتِ كويسة صح؟ سأل بالأخيرة بقلق واضح، لتبتسم له بهدوء: "كويسة متقلقش." "طبعًا لازم تكوني كويسة مش بقيتِ شبهه! نظرت خلفه لترى سارة واقفة وملامحها تفزع، حتى أنها انتفضت جالسة شاهقة بخضة. واتسعت عيناها بشكل مخيف.

ترى سارة بأعين حمراء كالدم، وملامحها لم تكن جميلة أبدًا بل مليئة بالتشوهات. لم تظهر لها بهذا الشكل المرعب من قبل. "إيه يا خديجة سامحتيه؟ سامحتي في حق اختك؟ نسيتِ إنه سبب موتي، ولا بقيتِ تبررين له كمان؟ أنتِ أبشع واحدة في الدنيا وأكثر واحدة أنانية شوفتها.. بتسامحي في دم اختك عشان حبيب القلب." نفت برأسها بقوة ودموعها نسيتها، وأخذت تردد بصوت عالٍ ونبرة مفزوعة: "لا.. لا أنا معملتش كده.. أنا بس فهمت." "فهمتِ؟

فهمتِ إزاي تسامحي في حقي؟ ضحك عليكِ يا خديجة؟ ولا أنتِ كنتِ بتتلككي مستنية أي مبرر تافه عشان تسامحيه." طفح الكيل بها، فصرخت بوجع وهي تشيح بذراعيها بهياج: "مش من حقي؟ مش من حقي أرتاح بقى بعد كل العذاب ده... أنتِ اللي أنانية يا سارة مش أنا، استكترتي عليَّ أعيش مرتاحة.. نكدتي عليَّ وعيشتيني في غم وهم طول عمري بسببك.. مش من حقي أرتاح بقى! حرام عليكِ... حراااااام.."

فجأة شعرت بنفسها مقيدة، ذراعيها المتحركتان أصبحا تحت قبضة أحدهم، لتعي لنفسها وتسمع صوته وهو يهدر: "خديجة فوقي... في إيه؟ خديجة... اهدي.. اهدي يا خديجة." وهو يحتضنها بقوة كي تكف عن الحركة. "سارة." رددتها وهي تشير بإصبعها في اتجاه ما، فنظر لتلك الناحية فوجدها فارغة. ولم يكن يحتاج النظر من الأساس. "مالك يا خديجة؟ سارة مين اللي شيفاها؟!!!!! *** انتهى الفصل

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...