الفصل 13 | من 21 فصل

رواية بلا حب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سوكه

المشاهدات
18
كلمة
1,614
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18

تلك الليلة أدرك بالفعل أن جسده في طريقه للشفاء. ففي البيت جرب عدة مرات وهو وحده أن يعتمد على العكاز الطبي في الحركة، وبالفعل نجح أن يسير في الغرفة وحدة عدة مرات ذهابًا وإيابًا، وكان الحماس يجري الدماء في عروقه ويجعله سعيدًا. لكن فكرة غريبة قفزت إلى رأسه جعلته يتراجع ويجلس على فراشه ويبعد العكاز قبل أن تخرج نجاة من الحمام وتراه. سيخفي عنها الأمر.

سيخفي عنها الأمر بعد أن أدرك أن اعتماده على العكاز في التحرك سيحرمه من الاستناد إلى كتفيها. لن يكون له الحق أن يناديها لتأتي مسرعة لتساعده للقيام من فراشه وتصاحبه جنبًا إلى جنب عدد الخطوات التي توصله للحمام، ثم تنتظره حتى ينتهي لتعيده بنفس عدد الخطوات إلى غرفته. سيحرم من ذلك القرب الذي يشعره بالأمان ولو لم تتكلم. ومن ذراعها على ظهره كي لا يفقد توازنه أو يسقط. لن يستمع لصوت خفقات قلبها وهو قريب من قلبه.

قد تكون خطوات صغيرة لا تتجاوز عدة أمتار، لكنها في عقله مشوار حياة كاملة بأفراحها وأحزانها. لم يكن مستعدًا للتخلي عن كل تلك المشاعر التي أدركها متأخرًا بعد أن هدأت انفعالاته العنيفة وخمد غضبه المستعر. فانجلى الضباب عن عقله وقلبه ليرى بوضوح كم هو بحاجة إلى وجود نجاة إلى جواره.

عادت العائلة من الساحل، وأول ما فعلوه هو زيارة لشقة حسين. واستقبلتهم نجاة جميعًا ببشاشة وترحاب ودعتهم إلى غرفة حسين. وذهبت نجاة للمطبخ لتعد لهم العصير. جلست أمه إلى جواره على الفراش وأخذت تقبل رأسه وخديه. وفاطمة تمزح معه، ووقف حسن صامتًا كعادته. وبدا على حسين أنه لا يزال غاضبًا وحزينًا مما حدث، فلم يتبادل مع أخيه أي كلمة. وزاد من سوء الموقف هو أن سارة دخلت الغرفة وخلفها ولديها آدم وآسر.

وقالت: "أنا جاية أعمل الواجب. إزيك يا عم ولادي؟ ألف سلامة." أدار حسين وجهه للجهة الأخرى ولم يتكلم. نظرت لحسن وقالت: "حسن ابقى حصلني. ياله يا ولاد." قال حسن بصرامة: "سيبيهم يسلموا على عمهم." تركتهم وخرجت. بعد قليل أتت نجاة بالعصير وقدمته لهم. ووقفت في ركن الغرفة. ورأى آسر القط يخرج من تحت السرير. فتركهم جميعًا وأمسك بالقط وحمله وهو يصيح بسعادة: "قطة! قطة جميلة! ضحك الجميع على حركاته وكلماته اللطيفة.

قال حسن لابنه الكبير: "سلم على عمك يا آدم." اقترب آدم من حسين بحذر وهو يتذكر آخر موقف بينهما. عندما استيقظ فزعًا على صراخ أمه في وجه عمه وهو واقف بينهما. لم يستطع عقله الصغير أن يفهم أو يستوعب الكلمات من حوله، لكن الموقف كان مرعبًا بالنسبة له. نظر آدم لساق حسين في الجبس وساعده المضمد. فقال بتعاطف: "إزيك يا حسحس؟ انت عيان؟ هز رأسه دون أن يبتسم. تدخلت جدته بصوت حنون: "قوله سلامتك يا عمو." استمد من

