يوم بعد يوم كان كلامها يقل. وكفت تمامًا عن الغناء. وكان يحاول معها كل يوم ليخرجا للتنزه، فتتهرب منه بكل الحجج. أحيانًا يقبل، وأحيانًا يثور عندما يصل به الضيق أقساه. فتخرج معه مضطرة، لكنها تظل صامتة. كلما سألها: مالك؟ تنظر لوجهه طويلًا. ثم تقول بعد صمت: مفيش. كرامتها لن تسمح لها أن تصارحه بما تشعر به، والنار التي تشب في قلبها كلما سمعت صوت رنة الإشعارات في موبايله.
فتحت موبايله وهو نائم بعد أن أزعجتها أصوات الإشعارات المتكررة. لم تفكر يومًا أنها يمكن أن تقتحم خصوصية أحد أو تتلصص على موبايله وتقرأ رسائله. بدأ في أول الأمر كشيء طبيعي وعادي، فحسين لا يضع كلمة سر على شاشة موبايله، ويتركه ملقى باهمال في أي مكان. ودائمًا ما ينساه في غرفة المعيشة بعد أن أصبح يتجول في البيت بمساعدة عكازه.
لم يكن الموبايل يسبب إزعاجًا من قبل. لكن منذ فترة قريبة للغاية وبدأ يرن كثيرًا. وحسين يرد أحيانًا ردودًا مقتضبة. وأحيانًا يغلق الموبايل ويلقيه بعيدًا. ودائمًا ما يتجاهل صوت الإشعارات. كان نائمًا وقد نسى تليفونه في غرفة المعيشة كعادته. وهي تسهر لبعد منتصف الليل تقرأ قرآن. لكن صوت الإشعارات الكثيرة أزعجها بشدة. فأمسكت بالموبايل تريد إغلاقه. لكن لفت نظرها رسالة ظهرت على الشاشة من الواتساب: وحشتني أوي. والرسالة باسم رنا.
اشتعلت نيران الفضول والغيرة. ففتحت رسائل الواتساب وأخذت تتابع رسائل رنا. وفهمت. منها أنها كانت مسافرة إلى ألمانيا وعادت منذ وقت قريب وتشتاق إليه بجنون وتريد أن تراه. رسائل كثيرة لكنه لم يرد عليها. "رد يا حسين. كده يا حسين بتعمل سيين ومبتردش!! أنا هتجنن عشان أشوفك."
أدركت نجاة أن حسين لم يرد على الواتساب لأنه لا يستطيع الخروج لمقابلتها. فتحت حساب رنا وأخذت تتفرج على صورها. جميلة جدًا وأنيقة جدًا وغنية جدًا. وملابسها تظهر مفاتن جسدها. فتاة تشعل النار في جسد أي شاب. أغلقت الموبايل وألقته بعيدًا. وأخذت تمسح وجهها بكفيها وتستغفر. لم تعد أعصابها تتحمل كل هذا الضغط. لكنها لم تصارحه بشيء وبقيت صامتة.
ارتدت عباءة وطرحة أنيقة وحملت حافظات الطعام. وقالت لحسين الذي كان يجلس في غرفة المعيشة يقلب في قنوات التليفزيون كعادته دون أن يستقر على قناة معينة: "حسين. هنزل لمامتك الحلويات اللي عملتهالها. وهقعد معاها شوية." قال بزهق: "هو لازم يعني! قالت: "بقالهالها كام يوم تعبانة عشاننا وبتطلعلنا أكل وحلويات. كتر خيرها." قال: "طيب متتأخريش عشان نتعشى سوا." قالت: "لسه بدري على معاد العشا." قال مازحًا
بعناد: "لا.. لو هتتأخري عليا يبقى تقعدي معايا نتعشى أحسن." ابتسمت: "طيب خلاص مش هتأخر." ودعها بنظرات حانية. وقلبه يخفق بشوق. لا يطيق البيت من دونها. حتى لو كانت صامتة أو نائمة. يكفيه النظر إليها. يكفيه صوت أنفاسها فيه. يكفيه ذلك الأنس الذي يغمره بوجودها وكلماتها وصوتها الجميل. بل وصمتها الهادئ. في الأيام الأخيرة تراود عقله فكرة تكبر وتستقر يومًا بعد يوم. ماذا لو لم تعد نجاة له في المستشفى؟ لو لم ترافقه في أزمته تلك؟
لو لم تتخل عن عملها وطلبتها وكل ما يشغلها وتحبس نفسها معه بين أربع جدران؟ كيف سيكون مصيره وقتها؟ وهل كان ليصل إلى تلك المرحلة التي هو فيها الآن؟ نجاة هي التي حافظت على حياته وأنقذته من الاكتئاب والرغبة في الموت. نجاة حمته من إيذاء نفسه وساعدته على الشفاء. نجاة هي السبب الحقيقي لنجاته.
