الفصل 27 | من 30 فصل

رواية بك احيا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ناهد خالد

المشاهدات
21
كلمة
3,323
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

"حاسة سادسة! جالسة أمامه في ذلك المطعم الراقي الذي أتيا إليه لتناول الطعام. شحوبها وتبدل حالتها المزاجية على عكس المعتاد هو ما دفع فضوله للتحرك، متسائلاً عن سبب حالتها هذه. ولعلَّ علاقتهما التي توطدت قليلاً في الفترة الأخيرة هي ما أعطته الجرأة لسؤالها عن ما أصابها، فلم يمنع لسانه من السؤال وهو يسألها: –أنتِ كويسه؟ حاسس في حاجة قالبة مودك، وبعدين مش حاسس إنك كنتِ في المستشفى بتزوري مريضة.

رفعت عيناها عن طبقها الذي كانت تعبث به، ونظرت له لدقيقة تقريبًا بلا أي حديث، حتى أن نظراتها أربكته. بدت شاردة بنظراتها لحظة وتفكر لحظة أخرى، ولا يعلم أكان سؤاله يستحق كل هذا التفكير؟ كاد يسحب سؤاله شاعرًا بتسرعه في طرحه، علّها لا تريد إخباره، فلِمَ تطفل لهذا الحد؟! لكنها أوقفته وهي تقول بنبرة هادئة تمامًا وكأنها لا تلقي على مسامعه خبرًا فاجعًا الآن! –أنا عندي الحاسة السادسة.

نظر لها لثوانٍ وكأنه يستشف إن كانت تمزح أم تتكلم بجدية! وصمود ملامحها وثبات نظراتها أكدا له أنها لا تمزح، ولكن لِمَ يجعلها هذا واجمة لهذا الحد؟! استند بمرفقيه على الطاولة أمامها وهو يعقب باستغراب: –لو بتتكلمي جد، ليه مضايقة! دول بيقولوا الحاسة السادسة دي هبة من ربنا! هزت رأسها باستنكار وهي تخفض عيناها لوهلة تستعيد ثباتها، قبل أن ترفع رأسها له وهي تخبره بنبرة بدت سخريتها: –دي لو زي مانتَ فاهم، قولي تسمع إيه عنها؟

تنحنح واعتدل في جلسته حين وصلت إليه سخريتها التي شعر بأنها تخفي ألمًا ما خلفها، فتحدث بجدية أكثر وهو يخبرها:

–الموضوع له علاقة بالطب النفسي أكتر، بس أنا سمعت عنه أيام الكلية. هي ممكن تبدو للبعض خرافة، لكن هي واقع بيحصل مع بعض الناس، وهي إنهم بيشوفوا الحاجة قبل ما تحصل، أو بيحسوا بيها، تنبؤ يعني سواء كان بدليل زي حلم أو رسالة من أشخاص مجهولة، أو من غير دليل زي مجرد إحساس. والموضوع كان غريب بالنسبالي لدرجة إني بحثت عنه وقتها وحبيت أعرف رأي الدين فيه كمان، وعرفت إنه هبة من ربنا، ومش حرام مادام الإنسان مسعاش ليها زي حوار الروحانيات والكلام ده. وحصلت مع واحد صاحبي مرة، حلم إن أخته حامل رغم إن الدكاترة أكدوا إنها مستحيل تخلف، وفعلاً بعد يومين عرفوا إنها حامل وكانت معجزة وقتها، فعشان كده مستغرب ضيقك للدرجادي.

لم تعقب على استغرابه وهي تخبره بابتسامة مُرهقة: –أنا مكنتش بزور مريض في المستشفى، أنا كنت بزور ميت في المشرحة. عقد ما بين حاجبيه باندهاش وهو يسألها: –قريبك؟ التواء ساخر ظهر من جانب فمها وهي تجيبه: –ولا عمري قابلته تخيل! بدى الأمر محيرًا له، وبدت هناك ألغاز حول الأمر، فتعاظم اهتمامه وهو يخبرها بجهل: –مش فاهم.

أغمضت عيناها تتنفس باختناق، محاولة الهدوء، الذي لم يأتي لها، بل بالعكس فقد انتابتها رغبة عارمة في البكاء، ولم تستطع كبحها، فكانت بدايتها شهقة فاجأته وبعدها رأى سيل من الدموع يغطي وجنتيها قبل أن ترفع كفيها لتحجب عنه رؤية وجهها بأكمله منتحبة في صوتٍ منخفضٍ، أربكه بكاؤها ولم يعرف ما عليه فعله، سوى أنه حاول تهدئتها ببعض الكلمات الواهية، وهو يتململ في جلسته بغير راحة وكأنه يمنع ذاته من النهوض ومواساتها بالطريقة التي تناسب الموقف.

