الفصل 10 | من 21 فصل

رواية بلا حب الفصل العاشر 10 - بقلم سوكه

المشاهدات
22
كلمة
2,246
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

عندما فتح عينيه على يد تربت على صدره، نظر في وجهها الجامد. كان منهكًا تمامًا، وعادت له حالة الصمت التي كانت في المستشفى.

مدت له ذراعها ليقوم، فأطاعها دون مقاومة. بذلت جهدًا شديدًا حتى استطاعت أن تساعده على القيام والعودة إلى فراشه. ومنذ تلك اللحظة، لم تسمع له صوتًا. كف عن مناداتها أو طلب أي شيء منها، واكتفى بما تقدمه له دون اعتراض أو مناقشة، واستسلم تمامًا لها وهي تعطيه الدواء أو الحقنة أو تطعمه. لكنه كان يتجنب دائمًا النظر لوجهها.

بدأت تشعر بالراحة والهدوء يملأ البيت، ولم تحاول استثارة غضبه بأي شكل من الأشكال. لكن الهواجس بدأت تكبر في عقلها. فحاله تلك لم تكن مطمئنة أبدًا. فكلما دخلت عليه الغرفة، تجد الموبايل ملقى بعيدًا، والتليفزيون مفتوح لكنه لا يشاهد ولا يسمع. وجهه في اتجاه آخر ورأسه على الوسادة، وأصابعه تعبث بأي شيء دون وعي.

لكن ما أرعبها حقًا عندما دخلت عليه لتجده يعبث بولاعة صغيرة أمام عينيه، يشعلها ويطفئها مرات ومرات وهو شارد. استغلت انشغاله بالدواء وسحبت الولاعة دون أن يشعر، وخباتها في المطبخ.

لكن ما جعلها ترسل رسالة لد. ميرفت وتطلب منها تحديد موعد أونلاين في أسرع وقت، عندما دخلت عليه فوجدته يمسك علبة دواء يفتحها بإصبع يد واحدة. وعندما وجدها أمامه، سقطت العلبة من يده وتبعثر الدواء على الفراش والأرض. ومنذ تلك اللحظة، لم تبق أي دواء في الغرفة. وأبعدت أي شيء يؤذيه عن متناول يده. فقد أصاب عقلها الذعر من الهواجس التي ملأته، وأدركت أنها وحدها لن تستطيع مساعدته على تجاوز الأزمة.

أطمأنت أنه نائم، وجلست في أبعد مكان عن غرفته، وفتحت اتصال أونلاين مع د. ميرفت. فظهرت أمامها عبر الكاميرا في المطبخ تجهز الطعام، وقالت لها: "معلش بقى يا نوجة، انت مش غريبة، ابني طلب مني كيكة قدرة قادر ولازم اعملهاله، حكم القوي." كتمت ضحكتها عندما رأت وجه نجاة الجاد، وفهمت أن هناك أمرًا كبيرًا. فانتبهت للشاشة وقالت بقلق: "نجاة، إيه! انت عاوزة جلسة ولا إيه!! هتقلقيني ليه، دا أنا مصدقت قفلت ملفك." قالت:

"الموضوع مش خاص بيا، لكن بحد تاني، حالة مستعجلة جدًا." قالت ميرفت: "طيب احكي الموضوع من الأول، سمعاكي." ابتلعت نجاة ريقها وهي تحاول أن تناور في الحديث حتى تتجنب استجوابات د. ميرفت: "باختصار، أنا دلوقت مرافق لمريض عمل حادثة صعبة وملازم للفراش وقت طويل." قاطعتها د. ميرفت فجأة: "ياااختااااي، حادثة!!

يا بنتي انتي هتجننيني، مش قلتلك لازم تبعدي عن جو المستشفيات ده خالص، يبنتي انتي مثقفة ومتعلمة وقلتلك إن الوقت الصعب اللي مريتي بيه مع والدتك في المستشفيات وبعدها ووفاتها عملك تراما، وهتاخدي وقت على ما تنسي وترجعي لطبيعتك." قالت نجاة بضيق: "طب أنا أعمل إيه دلوقتي، أكمل كلامي ولا أسلم وأقفل المكالمة!! قالت بيأس: "مفيش فايدة فيكي، دماغك ناشفة ومبتسمعيش الكلام!! وطبعًا لما دخلتي المستشفى رجعتلك البانيك أتاك!! قالت بزهق:

"يا دكتورة سيبك مني أنا دلوقتي وخلينا في الحالة." قالت: "مش لما أطمن الأول على الحالة اللي بعالج فيها بقالي كتير، انتي تحبطيني بجد، يا بنتي أنا قلتلك دوري على كل حاجة تخليكي سعيدة ومبسوطة، مش تروحي للتروما برجلك، حياتك الجد دي هتجيبلك السكر بدري." قالت: "طيب أستأذنك أتصل بحضرتك وقت تاني يكون مناسب تسمعيني." قالت: "أنا عارفة إني مش هوصل معاكي لحل، اتفضلي احكيلي اللي عاوزة تقوليه."