كان عليها أن تتخذ تلك الخطوة مهما كانت نتائجها. تتوقع أنها ستفتح عليها أبواب الكراهية من الجميع. لكنها تعلم جيدًا أن الأمانة والمسؤولية تحتم عليها أن تفعل ذلك حتى لا تُسأل أمام الله عن تقصيرها. طلبت من حماتها أن تدبر لها لقاء للحديث مع حسن في موضوع هام يخص حسين. بصفته كبير العائلة والمسؤول عن مصلحة حسين والمهتم لأموره. وأوصتها ألا تخبر حسين أو أي أحد آخر بالأمر. أثارت القلق في قلب حماتها. لكنها فعلت.
اتفقت مع حسين أن يمر عليها بعد العودة من عمله وقبل أن يصعد لشقتة. وآتت نجاة بالاتفاق مع حماتها. جلست أمامهما مترددة وهي تفكر. هل هو قرار صائب أن تفتح الموضوع أمام حماتها؟ لم يكن لديها خيار آخر. فاخلاقها لن تسمح لها بالتحدث إلى أخ زوجها إلا في وجود زوجها أو على الأقل حماتها. ولا بد أن تتحمل العواقب. تنحنحت بإحراج: "الموضوع صعب وحساس وممكن يضايقكم. بس لازم حد يبقى قلبه على حسين ويساعده." وجهت الكلام لحسن
وهي قلقة من رد فعل حماتها: "حضرتك أكيد عارف إن تصرفات حسين الغريبة مؤثرة جدًا على حياته وبتخليه يتعرض لمواقف تأذيه." اندفعت حماتها تدافع بعد أن شعرت بالخطر على ابنها: "يا بنتي حسين طيب وحنين وبيحب كل اللي حواليه وبيحبك أوي. يمكن متهور وبيتصرف ساعات غلط. بس بكرة يعقل ويهدا. وأنت معاه أكيد هيتغير." صمتت قليلًا تفكر.
كلمات حماتها أكدت لها أن الحديث سينتهي نهاية لا تريدها ولا ترغب في الوصول إليها. لكن لا مفر من أن تكمل. فوجهت الكلام لحسين الذي كان يبدو عليه الفهم: "حضرتك فاهم قصدي؟ اندفعت حماتها: "يا بنتي... أسكتها حسين: "استني لحظة يا أمي. سيبيها تكمل." أمسكت الأم لسانها بصعوبة.
وأكملت نجاة: "حضرتك أكيد ملاحظ إنه متهور جدًا في تصرفاته. بيعمل أي حاجة ويرجع يندم عليها وكأنه عملها وهو مش حاسس أو عقله في وقتها مكنش شايف الأمور صح. بياخد قرارات بسرعة جدًا ويرجع يغيرها بنفس السرعة. بينسي حاجات كتير وبيضيع حاجاته المهمة. ومبيفتكرش أبدًا اللي وراه. ممكن يقعد ساعة يقول أنا عاوز أعمل كذا وكذا وبعد لحظة ينسى أصلًا هو كان بيتكلم في إيه."
"ببقي بكلمه في حاجة وفجأة يفصل مني تمامًا ومبيفتكرش إلا كلمة واحدة قلتها في الحوار. وده بيوقعه في مواقف هو مبيحبهاش." "مبيبتديش حاجة ويخلصها أبدًا. بيزهق بسرعة جدًا وعاوز تغيير باستمرار ودي حاجة متعبة جدًا لأي حد بيتعامل معاه."