–ممكن تهدي طيب، وأيًا كانت مشكلتك أكيد لها حل، وأنا هساعدك تلاقي الحل ده، بس اهدي وفهميني. وهل ستتحكم في بكائها من بضع كلمات؟ أخذ الأمر منها دقائق تحت نظراته الحزينة عليها وعجزه عن تهدئتها، حتى أزالت كفيها أخيرًا وهي تمسح دموعها جيدًا كأنه لا يعرف أنها كانت تبكي! التقطت أنفاسها وهي تتجنب النظر إليه، فنظرت لكفيها اللتان تتفحصهما بتوتر، وهي تسرد على مسامعه قصتها التي اكتشفت أنها مأساوية قبل ساعات قليلة:

–من لما كان عندي 15 سنة وأنا بحلم بأحلام غريبة، ناس معرفهمش ولا عمري شوفتهم بشوفهم في حلمي بيحصلهم حوادث وحشة، ولأني معرفهمش مهتمتش، وعمري ما فكرت أبحث عن الموضوع أو أشغل دماغي بيه، كنت بعتبرها مجرد كوابيس ملازماني، ورغم إنها كانت بترهقني لكني اتعودت عليها مؤخرًا من كتر ما بقت تزورني، يمكن مبشوفهاش بشكل يومي، بس غالبًا مبيعديش شهر من غير ما أحلم بكابوس منهم، وأوقات كنت بحلم بيهم مرتين في الأسبوع، كل ده كان عادي، وممكن يحصل لناس كتير، لحد أول امبارح…

التقطت أنفاسها مرة أخرى، قبل أن تطفو الدموع في مقلتيها، وبدأ كفيها في الارتعاش وهي ترفع نظرها له مُكملة بشفاه مهزوزة:

–من كام يوم حلمت بشخص عمري ما شوفته بيعدي الطريق وبتخبطه عربية وبيموت، حلمت بكل تفاصيل الحادثة لحد ما اتنقل للمستشفى والدكاترة قاله إنه كويس ومات بعدها فجأة، وكالعادة مهتمتش للحلم، رغمه إنه دايمًا بيكون في ترتيب أحداث غريب، والاغرب إنها بتفتكره، بفتكره بكل تفصيلة فيه. أول امبارح كنت رايحة النادي، وأنا في الطريق العربية اللي جنبي خبطت واحد كان بيعدي فجأة، وقفت طبعًا ونزلت أشوف حصله إيه، ووقتها اتفاجأت بأنه نفس الشخص

اللي شوفته في حلمي. رجلي خدتني وراه لحد المستشفى.. كل اللي شوفته في حلمي حصل بالضبط، حتى والدته اللي شوفتها في الحلم جت وأنا في المستشفى. الدكتور بعد شوية قال إنه كويس مجرد رضوض وكدمات وكسر في رجله مش أكتر. مشيت وأنا مرعوبة، لأني شوفت ده في حلمي، وشوفت بعدها الدكتور واقف جنبه والممرضة بتقوله "إزاي مات يا دكتور ده حالته كانت كويسة" عشان كده اترعبت لده كمان يتحقق. سِبت رقمي لموظفة الاستقبال وقولتلها إنه قريبي وتبقى

تبلغني لو حصل حاجة..

سقطت دموعها ولم تخفيها هذه المرة، بل انتحبت بقوة وهي تكمل سرد باقي قصتها من بين شهقاتها وقد تفاعلت يدها مع سردها للأحداث:

–كلمتني من شوية… وقالتلي إنه مات. حسيت إني اتشليت لما عرفت الخبر، فضلت شوية مش مستوعبة اللي بيحصل، وبعدها جريت… على المستشفى، وسمعت نفس الجملة والدكتور والممرضة واقفين قدام المشرحة… عشان يسلموا جثته لأهله. سألت الدكتور عن سبب الوفاة، قالي مفيش سبب واضح، بس اشتباه في وجود نزيف داخلي مظهرش في الأشعات. خرجت من هناك وأنا مش شايفة قدامي ومش فاهمة تفسير للي بيحصل… سألت عن دكتور نفسي ودلوني على دكتور… كان في جلسة مع مريض، استأذنت وقاطعت جلسته وحكيتله اللي حصلي، وهو اللي قالي عن الحاسة السادسة.. أو اللي بيسموها في الطب النفسي الحدس، وقالي إن ممكن كل اللي شوفته قبل كده.. اتحقق هو كمان بس أنا معرفتش.

