الفصل 11 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
18
كلمة
3,586
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

ارتبك لرؤيتها أمامه حتى أنه نسي سبب حضوره. تباً لتلك الفتاة التي صارت تملك أفكاره وتستحوذ على عقله. ما كان ينقصه سوى رؤيتها اليوم أمامه. -كنت بدور عليك يا علي. -إزيك يا هدى؟ -أهلاً يا فارس. قالتها هدى وهي تنقل نظراتها بينه وبين شقيقتها التي يبدو عليها عدم المبالاة بوجودها. قترب أكثر حتى أصبح قريباً منها ليقول بخفوت دون أن ينظر إليها: -إزيك يا شمس؟ أجابته باقتضاب وهي تتجاوزه حتى وصلت إلى باب المحل: -أهلاً.

ظن أن هروبها من المكان بسبب وجوده. ليستدير يخبرها بأنزعاج: -شمس، أنا ماشي على طول، مفيش داعي تخرجِ. لتنظر له نظرة خاطفة صحبتها ابتسامة جانبية: -ومين قال إني ماشية عشان أنت جيت؟ بالعكس كويس أني شفتك. عاوزة أتكلم معاك في موضوع. هستناك بره على ما تخلص. رحلت تاركة الثلاثة ينظر أحدهم إلى الآخر بدهشة. ثم تبعها هو ليلتفت علي نحو هدى مستفهماً: -هو أي الموضوع الي شمس عاوزاه فارس عشانه؟ رفعت هدى كتفها بعدم معرفة وقالت بحيرة:

-مش عارفه. جاورته في سيارته الفارهة ذات الطراز الحديث ليلتفت نحوها: -تحبي نقعد في مكان معين؟ هزت رأسها رافضة: -لا ملوش داعي. الطريق من هنا للمستشفى طويل وكافي عشان نتكلم. أدار مفتاح سيارته منطلقاً نحو طريق المستشفى. تنهدت بهدوء تستعد للحديث، لكن رائحة عطره التي ملئت السيارة أشعرتها بالاختناق. رغم أنه كان عطراً هادئاً، لكنه كان كفيلاً لإثارة صخب الأفكار في رأسها. اختلست النظر نحوه

وفكرة واحدة تدور في رأسها: كيف ستقضي تلك السنتين برفقته؟ انتشلها من شرودها سؤاله: -أنا سامعك يا شمس، أي هو الموضوع اللي عاوزاني فيه؟ لتجيبه بقوة وثبات: -أنا عاوزة أسكن في بيت أبويا. قطب حاجبه متعجباً وهو يكرر حديثها موزعاً نظره بينها وبين الطريق: -في بيت أبوكي؟ ليه يا شمس؟ ما أنا عندي الجناح بتاعي في الفيلا، ودا جناح متكامل. -معلش، أنا هكون مستريحة في بيت أبويا. -بس يا شمس… قاطعته وهي تلتفت نحوه:

-لو سمحت خليني أحافظ على جزء من كرامتي. لم يعقب على كلامها، لكنها لمحت يده التي اعتصرت المقود حتى أبيضت مفاصله وكأنه يحاول السيطرة على انفعاله. -اعتبره أول طلب أطلبه منك. أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بقوة عله يخفف غضبه. هل زواجها منه أهان كرامتها لهذه الدرجة؟ كانت تنتظر إجابته. ليحاول استرداد هو بعضاً من كرامته هذه المرة ليقول:

-ماشي يا شمس، بس أنا متعلم على نظام في أوضة نومي، عشان كده المكان اللي أعيش فيه لازم يتضبط على مزاجي. -أه… طبعاً. أنا متفهمة يا فارس بيه أن بيتنا مش من مقام حضرتك، بس البيت دا فيه ذكرياتي. أنت ممكن تغير أوضة النوم، بس دي الحدود اللي أقدر أسمحلك التغيير فيها. شعر بسخريتها التي زادت من حنقه ليهتف بحده: -لاحظي إني بستحمل تلميحاتك واعديها بمزاجي، لكن يا ريت يكون حوارنا فيه احترام أكتر من كده.

رغم انزعاجها من كلماته، لكنها شعرت باستحسان من أسلوبه الهادئ معها: -وأنا ما قصدتش أضايقك، أنا بقول الحقيقة بس. -وأنا هحترم ذكرياتك، بس هبعت مهندسة ديكور وعمال يضبطوا الأوضة، ولو تحبي تبلغيهم طلباتك. -لا ملوش داعي، هما أكيد يعرفوا شغلهم. تعجب من ردها وبرودها، لكنه لم يعر لأمر اهتماماً ليستطرد: -لو فيه حاجة تانية عاوزة تطلبيها في المهر والشبكة أو مكان معين عاوزة تشتري منه؟

ابتسمت داخلها ابتسامة ساخرة. هل يظن أن نقوده ستغير الحقيقة؟ أنها غصبت على هذا الزواج. هل النقود سوف تعيد لها كرامتها التي خسرتها برضوخها لقرارهم؟ -مفيش داعي، أنا أصلاً مش عاوزة شبكة ولا مهر. قال لها يلومها: -ليه يا شمس؟ دا حقك؟ ضحكت مستهزئة وهي تنظر له: -أنا خسرت حقي من ساعة ما بقيت لعبة في إيد بدران. ليصحح لها بصوت غاضب: -قصدك من ساعة ما وافقتي على جوازنا. -أنا ما وافقتش أصلاً، أنا اتجبرت. تسارعت أنفاسه وازداد

