هزها بعنف بين يده وهو يصرخ بها: _رُدي، إيه علاقتك بصاحبي؟ وليه يبعتلك صور ريهام وحسن قبل ما يورهالي؟ وكمان يقولك قربنا أوي، قربتوا من إيه ها! بتلعبوا عليا في إيه انتوا كمان!؟ انطقييي بقولك.. كانت كعصفور كُسر جناحه فأخذ يتخبط بالهواء حتى استقر على الأرض أخيرًا مُعلنًا سقوطه، كسقوطها بين يده في اللحظة التالية.
أسرع بإسنادها وقد أنتابه القلق حيالها رغم غضبه العاصف منها. حملها يضعها برفق فوق الفراش يحاول السيطرة على أعصابه وكبت غضبه حتى يطمئن عليها وتفيق. اتجه للسراحه وجلب زجاجة عطره، قربها من أنفها ثوانٍ وبدأت تتململ بنومتها وهي تهمهم بخفوت. فتحت عيناها حين شعرت بأحد أمامها، وجدته يجلس على الفراش وبيده زجاجة العطر ويطالعها بجمود. تذكرت على الفور ما حدث فنهضت سريعًا تعتدل بنومتها. ابتعلت ريقها بتوتر جلل وهي تنظر له بصمت.
وقف مبتعدًا يضع زجاجة العطر محلها وقال وهو يعطيها ظهره: _لو ال show (العرض) بتاعك خلص، مستني إجابة أسئلتي. يظنها أدعت الإغماء، يظنها تخدعه، ولكن لا يعرف أنها فقدت الوعي حقًا، حين رأت كل ما فعلته ينهار أمامها، حين أيقنت أن اللحظة التي تخشاها قد أتت، حين شعرت أنه اليوم الأخير لوجودها بحياته. لماذا لا تستطيع الحديث؟ لماذا لا ترد على أسئلته؟ وكأن لسانها انعقد ولا تجد ما ترد به من الأساس.
انتفضت على صوت انكسار زجاجة عطره التي كان يمسكها بيده بعد أن أطاح بها لتصطدم بالحائط. التف لها بأعين حمراء من الغضب وهو يصرخ بها بنفاذ صبر: _ورحمة أمي أنا ماسك نفسي بالعافية، ردي عشان متندميش إنك مردتيش من اللي هعمله فيكي. لو تعلم كم الأفكار التي تتأجج بعقله أثر صمتها هذا لما صمتت دقيقة واحدة، لو تعلم لما وصلت أفكاره لنطقت لتنجد نفسها منها.
استمع لدقات فوق باب الجناح، زجره بنظرة حادة قبل أن يتجه للخارج. وقف أمام الباب يلتقط أنفاسه الثائرة، يحاول تهدئة أعصابه التي أشبهت بنزين يقترب منه عود من الكبريت فأوشك أن يحرق المكان بأكمله. فتح الباب ليجد أبيه أمامه. هتف باستغراب: _حضرتك لسه هنا! أنا فكرتك نزلت الشركة! _لا أصل صحيت متأخر النهارده على غير العادة مش عارف ليه! معتصم كلمني كان بيسأل علينا عشان اتأخرنا إحنا الاتنين وبيرن عليك تليفونك مقفول. _فاصل شحن.
_طيب أنا هنزل آخد الورق بتاع الاجتماع وهروح أنا أحضره، مفضلش غير ساعة، وأنت ابقي انزل على اجتماع آخر النهار. _تمام، أنا كنت لسه هكلم حضرتك أسألك عن الورق لأني ملقتوش عندي. _خدته امبارح عشان كنت مقرر أحضر اجتماع الصبح عشان العصر عندي معاد دكتور. تساءل بقلق: _دكتور ليه؟ حضرتك تعبان؟ ابتسم بهدوء يطمئنه: _لأ، ده عشان يشوف الفحوصات الشهرية اللي بعملها، متقلقش.