التقط كوب ماء يناوله لها وهو يحدثها بشفقة: –أهدي يا جاسمين، خدي نفسك واشربي، حالتك دي غلط وممكن تدخلك في مشاكل نفسية سيئة. التقطت منه الكوب بكف مرتعش، وشهقاتها لم تهدأ بعد، ارتشفت القليل منه، ووضعته جانبًا وهي تكمل حديثها بعدم تصديق بدأ يعود لها مرة أخرى: –أنتَ متخيل أنا شوفت كام واحد بيموت، طيب سيبك من دي، تخيل شوفت كام واحد بيتقتل وكان ممكن ألحقه بس بغبائي اتجاهلت الموضوع. عقد ما بين حاجبيه بغرابة وهو يسألها:

–أنتِ تعرفي أماكنهم؟ هزت رأسها نافية، وهي تمسح دموعها بكفها، ليبتسم على تفكيرها المضطرب وهو يخبرها: –كنتِ هتنقذيهم إزاي؟ رفعت منكبيها بجهل وهي تجيبه: –مش عارفة بس حاسة إن كان المفروض أعمل حاجة، وخايفة أوي إن أشوف اللي بحلم بيهم من هنا ورايح، هيبقى الموضوع صعب أوي عليا.

حاول ممازحتها ليصرف تفكيرها عن الأمر كارهًا رؤيتها في هذا الحزن، فقال بفكاهة زائفة أدركتها هي لكنها قررت تخطيها ومجاراته، ربما لأنها كرهت أن تبدو في موقفها هذا الذي يظهر ضعفها أكثر: –تفائلي خير إن شاء الله ده مش هيحصل، وبعدين متركزيش مع الموضوع عشان متتعبيش، ويلا بقى أكل لاحسن خلاص بطني بتصوت وذنبها في رقبتك.

هزت رأسها له بابتسامة باهتة دون حديث آخر، ولكن عقلها لم يتوقف عن التفكير في الأمر رغم محاولاته لصرف ذهنها عنه. *** في عصر اليوم التالي…

كان عليها أن تذهب لعملها رغم كل شيء، ليلة أمس كانت من أسوأ الليالي التي مرت عليها بعد ليلة مقتل “سارة”، وربما تأتي هي في الصدارة من حيث الأكثر سوءً، فعلى الأقل هي لم تقتل سارة فعليًا، هي فقط شاركت في قتلها، بالصمت والتستر، ولكن هذه المرة هي قتلت فعليًا، وربما وقتها كانت أصغر سنًا وإدراكًا للموقف، لكن ما حدث بالأمس مختلف تمامًا. لا تعلم كيف مر عليها الليل، ولا تعرف متى ارتدت ثيابها وأتت للعيادة تباشر عملها. رفعت هاتفها لترى رقمه يزين شاشته للمرة التي لم تحسبها، فهو يهاتفها منذُ أمس، وهي لا تجيبه، ليست مستعدة لمواجهة الشخص الذي شهد على جريمتها ولا تعلم كيف جاء لمنزلها ولم تهتم بمعرفة السبب حتى. خرجت من شرودها على صوت

الطبيب بجوارها وهو يقول: –إيه يا خديجة لسه قاعدة ليه؟ نهضت وهي تجيبه بتوتر: –لا مفيش، هلم حاجتي أهو. طالعها بتفحص ثاقب وهو يسألها: –أنتِ كويسه؟ فتحت فاهها ناوية إخباره بما حدث وقد شعرت برغبتها بهذا، ولكنها تراجعت في آخر لحظة مستشعرة خطورة الأمر فقالت: –لا، أنا كويسه. هز “كمال” رأسه يائسًا منها وهو يذكرها بحديثه محذرًا:

–خديجة، افتكري إني قولتلك الكذب مش هيوصلك لحاجة، ومش هيحل الأزمة، بالعكس هيعقدها، وأنا دكتورك يعني مينفعش تخبي عليَّ أو تكدبي. وحديثه أفاقها بالفعل، وأشعرها بخطئها الذي ترتكبه لثاني مرة، فقالت بتنهيدة حائرة: –أنا مش كويسه، وفي حاجة حصلت معايا بس… مش جاهزة أقولها دلوقتي. ابتسم لها بهدوء وقد سعد بنجاح حديثه معها: –خدي وقتك، وأنا مستنيكي تيجي تحكيلي، يلا قفلي العيادة وامشي.

