الفصل 28 | من 30 فصل

رواية بك احيا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ناهد خالد

المشاهدات
18
كلمة
5,040
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

لم يعتاد يومًا التحكم في ذاته كما يفعل الآن. لو كان الأمر مختلفًا، لاختلف رد فعله أيضًا. لو فقط كانت تعلم بهويته وأحقيته بها، لآراها الآن كيف تضع يدها على جسد آخر. ضم قبضته بقوة، مخفيًا إياها وراء ظهره، يحاول إخراج غضبه بتلك القبضة، أو ربما هي وسيلة ليتحكم في ذلك الغضب كي لا يظهر أمامهم الآن. ابتسم بالكاد وهو يهتف بنبرة هادئة كالصقيع: مساء الخير.

شخصت ببصرها تجاه الصوت لتجده واقفًا أمام مدخل البيت. عيناه ليست معها، بل هي مثبتة تمامًا فوق كفها الممسك بذراع باهر. وكرد فعل تلقائي، كانت تفلت ذراعه من قبضتها وهي تهمس بقلق من ظهوره في هذا الوقت بعد أن تعمدت تجاهل مكالماته: زين! قطب باهر حاجبيهِ جهلاً بهوية من يقف أمامه، خاصًة وأنها تعرفه. فقد استمع لهمسها جيدًا. ليتحرك لسانه يسأله وهو يقترب منه خطوتين: مساء النور، مين حضرتك؟ أو له الحق في التساؤل عنه؟

أيقربها لهذه الدرجة؟ ولِمَ لا وقد كانت تتمسك بذراعه منذُ ثواني! ضغط على نواجزه بغضب يعصف بصدره قبل أن يجيب الواقف أمامه: أنا زين، زميل الآنسة خديجة في الشغل. ازدادت تقطيبة حاجبيهِ وهو يسأله باستغراب أكثر: أيوه وزميلها تيجي البيت ليه؟ هنا ولم يستطع التحكم في ذاته أكثر. هل كان ولي أمرها ليقف أمامه يستجوبه بهذا الشكل؟ فاطلق العنان لذاته وهو يردف بنبرة هادئة تسبق عاصفة غضبه: وحضرتك مين عشان تسأل؟ ما هذا التبجح؟

هذا أول شيء جاء لعقله من رد هذا الغريب الذي استفزه بشدة. وما كاد يجيبه بحدة، حتى تدخلت خديجة تنهي سوء الفِهم بينهما حين شعرت بقرب تعقد الأمر: ده باهر ابن عمي، وده زين زميلي في الشغل زي ما قالك يا باهر. باهر! ليته لم يعرف هويته لكان أرحم مما شعر بهِ الآن. أهذا الذي كانت تحدثه وهي تضحك وتدلله بـ “بهبوري” كما دعته حينها! أهذا هو ذلك السِمج الذي تمنى لو يقابله فيخنقه بيده جراء علاقته الغير ملتزمة بأي حدود مع فتاته!

تفاقم غضبه، وازداد حنقه حيال الواقف أمامه. لقد كانت تمسك بذراعه منذُ قليل، ويترجل من شقتها، وغيرت طريقتها معه في الهاتف، كل هذا جعله يشك في علاقتهما. هل يمكن أن تكون علاقة من نوع خاص!

لقد سمع عن هذا الباهر منذُ عرف بمكانها، وسمع عن علاقته بها، ولكن وعلى أي حال، ومهما كانت شكل علاقتهما فلا يهمه، فالحقيقة هو من سيحدد شكل هذه العلاقة لا أحد غيره، هو من سيضع الحدود التي نسيا أن يضعها. فليتركوا له هذه المهمة بكل رحب وسعة. استمع لصوت باهر وهو يتسائل بفظاظة: أيوه حضرتك ما جاوبتشنيش، جاي لها البيت ليه؟

اعتقد هي عارفة. قالها بعبث وهو يوجه نظراته لتلك التي انتفضت ذعرًا وقد أدركت مقصده تمامًا، فاسرعت تنهي اللقاء وهي تدفع بجسد باهر للأمام وهي تخبره: يلا يا باهر هتتأخر، مش قلت عندك شغل. حاول التوقف والتحرر من دفعها له وهو يقول بنزق: مش لما اعرف عاوز ايه الأول، في ايه يا خديجة اصبري يا بنتي!