كاد يرد عليه حين قاطعه خروجها من الغرفة بعد أن أبدلت ثوب الاستحمام لثوب منزلي مناسب. اتجهت بخطى بطيئة متثاقلة وعيناها وشحوب وجهها يحكي الكثير. هتف محمد بقلق: _مالك يا داليا؟ رد سليم سريعًا: _مفيش يا بابا، كانت تعبانة شوية. وزجرها بنظرة محذرة بأنه لا يريد أن يعرف أبيه شيئًا. اقتربت حتى وقفت أمام والده وهنا تساقطت دموعها بعجز وهي تنظر له بحسرة. اقترب منها سريعًا لرؤيتها بهذه الحالة وقال: _مالك يا بنتي في إيه؟
زفر سليم بعنف وكاد يتحدث حين قاطعته هي وهي تقول ببكاء: _سليم عاوز يعرف إيه علاقتي بمعتصم. قطب سليم حاجبيه بشدة متفاجئًا من حديثها. أيعلم أباه علاقتها به؟ ابتلع محمد ريقه بتوتر وهو ينظر لها ثم ينقل بصره له. وهتف: _مفيش ياسليم، ده مجرد شغل وأنا عارف. صرخت بتعب وكأنها لا تريد أن تفوت هذه الفرصة لتزيل من على كاهلها حمل خداعها له:
_لأ، مش شغل. أنا تعبت ومش هكذب تاني ولا هخبي تاني. أيًا كانت النتيجة هتبقى أرحملي من اللي أنا فيه. _هو في إيه؟ صرخ بها سليم بنفاذ صبر وغضب وهو يشعر نفسه أبله بينهما. ردت هي بتماسك ضعيف: _اتصل على معتصم ييجي يا عمي.
مرت نصف ساعة عصيبة على الجميع، بين توتر من محمد عما سيؤول إليه الأمر بعد كشف الحقائق، ويرتب ما سيبرر به كل ما فعله، ويخشي رد فعل ابنه مع زوجته وصديقه أكثر ما يخشى رد فعله معه. وسليم الذي تتضارب الأفكار في رأسه عدا فكره أن تكون هناك علاقة غير أخلاقية بينهما، فأباه على علم بالأمر. ينظر لأبيه لحظة...
ويتوقف عندها لحظات. حالتها توجع قلبه حقًا. يتمنى لو كان الأمر لا يخصه لكانت بين أحضانه الآن يهدهدها ويخفف من روعها، ويتمنى أن يكون الأمر لا يستدعي كل هذه الجلبه. فينتهي بها بين أحضانه وهو يتمتم بعبارات اعتذارية لها. أما عنها...
فيا ويل معاناتها. دموعها لم تتوقف. تتذكر كل كوابيسها عن هذه اللحظة، وجميعها تنتهي بانتهاء علاقتها به. ليتها أخبرته الحقيقة من يوم عقد قرانهم، قبل أن يعاملها بلطف ويحاول إسعادها ويفعل كل ما فعله سلفًا. أزاد من تعلقها به وكأنها كانت تحتاج. أزاد من حبه، أزاد من آمالها في الاستمرار معه. نعمت في حبه الذي وإن لم يظهر ولم يعترف به لكنها استطاعت رؤيته في الكثير من الأحيان. ليتها لم تعش معه تلك الذكريات الرائعة التي ستظل تداهم عقلها لآخر عمرها.
_إيه يا جماعة، أنتوا ناسين الاجتماع؟ وجايبني لي؟ قالها معتصم ما إن دلف عليهم بعد أن انتقلوا للطابق الأسفل في انتظاره. وقف سليم واقترب منه حتى أصبح أمامه تمامًا وسأله بجمود: _بعت صورهم لداليا ليه؟ وإيه علاقتك بيها؟ وهنا وقف محمد يقول بحزم: _أنا هحكيلك كل حاجة ياسليم.