"بيبقى هادي وكويس جدًا وفجأة بيقلب زي العاصفة ومن غير سبب منطقي. مش مؤذي لكن انفعالاته عنيفة جدًا ومندفع لما بيغضب. زي ما تقول كده مبيشوفش قدامه. وبيفقد القدرة تمامًا على التركيز لدرجة أنه ممكن يأذي نفسه." "حسين مش قادر يسيطر على مشاعره ولا يتحكم في تصرفاته ولا يركز في المهم ولا عارف يشوف مصالحه وده بيخليه يفشل في أي شغلانة يعملها."
"حسين خسر حاجات كتير جدًا في حياته ولو متعالجش هيخسر أكتر من كده بكتير. في شغله وفي حياته." "وممكن لا قدر الله يجيله اكتئاب أو.. يعمل في نفسه حاجة." "حسين لازم يتابع مع دكتور نفسي." اندفعت حماتها بغضب: "دكتور نفساني ليه!! أنت شايفاه مجنون؟ ابني زي الفل. طايش شوية زي بقية الشباب. هياخدله يومين ويهدا ويعقل. لو أنت مش قادرة تصبري عليه.."
صاح حسن: "أرجوكي يا أمي. من فضلك اهدي. نجاة كلامها صح. حسين فعلاً محتاج يظبط نفسه وحياته. محتاج يتحمل المسؤولية وينجح في شغل. كلنا شايفين المشكلة اللي عنده وهو الوحيد اللي مش شايفها." قالت نجاة: "ده اللي خلاني أكلم حضرتك. لأني لو كلمته هيرفض كلامي ومش هيصدق وهيتقلب الموضوع لخناقة ومعرفش رد فعله ممكن يوصل لفين."
وقفت الأم وقالت بغضب: "بقى اسمعي يا بنت الناس. أنا بحبك وبقدرك وشايلالك جميلة إنك شيلتي ابني في عنيكي ووقفتي جنبه في أزمته وعملتي الواجب وزيادة." "لكن لو تعبتي ومش قادرة تكملي معاه. ده حقك. ومحدش يزعل من الحق ولا يلومك وكل شيء قسمة ونصيب." "لكن تقولي كده دوغري وبصراحة ومتلبسيهاش لابني ولا تحوليه لمجنون عشان محدش يعتب عليكي لما تسيبيه." "قوليها بصراحة ونطلع بالمعروف أحسن."
نظرت لحماتها. وفكرت طويلًا أن تقول كلمة تدافع بها عن نفسها. لكنها أدركت أن كلمات حماتها توفر عليها الموقف الصعب. فقالت وهي تقوم لتخرج: "أنا قلت اللي يرضي ضميري." نظر حسن في وجهها واستنتج ما تفكر فيه. فقال بفهم: "متقلقيش عليه. أنا هتابع الموضوع ده بنفسي." قالت أمه بعد أن رحلت: "أنت إزاي تسكتلها؟ وموضوع إيه اللي هتتابعه؟ أنت لازم تقول لحسين يشوف مراته مالها." قال حسن منهيًا
الحوار قبل أن يعود لشقته: "مفيش داعي يا أمي. نجاة ضيفة." اطمأنت نجاة لكلماته وأدركت أنها طرقت الباب الصحيح وأن حسن هو من سيرعى أخاه. صعدت لشقتها فقابلتها فاطمة على السلم نازلة. نظرت لوجهها ووضعت كفها فوق فمها وضحكت ضحكة خبيثة مكتومة. ثم نزلت تجري. زفرت نجاة بضيق وأخذت تستغفر. تعلم ما كانت تفعله فاطمة عند حسين. وتتوقع جدًا ما سيفعله حسين وأنها ستكون ليلة طويلة ومرهقة.
دخلت وجلست على الأريكة بصمت. وأخذ هو يدور في الغرفة بمساعدة عكازه ويصرخ فيها ويتشاجر ويتكلم بسرعة: "يعني طول الوقت ده وأنتِ فاكراني مجنون!! دكتور نفساني ليه؟ هو أنا مش طبيعي؟ وأشمعنى حسن اللي بتقوليله؟ مقولتيليش ليه اللي في قلبك!! عشان هو العاقل وأنا المجنون؟ طيب إيه رأيك بقى إني مش هروح لدكاترة وهثبتلك إني مش الشخص الوحش اللي في دماغك.