تنحى مراد جانبًا وهو يبتسم بتشفٍ والأخرى تدفعه خارج مدخل المنزل بهذا الشكل، ولكنه لم يفته كفها الذي يدفع ظهر الآخر، فأمسك برسغها يوقفها وهو يهمس بصوت وصل لمسامعها هي فقط: هو عارف طريق الباب. وترك رسغها محذرًا إياها بعيناه من التمادي. اتسعت عيناها ذهولاً وهي ترى جرأته ليلمسها بهذا الشكل، لكنها فاقت من صدمتها على صوت باهر الذي أصبح خارج المنزل الآن وهو يقول بعدم رضا:

خديجة أنا مش ماشي غير لما اعرف بيعمل إيه هنا ده، بعدين إزاي أسيبك معاه وأمشي أنتِ اتجننتِ! جن أما يلغلطك. همس بها مراد بداخله ناقمًا على هذا السِمج سليط اللسان. ورفع صوته تاليًا يخبره بابتسامة بدت مهذبة: أستاذ بهير، مفيش داعي للقلق ده، أنا بس هبلغها حاجة عن الشغل وأمشي، اتفضل أنتَ عشان متتعطلش. بهير! رددها باهر بضيق وهو ينظر له وقد بدأ غضبه يتصاعد تجاه هذا الشخص ذو الابتسامة المستفزة. وأردف بنبرة ضائقة:

باهر يا أستاذ، اسمك إيه أنتَ، ثم مين قالك همشي وأسيبها معاك؟ زين، شكلك بتنسى باين، معلش معذور باين إنك دخلت في التلاتين تقريبًا! وفي ناس بتجيلها الأعراض دي في السن ده. رغم كلماته التي تصرخ بالاستفزاز والوقاحة، إلا أن ملامحه الهادئة ونبرته الأهدأ وبسمته المزينة لثغره توهمك بأنه لا يقصد إهانة!

ولكن باهر لم يستطع التحكم في غضبه من كلماته المستفزة. وما كاد يدفع خديجة دالفًا للداخل مرة أخرى يواجه المستفز بارد الأعصاب حتى سبقته خديجة وهي تخبره بهمس: يا باهر عشان خاطري امشي، والله ما تقلق، هو بس هيعرفني حاجة عن الشغل ويمشي. رفع صوته وهو يهدر بها: بطلي تقولي امشي، أنتِ شايفاني بقرون؟ والله ما همشي غير لما يمشي الأول.

وقفت حائرة بينهما، تعلم أن زين أتى ليتحدث معها في أمر جريمتهما، ولا يجب التحدث أمام باهر على أي حال، لذا عادت بنظرها لزين الذي رفع حاجبيهِ إليها بعبث وهو يخبرها بمكر: خليه عادي. رفعت حاجبها الأيسر له بنزق، وتوعدته بسرها وهي تعود بنظرها ل باهر وتخبره بترجي: خلاص هنتكلم وانت واقف، بس ممكن نتكلم بعيد شوية، أصل.. أصله هو غشيم شوية في كلامه وأخاف يقولي حاجة كده ولا كده تمسكوا في بعض وانتوا أصلاً شكلكم مش طايقين بعض.

وهو بيكلمك وحش ليه؟ غشيم على نفسه. ماهو أصل أنا بقالي يومين ما روحتش الشغل وهو رئيسي في الشغل. هو زميلك ولا رئيسك ولا إيه، مبقتش فاهمكوا. رددها باهر ساخرًا، لتبتلع ريقها بتوتر وهي تجيبه كاذبة: لا، هو زميلي أه، بس أقدم مني وكده فيعتبر مسؤول عن شغلي. طالعها بضيق لثوانٍ رافضًا رغبتها، ولكنه أسفل رغبتها الملحة وترجيها الظاهر في عينيها كان يقول: ماشي، خمس دقايق مش أكتر وأنا واقف أهو.