مرت فترة انتهى فيها سليم من سماع كل ما أرادوا قوله، أو بمعني أدق كل ما حدث سابقًا. كان صامدًا جامدًا لا يظهر عليه أي تأثر، وكأنه لا يسمع والده الذي تولى مهمة سرد كل ما حدث. وحين انتهى والده، رفع رأسه بعد أن كان محنيها وهو يستمع له. وتشكلت ابتسامة ساخرة على وجهه وهو يبدأ بالحديث بنبرة ساخرة ومتألمة في الوقت ذاته: _كالعادة، بتتحكم في حياتي وبترتبها زي ما أنت عاوز، مش مهم أنا عاوز إيه. صمت ثوانٍ ثم قال:
_عاوز أعرف إنتوا اتصرفتوا كده بناءً على إيه، وليه قررتوا ترتبولي حياتي وتدخلوا فيها عنوة. قال الأخيرة وهو يرمي نظرة لتلك المنزويه بآخر ركن في الغرفة على كرسي بعيد عنهم وكأنها لا تريد الحضور من الأساس. بدأ محمد بتبرير يقول:
_سليم، أقسم لك أني كنت خلاص موافق على ريهام لأنها اختيارك وشيلت موضوع داليا من دماغي وأنا قلت لك أني قولتلها ده بعدين. يعني مكنتش ناوي أتدخل في حاجة. بس لما معتصم حكالي عن ريهام خوفت عليك وحسيت أن مش دي اللي تستاهلها. أنت تستاهل حد أحسن منها. تصرفت بناءً على إني عاوز لك الأحسن. أنت ابني وأنا خايف عليك ومش عاوزك تقع ولا تتوجع، عشان كده قررت أدخل داليا حياتك، عشان تحبها ولما تكتشف حقيقة ريهام تكون مش فارق لك ومتوجعكش.
ولو حتى محبتهاش عارف أنها كانت هتبقى جنبك وهتخفف عليك. أنا والله عمري ما تعمدت أدخل في حياتك. بس أنا دائمًا بحاول أبعد عنك أي حاجة ممكن توقعك أو تأذيك. دائمًا بحاول أحميك من الدنيا. أنا شايف أن ده دوري طول ما أنا عايش وربنا مديني عمر.
رفع حاجبيه بسخرية وهو يقف مواجهًا له: _سيبني أقع وسيبني أتوجع. هتعلم إزاي من غير ما أمر بتجارب صعبة. طب أنت عايش لي طول العمر؟ عاوز تعيشني طول ما أنت معايا مُرفه وتمام وميحصلش معايا أي مشكلة أو أمر بتجربة صعبة. وبعدين... لو جه وقت وبقيت لوحدي واتواجهت بالدنيا...
عارف، ساعتها أقل حاجة هتوقعني ومش هقوم تاني. لأني متعودتش على الصعب. أنت دورك مش تحميني وتبعد عني كل اللي ممكن يواجهني فـ تتصرف بناءً على ده وترتب لي حياتي، أنت دورك تسندني لما أقع وتقومني لما أيأس. تكون جنبي بس مش تمشي حياتي على مزاجك. نظر لـ داليا وهو يقول بسخرية: _فاكرة لما قولت لك أبويا السبب في إني اتجوز ريهام؟ نظر لأبيه ليجد عينيه تتسع بدهشة وكأنه اتهمه بجرم ما. _أنا ياسليم؟! أومأ بتأكيد وهو يكمل بتحسر:
_آه أنت. عندت معاك عشان كده اتجوزتها. عارف قبل ما تيجي لي وتقولي ع الوصية كنت أنا جايلك أقولك خلاص يابابا ألغي موضوع ريهام أنا مش مرتاح وحاسس أنها مش الاختيار الأفضل ليا وهيبقى بينا مشاكل كتير في المستقبل. و Guess what (خمن ماذا) ... قالها بطريقة مسرحية ثم أكمل:
_اكتشفت أني مجرد معجب بيها. وملهاش جوايا الحب الكافي اللي نبني بيه حياة ونعدي مشاكلنا عشانه. بس صدمتني لما لقيتك بتفرض علي بنت صاحبك. ومصمم. رغم أنك فاهم أني لسه بحب ريهام وعاوزها. سألت نفسي هو أنت إزاي أنا مش هامك للدرجادي! مش هامك مشاعري ورغبتي وأهم حاجة أنت عاوز إيه مش أنا عاوز إيه! وكأنك جبتني الدنيا عشان أنفذ رغباتك!
عارف اتوجعت أوي وأنت بتقولي لو متجوزتهاش اعتبرني مت. بتنهي علاقتنا عشان تلوي دراعي وتجبرني اتجوزها. وقلبي ده في داهية. أسيب حبيبتي مش مهم. اتجوز واحدة مخترتهاش مش مهم. المهم أنت عاوز إيه. فاكر...
