اتسعت عيناه وهو ينظر لها بدهشة. أحقًا بعد كل ما قاله تطلب الطلاق؟ بعدما شعر بقرب مسامحتها له، تفاجأه بطلبها هذا! متى ستكف عن جعله يرفرف في سقف الأحلام ومن ثم توقعه على الواقع المرير! نظر لها بضياع حقيقي انعكس في عينيه وهو يتمتم: "ليه؟ بعد كل الي قولته وقولتي أنك سامحتيني وهتتناسي الي حصل، ليه يكون ده ردك! تنهدت تقول: "جوازنا من الأول كان غلط، ومابُني على باطل فهو باطل."
"وأنا قولتلك هنفتح صفحة جديدة وكأننا لسه متجوزين، وقولتلك مش هعرف أعيش من غيرك." ردت ببرود: "دي مشكلتك أنت، حلها مع نفسك. أنا عن نفسي هعيش عادي جدًا." صدر الجمود على ملامحه رغم آلامه الداخلية وهو يقول: "أنتِ ليه بتتعاملي كأنك مغلطيش! ردت ببرود كسابقه: "مين قال! أنا غلطانة وعارفة ده، بس أنت قدرت تسامحني وإن نكون سوا معندكش مانع، أنا مش قادرة نكون سوا. سامحتك ماشي بس مش حاسة نفسي قادرة دلوقتي نكون مع بعض."
مسد جبهته بيده بعد أن شعر بصداع يجتاحه، سألها بإجهاد: "يعني مفيش لينا فرصة تانية؟ ردت بجمود مماثل لجموده تلك الليلة: "لأ." أومأ عدة مرات برأسه إيجابًا وقال بهدوء لا يعلم كيف يتحكم بأعصابه حقًا، ولكن لن يفعل ما يوجعها منه هكذا. وعد نفسه من قبل: "ماشي، بس أنا مش هطلق. ده قرارنا احنا الاتنين مش قرارك لوحدك، وأنا رافض الطلاق." تلاعبت بالقلم الموضوع على مكتبها وهي تقول: "عرفت مكاني منين؟ رد باشتعال داخلي حين ذكرته بالأمر:
"الكازانوفا أمير بيه." ذمت شفتيها تقول: "توقعت، تعرف أنه هو اللي ساعدني من أول ما جيت هنا." تستفزه، تستفزه ليخطأ فتثبت له أن هذا طبعه ولن يتغير، لكن بالفعل لم يكن طبعه يومًا. وقف عن مقعده يقول: "أعتقد أنتِ محتاجة تفكري في اللي عملتيه تاني، مكنش يصح تطلبي منه المساعدة وأنا محذرك منه قبل كده. ومتنسيش أنك متجوزة، يعني المفروض يكون فيه حدود في كل شيء." أنهى حديثه وذهب! أهذا كل شيء! استسلم لرغبتها أم ماذا؟
ولكنها لاحقًا علمت أنه لم يستسلم أبدًا. لمدة أسبوع كامل كان يأتي لها يوميًا بعد أن قرر البقاء في ميلانو عدة أيام، وها هو اليوم السادس تقريبًا لوجوده، متحليًا بكل السماجة التي بالعالم، وهو يتطفل عليها بشكل غير طبيعي، بل وجلس معها في منزلها! أو أراد هذا ولكنها رفضت رفضًا قاطعًا فاضطر للمكوث بفندق. كان يجلس فوق مكتبها نصف جلسة وهو يعبث بأوراق عملها كطفل صغير. رفعت رأسها بحدة له تقول: "بس أنت بتعمل ايه!