أومأت برأسها موافقة بلهفة، وهي تلتف متجهة ل مراد الذي نظر ل باهر الذي اتخذ باب المدخل مسندًا له وهو يعقد ذراعيهِ أمام صدره معبرًا عن عدم تحركه انشًا واحدًا، ليرفع جانب فمه ساخرًا واشاح بنظره عنه مثبتًا اياه على خديجة الواقفة أمامه ليبتسم لها بغضب دون حديث، فباشرت هي وهي تسأله: أنتَ جاي ليه؟ التمعت عيناه بالغضب وهو يسألها: وأنتِ مبترديش على مكالماتي ليه؟ اتسعت عيناها من جرأته الغريبة عليها لتهتف بنزق:

وأنا مش مجبرة أرد! افرض مش عاوزة أرد أنا حرة، بس ده ما يخليكش تيجي البيت! قلقت عليكِ، خصوصًا إنك مجتيش الشغل، خوفت تكوني تعبتي بعد اللي حصل وقولت لازم آجي أطمن عليكِ. قال ما قاله برفق جعل غضبها يتبخر بلحظات، بل واصابها التوتر الذي أشعل وجنتيها بالحمرة، وهي ترى نظراته الخاصة التي تشعرها وكأنها شيئًا مهمًا له، فاخفضت نظرها عنه وهي تسأله خجلًا: خوفت عليَّ ليه؟

أتته فرصته على طبق من ذهب، وهو خير من يستغل الفرص، فلم يتوانى عن استغلال هذه الفرصة وهو يخبرها بصدق ونبرة أذابتها: عشان في مشاعر جوايا ليكِ بتكبر كل يوم عن التاني، مسألتش نفسك ليه مهتم بيكِ كده؟ ليه غضبت يوم ما عرفت إن الحيوان اللي مات اتعرضلك؟ ولا ليه ساعدتك تخلصي منه؟ محدش هيعمل كل ده من فراغ يا خديجة، أنا عملت كل ده عشان مشاعري اللي بتحركني ليكِ، خوفي عليكِ هو اللي خلاني مستعد حتى أشيل جريمته بس أنتِ متتأذيش.

رفعت نظرها له بوجهها المشتعل بالحُمرة، تشعر بحرارة قاتلة تغزو كل شبر في جسدها. لم تتعرض لموقف كهذا من قبل. قضمت شفتيها بتوتر وهي تعدل حجابها، لا تدرك ما يجب عليها قوله في هذا الموقف. وأدرك هو حيرتها وخجلها، فابتسم بهدوء مقررًا رحمة خجلها: على فكرة أنا كنت عاوز أعترفلك من فترة بس مجاتش مناسبة. تلفت حوله ليطالع المكان ساخرًا ثم قال باستنكار جعلها تضحك بخفة: فملقتش أنسب من بير السلم عشان أعترفلك فيه. تنحنحت بارتباك وهي

تسأله متحاشية النظر له: بس.. يعني أكيد ما كنتش بترن عليا وجاي هنا عشان كده. رفع منكبيهِ وهو يجيبها: قولتلك كنت جاي أطمن عليكِ. مش هنخلص بقى ولا إيه؟ هدر بها باهر بضيق من طول مدة حديثهما، ليناظره مراد بتحدي قبل أن يتجه إليه يقف أمامه وجهًا لوجه وهو يخبره بتحدي وابتسامته المستفزة عادت لتزين ثغره: أستاذ باهر، أنا عارف إن المكان مش مناسب، بس أنا حابب آخد معاد عشان أتقدم للآنسة خديجة.