شرحت لها الحالة الجسدية والنفسية وأنه لا يستطيع التحرك رغم أنه كان لا يكف عن الحركة والتنقل. وتجاهلت ذكر اسمه، بل كانت تسميه "الحالة". ثم ختمت قائلة: "كل تصرفاته بتقول إن عنده اكتئاب حاد، وأنا خايفة بصراحة يتطور أو يجيله ميول. انتي حرة." سألتها: "الحالة دي راجل ولا ست؟ قالت: "راجل." قالت: "عمره قد إيه؟ قالت: "٣٠." صاحت الدكتورة بغيظ: "أشق هدومي منك!!

يعني بطلع منك الكلام بالعافية واستحملت، لكن مش عاوزة تقوليلي إنه جوزك اللي عمل الحادثة ليه، خايفة من إيه!! هبله عنه مثلًا؟ ولا بتغيري عليه مني وأنا قد أمك؟ "يا ربي.. بقالي ١٥ سنة في الشغلانة مفيش حالة تعبتني زيك، يبنتي بطلي تترددي ألف مرة قبل ما تطلعي اللي جواكي، هو أنا هسجلك سيديوهات، دا أنا الدكتورة بتاعتك وغير كده قريبة أمك، لو مش هتثقي فيا هتثقي في مين." قالت نجاة بقلق:

"يا دكتورة ميرفت اعملي معروف، خفي شوية الهزار بتاعك ده، أنا عايشة في رعب، كل شوية أسيب اللي في إيدي وأروح أبص عليه، بيتهيألي إنه عمل في نفسه حاجة. أنا عاوزة أعرف إزاي أخرجه من الحالة اللي هو فيها." قالت الدكتورة: "هو الكلام كده مش راكب أوي على بعضه، يعني عريس جديد وميول انتي حرة!! فيه حاجة غريبة. انتي فيه بينكم مشاكل؟! فتحت فمها: "ها.. هو.. هو الموضوع ملخبط شوية وفيه مشاكل كتير." قالت الدكتورة بإحباط:

"ااااه، وطبعًا مش هعرف آخد منك معلومة كاملة، ولا هتقدري تكلميني عن مشاكلك لحد ما تخلص أو يخصل هي عليكي، وهتلفي وتلفي وتجيلي بعد ما نفسيتك تبقى حالة طوارئ مستعصية. فـ أنا هصبر لحد ما تجيلي لوحدك، بس مؤقتًا كدة هديكي شوية نصايح تتعاملي بيها معاها." "ولا كده، مينفعش تعامليه زي تلميذ عندك في الفصل وأنتي الميس بتاعته." عقدت نجاة حاجبيها وقالت بدهشة: "أنا!! قالت الدكتورة: "أه، هو أنا مش عارفاكي يا أبلة نجاة!!

يا ريت تفكي التكشيرة اللي في وشك دي وتعامليه على إنه جوزك." رفعت حاجبها وقالت بحدة: " قصدك إيه يا دكتورة؟ قالت ميرفت: "يادي النيلة، باينكم واقعين مع بعض. طيب بلاش، عامليه زي ما كنتي بتعاملي أمك الله يرحمها، لما كانت في عز مرضها كنتي بتضحكي في وشها وتحكيلها وتحكيلك وتحاولي تضحكيها وتبسطيها.. فاهمه؟ "الرجالة عقلهم صغير أوي." تلتفت حولها ومشت إلى باب المطبخ تنظر في الخارج، ثم عادت لها وخفضت صوتها:

"الرجالة عقلهم صغير، الكلام الحلو بياكل عقلهم، خديه بالمسايسة، بلاش أوامر، زي خد الدوا، كل، هو مش عايش مع سجان، كفاية السجن اللي هو فيه. اعملي في البيت أي تجديد أو فيه هو شخصيًا، لبس جديد، حلاقة شعر روشة، شوفي إيه الحاجات اللي تبسطه واعمليها." "طولي معاه في الكلام، وخذي وادي وبلاش أسلوب التلغرافات ده اللي بيجنني منك. ضحكيه، قوليله نكت." رفعت حاجبيها بدهشة، فقالت ميرفت:

"لا نكت دي متنفعش معاكي، طيب احكيله حواديت زي شهرزاد، هو انتي مش مدرسة ناجحة يا بنت؟ بتحببي الطلبة فيكي إزاي وتخليهم يسمعوكِ!!! وقفت نجاة أمام المرآة وهي تتذكر كلام دكتورة ميرفت: "أهم حاجة تضحكي في وشه، مريض الاكتئاب محتاج يحس إن حواليه ناس بتحبه وبتهتم بيه، محتاج لمعاملة فيها مودة، مش لازم يحس إنه تقيل والناس شايلاه بالعافية."