هو مرة الورق ومرة الديكور وامبارح غير وضع المكتب من غير علمي، هو فيه إيه؟ واخده ابن اختي معايا! ابتسم ببراءة يقول: "زهقان، وأصلاً ميعاد الغدا عدى وأنا جعان." رفعت حاجبيها بغيظ: "ما تروح تاكل يا سليم المطعم جنبنا! أصلاً ما تفكر كده تتفسح وتشوف البلد بدل ما أنت فوق راسي طول اليوم كده! عقد حاجبيه برفض يقول: "لا يا أختي أخاف حد يتحرش بيا.." ضحكت بشدة على تعابير وجهه الجادة والمنافرة لحديثه في الوقت ذاته، ولكن
تجمدت ابتسامتها وهو يكمل: "والبنات هنا زي القمر كده، بيلمعوا ما شاء الله." نظرت له بأعين تشتعل بشرارات الغيرة، وهي تقول ببرود ظاهري: "ده أنت اللي بتتحرش بيهم مش هم! أشار على نفسه باستنكار: "أنا، أعوذ بالله! ليه اتعميت عشان أبص بره وأنا معايا ال.... قاطعته وهي تقف عن مقعدها بتوتر تقول: "يلا نروح نتغدى أحسن أنا جعانة." ابتسم بخبث وهو يشير لها لتسبقه.
أصبحت تعرفه جيدًا، ففي الأسبوع المنصرم لم يمرر فرصة دون أن يغازلها أو يلقي عليها الكلمات المحببة التي تتسلل لقلبها وجوارحها بكل سهولة. يتبعها في كل مكان من صباح اليوم إلى مساءه وهو يجلس فوق رأسها مدعيًا الملل! وحين تخبره أن يعود لمصر يرفض قائلاً أنه يريد قليلًا من الاستجمام! ماهذا التناقض! يناغشها ويتدلل عليها أحيانًا كطفل صغير! ويلقي عليها كلماته المتغزلة كشاب بالغ! "سليم بقالك ربع ساعة باصص في المنيو وساكت!
رفع بصره لها ورد بهدوء: "أعمل إيه؟ جزت على أسنانها بغيظ: "اطلب، هتعمل إيه يعني. يلا ورايا شغل! نظر لها باستغراب يقول: "اطلب إيه! اطلبي لي أنتِ زي كل يوم! ولا هو لازم كل يوم خناقة لحد ما تطلبي لي! ردت بضيق: "أومال بتبص في المنيو ليه؟ ابتسم باقتضاب يقول: "بتسلى لحد ما تطلبي! جزت على أسنانها بغيظ تقول: "يخرب بيت غبائي! اقترب قليلاً بجسده يقول: "ألف بعد الشر عليكي يا روحي. إن شاء الله أنا وإنتي لأ، يا رب ا... "بس، بس."
صرخت به ليصمت. فبعث لها بقبلة في الهواء وعاد يطالع القائمة من جديد. أتاه اتصال منذ دقائق وكان معتصم. بعدما أنهى، لاحظت تهجم وجهه الواضح. حاولت كبح فضولها لكنها فشلت فقالت بتساؤل: "في حاجة؟ زفر بضيق يقول: "لازم أرجع مصر. الديزاين الأساسي في عرض باريس لازم أبدأ تصميم فيه، ميفضلش غير شهر على العرض." ردت بضيق واضح: "بجد؟ أنت بتهزر؟ يعني عرض مهم زي ده مخلصتش الديزاين بتاعه لحد دلوقتي؟
المفروض تعمله قبلها بـ 3 شهور على الأقل! رد بصدق وجدية: "دماغي مكانتش مظبوطة خالص، ومعرفتش أركز الفترة اللي فاتت ومكنش عندي شغف لحاجة فمقدرتش أعمله." تساءلت بغباء: "ليه كل ده؟ نظر لها بصدق قائلاً: "كنت مشغول بيكي، دماغي كانت معاكي طول الوقت. وكون أني ممكن معرفش ألاقيكي ومتكونيش جنبي باقية حياتي كان كفيل يقفلني من كل حاجة."