شهقة منخفضة صدرت منها وهي تضع كفها فوق فمها غير مصدقة لعرضه الذي ظهر الآن فجأة! متى اعترف بمشاعره تجاهها ومتى طلب زواجها؟ *** بعد ثلاث ساعات… في ميناء الإسكندرية تراصت السفن الحاملة للصناديق الضخمة التي تخص الشحنة الجديدة لهم. اقترب مراد وهو يدخن سيجاره بكبرياء شامخ. تحرك بخطواته الثابتة حتى وقف أمام من نزل من السفينة، كان رجلاً يرتدي بدلة وقبعة كلاسيكية، يبدو عليه الترف. اقترب من مراد وهو يهتف بلكنة إيطالية:

مرحبا سنيور ابرام. هز مراد رأسه بهدوء وهو يجيب تحيته: مرحبا سنيور ماركوس، هل كل شيء جاهز؟ أومأ ماركوس وهو يخبره بهدوء: نعم، هل المال جاهز؟ وهل تسألني حقًا؟ وكأنك تتعامل معي للمرة الأولى! أردف بها مراد ساخرًا، ليتنحنح ماركوس مجيبًا: عذرًا، ولكن أتيت لأسلم الشحنة لسنيور فكتوار ولست أنتَ. كاد أن يجيبه لينتبه لسيارتين تأتيان خلف بعضهما، فالتوى فمه ساخرًا وهو يقول: ها قد وصل.

وبالفعل توقفت السيارة ليترجل منها دياب ورجاله ومن ضمنهم هاجر التي ألقتهما بنظرة غاضبة، قبل أن تتبعه. اقترب دياب منهم ليهتف بنبرة غاضبة موجهًا حديثه ل مراد: أنتَ إيه اللي جابك هنا؟ التفت له يحدقه بنظرته القاتمة وهو يجيبه: نفس اللي جاب جنابك. هو الباشا من إمتى بيجمعكم في مهمة واحدة؟ أردفت بها هاجر ساخرة، ليلقيها مراد بنظرة متهكمة قائلاً:

ابقي روحي اسأليه، بعدين ما تعلم رجالتك ميتكلموش في وجودك، ولا أنتَ قائد على ماتفرج! ضغط دياب على أسنانه غاضبًا، وهكذا فعلت هاجر الذي شعرت بالغضب من أسلوبه المتهكم معها ونعته لفظ “رجال” عليها. ونظرت ل طارق الواقف خلفه بنظرة غاضبة، فحرك الآخر عينيهِ بعيدًا عنها غاضبًا من الموقف برمته. صدح صوت مراد يحدث ماركوس: أنا المسؤول عن إتمام الشحنة سنيور ماركوس، وحقيقًة لا أعلم ما هو الدور الخفي للسيد فكتوار.

كانت جملته الأخيرة تحمل سخرية واضحة، جعلت دياب يزمجر بغضب وهو يهتف: أتيت بأمر من الزعيم، لأتفق مع سنيور ماركوس على شحنة جديدة. قطب ماركوس حاجبيهِ مستغربًا: ولكن لمَ لم يكلف سنيور ابرام بالأمر؟ بما أنه هنا بالفعل ليستلم مني البضاعة. لمعت عينا دياب بمكر وهو يجيبه: سنيور ابرام لا يكن طرفًا في مثل هذه الصفقات، لديهِ معتقدات خاصة. احتل الغضب الجحيمي وجه مراد وهو يردد من بين أسنانه: تجارة أعضاء.

القى دياب نظره جانبية له قبل أن يشيح بنظره بلامبالاة، فكور مراد قبضته هادرًا ب طارق: طارق أمن على البضاعة، خلينا نخفى من هنا. تحرك طارق فورًا ينفذ الأمر، ومراد بالكاد يقف متحكمًا في أعصابه. دقائق وعاد طارق برجاله هاتفًا باختصار: تمام. هات الفلوس.

