فاقت "سكينة" من شرودها على صوت عتاب أخيها الذي يصغرها ببعض أعوام، لكنه كان يتسم بطباع مختلفة عن أختيه، فقد كان رهيف القلب، شديد التسامح. حين زاد من عتابه ولومه، وقفت أخته وأنهت حواره معه بقوة، وربتت على كتفها لتواسيها مما هي فيه. جففت دموعها. حين شاهدت انهيار ابنتها قالت لها بنبرة باكية:
-حرام عليكي يا بتي ليه عتظلميني بس، اني كان كل حلمي استتك مع راجل عيصونك و يكون مقتدر. معاطي هو اللي كدب علينا في الأول، وما دام الراجل عيكدب يبقى ملوش أمان يا بتي. دخل علينا بالحنجل والمنجل وصدقناه، لكن كله إلا الكدب. حقك عليا يا ضنايا، وبكره عيجيلك اللي عيستهلك وأحسن منه ألف مرة.
كانت تسمعها "بسملة" وبداخلها تريد أن تصم حتى لا تسمع ما تقوله. فهي أُجبرت بقوة على ترك حبيبها "معاطي"، أول إنسان دق على باب جدران قلبها وتربع بداخله. وضعت يداها على عيناها وأغمضتهما حتى توأد هذا الوميض الذي راودها أمام عيونها وأصعب لحظات هاجمتها بكل قسوة تتهش ذاكرتها حين نزعت من إصبعها البنصر خاتم خطوبتها وحتم عليهما بالفراق المميت. فشرّدت غصب عنها في هذا اليوم الصعيب.
فقد كان واقفًا "معاطي" مطأطأ الرأس لأسفل خجلاً من معرفة حقيقته الكاذبة. فلم يستطع مواجهة والدة خطيبته، التي رمقته بغضب يكاد أن يطيح به لمفترق الطرق. فوجهت حديثها له بحزم:
-بجى انت يا معاطي عتفتكر إني عشان مَره قولت أضحك عليها وأرسم على بتها أنك من الأعيان، وصاحب فدادين واطيان. قوم ربك كشف كدبتك فاكرك إنها عتمشي عليا، لع فوق يا ولد الطحاوي مش سكينة اللي عيل كيفك راح يلبسها الطاجية ويغفلها، ده أني اشتريك انت وأهلك كلاتهم.
كان يستمع كل إهانتها ولا يتفوه ثغره بحرف، كأنه خرس للتو. عيناه تلمع من الحزن لافتضاح أمره في وقت قصير. فهو لم تلحقه الأيام أن يمتع عيناه ويحيا فترة أطول مع صغيرته التي أحبها منذ سنوات في صمت ولم يستطع البوح بعشقه خوفًا من رفضه لفقره الذي وصم به. فاق على سماع أحب صوت لقلبه قائلة: -جول حاجة يامعاطي، اونطق وكدب الحديث ده! جول محصلش واصل اللي بتقوله أمامي!
جول إن ابن النجعاوي بيتبلى عليك، وإنك عفيف وعمرك ما عتكذب عليا واصل؟ بلاش تسكت أكده كيف الصنم، حرام عليك انت معرفش سكوتك ده عيعمل فيا إيه؟ أني روحي عتطلع من جتتي بالبطيء يا معاطي.
قالت حديثها وهي تبكي مقتربة منه وتضربه في صدره بقوة ليفيق من حالته ويبرئ نفسه، لكنه كان واقفًا كالصنم لا يتحرك، يحترق داخليًا على حالتها وحالته. وما وصلت بهم الأيام وتوهمه بأن بهذه الكذبة البيضاء سينالها. لكن لسوء حظه أن والدتها رفضت عقد القرآن برغم تصميمه في طلبه. ربما لو كانت مقترنة باسمه الآن لما تركها حتى لو دفع حياته ثمنًا لاحتفاظه بها، فهي بالنسبة له الوطن الذي على أتم استعداد أن يفديه بروحه.
وقعت "بسملة" أرضًا فقدماها لم تسعفها أن تقف عليهما، واكتفت بنظرات اللوم والعتاب له. بينما والدتها حاولت مساعدتها للنهوض مرة أخرى مرددة لها بنبرة قوية:
-قومي يا بنيتي واجمدي أكده، مفيش راجل يتساهل البكا والنويح ده عاد، ده معيستاهلش دمعة واحدة عتنزل من عيونك عليه، انسيه وارميه الكداب ده واكل ناسه، وشدي حيلك واقفي على رجليكِ وانشفي. انتي لساكي صغيرة وعودك طري، وياما راح عتشوفي من الدنيا. اخلعي دبلته وارميها يا بتي بطول دراعك، وارمي معاها كل همومك وأحزانك.