أومأت موافقة وهي تتابع ذهابه بتفكير، هل عليها أن تخبره وتطلب مساعدته لتخطي الواقعة؟ وهل يستطيع مساعدتها بالفعل؟ أ سيعيد قتيلها للحياة! أم سيخفف شعورها بالذنب؟ جلست خلف المكتب ووضعت وجهها بين كفيها بتعب وعقلها يكاد ينفجر من الحيرة والتفكير… والتشتت. *** مساءً…. لم تأتي للمطعم اليوم ولا تجيب على هاتفه، لكنه علم بذهابها للعيادة، إذًا لِمَ لا تجيب اتصالاته ولم تأتي للعمل بالمطعم؟ أم أنها تقصد التهرب منه؟ لِمَ؟

أليس من المفترض أن يكون أقرب لها بعد ما حدث بالأمس؟ أم أتى بنتيجة عكسية؟ لكنه على أي حال لن يسمح لها بالبعد، ولن يسمح بوقوع النتيجة العكسية. زفر أنفاسه باختناق بعدما تعالى رنين هاتفه مرة أخرى برقم “طارق”، تجاهله لأول مرة لعدم رغبته في الحديث مع أحد الآن وهو بهذه الحالة العصبية، لكنه لم يستطع تجاهله للمرة الثانية، وأجابه بضيق ظهر في نبرته: –خير؟ أتاه الرد على الجهة الأخرى، ليستمع له بهدوء زائف قبل أن يهتف معقبًا

بعصبية: –يعني محصلش كارثة ولا الدنيا اتهدت! أنت عارف إني مبحبش الزن، جرالك إيه يا طارق؟ رنيت مرة مردتش خلصنا. –أنا آسف يا باشا والله أنا بس… لم يدعه يكمل حديثه ليغلق المكالمة والقى بالهاتف فوق الفراش بعصبية، واتجه لجزئه الخاص بمشروبه المفضل، تناول أحد الكؤوس الفارغة وصب فيه بعض المشروب من الزجاجة ذات المظهر الفاخر، رفع الكأس ليتناوله دفعة واحدة قبل أن يضعه مرة أخرى وهو يغمغم بأنفاس حارقة:

–ماشي يا خديجة… أما أشوف آخرتها معاكِ. اتجه لمفاتيح سيارته وباقي أغراضه يجمعهم على عجالة قبل أن يتجه للخارج بخطوات مسرعة قاصدًا وجهة معينة.. ***

حاولت أن تبدو طبيعية وهي تستقبل ابنة عمتها التي جاءت في الموعد المحدد كما اتفقا سلفًا، وانقضت الجلسة على خير لحدًا ما رغم شعور “باهر” بشيء ما ليس جيد بها. “باهر” الذي تفاجأ من الشقة القاطنة بها ومدى تدهور حالتها، لم يعلق على ما رآه أمامهم رغم ظهور هذا جليًا على صفحة وجهه، والتقطته “خديجة” بسهولة لكنها اصطنعت عدم الملاحظة، حتى انقضت الجلسة أخيرًا، وما كادت تلتقط أنفاسها براحة، حتى حُبست تلك الأنفاس وهي تسمع لصوت “باهر”

يحدثها بوعيد خفي: –خديجة تعالي وصليني لتحت عشان تقوليلي أخرج منين. هزت رأسها طواعية مجبرة، وهي تقوده بخطواتها للأسفل، وتستعد بداخلها للمواجهة التي لم تكن بعيدة أبدًا، فبمجرد وصولهما لمدخل البيت، حتى أوقفها بحديثه: –مكنتش أعرف إنك كدابة هايلة كده. رفعت رأسها بتعب وهي تلتف له، حقًا ليست حمل أي عتاب أو لوم، ففيها ما يكفيها ويفيض، تحدثت بهدوء تحاول شرح الوضع له:

–باهر، اللي أنتَ شوفته ده مكانش ينفع أحكي عنه لأي حد مهما كان مين، أنا أبويا الله يرحمه، في عز ما كنا بنبقى محتاجين عمره ما اشتكى ولا بيّن حاجته لحد، حتى لأخوه، وأنا طلعت له في الموضوع ده، مقدرش أبين حاجتي لحد ويعطف عليَّ. أغاظته بحديثها فانفعل عليها وهو يشيح بيده في غضب: –أنتِ عبيطة يا به؟ عطف إيه وزفت إيه!