أمره مراد ليشير طارق لرِجاله فتحركوا على الفور يضعوا أربع حقائب سفر كبيرة ممتلئة أمام قدم قائدهم. وانحنى أحدهم يتولى فتح الحقائب لتظهر الأموال متراصة بالداخل، فهز ماركوس رأسه راضيًا وهو يهتف: عهدتك أمينًا سنيور ابرام. حرك مراد رأسه باهتمام وتحرك الرجال ينقلون البضاعة للسيارات الكبيرة. وما إن انتهوا حتى تحرك مراد واقفًا بجوار دياب يهمس له:

احتفل بآخر صفقة هتعملها في الو**** دي عشان مش هتتكرر تاني، وبكرة تقول مراد باشا قال. انفجر صدر دياب غضبًا من حديثه المقلل من شأنه، ليردف بنبرة كالفحيح وهو يميل على مراد أكثر: معتقداتك معقدة زيك، السلاح والدعا*رة وتجارة المخدرات والأعضاء كلها واحدة يا… يا باشا، مفيش حاجة اسمها بعمل ده ومعملش ده، ولو طبلت على دماغنا هتطبل على الكل. نفى برأسه وهو يقترب الخطوة الفاصلة مبتسمًا بخبث:

تؤ، فهمتني غلط، أنا قصدت آخر صفقة ليك أنتَ. أنهى حديثه وخبط بكفه على كتفه منفضًا غبار وهمي قبل أن ينسحب من أمامه بكبريائه الملازم له، وهيبته التي تفرض نفسها في أي مكان. قضم شفتيهِ غاضبًا وهو يهمس بينما عيناه مسلطة على ظهر مراد: يابن ال****، اعمل بس خطوة واحدة، وأنا أطلع عليك القديم والجديد يابن وهدان. وليه تستناه ياخد خطوة؟ ماتخلص أنتَ منه يا باشا. قالتها هاجر التي استمعت لهمسه ليجيبها باختناق:

البوص لو عرف إني هويت ناحيته مش بعيد يخلص عليَّ، أنتِ عارفة قواعد المنظمة، ممنوع حد منا يغدر بالتاني أو يأذيه من غير مبرر يستاهل، وخصوصًا لو كان الحصان الأسود ده. أومات برأسها بتفهم، وقد اتضح أمامها سبب تواني دياب عن أذية مراد بطريقة مباشرة رغم كرهه الواضح له. ***

انتفضت فزعة من نومها، وهي تلهث بتعب. قد كان كابوسًا آخر رأت فيهِ شخص جديد يُقتل. وللغريب هذه المرة رأت المكان جيدًا، حتى أنها شعرت بمعرفتها لهذا المكان. وبالفعل بعد بعض التفكير أدركت هويته، أنها المستشفى التي يعمل بها باهر! انتفضت ممسكة بهاتفها وطلبت رقمه بأنفاس لاهثة. ثوانٍ وفُتح الخط، لتهتف بلهفة: باهر، أنتَ في المستشفى صح؟ استغرب نبرتها الفزعة لكنه رد بهدوء: أيوه، أنتِ عارفة عندي نوباتجية بليل النهاردة.

أنا جايلك استناني في الاستقبال. أغلقت الخط فورًا تاركة الآخر في حيرة من أمره، وليست حيرة فقط، بل فزع أيضًا. يبدو أن أمر جلل قد حدث لتحدثه بتلك النبرة وتأتي إليه والساعة قاربت على الثانية صباحًا.. الثانية صباحًا! وهل ستأتي بمفردها في هذا الوقت!؟

حاول مهاتفتها لأكثر من مرة لكنها لم تجيب، ليزفر بضيق ملقيًا الهاتف فوق المقعد لاعنًا من بين انفاسه الثائرة فلن يستطع فعل شيء الآن، لن يقدر على الذهاب إليها فبالتأكيد قد تحركت من المستشفى بالفعل، فما عليهِ سوى الانتظار الذي سيقتله قلقًا. *** آه، تعبت خلاص مبقتش شايفة، هقوم أنام.