رفعت عيناها الدامعة في عدم تصديق لما تقول، وتمسكت بتلك الحلقة التي تطوق بنصرها كأنه هو طوق نجاتها لآخر لحظة. وبحركة لا إرادية تشبثت به وعيونها متعلقة بعيناه الدامعة من أجلها، تترجاها ألا تفعلها. لكن أمسكت والدتها بجمود يدها ونزعت بقوة هذا الخاتم ورمته في وجهه. شعرت "بسملة" حينها بأنها كادت أن تنزع عنها روحها بكل ما أوتت من قوة وتركتها للتو جسدًا بدون روح. وعند هذه اللحظة استفاق "معاطي" وقال وهو راكعًا نحوها مرددًا:
-لع أياكِ تهمليني بالسهولة دي يا بسملة، هان عليكي كل اللي ما بينا؟ ردت بنحيب وصوتها مخنوق قائلة: -مهنش عليا إني ياحبة القلب ولا كان عمره عيهون، لكن انت اللي هان عليك وعتحطنا في أصعب موقف، انت السبب يا معاطي مش أنا. -والله وحياة محبتك اللي اتزرعت في جلبي، كان غصب عني، مكنش قدامي طريقة عشان أنولك غير أكده، سامحيني يا حبيبتي ومعتتخليش عني إني من غيرك عموت.
صرخت والدتها وأمسكته من تلابيب جلابابه بقوة لتزيحه من أمامها، فأستقام مترنحًا، وقالت بحده وعجرفة: -بعد عنها ملكش صالح بيها تاني عاد، واللي عندنا أخدته، دبلتك والشبكة حداك، ياريت تورينا عرض أكتافك وتوقفل الباب وراك، وبلاها الحديث الماسخ ده ملهوش عازة دلوجيت كل واحد مناكوا راح لحال طريقه. أزاح يدها بقوة لا يعلم كيف جاءت له ورمقها بشرار وقال موجهًا حديثه للتي لا حول لها ولا قوة:
-لع مش راح أسيب روحي أهنه وأفارق، طريقنا لسه واحد يا بسملة، جولي لامك تهملنا لحالنا، نعيش سوا على قد الحال، إني مش عايز من الدنيا دي كلها غير انتي يا بت الناس.
عجبًا فقد انقلبت الأوضاع في ثانية، وهي التي أصبحت صامتة هذه المرة لا تستطيع معارضة والدتها التي ربتها بعد طلاقها من والدها الذي لا تعلم عنه شيء منذ أن تزوج من سيدة إسكندرانية وتركها وترك والدتها من أجلها. ومنذ ذلك الحين أصبحت هي والدتها ووالدها وكل شيء، لذا كانت لابد والدتها أن تتسم بالشدة والحزم، فهي امرأة ربت صغيرتها بمفردها ولابد أن تكون شديدة لتقف أمام الجميع ولا أحد يقترب منها ويظلمها وينهش فيها. فنحن في زمن الضعيف يدهس تحت الأقدام ولا يوجد له دية. لهذا كان الجواب هو سيول أدمعها فقط تبكي في صمت.
وحين رآها "معاطي" هكذا انسحب دون حديث. لملم الباقي من كرامته التي تبعثرت وخرج وبداخله خذلان من الدنيا كلها، وليس منها فقط. أغلق الباب بكل قوته انتفضت على إثرها "بسملة" وعادت من شرودها لواقعها المرير تذكر اسم حبيبها بكل نبضة بداخل قلبها.
وفي أثناء عقد القران منذ قليل، كان "معاطي" واقفًا مذبوحًا في قلبه من سهام الهوى تطعن به بلا رحمة وهو يرى حبيبته خطفت من بين يده ويعقد قرانها لغيره، وهو مكبل الأيدي يفرفر مثل الذبيحة ولا يجد من يتم نحره وينهي لحظات حياته ربما يرتاح من هذا العذاب.
سند بيده على هذا الجذع الكبير الذي طالما تجمعا هو وهي أسفله أثناء فترة خطوبتهما القصيرة، وكم شهد أسعد اللحظات بينهما. ولم يتخيل لحظة أنه سيشهد أيضًا على كل أوجاعه مرة أخرى. كأن الحال تبدل ومن بعد الفرح انقلبت عليه دنياه وإذاقته من مرار الفراق كؤوس دفعة واحدة دون أن تنظر بعين الرأفة وتسأل هل سيتحمل كل هذا العذاب أم لا. ظل هكذا ينعي حظه دون أن يشعر به أحد.
