في أحدى قرى الصعيد بمحافظة سوهاج، وبالتحديد في أحدى قصور أغنياء القرية، وفي إحدى الغرف الفارهة، يجلس على كرسيه بهيبة وشموخ، يرتدي عمامة ناصعة البياض وعباءته الغالية المصنوعة من أجود الأقمشة، ويرفع عكازه المهيب ويخفضه بسرعة في الأرض قائلاً بعصبية: "وأنا قولت لأ يعني لأ، في إيه في كلامي مفهمهوش يا ولية! صفية بخوف: "يا حسان أنا مقصدش، بس براحة على البنات أكده، مهيوافقوش." حسان:
"واه من ميتى وإحنا بناخد رأي النسوان يا ولية، اتجنيتي اياك ولا إيه." صفية: "أحب على إيدك يا حسان، بلاش دول أمانة في رقبتنا من يوم ما أخوك ومرته ماتوا وسابوهم قطط مغمضة." حسان: "وأنا قولتلك هرميهم في الشارع، أنا بقولك هجوزهم لولادي الرجالة، ولاد عمهم من لحمهم، عيحموهم ويصونو مالهم وعرضهم، ولا عوزاني أرمي مال أخويا في إيد حد غريب." صفية: "أنا يهمني راحة البنات، دول بناتي بردك يا حسان...
عشان خاطري، البنات ميعيشوا ولادنا، ومفيش ولية بتعرف تعيش مع راجل متعرفوش." حسان بعصبية: "الله لا يجعلهم يعيشوا، خليهم يموتوا ونرتاح من قرفهم، هي كلمة واحدة ملهاش تاني يا صفية، كتب كتابهم ودخلتهم الخميس الجاي، وبعدها يحلها ربنا." هم بالخروج ليوقفه صوت بكائها بنحيب: "عوضي عليك يا رب، الرحمة من عندك يا رب." حسان بدهشة:
"يا ولية دول هيتجوزوا ولادك الرجالة، اللي كل بنات البلد بتترمى تحت رجلهم، أنت اتجنيتي يا صفية ولا جرالي لمخك حاجة." صفية وهي ترمي نفسها تحت قدميه: "أبوس رجلك يا حسان، ارحمهم، مش أكده." ابتعد عنها حسان قليلاً وهمت بالوقوف. صفية:
"اسمعني زين، الله يخليك، ولادك طبعهم صعب، مهيتقوش ربنا فيهم، وأول ما ياخدوا مالهم، عيرموهم عاد، وأنت خابر أنا ربيت البنات كأنهم أخوات، مرام بنتي ولا يوم بعمري فرجت بيناتهم، ويعز عليا إنهم يعيشوا في مرار مع ولادي، وأنت عارف إن ولادك كيفك تمام، عاوزين فلوسهم وورثهم من أبوهم." حسان بلهجة محذرة: "صفية...
زمان اتحملت زنك كتير لحد ما كبرتهم وعلمتهم ودخلتهم أكبر كليات، وبقت الكبيرة دكتورة وهتتخرج، والتانية محاسبة وآخر سنة ليها، والأ متتسمي الصغيرة كلها كام سنة وتخلص كليتها هي كمان وتبقى مهندسة، وأكدة أنا عداني العيب، لكن أكتر من أكدة متحلميش، كفاية إن العلم في البندر فتح مخهم ووعاهم، وأياكي تتحدتي معايا تاني، وإلا قسماً عظماً لهيكون حسابي معاكي عسير، أما دلوك تطلعي للبنات تفهميهم إن فرحهم الخميس الجاي على ولاد عمهم وتخليهم يجهزوا نفسهم."
ألقى كلماته وأمسك عكازه وطرف عباءته الفاخرة وخرج من باب الغرفة بعصبية مطلقة، أما صفية فارتمت على أقرب كرسي وانفجرت في البكاء. صفية: "يا مرك يا صفية... عيني عليكوا يا بنات منال، يا حبايبي، لو كان أبوكم عايش مكانش حالكو بقى أكدة."