حمحمت بتوتر وهي تشعر بالخجل ينتابها أثر حديثه. لم تتوقع أن تكون هي السبب في الحالة التي تحدث عنها. "أعتقد أنت لازم تنزل النهارده لو عرفت، والفترة الجاية هتحتاج شغل كتير جدًا عشان تلحق تخلصه." نظر لعيناها بعمق متسائلاً: "مش هترجعي معايا؟ أخفضت بصرها عنه تقول: "أنت عارف أني نقلت حياتي هنا، مبقاش ليا حاجة هناك." قال بأمل: "يعني هو ده السبب؟ نظرت له وردت بهدوء: "لأ، بس هنزل ليه؟ ولمين! احنا حكايتنا خلصت ياسليم."
ابتسم بسخرية يداري بها حزنه وقال: "واضح أن الـ 85 ساعة اللي قضيتهم معاكي مكنش لهم أي تأثير. أنا هقوم عشان أجهز حاجتي وأحجز الطيارة. مع السلامة." أنهى حديثه وأخذ متعلقاته وذهب دون نظرة أخرى لها. تعلم أنها تزودها ولكن لا تريد أن تخدعه مرة أخرى، لا تريد أن تعود ولديها قلق منه أو مازالت كلماته تتردد بداخلها. *** شهر كامل مر...
وللعجب كان يحدثها كل يوم ليطمئن عليها. وكم أدهشها بفعلته، فقد ظنت أنه "سيرمي طوبتها" كما يقولون بعد آخر حديث بينهم. رغم أن المكالمة لم تتجاوز الدقائق الخمس، لكنه يفعلها. وربما يكون مشغول. علمت في أحد مكالماته أنه لا ينام سوى ساعتين في اليوم، وابتعاده عن التصميم لمدة عام كامل جعله يحتاج لوقت كي يستعيد أفكاره. ورغم ما به من مشاغل لم ينساها. والأعجب أن طوال هذا الشهر لم تتصل به مرة واحدة، فدومًا هو من يحدثها. وذات مرة حينما تجرأت وسألته لما لم يفعل مثلها ولا يحدثها
إن لم تحدثه قال لها: "أنا مبطمنش عليكي، أنا بطمن على نفسي، عشان أعرف أكمل يومي". ولو رأيتها يومها لوجدت أعينها تفجر قلوب، وقلبها ينبض بصخب، وكأنه يستبدل حديثه لها سابقًا بأحاديث أخرى تتوغل في أعماقها. ارتدت فستانًا أحمر طويلًا على حذاء من ذا اللون ذو كعب، وتركت شعرها حرًا ووضعت القليل من مستحضرات التجميل. وكم بدت جميلة. واتجهت لمقصدها.
كان جالسًا وبجواره معتصم يتابعان العرض بدقة شديدة، مرتدياً بدلة سوداء أنيقة، ومصفف شعره بطريقة جذابة. هو من الأساس جذاب! هكذا حدثت نفسها قبل أن تتجه للمقعد الفارغ بجواره وتجلس عليه. لم يلتفت لها وهو يتابع العرض بتركيز. سمعته يقول لمعتصم بهمس: "حاسس أن العرض مش أفضل حاجة، قلقان كمان من البنت اللي هتعرض الديزاين الأساسي لو اتلخبطت في حاجة هتبقى مشكلة وكمان ال... قاطعته وهي تمد يدها لتحتضن يده المجاورة
لها وقالت بنفس اللحظة: "العرض يجنن ومتأكدة أنه هيتباع كله واللجنة هتحبه أوي." نظر لها بدهشة وقال: "داليا؟! نظرت له مبتسمة وقالت: "عيونها." فرغ فاهه وهو يستمع لها. أيعقل أن تكون جواره بالفعل أم أنه يتخيل! مدت يدها تغلق فمه وهي تميل عليه وتهمس: "أنا هنا فعلاً، مكنش ينفع أعدي يوم مهم زي ده، ركز في العرض بقى." قالت الأخيرة وهي تبتعد، ولكن أي عرض يركز به! وهي بجواره، يشعر بقلبه يرفرف بين أضلعه.