فاكر أيام الابتدائي لما نقلتني من مدرستي اللي كان فيها كل صحابي لمدرسة تانية لمجرد أنها أقرب لشغلك فـ ناوي تنقل حياتك هناك. ولما اتعودت عليها وحاولت أتأقلم جيت قولت لي يلا يا سليم سيب صحابك الجداد وتعالى انقل لمدرسة International (لغات) ، عشان أنا بقى معايا فلوس وحالتي المادية اتيسرت وأنت لازم تواكب تقدمنا ده!
واتنقل سليم وساب صحابه للمرة التالتة. حتى في الثانوي لما كنت عاوز أدخل أدبي وحابب ده وكانت أمنية حياتي أني أدخل كلية آثار لحبي فيها. رفضت وأصرت أدخل علمي عشان أدخل هندسة. وأنا كالعادة لبيت. ودخلت وجبت هندسة. ووقتها حسيت أني اتعلقت بحلم جديد. الشرطة! ولما طلبت أقدم فيها...
قولت لي والشركات اللي عندنا مين هيمسكها بعدي. وفضلنا شهر في نقاش انتهى لصالحك كالعادة وخسرت حلمي للمرة الثانية. ولما جيت قولت لك آخد الهندسة من إنجلترا. رفضت وقولت لي مينفعش تسافر وتسيب والدتك لوحدها افرض احتاجتك وأنا مش موجود. وضغطت عليا أنزل الشركة معاك وأنا لسه في أولى. ملحقتش أتهنى بأي مرحلة في حياتي. حتى معتصم كنت رافض صداقتي له. كنت بتختار لي أصاحب مين ومصاحبش مين. أخرج امتى وارجع امتي. أتكلم إزاي وأتعامل مع الناس إزاي. أنت كنت بتقرر لي حتى البس استايل إيه وملبسش إيه. عمرك ما سبت لي حرية الاختيار. عشان كده لما لقيتك أنك عاوز كمان تجوزني على مزاجك رفضت وعندت. وفي الآخر...
رضخت. زي كل مرة. يمكن الحاجة الوحيدة اللي عرفت أعملها مخالفة لرغبتك... جوازي من ريهام. عرفت ليه بقى أنت السبب. التف لمعتصم يقول بابتسامة ساخرة: _إيه مش عندك اللي تدافع بيه عن نفسك أنت كمان! قول سامعك. تنهد معتصم قبل أن يقول:
_أنا معنديش إخوات، ومن لما عرفتك وأنا بعتبرك أخويا اللي مش من دمي بس الدنيا هدتهولي. عمري ما حسيت ناحيتك بغيره أو أي مشاعر سلبية، دايمًا كنت ببقى مبسوط بكل الحلو اللي بيحصلك. كنت بخاف عليك كأنك أخويا الصغير، عشان كده كنت دايمًا بتخانق أيام الثانوي عشانك، لأنك كنت سلبي ومبتأخدش موقف وأنا مبستحملش، فاكر كام مرة روحت مضروب بسببك، بدخل أتخانق عشانك ورغم إني بضرب ببقى مرتاح إني عملت حاجة عشانك حتى لو فشلت فيها. فاكر لما
اتفصلت أسبوع عشانك. كان عشان مدرس سقطك في امتحان شهر وأنا متأكد أنك حليت كله صح. كان مستقصدك عشان بتنافس ابنه دايمًا، يومها وقفت قدام الفصل كله وزعقت معاه عشانك. رغم إني كنت جايب 18 من 20، لكن مفرحتش بدرجتي وأنت واخد صفر. وظلم. سليم أنا أي حاجة عملتها صدقني كانت عشانك. لما نادية قالت لي ع ريهام مكنش عندي معلومات كافية أجي أقولها لك. وخوفت متصدقنيش، كنت شايفك متعلق بيها، ومحبتش أكسر فرحتك وأنت أول مرة تدخل في علاقة
غير لما اتأكد أنها مش كويسة، بس مع ذلك مكنتش بحبها ولا كنت قابلها ليك، عشان كده روحت لوالدك، لما طلب مني أساعده في موضوع داليا. ساعدته، يمكن عشان كان كل همي أبعد ريهام عنك، وفكرت أنك لما تتجوز داليا ريهام هتبعد وتسيبك. فساعدته، وكنت ناوي أبعد عن أي حاجة تخصك تاني. بس جوازك من ريهام رجعنا لنقطة الصفر. وبدأت أتواصل مع عمي وداليا عشان نشوف هنتصرف إزاي، وبدأت أراقبها وأحاول أمسك عليها أي حاجة أقدمها لك. ده كل الموضوع. أي
حد فينا عمل حاجة كانت عشانك والله.