في إحدى طرقات القصر الفارهة، كانت تمشي ورد، أكبر بنات المرحوم طايع المنشاوي. هي فتاة طويلة القامة ذات جسم ممشوق، ووجهها ناصع البياض، وعيناها شديدة السواد، وملامحها ناعمة كقطعة السكر، وشعرها الطويل الحريري القاتم السواد. حينما استوقفها ابن عمها الأكبر سليم حسان المنشاوي: "القمر رايح على فين لوحده؟ ورد: "ماليكش صالح، يا سليم، بعد عن سكتي أحسنلك." سليم: "وإلا هتعملي إيه؟ ورد بغيظ: "هشكتيك لعمي." سليم:
"مفيش واحدة بتشتكي جوزها يا حبيبتي." ورد: "نچوم السما أجرب لك يا واد عمي." سليم: "كلها كام يوم يا ورد وتبقي مرتي، وأعمل فيكي ما بدالي." ورد بنفي: "مستحيل، ولو آخر راجل في الدنيا، عمري ما هتجوزك." سليم بتوعد: "ورب الكعبة لهتجوزك وتبقي بتاعتي يا ورد، وساعتها هحاسبك على عنادك ده." ورد: "بعد عن طريقي." سليم:
"بكرة تيجي تطلبي رضايا ومتنوليهوش وأصل، وهتبقي جارية تحت رجلي، وتنامي في سريري، وتطلبي الرحمة، ومهتلاقيهاش، كلها أيام... هانت يا ورد." تسلل الخوف لقلب ورد، ليتملكها إحساس بالرعب من سليم وكلامه. مجرد التفكير في أنها قد تصبح زوجته يصيبها بالرعب. همت ورد بالذهاب من أمامه وأكملت طريقها لغرفتها، وارتمت في أحضان سريرها وانفجرت في البكاء. لا تعلم لماذا تبكي، ولكنها تمنت وجود والدها لكي يحميها من عمها وبطشه.
أما في الغرفة المجاورة، فكانت غرفة دعاء، الأخت الوسطى لورد، وكانت تجلس معها مرام، ابنة عمها حسان. دعاء: "الله حلو جوي الفستان ده يا مرام، جبتيه ميتي؟ مرام: "لسه السبوع اللي فات يا دودو، بس والله اتلهيت إني أفرّجك، إيه رأيك هيبقى حلو عليا؟ دعاء: "جوي جوي، هتلبسيه فين ده؟ مرام بمرح: "هلبسه في فرحك انتي وفارس." دعاء بخجل: "بس يا مرام، أنتِ بتجولي إيه." مرام:
"مفكراني هبلة عاد، كل القصر عارفين إنكم بتحبوا بعض من وأنتم عيال صغيرة." دعاء: "قلتلك بس عيب الحديث ده." مرام: "امممم، فينك يا فارس تيجي تشوف عروسك الزينة وخدودها حمرة كيف الطماطم." دعاء: "كلمة زيادة وهطخك عيار يجيب أجلك." ضحكت الفتاتان واستمرتا في الضحك والمزاح سوياً.
أما في صالة القصر الكبيرة، كانت تجلس فتاة في أوائل العشرينات، تتابع بعينيها الزرقاوين مسلسلها المفضل في شاشة التلفاز الفارهة، وأمامها طبق من الفشار أعدته لها إحدى الخدم. وكانت مستمتعة، وترفع بكف يديها إحدى خصلات شعرها البني القصير من أمام عينيها، وتضحك على المسلسل. حينها قاطعها صوت رجولي. فراج: "بتضحكي على إيه عاد؟ آيه بتأفف: "وأنت مالك يا رخـم أنت."
دخل فراج ليشاركها مجلسها، ولكنه بدا عليه علامات الاندهاش عندما نظر إليها. فراج بحدة: "إيه اللي هببتيه ده يا ميلـه؟ آيه بصياح: "وأنت مالك، هببت ولا مهببتش، ملكش صالح بيا عاد." فراج: "أنتِ أكيد اتخبلتي في عقلك، إيه اللي نيلتيه في شعرك ده؟ إيه: "قصيته، حلو مش كده؟ فراج: "زفت على دماغك يا بعيدة، في بنت تقص شعرها أكدة؟ آيه: "موضة، أنت إيش فهمك أنت، وبعدين أنت ملكش كلمة عليا، متصرخش عليا تاني عاد." فراچ:
"من اهنه ورايح، محدش له كلمة عليكي غيري." آيه: "كنت اشتريتني ولا إيه؟ فراچ: "لا، هتجوزك وهتبقي مرتي." أيه: "هههههههه، عشم إبليس في الجنة يا حبيبي." فراچ: "والله حبيبي، طالعة منك بتنجط سكر." آيه: "يا عدوي، ولا تزعل نفسك، دي بجى بتنجط سم على دماغك، حلال عليك الفشار، سديت نفسي، داهية تسد نفسك." فراچ بغيظ: "والله لعيد تربيتك يا آيه، وأقص لسانك الطويل ده."