كلماتها الشجاعة وقال له: "سلامتك يا حسحس. معلش بكرة تخف وترجع تلعب معايا تاني." رفع آدم قبضته أمامه وانتظر أن يرفع حسين كفه ليتلقى اللكمة بها كما اعتاد عندما يلاعبه عمه. لكن حسين لم يفعل. بل ابتلع ريقه بألم وأدار وجهه للجهة الأخرى بصمت. كانت نجاة تراقب الموقف وفي عقلها ألف سؤال. لكنها لم تتكلم. قال حسين بصوت جاد: "حسن. خلي الولاد ينزلوا." ربت حسن على كتف آدم ولده برفق: "ياله يا آدم." وتدخلت

أم حسن لتصلح الموقف: "معلش يا آدم يا حبيبي. عمو في إيده واوا وبتوجعه مش هيعرف يلعب معاك." نظرت لها فاطمة بسماجة وقالت ساخرة: "واوا!!! فيه لسه حد بيقول واوا؟ إيه الجو القديم ده؟ زغدتها أمها وقالت: "اسكتي انت." ثم قامت لتخرج وقد اطمأنت على ولدها: "ياله يا ولاد. نسيب عمو وطنط يرتاحوا." قالت فاطمة: "خلاص يا ختي اطمنتِ على حبيب القلب." قالت الأم بغيظ: "بس يا بت. لمي لسانك المتبري منك ده."

حاولت نجاة أن تستبقيها وأخذت تحادثها بكلمات المجاملة اللطيفة وحماتها ترد عليها ببشاشة ولطف. وخرجت الاثنتان من الغرفة وخلفهما فاطمة تمصمص شفتيها وتقول ساخرة بأسلوب لزج: "حماتك بتحبك يا أبلة نجاة." قال حسن بصوته الهادئ: "عاوز أقولك كلمتين قبل ما أمشي. مراتك دي بنت أصول. اوعى في يوم تزعلها. لأن عمرك ما هتلاقي حد زيها يريحك ويخاف عليك." أمر ولديه بالخروج. لكن آسر رفض بعناد: "ألعب مع القطة."

زجره حسن بشدة: "بقولك ياله انزل." ترك آسر القط الذي قفز على السرير وجلس بجوار صاحبه. وانخرط آسر في البكاء. وهو يخرج مع أبيه. لكنه سمع صوت عمه يناديه: "آسر." التفت خلفه فرأى حسين يحمل القط في يده ويمده إليه. عاد له جريًا وحمل القط بسعادة. فقال حسين: "خد بالك منه وأكله كويس."

نظر حسن في وجه أخيه وابتسم. وبرغم أن حسين لم يبتسم. بل استقر الحزن والغضب في ملامحه. لكنه يعرف أخاه جيدًا. سيتجاوز ويصفو ويعود حسحس الطيب الحنون صديق أولاده وأكثر من يحبهم ويخاف عليهم. أغلقت نجاة الباب خلفهم وعادت له. لتجده ضائقًا حزينًا. كانت تشعر بأن هناك مشكلة بينه وبين أخيه. لكنها تعلم أن الوقت غير مناسب لسؤاله عنها. قالت تحاول أن تخرجه من صمته: "وزعت القط اللي جبتهولك هدية؟! سألها: "إيه؟ زعلتي؟

قالت: "لا مزعلتش. بس قلبي حاسس إنه مش هتهون عليه العشرة وهيرجع لك تاني." وحدث بالفعل ما توقعته من سارة. فقد كانت في المطبخ ووصل صوت سارة لها من المنور وهي تعنف ابنها وتأمره أن يلقي بالقطة خارجًا. أسرعت نجاة إلى باب الشقة وخرجت على السلم لتجد آدم يحمل القطة وينزل السلم وصوت صراخ آسر الباكي يصل إليها من داخل الشقة. فعلمت أنه سيلقيها في الشارع. فنادته: "آدم. سيب القطة على السلم. متخافش."

