الفصل 1 | من 5 فصل

رواية بكاء في ليلة عرس الفصل الأول 1 - بقلم ايمان

المشاهدات
23
كلمة
3,078
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

انسحبت مسرعة شمس الصباح، كأنها كانت على موعد مع أحداهم في مكان آخر، لتتيح للظلام يفرش ظلامه على الكون دون خجل من انسحابها، فتجلت الأنوار وضوت بالتفاف حول مدخل هذا المنزل الخارجي، كأنها مثل أوراق شجر اللُّباب الملتفة والمتداخلة، معانقة أوراقها بكل حب في سعادة.

أما في الداخل، نجد المدعوين منتشرين كخلية نحل في كل مكان داخل المنزل، منهم من يهنئ والدة العروس، ومنهم من يقدم كاسات شربات العرس، بينما كانت العروس مرتدية زيها الأبيض وفوق رأسها تاج متوجهاً في ليلة تنصيبها على العرش، لكن يبدو على ملامحها الانطفاء والكسرة، والعبوس، لم تخفيها تلك المستحضرات التجميلية المرسومة على وجهها.

على عكس والدتها، السعادة تبدو مشرقة لهذا الزواج الذي كم تمنته لابنتها الحسناء، غير مبالية لأي شيء مخالف للعُرف وعاداتهم، كل الذي يعنيها هو فقط أنها تزوجت من زوج عربي ثري لا أكثر. فاقت "بسملة" من صدمتها واستوعبت أخيراً عرسها المزيف، فقد شعرت كأنها كانت تحت تأثير تنويم مغناطيسي، والآن عادت لواقعها المحتوم، المظلم بوصمة سواد تلازمها الباقي من عمرها. كيف لفتاة لم تبلغ العشرين عاماً تُطلق في نفس يوم عقد قرانها؟

صرخت "بسملة" صرخة هزت جدران ثنايا فؤاد والدتها، أخرجت من أعماقها صرخة مدوية اهتزت لها كل جدران المنزل، التفتت إليها خالتها، فازداد حزنها على تلك المسكينة، التي زوجتها من رجل ثري عربي لا يوجد بقلبه شفقة ولا رحمة دون قصد. اقتربت والدتها حتى تضمها لصدرها الحنون، وعندما اقتربت، كان الصد العنيف من جانبها، فقالت وهي في حالة انهيار تام لها:

"عتقربي مني دلوچيت عشان تطيبي خاطري يا أماي، عتمسحي دمعتي دلوچيت. كان فين لما كنت عتحايل عليكي وچولك وعحلفك بكل غالي ترحميني ومعتفسخيش خطبتي من معاطي؟

عجبك عاد واني قاعده چارك متطلقة في ليلة دخلتي، عتتبسطي واني ملجيش حد عيبص في وشي تاني واصل. حرام عليكي اللي عملتي فيا وفيه يا أماي، خلتيني عضحي بالانسان اللي چلبي كان رايده عشان واحد عشمك بشوية جرشنات وبيت وكام قيراط طين، اهو سابني أول ما أبوه وبت عمه مرته دخلوا الفرح، اهو رماني كيف البَهيمه عشان ميزعلش أبوه." صمتت تبتلع مرارة الحنظل في علقمها، ثم استطردت بوجع وحزن:

"ضمنتي الأطيان عاد، اهي كل حاجة راحة منيكي، حتى الدهبات اللي كنتي فرحانة بيعم راحوا، واني اللي بقيت قاعده زي البيت الوجف. يارب تكوني ارتاحتي... ذنبي في رچبتك ليوم الدين، و اني معاسمحكيش أبدا واصل." أدمعت عين والدتها بشدة، وجففت الدمع المتساقط بطرف وشاحها وحاولت مرة أخرى مواستها، لكنها رفضت وأولتها ظهرها وجلست بعيداً عنها، فقد كانت المسافة التي تشعر بها أميالاً وليس خطوات تعد وتحصى.

حين خلى المكان من المباركين، وانطفئت الأنوار، وتحول الفرح لمأتم، وكانت العروس هي من ذبحت في ليلة عرسها، فرغ من حولها وبقي إلا من عدد قليل. شردت والدتها "سكينة" حين جاءت لها الخاطبة تزف عليها خبر هذا العريس الشاب الثري ذو المال والجاه "هادف". فكان يمتاز بمميزات لا حصر لها، حيث المال الوفير وما يغمر به ابنتها به، ويجلب لها المجوهرات الثمينة، ومنزل فخم في بلدتها، وكل هذا في مقابل أن يكون الزواج سرياً عن أهله، ولا يريد منها أطفال، وكلما جاء من بلدته قضى معها إجازته.