أنا ابن عمك، يعني مش واحد غريب عشان أعطف عليك، ده حقك عليَّ إنك لما تكوني في ضيقة أكون جنبك، أومال اسمنا قرايب إزاي؟ ولا هي القرابة عندك لها مفهوم تاني! مسحت جبينها بتعب واضح وهي تخبره بمهاودة: –أنتَ صح، عمومًا خلاص أنا دلوقتي فعلاً معايا فلوس ودخلي زاد، تعال بعد شهر وشوف الشقة دي هتبقى مليانة عفش إزاي. رفع جانب فمه ساخرًا وهو يعقب:

–مش هستنى شهر يا حلوة، بكرة الصبح هتيجي معايا نشتري عفش للبيت بدل الكراكيب اللي عندك دي. رفعت حاجبها برفض تام وهي تقول: –لا طبعًا، وبعدين كراكيب إيه! أنا العفش اللي عندي حلو، هو بس ناقص شوية. اشمأز بملامحه وهو يسخر منها: –عفش! هو فين العفش ده عشان مشوفتهوش. لم تهتم لسخريته وهي تخبره بضيق: –باهر، مفيش داعي تتعب نفسك، أنا هدبر أموري. –بس يا به.

أردف بها متحركًا وهو ينوي الذهاب ليغضبها عدم اهتمامه لحديثها فأمسكت ذراعه توقفه لتخبره بإصرارها على رفضها لتدخله، لكنها توقفت وهي تستمع لصوت مألوف يقول: –مساء الخير. شخصت ببصرها تجاه الصوت لتجده واقفًا أمام مدخل البيت، وعيناه ليست معها، بل هي مثبتة تمامًا فوق كفها الممسك بذراع “باهر”، وكرد فعل تلقائي كانت تفلت ذراعه من قبضتها وهي تهمس بقلق من ظهوره في هذا الوقت بعد أن تعمدت تجاهل مكالماته: –زين! ***

قبعت بين أحضانه براحة وسعادة فهي لا تصدق أنها تراه مرتان في نفس الأسبوع، تمرمغت في أحضانه أكثر كقطة لطيفة تأخذ حنانًا من صاحبها، ليضع لفافة تبغه جانبًا وهو يضحك بخفوت على تصرفاتها مردفًا: –إيه يا جوجو أنتِ وخداكِ العاطفة ولا إيه؟ رفعت رأسها وهي مازالت على صدره تسأله برفعة حاجب: –عندك مانع؟ رفع كفه مستسلمًا يخبرها: –أبدًا يا كبير، بالعكس ياريت أوحشك كده على طول. اعتدلت في جلستها وهي تنظر له بأعين تنضح عشقًا

مردفة بصدق: –أنتَ بتوحشني وأنتَ معايا، عشان ببقى عارفة إنك هتغيب عن عيني فترة بعدها. رفع كفه يمسد خصلاتها وهو يقول مبتسمًا: –كله هيتحل يا روحي، ياما دقت على الراس طبول يا جوجو مالك كده! امسكت كفه بين كفها وهي تخبره بنظرة حزينة: –المرة دي أنتَ معايا والبعد تاعبني، وخايفة.. خايفة أوي ليحصل حاجة ويكتشفوا اللي بينا. اعتدل في جلسته وجذبها لأحضانه يطوقها بحنو، بينما قبل رأسها وهو يخبرها بنبرته التي تبعث

السكينة لنفسها الثائرة: –هاجر خلي عندك إيمان إننا مش هنفترق أبدًا، وخليكِ واثقة إن حبنا أقوى من أي وحش ممكن نقابله. أغمضت عيناها وابتسمت بحالمية وهي تقول: –نفسي يكون عندي بيبي منك، امتى هنقدر نعيش حياتنا زي الناس بجد. ضمها لصدره أكثر وهو يقول بتنهيدة حملت الكثير:

–إحنا اللي اخترنا يا هاجر، ده كان اختيارنا من البداية، والغلط مش في اختيارنا، الغلط في حبنا لبعض وأنتِ عارفة ده، مكانش لازم نحب بعض للدرجادي، مكانش لازم تبقى العلاقة دي بينا أصلًا! أغمضت عيناها بتألم، وهي توقن واقعية حديثه وهمست: –عارفة..!!! شدد عليها بين أحضانه وهو يخبرها بنبرة عاشقة بهذه المرأة منذُ أن وقع نظره عليها من عامان: –أنا بحبك يا هاجر وعمري ما حبيت ولا هحب غيرك، وواثق إننا هنحقق كل اللي بنحلم بيه في يوم.

شعر بابتسامة ثغرها الملاصق لصدره قبل أن يسمع صوتها المتأثر بدفئ مشاعرها: –وأنا بعشقك يا طارق..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...