ظل على تلك الحالة إلى منتصف الليل، وهي لم تنطق بكلمة واحدة وتحملت بصعوبة مرور الوقت، حتى تعب ودخل غرفته ونام من الإنهاك. وبقيت هي في مكانها تكتم آلامها حتى عادت لها الأزمة من جديد، لكنها تداركتها مبكرًا بالدواء. لقد صارت تتوقعها في أي وقت، أصبحت تاتيها بشكل متقارب شبه يومي. كانت تساعده في ارتداء ملابس الخروج، ويديها تعملان بسرعة ومهارة، وهو ينظر لها برجاء. وقال: "برضه مش عاوزة تيجي معايا وأنا بفك الجبس؟!
كانت تطبق أسنانها بقوة لدرجة أن آلمها فكيها، وتتجنب النظر لعينيه، وتركز نظراتها على لبسه وما تفعله. فقال بانفعال عاطفي: "يا نجاة ردي عليا، أنا مبطلتش أعتذرلك من يومها، مع إن أنا اللي زعلان جدًا من اللي عملتيه، وكنت مستنيكي تصالحيني." قالت وهي تتجنب النظر لوجهه: "وأنا قلتلك خلاص حصل خير، ومش هتكلم تاني مع أخوك أو مامتك أو أي حد في أي حاجة تخصك." صاح بغيظ: "بلاش حصل خير دي مبحبهاش، بحسك بتراضيني وخلاص."
قالت تتعجله: "طيب طيب، روح دلوقتي لمعاد الدكتور عشان متتأخرش." قال: "تعالي معايا، مش هنزل من غيرك." تنهدت وجلست على الكرسي لتتمالك نفسها: "المرة دي أخوك هو اللي لازم يروح معاك، هتبقى فرصة كويسة إنك تصفي معاه كل المواقف اللي بينكم، وتحسسه إنه أخوك الكبير اللي متقدرش تستغنى عنه، صدقني هيفرق جدًا معاه." غصب نفسه على الخروج بدونها، وذهب مع أخيه للطبيب. أخيرًا تحرر من الجبس وعاد للحركة.
طوال طريق العودة لم يكف لسانه عن الثرثرة مع أخيه الذي كان يسمع ولا يجد فرصة للرد: "عارف يا حسن، أنا حاسس إني طاير. الفترة اللي فاتت دي كانت صعبة جدًا عليا، كنت مسجون فعلًا، والنهاردة يوم الإفراج، لولا نجاة كانت معايا مش عارف كنت هستحمل إزاي الفترة اللي فاتت، أنا مش عارف أعمل معاها إيه، عاوز أخليها سعيدة أوي." التفت لأخيه وسأله ولم ينتظر رده: "أجيب لها إيه؟ أعمل معاها إيه؟ أشتريلها دهب؟ سلسلة ولا خاتم؟
على فكرة يا حسن، أنا موافق أشتغل معاك في المصنع، وهنزل من بكرة، خلاص أنا بقيت رب أسرة وعندي زوجة ولازم أصرف عليها من شغلي، وبكرة أجيب عيال أحلى من عيالك." "بكرة؟ أنا وعدتها إني هاجر لانش وأتفسح معاها في النيل، وممكن نطلع يومين في شقتنا في الساحل نلحق آخر الصيف، أو نخليها شهر عسل، أيوه صح، المفروض نعمل شهر عسل أعوضها فيه عن كل اللي شافته معايا."
كان يتحدث بلا توقف وعقله يعمل بكل طاقته يتخيل عندما يعود للبيت كيف ستستقبله نجاة، الآن فقط يستطيع أن يلمسها، يحضنها، يقبلها، يحملها بين ذراعيه ويدور بها كالفيلم، لم يعد يحول بينه وبينها شيء. كان حسن يستمع له وعقله في وادي آخر، بداخله سؤال يلح عليه، هل سيلحق حسين وينقذ ما يمكن إنقاذه أم أن الأوان قد فات وخسرها بالفعل.
استمر حسين في الحديث بلا انقطاع ورأس حسن يرسم الخطط والسيناريوهات لما يمكن أن يفعله مع أخيه الذي ستنهار آماله بأسرع مما يتخيل، فزوجة أخيه من النوع الذي إذا عقد العزم على شيء فما من شيء على الأرض يمكن أن يقف أمام قرارها. أنزلت حقائبها ووضعتهم في السيارة الأجرة، كانت تلك هي المرة الثانية التي تفعلها، لكنها الأصعب، فمع كل خطوة تخطوها خارج البيت يتمزق جزء من روحها ويدمي قلبها.