عندما سمعت شرط عدم رغبته في الإنجاب، وقفت محتده عليها رادفة: "كيف الحديت الماسخ اللي عتقوليه ده يا وليه؟ كيف يعني عتعيش بتي بطولها مقطوعة النسل، متل الأرض البور اللي ما عتطرحش، لا عيل ولا تيل يونس وحدتها؟ لع اني موافقش على الهرتلة دي واصل، وسكي على الحديت ده عاد." أمسكت الخاطبة "زبيدة" كفها وأجلستها وقالت رادفة بهدوء ومكر لإقناعها:

"اقعدي على حيلك، واستهدي بالله يا أم بسملة، واسمعي حديتي عاد ولو ملدش عليكي ارميه في البحر." جلست ومطت شفتاها بعد أن أخرجت تنهيدة من جوفها تصبر حالها قائلة: "عتقولي اية تاني عاد، ما القصيدة من أولها باينة اهه من غير جواله." "ووه ووه مالك أكده شده حيلك عليا ومصبراش، اجفلي خشمك هبابه عشان اجولك على اللي في نيتي." أخذت أنفاسها "ذبيدة" بعد أن سمعت صك "سكينة" كفها على ثغرها دلالة على عدم التحدث، ابتسمت لها وقالت بهدوء:

"الواد زين الزين، وميضرفتش واصل، وان كان على الخلفه، نصبروا سنة ولا اثنين، والمحروسة لسه صغار، مفرجش يعني من سنتين، ولما ناخدوا منيه اللي عايزينه وبزيادة، ونضمنوا حقها، تبقى تحبل، ونقوله حوصل بالغلط، وكله وشطارة بتك، تخليه يعشقها وميجدرش يستغنى عنيها عاد، وتخليه كيف الخاتم في صوبعها، وتهوسه بحسنها ودلالها، يووه ما تشغلي نافوخك وتوعي بتك يا سكينة، هو إني اللي هوعيكي برضك."

صمتت "ذبيدة" بعد ما بخت سمها في جوف "سكينة"، وانتظرت ترى فعل سريان بخها في كلماتها. وعندما قلبته في رأسها ابتسمت لها برضا قائلة: "والله وعفارم عليكي يا ذبيده، حديتك معقول برضو، واهو في كل الحالات البت عتستفاد على اد ما تقدر، خلاص اني هتحدد وياها وليكي الحلاوة يا وش الخير."

ابتسمت بشدة "ذبيدة" ثم أعطتها كل ما يخص "هادف" من معلومات، ثم تركتها وانصرفت، وبقت "سكينة" محتارة في مهمة إقناعها بقبول هذا الزوج بعدما كانت ترفض كل من أتى لقربها بعد فسخ خطبتها من "معاطي" الذي كانت تحبه وتهواه. صعدت لها والفرحة تتجلى على ملامحها، وعندما فتحت بابها، وجدتها جالسة فوق فراشها ممسكة ببعض الثياب الذي احتفظت به من رائحة محبوبها، ورفضت أن تعطيها له. ضمتها داخل أحضانها والعبرات منهمرة فوق وجنتيها.

عبس نور وجهها واقتربت منها وعيناها تلومها على حالتها، وحين نزعت ما في يدها صرخت "بسملة" هاتفة بحزن: "بعدي كفك يا أماي عن خلجاتي اللي حلمت علبسها في يوم وانكتب عليها عتتحبس في دلابي كيف ما اني محبوسه في بحور احزاني." "ليه كل المناحة اللي عايشة فيها يا بنيتي، امال لو كان عدل كنتي عاملتي في نفسك اية؟ "معاطي كان كل حاجة في حياتي، وانتي خابرة ده زين، لكن لولا انك عتدوري على الجرشنات مكنش ده هيبقى حالنا."

برغم ضيقتها على ما تفوهت به، حاولت تداري كبح غضبها، وضمتها بين يديها وجففت دموعها وقالت لها: "يا مخبولة اني هدور على مصلحتك، ومعيهمنيش في الدنيا دي الا اني اشوفك سعيدة في بيت عدلك، مع اللي صونك ويهنيكي، ويغرق يدك اللي كيف الملبن دي بالدهبات الأساور." وقفت معترضة وعلى ملامحها الغضب قائلة: "واني معيزاش أيتها چاجة من كل ده؛ كان ميلدش عليا غير معاطي وبس، وكنت مستعده اكلها معاه انشالله بملح، عنحمد ربنا ونشكره."