أردفت بها خديجة وهي تنظر للساعة التي تخطت الثانية صباحًا، وقد قضيا الوقت في الحديث عن كل ما مر عليهما في الفترة السابقة، وانحصر الحديث بشكل خاص على إبراهيم وأفعاله التي سخطت خديجة منها، فانهت حديثها لها بنبرة قاطعة:

فريال، طول ما أنتِ سلبية وهايفة كده في تعاملك معاه، هيركب ويدلدل رجليه يا حبيبتي، وبكرة يعاملك زي الجارية عنده، ومش هتقدري تعترضي ولا ترفعي صوتك، اللي بيتعود على حاجة بيتعود عليها دايمًا، ومستحيل تغيري فكرته بعدها، أنتِ اللي بتفرضي شخصيتك متستنيش حد يعمل كده، خصوصًا مع عدو المرأة ده. تنهدت فريال بتعب وهي تخبرها بحزن حقيقي: بحبه يا خديجة، بحبه ومش قادرة آخد موقف معاه. لوت فمها ساخرة متشدقة:

حبيه يا روح قلبي بس مترجعيش تشتكي، يلا هقوم أنام، سديتي نفسي بسيرته، أنا عارفة بتحبي فيه إيه ده، ده حتى وشه يقطع الخميرة من البيت بتكشيرة أمك دي. الله! وأمي مالها؟ صاحت بها فريال معترضة، لتبتسم لها خديجة بسماجة: مهو أمه وأبوه مش كشريين، وناس زي السكر، محدش في العيلة يشبهه غير الحرباية عمتي. شهقت فريال بتفاجئ من سب خديجة لوالدتها علنًا فحذرتها: خديجة! دي أمي متنسيش! أشاحت بيدها بلامبالاة مرددة:

والله لولا إنها أمك كان زمانك بتشتميها معايا. والتزمت فريال الصمت غير قادرة على النفي، فحولت ضفة الحديث وهي تسألها: قوليلي طيب، هتعملي إيه في العريس ده؟ ارتبكت، وتوترت ملامحها وهي تجيبها: مش عارفة والله، هو فاجئني، متوقعتش إنه يعترفلي بمشاعره من هنا، ويطلب يتقدملي بعدها بالشكل ده، حسيت إني اتشليت من المفاجأة، خصوصًا وهو بيقول لباهر هستنى ردك عليَّ بكرة! مجنون ده في حد بيقرر في سواد ليل! ليه باهر مقالوش كده؟

تنهدت حائرة وهي تجيبها: لا باهر قاله، بس هو رد عليه وقاله أنا بقالي معاها في الشغل أكتر من شهر ونص، هتفكري في إيه، مهو يا متقبلاني يا لأ. اقتنعت فريال بحديثه لتقول: بصراحة معاه حق، يعني لو عندك قبول له، ييجي ويتقدم، أنتوا مش هتتجوزوا، ده لسه هيتقدم ويقرأ فاتحة وبعدها خطوبة، الموضوع طويل. بس المفروض نسأل عليه يا فريال. انتِ عارفة هو منين؟ ضمت شفتيها بجهل: لا، بس المفروض باهر يعرف ويسأل عليه. اقترحت

فريال وهي تقول بحماس: عندي فكرة، إيه رأيك ييجي ويتقدم وقبل ما تقرأوا فاتحة باهر يبقى يسأل عليه، أصل أكيد لما ييجي يتقدم هيجيب حد من أهله، وساعتها هنشوف برضه أهله إيه نظامهم، فهماني، يعني كحاجة مبدئية، وباهر بعدها ياخد وقت يسأل عنه براحته. هزت خديجة رأسها موافقة وهي تهتف: خلاص هكلم باهر بكرة وأقوله كده، أشوفه هيقتنع ولا إيه، ولو اقتنع أخليه يحدد معاه معاد ييجي يتقدم. ابتسمت لها فريال باتساع وهي تضمها لها

في عناق دافئ مرددة بفرحة: ربنا يرزقك بابن الحلال ويكتبلك الخير يا روح قلبي، ويجعل نصيبك أحسن من نصيبي. أردفت جملتها الأخيرة بحزن جلي، لتخرج خديجة من حضنها هاتفة بمغزى: إحنا اللي بنختار نصيبنا بإيدينا، محدش غصبنا يا فريال، وحتى لو في يوم اتغصبنا، أي خطوة بتيجي بعد كده بتكون بإيدينا.