وبعد مرور وقت طويل، ما زال "شوقي" يسير في كل الطرقات يسأل عن صديقه وابن عمه "معاطي" كل من يراه، ولا أحد استطاع إجابته بمكانه. ظل يجوب هنا وهناك، حتى تذكر المكان المفضل لقلبه، عند تلك الشجرة العتيقة التي تبعد عن منزل حبيبته "بسملة"، فكان يحدثه عنها كثيرًا، وأنه يجد روحه هناك. ركض مهرولاً نحوه بفرحته ليزف له أجمل بشارة. وحين وجده يبكي وحيدًا مثل من توفى له غالي وعزيز على قلبه، قال بصوت فرح مهلل:
-انت قاعد أهنه تنعي حظك يا حزين، واني بلف عليك كيف النحلة بجالي أكتر من نص ساعة يا ولد الفرطوس أنت. رفع رأسه ونظر له بحزن، ثم نكسها مرة ثانية دون أي تعقيب، فثار غضب "شوقي" فقال: -بقى أكده معترضش عليا وسيبني أتحدد مع حالي كيف المكذوب، والله خسارة فيك الخبر الزين اللي بلف عشان أبشرك بيه يا معاطي. انتبه لحديثه وسأل بلهفة غريق يحتاج لقشة تنجده من غرقه وترسيه لبر الأمان: -جول طوالي خبر إيه الزين اللي عتتحدد عنه ده؟
-لع مقايلش متستهلش عاد. -شوقي مش وقته نهزروا هزارك الماسخ ده دلوجيت، يا تجول خبر إيه، يا تفارجني لحزني في حالي. نظر له بشفقة وجلس بجواره أرضًا ثم قال: -خلاص هجول وأفرحك لونك لسانك طويل ومتستهلش؛ حبيبة القلب بسملة. قاطعه برعب حقيقي ولهفة: -مالها لبة القلب والروح؟ -الفرح اتفشكل، واتطلقت بعد ما المأذون كتب الكتاب بهبابه.
قال حروفه دفعة واحدة كـ رصاصات فرح خرجت للتو من فوهتها لترقص في الهواء فرحًا، فنشرح قلب "معاطي" وحدق بصدمة اعتلت وجهه، برغم السعادة التي يشعر بها، ثم استوعب ما قاله، وأمسكه من تلابيب جلبابه وقال: -إيه اللي عتقوله ده؟ كيف حصل؟ انت باينك شارب بكل الجرشنات اللي حداك يا ولد عمي، اوزن حديثك زين أمال، أنا قلبي راح يقف من الفرحة. أزاح يده وقال بابتسامة:
-بقى أكده يا معاطي، ماشي يا ولد عمي مقبولة منك برضو، بس إني جولت اللي حصل من هبابه، وأول ما الخبر وصلني فرحت جوي وفضلت أسأل عنك طوب الأرض عشان أفرحك. حاول "معاطي" تنظيم أنفاسه بهدوء فقد كان قلبه من وجلته يشعر أنه سيقف للتو. أحقًا صدقًا ما قاله ابن عمه؟ هل يعقل أن حبيبة قلبه من الممكن أن تعود له من جديد؟ لقد تجدد الأمل وترعرع مرة ثانية بداخله، وعليه أن يحاول مع والدتها مئات المرات لكسب رضاها من جديد.
وقف وعانق "شوقي" بحب وقبله لهذه البشرى، ثم تركه وركض مهرولاً نحو بيتها على أمل أن يشاهدها واقفة في شرفتها مثلما يفعل كل يوم. يمر أسفلها لعله يخطف نظره منها تبرد نيران شوقه ولهفته، من بعد أن كان له الحق في مشاهدتها كيفما شاء، أصبحت الآن محرمة عليه وبعيدة بعد السماء عن الأرض. انتظرها كثيرًا وحين طال انتظاره، أمسك هاتفه يهاتفها لعله يبرد من نيران أشواقه بسماع صوتها.
بينما "بسملة" مستلقية على فراشها حزينة على ما حدث، وإذا بها تسمع صياح هاتفها وتلمح مكتوبًا على شاشته "حبة القلب". أمسكته بيد مرتعشة، رامقًا لحروف اسمه، مترددة هل ترد وتفتح على قلبها سيل من الآلام من جديد، أم أنها تلبي نداء القلب وتغرق في محبته وتوصل أحبال الهوى التي انقطعت بسبب الطمع وحب المال.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!