ترك القط فصعد السلم جريًا وعاد لصاحبه. ودخلت نجاة الغرفة لتجده يداعب القط ويمسح على رأسه. نظر إليها وقال: "سبحان الله. طردت القط ومهمهاش عياط آسر ولا زعله. ولا حتى صعب عليها." قالت: "معلش. فيه ناس عندهم فوبيا من القطط." قال: "أعرف ناس عندهم فوبيا من القطط بردوا. لكن الحب والرحمة اللي في قلبهم أكبر بكتير من الخوف." ابتسمت بخجل. فأشرق وجهه بالسعادة: "طيب بمناسبة الجو ده والناس اللي راجعة من الساحل. مفيش حتة كده؟

عقدت حاجبيها وسألته: "حتة إيه؟ قال: "حتة كده من نجاة. أنا بعشق البحر مثلا ولا انت. ولا أي حاجة." قالت بعد تفكير: "لو سمعت اللي عاوزة أقوله هخليك تسمع الأغنية." قال بزعل: "آه. يعني ناوية تقلبيها جد." قالت: "حسين. ممكن أطلب منك طلب؟ أجاب بجدية: "لأ. متطلبيش.. انت تؤمريني." نظرت في وجهه لحظات. ثم قالت برجاء: "أخوك حسن.. أنا معرفش انت زعلان منه في إيه. ولا إيه اللي بينكم. ومش عاوزة أعرف."

"بس اوعى تخسره. محدش في الدنيا ممكن يخاف عليك ولا يراعي مصالحك قده. ومفيش حد هيقف جمبك غيره." قال بعاطفة: "وانت." قالت: "ولا أنا." شعرت أن عقله انفصل عنها عندما سكت وسرح بعينيه بعيدًا. وخشيت أن تكون الكلمات قد سقطت من عقله فقالت تنبهه: "حسين. انت سمعتني؟ التفت لها وكأنما يستيقظ: "ها... تنهد وابتسم لها: "حاجة غريبة أوي. هو كمان بيوصيني عليكي. بيقولي مش هتلاقي حد زيها في الدنيا يخاف عليك." خفضت رأسها واحتمت بصمتها.

في صباح اليوم التالي. فتحت نجاة الباب لحماتها ومعها فاطمة يحملان صواني طعام ودخل الجميع المطبخ ونجاة تتبادل مع حماتها كلمات المجاملة اللطيفة والابتسامات الودودة. ثم دعتهما للجلوس في الاستقبال إلى أن يصحو حسين من نومه. وانشغلت فاطمة بالموبايل ونجاة تحادث حماتها في حوار ودي وتطمئن منها على صحة حسين. وتبالغ في شكرها ومدحها على ما فعلته معه. فحسين تغير منذ أن عادت له وعاد لوجهه البشاشة ولروحه المرح.

شهقت فاطمة فجأة: "ماما ماما. الح.. ملك فركشت." لم تفهم أمها الأمر في البداية. فسألت: "ملك مين؟ قالت فاطمة ساخرة: "جرى إيه يا حاجة انت جالك زهايمر؟ ملك. اللي حسين كان خاطبها." تلون وجه أم حسن من تصرفات ابنتها الحمقاء. فقالت بإحراج: "واحنا مالنا ومالها. أهي راحت لحالها." كانت فاطمة تنظر لوجه نجاة واستمرت في

الحديث كما لو كانت تكيدها: "أنا متابعة صفحتها على الفيسبوك من زمان. الصراحة اتفاجئت. يعني حاجة غريبة أما واحدة زيها خطوبتها تتفسخ. أصل ملك دي قمر قمر. حلوة ونغشة وعليها جسم." قامت أمها بعصبية وصاحت فيها: قومي قومي أنا اللي غلطانة اللي جبتك معايا فوتي قدامي. أخذت تحادث