نظر في عينيه مباشرةً وهو يسأله بجمود: _مين سرب خبر جوازي من ريهام؟ توترت حدقتي معتصم وهو ينظر لمحمد الذي أشار له بأن يقول فيجب أن ينهوا كل شيء الآن وتتضح جميع الحقائق: _عمي طلب مني أصوركم في كتب الكتاب، مكنتش عارف ليه، بس بعد ما صورتكم طلب مني أسربها لحد من الصحافة. _إيه؟! كانت هذه الكلمة الوحيدة التي نطقتها داليا وهي تفتح عينيها لهم! أهُم من سربوا الخبر وجعلوا الجميع يتحدث بشأنها! نظر لها سليم بسخرية وقال: _إيه!؟
مكنوش معرفينك! _داليا في حاجات كتير متعرفهاش ياسليم، وكل حاجة عملناها كانت بتعرف بيها بعد ما نعملها، حتى حوار تعبي والوصية كل ده هي مكنتش تعرف بيه غير لما روحت وحكيت لها. استدار بجسده واتجه لها حتى أصبح أمامها تمامًا وقال: _غريبة!
كنا نسمع أن الراجل هو اللي بيغصب البنت على الجواز، أو بيجري وراها ويخطط وينفذ عشان يوقعها بشباكه، لكن أول مرة أشوف بنت هي اللي بتوقع راجل في شباكها ده غير طبعًا البنات التانية اللي شغلتهم كده أصلاً. أغمضت عينيها بشدة وهي تستمع لكلماته التي تعلم أنها ستكون قاسية حد... حد الموت! _كرامتك فين وأنتِ بتتجوزي واحد وأنتِ عارفة أنه مغصوب عليه يتجوزك، ومعمول عليه فيلم عشان توقعوه!
فين كرامتك قدام نفسك وأنتِ بتقبلي تتجوزيني وأنتِ عارفة أني بحب غيرك!؟ أنا عمري ماشوفت انعدام كرامة وبجاحة زي بجاحتك، كنتِ بتقعدي معايا وتحطي عينك في عيني وأنا بقولك أننا مغصوبين على الجواز عشان الوصية وعشان... ، وأنتِ لا مغصوبة ولا نيلة، وبتخدعيني وبتمثلي عليا أني مش هامك وعادي أتجوز وعادي ننفصل بعد كام شهر وماله، وأنتِ مخططة إزاي تخليني أحبك عشان تضمني أني مسبكيش. طب معملتيش حساب أني أعرف كل حاجة في يوم؟!
وقفت باهتزاز وهي تنظر لعينيه بعينيها الدموية ودموعها تتجمع بها وبدأت الحديث بنبرة بدت أقرب لشخص يتحدث آخر كلماته في الحياة وهو على مشارف الموت:
_الفقد هو عنوان حياتي. كلمة كتبتها على ورقة من كام سنة، يمكن سبعة ويمكن عشرة مش فارقة، بس اللي يفرق المضمون، كل حد حبيته واتعلقت بيه، فقدته، من أول أمي لحد أختي. أيوه كان عندي أخت أصغر مني بسنتين خسرتها وهي يدوب مكملتش سبع شهور، يمكن ملحقتش أعرفها ولا كنت واعية كفاية وقتها، بس بفتقدها وبتخيل لو كانت موجودة أكيد حاجات كتير كانت اتغيرت. وصاحبتي...
صاحبة عمري من واحنا لسه في الحضانة وكانت جارتي. فضلنا مع بعض لحد تانية ثانوي وفجأة... عملت حادثة وفقدتها. يمكن عشان كده مليش صحاب ولا عمري فكرت يبقى ليا، بس... من أول ما بدأت أفهم الدنيا والناس... وأفهم يعني إيه حب وأحس بمشاعر جوايا... كان يمكن عندي 12 سنة وقتها... يعني من 13 سنة...
حبيت، واتعلقت، وبقيت عاوزة الشخص ده ميفارقنيش ولما أكبر يكون هو شريك حياتي ومنسبش بعض أبدًا. الشخص اللي كنت براقبه من ورا الحيطان لما ييجي عندنا. ولما ألاقي نفسي قدامه أتوتر وأتلخبط ومعرفش أقول كلمة واحدة، ولما أسمع صوته...