لم تعطيه آيه أدنى اهتمام، وهمت بالذهاب لغرفة ورد لتشاركها الحديث. وعندما وصلت أمام غرفة ورد، وقفت فترة بعد أن طرقت الباب. وبعدها فتحت لها ورد وسمحت لها بالدخول. آيه وهي تجلس على السرير: "مالك يا حبيبة قلبي، معيطة لما عيونك مورمين ليه؟ ورد: "مفيش يا قلب أختي، أنا بخير." آيه: "مخبية إيه يا ورد، قولي." ورد: "سليم جابلي النهاردة الصبح وقالي كلام ماسخ زي عوايده." آيه:
"وده يخليكي تعيطي يا ورد، مهو الرخم ده ع طول بيضايقك بكلامه، ولا عمل حاجة زعلتك؟ ورد: "لا، زي كل مرة، بس قالي إن الوقت قرب وهيتجوزني، ومش عارفة ليه بس حسيت حالي خفت من كلامه." آيه: "تبجي عبيطة لو عملتي للواد الأهبل ده حساب." ورد بمرح: "بجى راجل قد الحيطة، بيتهز لاسمه بلد بحالها، وتجولي عليه واد." آيه: "يا حبيبتي، ولا واحد في بلدك يخوفني، لسه متخلجش اللي آيه المنشاوي تخاف منه." ورد وهي تمط شفتيها: "ولا عمك حسان."
آيه بجرأة: "ولا حتى جدي غنيم، الله يرحمه." انفجرت ورد في الضحك هي وآيه، وقاطع ضحكهما صوت طرقات الباب. آيه: "ادخل ياللي بتخبط." دخلت الخادمة من الباب: "الغدا جاهز يا ورد هانم." آيه: "يا مخبلة، أنتِ مش شايفاني ولا إيه؟ الخادمة: "العفو منك يا آيه هانم، أنا جهزت لك عصير الفراولة اللي طلبتيه." آيه بمرح طفولي: "إذا كان كدة خلاص، عفوت عنك."
استأذنت الخادمة وهمت بالذهاب، وتبعتها ورد وآيه. وعندما جلسوا على سفرة الغداء، كانت كل العائلة مجتمعة، ما عدا فارس، ابن حسان الأوسط. حسان: "أمال فارس فين يا سليم؟ سليم: "كان بيمر على المخازن، وزمانه جاي." دقائق ودخل شاب طويل القامة، كثيف الشعر، برونزي البشرة، بعينين بلون القهوة، رياضي الجسم، يرتدي بنطلون جينز وسويت شيرت. وهم بتقبيل يد أمه وأبيه. سليم: "السلام عليكم يا أهل البيت." الكل:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." ذهب فارس لغسل يديه، واتجه ناحية المائدة، وهم بالجلوس في مكانه المقابل لمكان دعاء. فارس وهو ينظر ناحية دعاء: "اتوّحشتك جوي يا ما." صفية بوهن: "وأنت أكتر يا حبيبي." احمرت وجنتا دعاء، فهي تعلم أنها هي المقصودة. فارس: "مالك يا حبيبتي؟ بيكي حاجة؟ صفية: "لا يا حبيبي، أنا بخير." فارس: "لو تعبانة أجيب لك الحكيم نطمن عليكي." مرام: "وليه الحكيم، وورد حبيبتي موجودة." صفية:
"أنا بخير يا أولاد، يلا اتغدوا، وبعد الغدا يا بنات عاوزاكم في موضوع مهم." ورد: "لعله خير يا ماما." حسان: "كل خير يا ورد، اطمني." نظر سليم بمكر لورد، وانتبهت هي الأخرى، وتملكها إحساس الخوف. وبعد دقائق، أنهت طعامها واستأذنت، واتجهت لغرفتها، وتوضأت، وظلت تصلي وتدعو ربها أن ينجيها مما يخبـر به قلبها أنه سيحدث. أما في الأسفل، فكانت الخادمات يرفعن الطعام من على الطاولة، وأخريات يأتين بالفاكهة والمرطبات. آيه بأذعان:
"فين عصير الفراولة بتاعي؟ فراچ: "كل ده مش مكفيكي؟ آيه: "خليك في حالك يا بغل أنت." فراچ بغيظ: "بغل لما يرفصك يا بعيدة، احترمي حالك يا بت أنت، واعملي حساب إنك قاعدة في بيتي." انتفضت آيه من مكانها لتصيح: "أنا قاعدة في بيت أبويا، وعزة وماله، وأنت بتشتغل في أرضي وبترعى في ملكي أنا وإخواتي، ولو مزعلك قعدتي أنا وإخواتي، ادينا حقنا بما يرضي الله واقعد فيها لحالك." فراچ: "ملكيش عندينا حق، واخبطي راسك في الحيط." حسان
بصوت يزلزل جدران القصر: "انكتم منك ليها، والله عال، مبقاش ليا احترام ولا إيه." فراچ: "منتاش سامعها بتقول إيه يا بوي." آيه باندفاع: "أنا مغلطش، وبيني وبينك المحاكم يا واد عمي." حسان وهو يحاول سحب غضب آيه: "حقك عليا يا بنت الغالي، امسحيها فيا أنا."
آيه بدون اهتمام انسحبت من مجلسهم وتوجهت لغرفتها. أما حسان فأمر فراج بالتوجه لمكتبه فوراً ليحاسبه على ما قال، ونظر لصفية بمعنى أن تتجه لغرف البنات وتتحدث معهم فيما أبلغها إياه في الصباح. دخل حسان المكتب وخلفه فراچ. حسان بغضب: "معرفش تمسك لسانك يا بهيم أنت." فراچ: "حقك عليا يا بوي." حسان: "جك كسر حقك، أنت اتجننت عاد ولا ناسي إنها متعلمة وفاهمة، دي بتقول لك بينا المحاكم...
أنا مش هسمح لك تضيع اللي أنا بخطط له سنين طويلة." فراچ: "يا بوي، مكنا اتجوزناهم وهم صغيرين، لزمته إيه نستنى كل ده، وكمان علمتهم وبقوا فاهمين الدنيا دايرة كيف." حسان بنفاذ صبر:
"يا بهيم، آيه كلها كام شهر وتكمل 21 سنة وتخرج من تحت وصايتي، ويبقي من حقهم التلاتة إنهم يستلموا ورثهم اللي أبوهم كتبهولهم قبل ما يموت، وقبل كده مكنتش أقدر أجوزهم لكم، أخوالهم مكنوش هيسكتوا ولا هيسبوهم وأصل، أما دلوك هيبقوا خرجوا من وصايتي لجوزاهم، وأنتم بشطارتكم هتخليهم يتنازلوا لكم عن ورثهم اللي هو نص اللي بنملكه كله، يا أغبي خلقة ربنا." فراچ:
"أبااي بقى يا بوي، البت دي على قد ما جمالها بيطير العقل، بس لسانها متبري منها، ونفسي أقطعهولها." حسان: "لما تتجوزها ابقى اقطعولها على كيفك، إنما دلوك لااا." دَلفت صفية لغرفة ورد بهدوء، وانتظرتها حتى تنهي صلاتها. وعندما انتهت، قامت من مكانها واتجهت لصفية التي بدت عليها علامات الحزن. ورد بتوتر: "مالك يا ماما، معجبانيش من الصبح، فيكي إيه؟ صفية: "أنا بعت البت هنية الخدامة تنادي أخواتك، عاوزاكم كلكم في موضوع مهم."
بدأ قلب ورد ينبض بعنف، وأحست بكامل جسدها يرتجف من كلام صفية ومنظرها. وفاقـت من شرودها على دق الباب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!