نجاة بلطف وتعتذر لها: معلش يا حبيبتي، هبقى أجلك لما يصحى حسين ومش هجيب البت الهبلة دي معايا، أهيه كده على طول، لا بتذاكر ولا بتعمل حاجة مفيدة وطول النهار قاعدة على الموبايل والكلام الفارغ، وأهي سقطت سنتين في الثانوية وربنا يستر على السنة دي. هزت نجاة رأسها بهدوء وهي ترسم على وجهها ابتسامة مجاملة لحماتها. والأم مشغولة بإخراج ابنتها من المكان قبل أن يسكب لسانها المزيد من البنزين فتحرق البيت بمن فيه. دفعتها الأم

أمامها على السلم وهي تصيح: انزلي انزلي. نظرت فاطمة بطرف عينها إلى نجاة التي لازالت واقفة ولم تغلق الباب، وصاحت في أمها: يا ماما أنت مش فاكرة ملك؟ دي اللي كان هيموت عليها حسين، وهرب ليلة جوازه عشان يروحلها إسكندرية. صاحت الأم: بقولك انزلي يا قرشانة، داهية فيكي وفي تربايتك، أنا هقول لحسن عشان يعرف شغله معاكي.

اغلقت نجاة الباب بعد أن وصل لها كل كلمة قالتها فاطمة، ثم دخلت المطبخ تحاول أن تلهي عقلها بأي عمل. وفتحت الموبايل على أغاني نجاة تحاول أن تصرف أذنها عن كلمات فاطمة التي بثت في روحها مشاعر غريبة لم تمر عليها من قبل. كانت تتحرك في المطبخ بعصبية شديدة، وتلقي بالمواعين وتدفع الأشياء وتصفع باب الثلاجة.

فجأة هاجمتها أزمة الألم الشديد في منتصف صدرها، كانت تلك المرة هي الأشد فتأوهت بعنف. ذهبت بصعوبة لتحضر حقيبتها وأفرغتها من محتوياتها لتأخذ علبة الدواء، فوجدتها فارغة وتذكرت أنها نسيت أن تشتري علبة جديدة. نزلت على ركبتيها وهي تضع قبضتها في منتصف صدرها وأخذت تتأوه بعنف. والآن عليها تحمل الألم من جديد طوال فترة الأزمة ككل مرة دون أن يشعر بها أحد. لكن هذه المرة كانت مختلفة، فقد شعر بها حسين الذي استيقظ في ذلك التوقيت.

وعندما سمع صوتها صاح بقلق: نجاة، نجاة انت فين؟ ردي عليا، انت كويسة؟ لم ترد عليه، فشعر بالخوف وأخذ عكازه وسار يبحث عنها في البيت ليجدها على الأرض تتلوى يمينا ويسارا من الألم، ففزع: نجاة فيه إيه؟ حاسة بإيه؟ نسي نفسه وحاول أن ينحني عليها فلم يستطع، وأزعجه بشدة عجزه عن مساعدتها. فقال: هندهلك ماما تطلع تشوف مالك. صرخت فجأة: لأ، لأ، متناديش حد، أنا هبقى كويسة. تراجع عن فكرته أمام حالتها تلك،

ثم قال بألم: نجاة أنا مش هقدر، لازم حد ييجي يساعدك. قالت: الدوا، هاخد الدوا وهبقى كويسة. قال: فين الدوا؟ اسمه إيه؟ أمسكت العلبة الفارغة في يدها. وقال برجاء وهو يمد لها يده المصابة ويستند باليسرى لعكازه: نجاة، امسكي في دراعي، ساعديني عشان أوصلك للسرير، مش هسيبك على الأرض. اتصل حسين بالصيدلية وأحضروا له الدواء مع مندوب التوصيل وتناولته نجاة وبدأت ترتاح. وجلس حسين على طرف السرير إلى جوارها وهو في منتهى القلق والتأثر.

أخذت نجاة تتفحصه وتتفحص العكاز بعينيها. الآن يستطيع أن يمشي وحده ويتحرك بدون مساعدتها وسرعان ما سياتي وقت فك الجبس ويتماثل للشفاء. قالت له بصوت متعب: حمد الله على السلامة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...