أفرح. مجرد ما سمعت اسمه كان بيفرحني ويخلي قلبي يرقص. الشخص ده هو اللي منعني أبص لأي شاب غيره أو اسمح لأي حد يقرب مني، رغم أنه عمره ما اتكلم معايا ولا قالي كلمة حلوة. وأنا عارفة أنه يمكن مش شايفني أصلاً. بس كنت دايمًا أقول فرصة... فرصة بس تجيلي وآنا هخليه يشوفني ويحبني كمان. ولما جت لي الفرصة اتعلقت بيها. الشخص ده كان أنت ياسليم.
تجمدت ملامحه وهو يطالعها بعدم تصديق. لوهلة ظنها تتحدث عن شخص آخر. واشتعلت النيران بقلبه بكنه بقي ثابتًا. ظنها ستخبره أنها حاولت إيجاد العوض به عن ذلك الحبيب. لكن أكان الحبيب هو!! _كنت دايمًا أقول هخليه يحبني من حبي له. بكل الحب اللي في قلبي هتعامل معاه، بكل الحب اللي شلته السنين اللي فاتت ههتم بيه وهخاف عليه، بكل الحب... هخليه يحبني. وبكل الحب...
اتنازلت عن أي شيء وقبلت عرض باباك واتجوزتك. وبكل الحب وقفت أحارب عشان مأسيبكش لغيري واللي ياريتها تستاهلك. أنا مش وحشة ياسليم ولا عديمة الكرامة. أنا واحدة فقدت كتير وأنت كنت آخر شخص فاضلي بعد بابا. لو كنت فقدتك أنت كمان... كنت... كنت خسرت كل حاجة. أصدر صوتًا ساخرًا وهو يلتفت لأبيه يقول: _جايب لي واحدة تطلع عقدها عليا! فقدت كل اللي اتعلقت بيهم فـ مسكت فيا بقى! وكأنه أخذ سهمًا وغرزه بقلبها ليدميه! عقد!
أهذا كل ما استنتجه من حديثها! أهذا رده! استدار ينظر لها وكاد يكمل حديثه حين توقف فجأة ينظر لعيناها. آلمه نظرتها لأبعد حد. كانت نظرة معاتبة لائمه. متألمة بشكل أثار الاضطراب بنفسه لكنه ابتلع ريقه وأكمل: _عارفة، محدش بيخسر حاجة إلا إذا كان يستاهل أنه يخسرها. مفكرتيش ليه بتخسري كل حاجة بتتعلقي بيها؟
طب مجربتيش تصفي من جواكِ وتتعاملي مع الناس من غير غش ونفاق يمكن تكسبى حاجة واحدة. أنتِ أنانية. أتجوزتيني وأنتِ عارفة أن قلبي مع غيرك. وبكل أنانية كنت عاوزه تاخديه ليكي، مش مهم أنا بحبها قد إيه ولا هيحصل إيه لما تفرقي بينا. المهم عقدك متزدش بعقدة خسارتي مش كده! رد معتصم بضيق: _سليم هي وافقت لما عرفت أن ريهام مش كويسة ومش اختيار صح ليك. رد بغضب عاصف: _وهي مالها! هي أمي!
هي مالها اختيار صح ولا لأ، ملهاش تدخل نفسها في حياتي... التف لها يكمل: _مكنش من حقك تتدخلي بين اتنين المفروض مرتبطين وبيحبوا. وغرضك تفرقينا وتفوزي بيا لمجرد أنها مش كويسة ولا مش مناسبة ليا! أنتِ مش من بقية أهلي عشان تدخلي نفسك في أموري الشخصية!