"يا خايبه، ده في الأول، ولما عتضيع بهجه ونشوة العشج يابتي، كله هيروح والمشاكل راح عتدق باب المحبه وكله عيتنسي، اسأليني أنا، ومعيبقى غير صوت عويل ونواح بطنك لما تقرصها الچوع، والبرد لما عينفض جتتك كيف هزة النخيل من أثر هوا الشتا الشديد، اني عملت الصح، ومعاطي مكنش عيسعدك ولا راح هيوفرلك العيشة اللي عتتمرمغي في خيرها." نظراتها كانت توضح أنها غير مقتنعة لحديثها. فوقفت "سكينة" وقالت لها بحده:

"قصر الحديت عشان منضيعوش وقتنا، زبيده الخاطبه جبتلك عريس زين مفهوش عيب، ولد ناس وغني، وراح يجبلك بيت اهنا في أول البلد، ودهبات مكنتيش عتحلمي بيهم، وكومان هيدفع لك مبلغ كبير جوي مهرك يا زينة البنته." بادلتها نظرات التحدي، وقالت بتصميم: "واني جولت لع يعني لع، معجوزهوش لو انطربقت السما على الأرض يا أماي، ومش عتجوز غير معاطي." ازداد الغضب، وتطايرت سهامها القاذفة نحو فؤادها لتصيبه في مقتل عندما تفوهت الأم وهي ممسكة بكتفها

قائلة بنبرة تهديدية:

"يكون في معلومك، نجوم السما ابعدلك من اللي راح عتفكري فيه، ولو معاطي أخر راجل في الكفر كلتها مش عجوزهولك، ولو رفضتي يا بسملة، عخليكي تتحسري عليه الباقي من عمرك، هي الحكاية اية غير ولد ابن حرام يطلع عليه في انصاص الليالي، ويديله الطريحه التمام؛ عتخليه راقد عيتمنى الموت ولا يلاجيه، انتي خابرة ان امك تجدر تعملها، ولا يصعبش عليها ايتها حاچة، فعجلي أكده، وحطي عقلك في راسك، ووزني الامور وطاوعي امك، لو لسه عتخافي على حبيب الچلب."

اتصدمت "بسملة" مما تفوهت به والدتها، وكانت متيقنة أنها تستطيع تنفيذ ما قالت وهددت به. لكن كيف لها أن تقذف بروحها داخل النار، وتترك ذكرياتها وقلبها المفتون بحبه؟ جلست تفكر وتكرر ما دار، ثم قالت لها في يأس: "اني من أجل محبه معاطي؛ افديه بروحي يا أماي، اني راح وافق على اللي اخترتيه، بس وحيات الغالي عندك ما تعملي فيه ايتها حاجة، لو لسه في قلبك محبه ليا، سبيه وكفايه اللي شافه من قهر وبعد، فراق."

أخذتها في أحضانها وربتت على كتفها، وهي تمسد على خصلات شعرها الذهبية مثل خيوط الشمس قائلة بسعادة وانتصار لما حققته: "هو ده زين العقل، وطول ما انتي تحت طوعي وعتسمعي حديتي، اوعدك اني ماليش صالح بيه واصل، لكن لو جليتي بعقلك متلوميش غير عقلك، واعملي حسابك كلتها يومين بالكتير هتشوفي عريسك لما يجي البلد."

تركتها أمها وانصرفت، ورمت بجسدها فوق تختها وانفطرت في البكاء من ظلم وقسوة قلب والدتها التي لا تهتم إلا بالمال فقط، دون النظر لسعادة ابنتها، ومع من ستسلمها بيدها له. ظلت "بسملة" حبيسة جدران غرفتها رافضة الخروج منها، جالسة منتظرة يوم حكم الإعدام بالنسبة لها، فالموت واحد ولا يفرق لها طالما ستحيا بدون رفقة محبوبها، فمن أجله سترمي بروحها داخل النار بنفس راضية لتفيده، فليس لديها أغلى من روحها فداء له.

وجاء اليوم المنتظر؛ وصول "هادف" الشاب الوسيم، ذو بشرة بيضاء، وعينان سوداوتان عميقتان، من ينظر لهما يتوه في بحور ظلامها، فقد كان في مقتبل الثلاثين من عمره، مرتدياً عباءة بيضاء وفوق رأسه وشاح فوقه عقال زاده رونق ووسامة، بصحبة الخاطبة محملًا بالهدايا الكثيرة للعروس، وأيضاً علبة بداخلها عقد من الماس، وعدة أساور تزغلل عين والدتها التي حين رأت هدايا جحظت عيناها من الاندهاش من شدة روعتها.

وبعد أن تعرف عليها، جلس يعرفها كل ظروفه، انبهر بحسنها وهدوئها، وسحر بخصلات شعرها الطويل، وعيناها البندقية، المرسومة بريشة فنان أبدع في تحديدها، والذي زادها جمالاً التواء أهدابها الطويلة لأعلى، جعله ينبهر وينظر لها برغبة جعلتها مطأطأة لأسفل. كم تمنى سماع صوتها الذي لم تنطق بحرف طوال جلستها معه، فكانت والدتها هي من تتفق وصاحبة الكلمة العليا في الجلسة.