انتهى العرض وحاز على إعجاب الجميع. أخذها وخرجوا من المكان. وقف بها في الخارج ينظر لها بلهفة يقول: "يعني قبلتي نرجع؟ ابتسمت تقول: "مش هتتنازل عن الطلاق." ظهر الإحباط والحزن جليًا على وجهه، ولكنها قاطعته حين أكملت: "ونجوز من جديد." سكنت السعادة وجهه، وهو ينظر لها بفرحة طاغية وأعين لامعة. كاد يحتضنها، لكنها ابتعدت تقول: "ها! امتعض وجهه وهو يسألها: "ليه الفرهدة يعني! ونتجوز من جديد وبتاع!
"بص يا سليم، أنت اتجوزتني مجبر، وكان جواز سلق بيض، وعشان نعرف نعيش حياتنا صح لازم نصلح كل حاجة. أولها نطلق، ثانيها نتخطب، وبعدين نبقى نتجوز." "نعم يا أختي خطوبة إيه! ابتسمت بدلال تقول: "سنتين يا سولي." صرخ بوجهها يقول: "نعـــم؟! سنتين ليه؟ هنتعرف على بعض من جديد! ولا لسه هكون نفسي! ردت ببرود: "آه، هو أنا أعرفك! هكتشفك من جديد وأنت كذلك. وكمان لازم تقنعني أتوزجك عشان منفركش لاسمح الله."
جحظت عيناه بصدمة وهو يطالعها بعدم تصديق، بينما أكملت: "أنا مش بعاقبك على فكرة، بس إحنا لازم نبدأ كل حاجة صح. وفترة الخطوبة كويسة نتعرف فيها على بعض. أنت فعلاً في حاجات كتير أوي متعرفهاش عني، وكمان تساعدني أنسى كلامك ليا، عشان لما نتجوز تبقى قلوبنا صافية." رد بضيق: "سنتين كتير ياداليا، خليها 6 شهور." نظرت له بجدية: "لأ." اقترب قليلاً يقول بهمس وصوت دافئ: "وحياتي عندك، خليها 6 شهور وأنا هحبك أكتر."
توترت قليلاً وهي تنظر للرجاء بعينيه. زفرت بضيق وقالت: "سنة يا سليم، ووالله ما هنزل يوم." ركل الأرضية بقدمه يقول: "أمري لله، ربنا يصبرني." هتفت بتحذير: "بتقول حاجة يا سولي! "لا ياروحي أبدًا، لكن قررتي امتى تعفو عني؟ "لأ، من وقت ما جتلي في ميلانو." قطب حاجبيه باستغراب وقال: "بجد؟ اومال إيه طلاق ومش طلاق! رفعت كتفيها بدلال تقول:
"أنا كان قصدي نتجوز تاني. أنا وقتها اقتنعت بكلامك، بس مكملتش وسكت عند الطلاق عشان أشوف رد فعلك. وبصراحة اتوقعت هتغلط أو هتمشي وتطلقني، متخيلتش كل اللي عملته بعدها." هتف بغيظ: "يعني كل ده كان ضغط عليا!؟ بتختبريني؟ "مش من حقي أطمن لجوزي المستقبلي، وأشوف العصبية والتهور طبع فيه ولا كان وقتها وراح." رد بتهكم: "واطمنتي؟ هزت رأسها نافيه بابتسامة: "مش بس كده، واتأكدت." "من إيه؟ ردت بخجل: "أنك بتحبني بجد." ابتسم بعبث وقال:
"بحبك بس! مش بعشقك! تغاضت حديثه وهي تقول: "يلا نمشي." اقترب حتى أمسك ذراعيها ونظر لعيناها يقول: "مش قبل ما تعترفي." ردت بخجل: "أعترف بإيه؟ نظر لها بمغزى وصمت. رفعت وجهها له وقالت بهمس طقته بسهولة: "أنت حب عمري ياسليم.. بكل الحب سامحتك وبكل الحب مش عاوزة غيرك في حياتي." ابتسم بعشق يقول: "بكل الحب... حبيتك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!