أنهت حديثها وخرجت من الغرفة بهدوء لتدلف للحمام قبل أن تعود لتنام بجوارها، تاركة فريال غرِقة بأفكارها التي تعصف برأسها، وحديث خديجة لا يتوقف عن التردد في عقلها. *** وأخيرًا أبصرها تأتي تجاهه بمظهر مزري، لا يصدق أنها خرجت من المنزل بهذا الشكل! ترتدي ثياب بيتيه عبارة عن ترنج بكنزة قصيرة لحد ما، وبقدمها ارتدت خُف منزلي! حتى أنها لفتت أنظار الناس إليها. هرولت إليه حتى توقفت امامه، وقبل أن يسألها عن

شيء كانت تبادر هي بالحديث: أنا شفت واحد بيتقتل هنا، في حد هيدخل يخنقه، أنا شفت رقم الأوضة… ٣٤٥ هي فين يا باهر، يلا بسرعة أنتَ متسمر كده ليه؟ جذبته من يده قبل أن يبدي أي رد فعل حتى، وهرولت بهِ في طرقات المستشفى وهي تخاطبه أن يرشدها لمحل الغرفة، وقد كانوا عرضًا مزريًا لكل من في المستشفى خصوصًا من يعرفه! وهم يرونه يهرول مع فتاة ترتدي ثياب بيتيه بل وهي التي تجذبه تحثه على الركض! ضاعت هيبته!

وصلا أخيرًا للغرفة المنشودة لتقتحمها دون سابق إنذار فاتسعت عيناها ذهولاً وصرخت وهي ترى حلمها يتحقق، رجل يحمل وسادة ويضعها فوق وجه المسجي فوق الفراش. أزاحها باهر من طريقه حين اقترب الرجل منها يكتم صرختها، فواجهه باهر ودارت بينهما معركة دامية، أصبحت الغرفة ساحة قتال. وهي ركضت خارجة من الغرفة تصرخ في طرقات المستشفى تطلب الأمن، أو المساعدة بشكل عام، فأتى الأمن وبعض الممرضين لينتشلوا الرجل من بين يدي باهر، وتدخلت الشرطة

في الأمر بعد أن طلبوها، وتبين أن ذلك الرجل المريض لم يكن سوى لواء في الداخلية، وشُكر باهر من قِبل كل رجاله الذين أتوا للإطمئنان عليه. وبعد انتهاء الأمر، جلس باهر في غرفته الخاصة وامامه جلست جاسمين بابتسامة واسعة وهي تضع القطن المغموس في المحلول المطهر على جروحه المتفرقة في وجهه. اغتاظ من ابتسامتها ليهتف بضيق ضاربًا

بشرتها بأنفاسه الحارة: بتضحكي على إيه مش فاهم؟ أنتِ مبسوطة فيَّ؟ نفت برأسها بأعين لامعة: لا، مبسوطة ليَّ، متتخيلش يا باهر مبسوطة إزاي.. وضعت القطن جانبًا وهي تتنهد براحة جمة: أنا أنقذت حياة إنسان، أنتَ متخيل، أنا فرحانة أوي أوي، الحمد لله. ابتسم هو أيضًا وهو يردف مرحًا: هو أه أنا اتعملي خريطة في وشي، بس معاكِ حق، إحساس حلو أوي. ضحكت بخفة وهي تضع أصابعها على أحد جروح وجهه وأردفت:

دي علامة شهامتك في إنقاذ الموقف، يعني المفروض تشكرني، ده أنا حتى خليت رجالة الداخلية يقفوا يشكروك. تاه في لمستها، وفي نظرات عينيها القريبة منها، قربها بهذا الشكل يشكل خطر على قلبه الذي ينبض بسرعة غير مسبوقة، فوجد لسانه يهمس: جاسي.. توقفت عن الضحك وهي تشعر بنظرة مختلفة من عيناه، وتوترت لمناداته لها بتلك النبرة، شعرت أن القادم سيوترها أكثر ولا تعلم لِمَ، لكنها وجدت ذاتها تجيبه بنبرة خافتة وقد دق قلبها بقوة.