بعد أن اتفق على كل الماديات، قرر أن يكون الزواج بعد يومين، وقدم لها شيكاً بالمبلغ الذي اتفقت عليه لشراء المنزل المحدد لها، على أن يتم الزواج ويسافر بها لقضاء إجازته حتى تجهز والدتها كل شيء. تعالت الأغاريد من قبل "زبيدة" ووالدتها تحت أنظارها، وهي مسلوبة الإرادة، تشعر أنها تباع في سوق النخاسة بأقل ثمن. صوت الأغاريد في أذنيها ما كان إلا نواحاً على موتها. نعم تشعر الآن أنها ماتت بالحياة حين وافقت على نحرها بهذه الطريقة.

لم تحتاج "بسملة" لوقت لتجهيز ما تحتاجه أي عروس، فقد كان كل جهازها مكتملاً. والدتها فقط هي من كانت تبحث طوال الوقت على منزل فخم يليق بابنتها. وبعد بحث مكثف وجدته كاملاً ولا ينقصه شيء، اتفقت مع صاحبه على أن يخليه في أقرب وقت ليتم البيع في وجود العريس. وافق الاثنان، وتم تجهيز الأوراق المبدئية.

ومر اليومان سريعاً وها هي جاءت لحظة الحزم وجلس العريس بمقابلة خال العروس ليكون وكيلها، وتمت مراسم الزفاف، وما أن انتهى المأذون من إجراءاته، حتى فوجئ الجميع بولوج رجلاً كبيراً في العمر ممسكاً بيده عصا غليظة يتوكأ عليها، بجواره امرأة شابة ذات الرداء الأسود، وعلى رأسها وشاح ملوف ظاهر مقدمة شعرها.

تقدمت منه وبنظرات نارية خطفت قسمية زواجهما التي طبعت عليهما إمضاءه ومزقتها بكل عنف وغِل. بينما والده أمسكه من تلابيب عباءته قائلاً: "ااه يا ملعون الوالدين، هتفضل طول عمرك شين (سيئ) ، ابقى بقيت عمري أسري خلفك عشان انتشك من اللي تسويه." سكت ثواني يأخذ أنفاسه وتشدق بغضب وصوت جهور: "طلقها الحين، وقوم اسري معي، سود الله وجهك، انت ما تستحي باللي تسوية." تلجلج "هادف" من صدمته بمعرفة والديه ما فعل، فرد عليه بتلعثم:

"يا بوي ما يصير اطلقها، أني لسه توي متملك." ضرب أباه بعصاه الأرض بقوة، فهتز قلب "هادف" المرتجف ورد بحزم شديد وتوعد: "هي كلمة واحدة قولت طلقها الحين، وإلا انت خابر زين اللي هسويه، بمجرد ما اوصل راح اسوي كل ما أملك لمرتك بت عمك اللي مبهدلها وياك كل شوي، وانت أقلب وجهك."

رد مندفعاً حين أنهى قوله، وحررها من ذمته للتو، تحت أنظار واندهاش جميع الحضور. وما أن قالها وعاود المأذون تنفيذ الإجراءات، اقتربت زوجته من العروس التي كانت لا تعي لما حدث وما زال يحدث، وشدت من رقبتها العقد بكل عنف، وأخذته منها ولم تجد أي رد فعل. وعندما لمحت الأساور في يديها، أمسكتها بقوة محررة إياها منها. برغم شدة عنفها معها؛ لكن كانت تشعر "بسملة" بأنها تحررها من قيدها الذي كانت مقيدة به.

لجم لسان أمها أمام هيبة والده برغم كبره، لكن له هيبة وعظمة لا أحد ينكرها. ازداد خوفها حينما لمحت البودي جارد ذو الهيئة الضخمة بجانبه يحرسونه. انتبهت لصوت زئيره قائلاً لابنه: "هل كتبت لهم أي مصاري؟

أومأ برأسه بنعم، فصرخ الأب وطالباً الأم بتلك المصاري. ومع مشاورته للأسدين الواقفين بجواره، أخرجت "سكينة" من حقيبتها الشيك وقدمته له، فتناوله الآخر ووضعه داخل عباءته، وأخذ ولده وانصرف، بعد أن حول الفرح لمأتم، ولم يدافع العريس ولا استطاع أن يصمد أمام جبروت كل من زوجته ووالده، وخرج وكأنه لم يكن هنا موجوداً منذ قليل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...