عيناه تطرفان بارتباك ويتدفق العرق الغزير من مسام كفيه فيفركهما بتوتر بالغ. ينظر لملامحها الخجلى وعينيها المسبلتين وهي تقترب ببطء منه. حفيف ثوب عرسها الأبيض المطرز يخترق طبلة أذنه كسهم من نار. لا يدري ما الذي أتى به إلى هنا، بل ما الذي أتى بها هي إلى هنا. كان السؤال غريباً على عقله، فهو يعلم جيداً أنها زوجته وقد قضى الشهر الماضي هو وأهله في الإعداد والتجهيز لذلك اليوم. لكن قلبه ينكر كل شيء.
لم يكن من المفترض أن تكون هي الموجودة في بيته ولا التي ترتدي ثوب الزفاف، بل مخلوقة أخرى اختارها قلبه منذ زمن. لكن الحياة فرقتهما، بل تعنت أهله. لا داعي أن نظلم الحياة. رفعت عينيها إلى وجهه تتأمل ملامحه لتعتادها، فهي لم تتعرف إليه جيداً والزيجة تمت بسرعة لا تصدق. قالت وهي تفك دبابيس طرحتها التي تخفي شعرها عن الأعين: تحب تتعشى، ولا نقعد نتكلم مع بعض شوية.
تبعثرت نظراته وأخذ يمسح عرق كفيه في بنطلونه وصدره يغلي ويبتلع ريقاً جافاً. حاولت أن تتماسك في ذلك الجو المشحون بالتوتر وقد انقبض قلبها. ورغم ذلك أكملت: محتاجة أتعرف عليك أكتر، الجواز جه بسرعة وملحقناش نتكلم ولا ناخد على بعض. لم يسمع أغلب كلماتها فعقله كان غائباً في وادٍ آخر. فتحرك بعصبية وقال بتوتر: أنا.. أنا عايز حسن. قالت بدهشة: حسن! قال: حسن أخويا، لازم أكلمه في موضوع مهم جداً. قالت بقلق:
والموضوع ده ميستناش للصبح؟ هرول إلى باب الشقة وهو يقول: لا. تركها وحيدة في شقة عرسها ونزل طابقاً واحداً ليدق جرس الباب دون انقطاع. خرج حسن من الحمام مسرعاً وهو يجر قدمه المصابة بعرج واضح. وهتف في زوجته التي همت أن تفتح الباب: سارة، متفتحيش انت، ده حسين. قالت بدهشة: عرفت منين؟ قال وهو يجر قدمه ويقترب من الباب: مش عارفه بيدق الجرس إزاي! أنا عارف إنها ليلة مش فايتة. متى يعقل ويركز.
كانت رنا تحاول بصعوبة التركيز على الطريق وهي تقود سيارتها بعد منتصف الليل عائدة من حفل الزفاف. أشعلت سيجارة تنفث بها غضبها وهي تتذكر وسامته وجاذبيته وقد بلغت أقصاها في ليلة فرحه وهو يجلس بجوار عروسه. التي لم يكف أحد في تلك الليلة عن المقارنة بينها وبينه. فملامحها بالمقارنة لملامحه عادية جداً بل أقل، مما أثار سخرية البعض وسخط البعض وتعجب البعض وحسد الكثير من الفتيات في الفرح. فق لما ترى عروس أقل في الجمال من عريسها.
لم تتبيّن الطريق من كثرة دموعها. فأخذت تحدث نفسها بحسرة: كده يا حسين! بقي ده آخرة صبرك! أي واحدة والسلام. أخذت تمسح دموعها حتى لا تتسبب بحادث. لكنها انتحبت بشدة وهي تتذكر كيف تذللت له وعرضت نفسها عليه. حسين، أنت عارف أنت غالي عندي قد إيه، أوعى تغلط غلطة عمرك وتتجوز واحدة مبتحبهاش. قال بشرود: مبقتش فارقة خلاص، أي واحدة والسلام، المهم المشروع يكمل والشركة تتم، وده مش هيحصل إلا لما آخد فلوسي.
مسكت بذراعه ووقفت أمامه تنظر في عينيه الحزينتين التائهتين في عالم آخر، عالم صنع مأساته بيديه وحبس نفسه فيه. قالت: لو الموضوع أي واحدة والسلام يبقى أنا. لم يستوعب ما قالته في البداية، بل لم يسمعها. مما جعلها ترجوه بأمل: أنا بحبك من زمان، من أول ما اتعرفت عليك في الاستوديو. قال بارتباك وهو يتراجع:
رنا.. رنا.. أنا.. أنا.. أنت.. أنت.. عارفة معزتك عندي مقدرش أورطك في مشاكلي، أنا عايش في بيت عيلة وحياتي ملخبطة ومفيش فيها حاجة ممكن... اقتربت منه أكثر وقالت بعاطفة: بس أنا اللي محتاجة الورطة دي، ومستعدة أعيش معاك في النار حتى، وحياتي فوضى متفرقش كتير عن حياتك، وجودك جمبي هيغير كل حاجة، جرب ومش هخليك تندم أبداً. هز رأسه بأسف وهو يفك أصابعها التي تشبثت بذراعه:
مش.. مش هقدر، أهلي.. أهلي عمرهم ما هيوافقوا، أمي هتعمل عليا الحرب، وأخويا هيرفض يديني فلوسي. صرخت بغضب: حسين أنت مش طفل عشان يتحكموا فيك، ارفع عليهم قضية وخد منهم فلوسك. قال بارتباك: مقدر.. مقدرش أنت متعرفيش حاجة، الموضوع مش سهل كده. قالت بإصرار: لو عايز فلوس عشان الشركة أنا هسلفك، وردهالي لما الشركة تنجح. صاح بغضب: رنا، الموضوع ده انتهى وقلتلك متفتحيهوش تاني. قالت ببكاء:
حسين أنا بحبك، لو مش هتتجوز اللي بتحبها، متبعدش عن اللي بتحبك. قال بأسى وهو يغادر: خلاص.. خلاص يا رنا، الموضوع انتهى ومفيش حاجة هتتغير. أخذت تبكي بصرخ ولم تعد تبالي بالطريق الذي لا تراه ولا تخشى الحوادث. لييييه.. ليه تعمل فيا كده.. ليه طلعت غبي كده.. مش هتلاقي حد يحبك قديا. أخذت تضرب طرف الدريكسيون بقبضتها وتعض على شفتيها حتى أدماءتها. تعلم جيداً السبب الحقيقي الذي يحول بينها وبينه، فأهله لن يقبلوا أبداً بمطلقة.
زلة واحدة في بداية حياتها أفقدتها أغلى إنسان قابلته في حياتها. كم هي قاسية الحياة التي تجعلنا ندفع ثمن اختيار خاطئ في لحظة طيش. كانت صغيرة للغاية عندما أصرت على ذلك الزواج الفاشل. لا تزال تلعن أباها الذي رضخ لإصرارها وتركها تتزوج في عمر صغير لا تستطيع أن تفرق فيه بين الذي يناسبها والذي لا يناسبها. كان عليه أن يمنعها ولو يضربها، يحبسها، يحرمها من المال كما يفعل أخو حسين.
لو لم تكن لها تجربة زواج فاشلة، إذا لاستطاعت أن تنال حسين حتى لو لم يكن يحبها. أخذت تلعن الحياة والناس الذي لا يسامحون على الخطأ والذل، وكل إنسان يحمل للآخر سكيناً خلف ظهره، ينتظر أن يقع أمامه جريحاً ليكمل ذبحه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!