وتاهت هي الأخرى في نظراته: نعم؟ استفاق من سحر اللحظة وشعر بتهوره إن كشف عن مشاعره الآن، لابد أن يتأكد أولاً، فابتسم بعبث وهو يخبرها: امسحي رقمي من عندك، أنا مش عاوز خرايط تانية في وشي يا حبيبتي، أنا الحمد لله ربنا راحمني ومبحلمش بحد ولا بنقذ حد. فاتسعت عيناها لجملته، توقعت أن يكن الأمر عاطفيًا أكثر، فالتقطت زجاجة المطهر تقذفه بها بغيظ، والتقطها هو بسهولة ضاحكًا، فاردفت وهي تنهض واقفة:

خسارة فيك إني عالجتك، وهتصل بيك غصب عن عينك، وهتساعدني يا باهر وابقى قول لأ، يا اسمراني أنتَ. أنهت حديثها تاركة اياه وذهبت، ليشخص ببصره وهو يردد لذاته بتعجب: اسمراني! هي دي مدح ولا ذم؟؟! *** في عصر اليوم التالي…. انتبه باهر لرنين هاتفه، فالتقطه وقد توقف عن عمله خارجًا من غرفة المريض الذي يتابعه بعد أن استفاق من أحد العمليات. كان رقمًا غير مسجل ففتح الخط مجيبًا: السلام عليكم. أنا زين، أعتقد فاكرني. كان رده البارد

الذي فاجئ باهر فهتف: ما ترد السلام يا عم الأول. اعتبرني رديته، ها إيه الرد؟ زفر باهر بغيظ وهو يجيبه: للأسف خديجة موافقة، رغم إني شخصيًا مش موافق، لكن هي قالت نديك فرصة تيجي تتقدم، وأن شاء الله مش هتوافق بعد كده. أتاه رده المستفز وهو يخبره: مسألتكش أنتَ موافق ولا لأ، ميهمنيش رأيك، المهم هاجي أتقدم إمتى؟ أنتَ إنسان مستفز وبارد، أنتَ جبت رقمي منين أصلاً؟ وبنفس البرود أجابه: مش مهم، المهم آجي إمتى؟ استغفر الله العظيم.

رددها باهر يحاول تهدئة نفسه بصعوبة، واردف من بين أسنانه: آخر الأسبوع. نعم! هو أنا قولتلك ترد عليَّ النهاردة عشان آجي آخر الأسبوع؟ بقولك إيه يا دكتور، أنا هاجي بليل.. صاح باهر معترضًا: بليل إيه يا جدع أنتَ هو سلق بيض! لا طبعًا. الساعة ٩ كويس؟ يا عم أنتَ مجنون؟ أردف بها باهر وقد علا صوته حتى التف المارة على صوته، فحاول التحكم في ذاته مراعيًا وقوفه في طرقة المستشفى، ولكن طار تحكمه وهو يستمع للآخر يقول: يبقى كويس.. سلام.

نظر باهر للهاتف بفاه فاغر، حقًا! ياله من بارد، مستفز، سِمج، أحمق.. والكثير من تلك الصفات. هز رأسه بعدم استيعاب للموقف، وطلب خديجة وفور أن أجابت أخبرها بهياج عصبي: ابن المجنونة اللي وافقتِ عليه خد معاد من نفسه النهارده الساعة ٩!! *** وعلى صعيد آخر، ابتسم مراد براحة ما إن أغلق المكالمة، حتى أتى بعقله أحد الجمل التي قيلت أثناء المحادثة وهمس لذاته بسخرية: قال رد السلام قال، عالم متخلفه.

أنهى حديثه، متجهًا لكأس المشروب الخاص بهِ، ورفعه شاربًا اياه على دفعة واحدة، وما إن انتهى حتى طلب رقم طارق وفور أن اتاه الرد هتف: طارق، الراجل اللي طلبته منك يكون جاهز النهاردة الساعة ٩، وزي ما قولتلك لو غلط في حرف هطير رقبة أمه. أتاه رد طارق المتوتر: ما تقلقش يا باشا أنا فهمته هيقول إيه وهيُتصرف إزاي، وحفظ دوره كويس!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...