عارفة لو كنتِ قولتي له أنا مش موافقة، ابعد ابنك عنها الأول من غير ما تدخلينا طرف وبعدين لو عاوزني أحاول أقرب منه وأظهر في حياته يمكن يحبني أنا موافقة كنت احترمتك. تحاولي تقربي مني ها. مش تتجوزيني وكمان وهي موجودة في حياتي! كنتِ خايفة تخسريني فتتعقدي أكتر؟
طب اهو خسرتيني روحي اتعقدي بقى أكتر ما أنتِ معقدة. أقولك اقفلي على نفسك ومتتعرفيش على أي حد لأحسن تخسريه هو كمان بعد ما اتعلقتي بيه. أو أقولك روحي اقعدي في مصحة وهما هيعرفوا يقفلوا عليكِ كويس أو يعالجوكِ وتطلعي كويسة. _سليم! كانت صرخة محمد باسمه وهو يري ابنه يجرح فيها دون أي حسبان متجاوزًا كل الحدود. نطقت بخفوت هادئ وكأن صوتها يأتي من بعيد:
_سيبه يا عمي، معاك حق. أنا معقدة. معاك حق والله مبتريقش. أنا آسفة إني دخلت حياتك. وآسفة إني اعتبرت نفسي ليا الحق في اللي مليش حق فيه. آسفة إنك بسببي اختلفت مع باباك وصاحبك. عارفة أن أكتر حاجة مضايقاك الفيلم اللي عملوه عشان نتجوز أكتر من اللي حصل في موضوع ريهام. كنت عارفة أن اليوم ده هييجي. وكنت دايمًا بتخيله بنفس النهاية دي بس أكيد مش بنفس الكلام. دايمًا فرحتي كانت ناقصة. كنت عايشة في رعب بسببه. واهو جه. وعرفت اللي عندك. وعرفت اللي عندنا. هسألك سؤال أخير يا سليم.
أخذت نفس عميق. عميق جدًا قبل أن تلفظه وهي تقول: _ممكن في يوم تسامحني ويكون لينا فرصة تانية؟ نظر لها بصمت وملامحه لم تتغير. ظاهريًا. أما داخليًا كل شيء ينتفض الآن. لا يعلم بما يجيبها. القلب يرفض البعد، والعقل يحتمه، القلب يطلب الغفران لها، والعقل يرفض المسامحة والتفاوض. القلب يؤلمه ضعفها وانهيارها الوشيك، والعقل يراها تستحق. وما بينهما وقف هو حائرًا. وبالأخير نطق بجمود: _لأ.
أغمضت عينيها وكأن كلمته سكين ذبحها ببطء آلمها أكثر. ظلت على وضعها للحظات، وهو يطالعها ويتمعن النظر بها. يعلم أنه سيشتاق لرؤيتها. فتحت عينيها وضغطت على شفتيها بعنف كي لا تنفجر بالبكاء، وقالت بهمس منكسر: _تمام. أنا آسفة لك للمرة الأخيرة. وأوعدك مش هحاول أقرب لحياتك تاني. سارت خطوات بطيئة كسير السلحفاة حتى مرت بجانبه وتخطته، وقفت بعد خطوات قليلة والتفت له فقالت: _عنوان قصتك في حياتي مش الفقد يا سليم.
التف لها يطالعها بهدوء فأكملت! _أنت وشخص كمان من اللي ذكرتهم عنوان قصتكم في حياتي مش الفقد. عنوانها التخلي. أنتوا اتخليتوا عني بإرادتكم مش القدر اللي جبرنا. وللأسف أنتوا أكتر اتنين كنت محتاجهم. بس متقلقش مش هكرهك زي ما كرهته. لأن تخليك عني من حقك. لكن تخليه مكنش من حقه. والنهاية واحدة. عمي لو سمحت بلغ السواق يجهز العربية هلم حاجتي وأنزل. التفت. وهذه المرة اختفت من أمامهم بسرعة البرق. هتف معتصم بحذر:
_سليم، أنت هتسيبها تمشي؟ صرخ بهِ بصوت جهوري: _أنا مش عاوز أسمع كلمة واحدة. متفتكروش أنكم عديتوا. أنا بعزكم صحيح. بس حتى هي بعزها. وزي ماقدرتش أسامحها. معتقدش أني هقدر أسامحكم. نظر لوالده وأكمل: _بس للأسف متأكد أنه هييجي يوم وأسامحك أنت. عشان أنت في الآخر أبويا. صمت قليلاً وقال بجمود لأبيه:
_يا ريت تبدأ ترتب أمورك وتشوف إزاي هتدير ممتلكاتك، أنا مسافر ومعتقدش أني هرجع دلوقتي. وقبل ما تعترض المرة دي مش أنت اللي هتقرر لي أعمل إيه. أنا هسافر دبي أدير فرع الشركة اللي هناك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!