الفصل 11 | من 21 فصل

رواية بلا حب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سوكه

المشاهدات
24
كلمة
1,887
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

أخذت الأمر على عاتقها بالتحدي الذي اعتادته، فقد استثارت د. ميرفت قدراتها عندما قالت لها إنها معلمة ناجحة وعليها أن تنجح معه كما تنجح في عملها. وبرغم أنها لم تتعود على الابتسام، لكنها نجحت في فك التكشيرة كما قالت لها، فصارت ملامح وجهها منبسطة هادئة. ثم بدأت بتجربة اقتراحات د. ميرفت. تدخلت عليه وهو يقلب في قنوات التليفزيون بملل لا يكاد يستقر على قناة يشاهدها، وقالت بأسلوبها المباشر: عندي فكرة كده، تسمعها يمكن تعجبك؟

ألقى بالريموت جانباً وانتبه إليها: اسمع. قالت: تحب تقص شعرك؟ رفع حاجبيه بدهشة، ثم ابتسم وقال بصوت متحمس: فكرة كويسة، موافق. ثم استدرك: ده لو مكنتش هتعبك. قالت: مفيش تعب ولا حاجة، فيه حلاق قريب في المنطقة جبت رقمه من على النت. اختفت ابتسامته: ليه!! هو مش انت اللي هتقصيه؟ تعجبت من تفكيره الذي يجعله يظن ذلك، وصمتت لحظة ترتب جملة لطيفة ترد بها عليه. حاولت قدر الإمكان أن تكون شبيهة بما تسمعه من طلابها، ثم قالت:

هو شعرك مزعلك في حاجة عشان تخليني أبوظهولك؟ أنا كنت هتصل بالحلاق يجيلك هنا يقصه. أمسك بالريموت ثانية وأدار وجهه للتليفزيون وبدأ عليه عدم الرضا: لا مش عاوز، خليه طويل مش هتفرق، وكمان مينفعش أدخل حد غريب البيت وأنت موجودة وأنا في الحالة دي. انبسطت عضلات وجهها وقد أعجبها ما قال، والتفتت تخرج وهي تحاول التفكير في فكرة أخرى. فالتفت لها بحماس: لو انت اللي هتقصيه أنا موافق. قالت بقلق:

أنا عمري ما قصيت شعر، لا، لا، ممكن أبوظه وميعجبكش. أصر حسين على الأمر وتمسك بالفكرة بعناد، ووافقت نجاة فقط لترضي إلحاحه. أسندته ليسير إلى الصالة وأجلسته على كرسي ولفت الملاءة حول رقبته. وأدركت أن كلام د. ميرفت حقيقي جداً، فالرجال كالاطفال. فمجرد الفكرة غيرت من حالته النفسية وجعلته يبتسم ويمزح، وأحياناً يضحك. لكن ذلك لم يخفف من توترها وهي تمسك بالماكينة الكهربائية وتمررها على شعره ببطء وحرص شديد وهي متوترة جداً.

ثم أسلم لها قفاه وهي تمسك بالمشط والمقص تحاول أن تساوي أطراف الشعر، لكنه لا يكاد يستقر ويحرك رأسه باستمرار وهي تصيح: ثبت راسك بقى، متتحركش. قال: بسرعة شوية رقبتي وجعتني. قالت بغيظ: هتوجعك إزاي بس وانت عمال تحركها؟ قال بمرح: قفايا اشتكى. التفت لها فجأة فتوترت: إيه ده! بطل بقى المقص كان هيدخل في ودنك ويعورك. ضحك في وجهها: انت قلقانة ومتوترة كده ليه، انت مش هتعملي عملية جراحية. نفخت بغيظ وعادت لها التكشيرة:

مبحبش حاجة تبوظ في إيدي، لازم يطلع مظبوط. قال باسمًا: عشان كده انت مدرسة ناجحة في شغلك؟ قالت بتوتر وهي تنظر لشعره: اسكت بس شوية عشان متلخبطنيش ويبوظ. أمسكت بالماكينة وأخذت تقصره ببطء وحرص. فلم يتحمل البقاء هادئاً على وضع واحد فتحرك رأسه بشكل سريع ومفاجئ فأصابت الماكنة جزءاً من شعره رغماً عنها. وقفت متجمدة تنظر لشعره: لا.. وحش.. مكنش المفروض ده يحصل.

غضبت بشدة بعد أن شعرت أنها خسرت التحدي. تركت ما بيدها على الطاولة وتركته ودخلت المطبخ حتى لا تتشاجر، وهو يتابعها بنظراته متعجباً، هي الغاضبة لأجل شعره وهو لم يهتم بالأمر. ناداها برجاء، فعادت إليه وقالت: أنا قلتلك من قبلها إني مبعرفش وممكن أبوظهولك. قال: وأنا قلتلك ماشي قصيه، زعلتي ليه دلوقتي؟ قالت بضيق: يعني انت مش مضايق؟ قال بصوت هادئ وهو ينظر لوجهها:

بعد كل اللي بتعمليه عشاني كل يوم، تفتكري ممكن أزعل أو أتضايق عشان شوية شعر!! ، وبعدين ماهو هيطول تاني. رد فعله أعاد إليها الهدوء، فتنهدت بابتسامة صغيرة. فقال مازحاً: إيه ده! الابتسامة دي من قلبك، صح؟؟ باينة خالص ولايقة عليكي، بس المرة الجاية كبريها شوية. كانت صامتة تسمعه وقد زال توترها وحل محله الاسترخاء، فقالت: طيب أعدل راسك، ومتتحركش حركات مفاجئة عشان أحاول أصلح اللي عملته. رخى لها رأسه وهو يبتسم. ***