كانت تحاول أن تبتسم بصعوبة، لكن الابتسامة تتحول لشكل غريب، بل كان الأمر صعبًا جدًا على عكس ما كانت تتوقع. أخذت تشد عضلات خديها بأصابعها، ثم تدلك خديها ربما أصابهما الخدر، ثم تدلك ما بين حاجبيها لتفك التكشيرة كما قالت الطبيبة، وكأنها تتعلم الابتسام من جديد. حملت صينية الطعام وذهبت إلى غرفته، ووقفت أمام الباب قليلًا تحاول أن تستجمع شجاعتها، ثم أخذت نفسًا عميقًا ودخلت الغرفة. لم ينظر إليها إلا عندما قالت بصوت واضح:

"صباح الخير، إزيك النهاردة." لم يرد، لكنه نظر لوجهها بدهشة. كانت تبتسم ابتسامة غريبة. أدركت أنها تفعل شيئًا غير مقنع بالمرة، لكنها استمرت بالمحاولة وتنحنحت بارتباك وقالت الكلمات التي دربت نفسها عليها في المطبخ عدة مرات: "أنا.. أنا.. عملتلك كيكة يارب تعجبك، اسمها... اسمها إيه، افتكرت. اسمها قدرة قادر." رفع حاجبيه بدهشة، فقالت بارتباك شديد وبداخلها شعور بغيض بأنها صارت مهرجًا فاشلًا:

"دي اسمها كده، أنا جبت طريقتها من على النت، تحب تدوقها." استمرت تحاول جاهدة طوال النهار، تدخل المطبخ تتدرب على الابتسام وتحفظ بعض كلمات المجاملة، ثم تحاول إلقاءها أمامه. حتى نطق أخيرًا وقال بصوت هادئ: "مفيش داعي تضغطي على نفسك أكتر من كده وتحاولي تضحكي في وشي بدافع الشفقة. أنا مقدر فعلًا وقفتك جنبي في المرض، بس الشفقة أسوأ حاجة ممكن تقدميها لإنسان."

وقفت تحدق فيه لحظات، وأدركت أن أي كلمة غير صادقة أو ابتسامة مفتعلة ستزيد الأمر سوءًا. قررت أن تتكلم معه بصدق، فجلست على طرف الفراش وقالت بجدية: "ممكن تسمعني؟ هز رأسه، فقالت بصدق: "أنا مبعرفش أضحك، ولا أعيط، مش فاكرة آخر مرة ضحكت أو عيطت فيها كان من كام سنة. واحد من طلبة ثانوي اللي بدرسلهم كان مسميني الوش الخشب، عشان كده لما بحاول أبتسم بحس إن شكلي وحش." كان يسمعها ولا يجد كلمات يقولها، فلم يقاطعها. فأكملت:

"هافترض معاك إن اللي بعمله ده بدافع الشفقة، وده مش حقيقي. تفتكر إنسان واحد في الدنيا مش محتاج الشفقة في وقت من أوقات حياته، أو لما بيمر بأزمة شديدة. ساعات الشفقة بتنقذ حياة ناس وتنجيهم من الموت، المهم الأزمة تعدي ويقوموا منها. انت الحمد لله، أزمتك فترة قصيرة في حياتك وهتعدي بسرعة، وبكرة تقوم بالسلامة وتقف على رجليك تاني، وساعتها هتنساني وهتنسى كل اللي كنت فيه، هتنسى حتى الشفقة من الناس، ومش هتبقى محتاج لحد. متفكرش في اللي حواليك مشاعرهم إيه ولا بيبصولك إزاي، فكر بس إزاي تخرج من أزمتك وتستفيد من مساعدتهم ليك بأنك تقف على رجليك تاني. لأنك بعد ما تخف هتقابل ناس تانية محتاجين مساعدتك ليه."

أخذ نفسًا عميقًا، ثم ابتسم وقال: "تعرفي إن كلامك ده أحسن مليون مرة من إنك تجبري نفسك على ابتسامة مش من قلبك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...