وقفت لحظات تتطلع لفوق، لنافذة وشرفة الشقة التي عاشت فيها أيامًا وتركت فيها جزء منها، ثم ركبت التاكسي ورحلت، أصابتها الأزمة في السيارة فأخذت جرعة مضاعفة من الدواء لتتحمل الألم. نظرت فاطمة لأمها التي تراقب السيارة الأجرة وهي ترحل من خلف ستارة النافذة: "خلاص، مشيت ست الحسن، المركب اللي تودي." التفتت لها الأم والدموع في عينيها: "يا بت انت سودة كده ليه من جوة؟ هو إحنا شوفنا منها إلا كل خير."
قالت ساخرة: "يا شيخة، دي كانت بؤر فقر." تجاهلت كلماتها وبكت: "يا عيني عليك يا ابني، هيتصدم لما يعرف إنها مشيت." قالت ساخرة: "ما هو كمان بؤر فقر، أهو ده اللي مبيعيشلوش ست." أخيرًا عاد حسين للبيت وفتحت أمه باب الشقة لتستقبله، لكنه سلم عليها بعجلة وتركها وصعد السلم إلى شقته وهي تناديه من خلفه: "حسين، استنى، اسمعني."
دخل من بعده حسن فأخبرته بما كانت تريد أن تقوله لحسين، فصعد السلم خلف أخيه ولحق به في شقته، وهو يدور في كل الغرف يبحث عنها ويناديها. وبمجرد أن دخل حسن حتى أغلق الباب من الداخل بالمفتاح، وأخفى المفتاح وليس هناك أحد سواه في الشقة. نظر له حسين: "نجاة مش موجودة!!! راحت فين؟! قال بهدوء: "اقعد واسمعني." صاح: "اسمع إيه؟ أنت عارف حاجة ومش عاوز تقول." قال بأسف: "نجاة مشيت يا حسين." قال بعدم تصديق: "مين دي اللي مشيت؟
ده بيتها وأنا جوزها." اتجه لغرفة النوم ليبحث عنها مرة أخرى، لكنه رأى علبة حمراء قطيفة على السفرة، فوقف لحظة وفتحها وقال بغير تصديق: "دي الشبكة!! قلعت الشبكة!!! "ليه!!! عملت كده ليه؟ أخيرًا صدق أنها رحلت بالفعل، فأخذ يصرخ: "ليه؟ زعلت ليه؟ أنا غلطت في إيه؟ كان حسن يعلم جيدًا أنه في تلك اللحظة لا يراه ولا يسمعه، ومهما تكلم فحسين في حالة غير طبيعية ولن يصل له أي كلمة، فوقف صامتًا حتى يفرغ شحنة غضبه العارم ويهدأ. لكن
حسين اندفع نحو باب الشقة: "أنا هدور عليها، لازم ألاقيها." توترت أعصاب حسن بشدة وحال بينه وبين الباب، فدفعه حسين جانبًا: "سيبني أخرج." وجد الباب مغلق والمفتاح غير موجود فصرخ: "المفتاح؟ فين المفتاح؟ هات المفتاح يا حسن." صاح وقد وصلت أعصابه على حافة الاشتعال: "اقعد واهدا واسمعني." صرخ وهو يدفع أخاه: "مش عاوز أسمع هات المفتاح عاوز أخرج، متحبسنيش."
كان حسن يعلم جيدًا أن أخاه لو خرج الآن من البيت وهو على حالته تلك فسيفقده للأبد. أمسك به ودفعه إلى الأريكة وحسين يقاوم بعنف لدرجة أنه ضرب أخاه عدة مرات، لكن حسن استمر يدفعه ورك فوقه بركبته وهو يصرخ: "فوق، فوق من اللي انت فيه مش هسيبك تقتل نفسك وتقتلنا معاك، المرة اللي فاتت قمت من الموت بمعجزة، اللي حصل قبل كده مش هيتكرر طول ما أنا عايش."
فتح حسين عينيه ونظر في وجه أخيه ثم انفجر في بكاء عنيف واحتضنه أخوه بقوة وأخذ يربت على ظهره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!