كانت الفكرة التالية التي جربتها نجاة معه من إبداعها الشخصي، فقد أرسلت في طلب هدية له أونلاين. سمعت نجاة صوت جرس باب المبنى الذي يسكنه هو وعائلته، فارتدت نجاة عباءتها وطرحتها. نزلت لعامل التوصيل وعادت له بعد قليل وفي يدها صندوق كارتون أنيق ملفوف بشرائط على شكل هدية. قدمته له: ده عشانك. سألها بدهشة: إيه ده!! هدية!! اتسعت ابتسامته حتى غمرت وجهه البشاشة، وهي تناوله مقصاً وتقول: اتفضل، قص الشريط. فتح العلبة ليفاجئ

بما فيها ويصيح بدهشة: إيه ده!!! قطة!!!! ابتسمت بهدوء وقالت: لأ ده قط. كانت المرة الأولى التي تسمع صوته يججل بالضحك منذ الحادث. حمل القط ووضعه على ساقه وأخذ يداعبه ويمسح على شعره، ثم قربه منها. فرجعت خطوتين للخلف، فقال بدهشة: انت بتخافي من القطط!! طيب جبتيه ليه!! قالت: ده عشانك، عشان يسليك. أنا يدوب هحطله الأكل في المطبخ واللتر بوكس وبس كده. سألها: عشاني أنا!! سرح بعينيه بعيداً:

أنا فاكر زمان لما جبت كلب صغير من الشارع، أبويا الله يرحمه اداني علقة بالحزام، ورماه بره في الشارع، من ساعتها ونفسي أربي كلب. قالت: طيب، ممكن تتخيل إنه كلب صغير. ضحك جداً على كلماتها، فسألته: هتسميه إيه؟ فكر لحظات ثم قال: شرفنطح. قالت بدهشة: إيه، ده اسم!! قال ضاحكاً: ده اسم ممثل قديم كان بيطلع في أفلام نجيب الريحاني. ماما كانت بتحب تتفرج عليه. حلو الاسم؟؟!!! منحته ابتسامة كبيرة: دمه خفيف. ***

منذ أول يوم سافرت فيه أمه لا يمضي يوم إلا وتتصل بنجاة مرة أو مرتين في اليوم لتطمئن عليه وتعرف منها أخباره، فهو يرفض أن يرد على اتصال أمه، حتى بعد إلحاح نجاة المستمر عليه، ومحاولاتها المستمرة للإصلاح بينهما. لكن حسين لازال يشعر بجرح كبير في أعماقه، قد لا تكون أمه السبب فيه، لكنه ترك كسوراً بداخله أقوى وأشد من كسور جسمه.

كانت أمه تبكي كلما رفض تناول الموبايل من نجاة والرد عليها، لكن حسن يواسيها بأنه يحتاج لوقت أطول ليتغلب على ما حدث، فتعود للندم من جديد: أنا غلطت لما سبته وسافرت، كان عقلي فين لما عملت كده. ثم تبكي حتى تجف دموعها، فلا حيلة بيدها سوى البكاء.

لكن تلك المرة أصرت نجاة على أن تجعله يرد على المكالمة، فخططت للأمر كما تضع خطط الدروس لطلبتها، وانتظرت موعد المكالمة اليومي من حماتها. وبمجرد أن ردت عليها، أخذت تحدثها بكلمات تستثير مشاعرها حتى انفجرت في البكاء وصار صوتها ينتحب بشدة. فجرت نجاة إلى غرفة حسين وهي تمثل الفزع والانزعاج: حسين، الحق، مامتك تعبانة قوي.

ما جعل خطتها تنجح نجاحاً ساحقاً، هو سببين. الأول أن حسين قد اعتاد منها الجدية والاستقامة وعدم المراوغة فصدق على الفور. والثاني أنها فعلتها بذكاء وبراعة. فزع حسين ونسي كل شيء إلا الكلمة الأخيرة، فصاح بخوف: ماما!! حصلها إيه؟ ناولته تليفونها فرد على الفور: ماما، ردي عليا، انت كويسة!! سمعت أمه صوته أخيراً فلم تستطع أن تخرج من حلقها كلمة، بل انخرطت في بكاء عنيف. سمع صوتها تبكي فازداد خوفه وصاح:

يا ماما ردي عليا، انت كويسة!! فأتاه صوتها أخيراً متقطعاً من البكاء: يا حبيبي.. يا حبيبي.. انت كويس؟؟؟ الحمد لله إن سمعت صوتك. ارتجف قلب نجاة بشدة وشعرت بحريق في حلقها وأنفها، وكأنما تريد دموعها أن تنهمر فلا تستطيع. تركته يحادث أمه وخرجت من الغرفة وجلست وحدها تتذكر أمها الراحلة وتتألم بعمق. تفتقدها بشدة، لم يعد لها في الحياة أحد بعده. لازالت تعاني مشاعر الوحدة والفقد كأشد ما تكون.

سمعت صوته يناديها فلم ترد على الفور، بل ذهبت أولاً للحمام لتغسل وجهها المحتقن حتى تهدئ من مشاعرها. بمجرد أن دخلت عليه سألها: ليه عملتي كده؟ سألته: عملت إيه؟ قال: ليه خضتيني كده، ماما مش تعبانة ولا حاجة. قالت: لما تتخض عليها دلوقتي وهي كويسة، وتكلمها وتصالحها وهي بخير، أحسن ما تعيش عمرك كله ندمان إن مكلمتهاش ومصالحتهاش لو بعد الشر جرالها حاجة. انت ممكن تزعل من أي حد وكل حد، إلا ماما. سأله بتعاطف: نجاة، والدتك وحشتك.

لم تستطع أن تتكلم، فقد خشيت أن تنهار أمامه. تركته وأسرعت إلى المطبخ وهو يناديها مرات: نجاة، استني، أنا آسف.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...