غضبه حتى برزت عروقه نافرة: -على فكرة، أنا كمان اتجبرت على الجوازة دي، يعني الحال من بعضه يا دكتورة. توقفت سيارته فجأة لتصدر إطاراتها صريراً عنيفاً لاحتكاكها بالأرض ليرتد جسدها بقوة، ترتطم بظهر المقعد. -أتفضلي وصلنا. قالها دون أن ينظر إليها. التفتت تنظر له بسخط ولملمت أغراضها التي تبعثرت، ثم ترجلت صافعة الباب بشدة خلفها.

أسند ظهره على المقعد وأعاد رأسه إلى الخلف يتنهد بضيق من ماهو مقبل عليه. خرجت من سيارته تمثل الثبات لتدخل إلى المستشفى. سارت حتى وصلت إلى إحدى الممرات الشبه خالية، سندت يدها على الجدار تخرج أنفاسها الحبيسة بقهر. لتهرب من عينها دمعة، مسحتها بسرعة وهي تدعو الله أن تستطيع التحمل حتى النهاية. سارت حتى وصلت إحدى الغرف لتطرق الباب ثم دخلت لتجد نجوى تجلس تسجل بعض الملاحظات. لترفع رأسها تتطلع لها بدهشة وهي ترى

باقة الزهور التي تحملها: -كل سنة وأنتِ طيبة يا صاحبتي. اتسعت ابتسامة نجوى وهي تقف متجه نحوها بخطوات سريعة تحتضنها: -يا حبيبتي، دا أنا حتى نسيت. متشكره أوي يا مشمش. خرجت من أحضانها لتعطيها شمس الزهور وتداعبها قائلة: -أنا مجبتش تورته عشان أنتِ عاملة دايت، مش عاوزة أبوظ. وقلت ورد أحلى. رفعت الباقة تستنشق عطرها مسرورة، ثم تحتضنها وهي تتمايل بجسدها يميناً وشمالاً: -الله يجنن! أول مرة حد يجيب لي ورد. -الحمد لله إنها عجبتك.

قالتها شمس وهي تضع حقيبتها في مكانها المخصص وتخلع سترتها مرتدية مكانها المعطف الأبيض الخاص بها. ثم وقفت تعيد ترتيب حجابها وتثبته بالدبابيس. لتقترب منها نجوى مندهشة: -أي دا؟ هو أنتِ هتباتي في المستشفى النهارده كمان؟ أنتِ مش كنتِ هنا امبارح؟ -أيوه. ربتت على كتفها معاتبة إياها: -مش كفاية هروب؟ مافضلش كتير على الفرح، خلاص تقبلي الأمر الواقع.

أغمضت عينيها تطرد تلك الأفكار التي زادت سوء بعد لقائها به. واتجهت نحو المقعد ترمي بثقل جسدها المنهك عليه وعين نجوى تتبعها: -عقلي مش راضي يستوعب. -حاولي يا شمس، مدام رضيتي تدخلي اللعبة لازم تتحملي. -وهو أنا رضيت بمزاجي يا نجوى؟ ما أنتِ عارفة اللي فيها. وضعت الورد جانباً ثم سحبت الكرسي وجلست أمامها: -شمس، دي حياة وسنتين من عمرك، مش يوم وإلا يومين. ثم ربتت على قدمها تواسيها: -حاولي تتقبلي يا مشمش، وبعدين مين عارف؟

مش جايز يطلع فارس مش وحش زي ما أنتِ فاكرة. -فارس وصلني لغاية هنا. ارتفع حاجب نجوى تسألها بدهشة: -أي؟ وصلك للمستشفى؟ ليه؟ وقال إيه؟! لتخبرها شمس بما دار بينهما وطلبها الذي طلبته منه، ورد فعله: -ودا يا ستي كل اللي حصل. -بس تعرفي ردود فعله طبيعية. هو كمان راجل وعنده كرامة، وجايز هو كمان اتجبر. متنسيش جدو ممكن يكون الممول لتجارته، فأكيد مش عاوز يخسره. تنهدت بأستياء وقالت بحرقة ودموعها تسبق كلماتها:

-مش عارفة، حاسة إني تايهة وسط صحرا. لا أنا عارفة طريقي ولا قادرة أقود. تعبت يا نجوى… تعبت أوي… وخايفة أوي… احتضنتها نجوى بقوة وهي تقول: -ارمي حمولك على ربنا، محدش عارف الخير فين. *** وقفت على استحياء بجانبه ينتقي لها خاتم خطبتها: -شوفي دا يا ندى، أي رأيك؟ يدها المرتعشة أبت التحرك. حتى عاود سؤلها بعد أن أقلقه صمتها: -أي يا ندى، ما عجبكيش؟ لتجبر يدها على الارتفاع والتقاط الخاتم بارتباك. تنظر له برضى وتبتسم: -حلو.

بادلها الابتسامة ودنا منها أكثر يشير لها: -طب جربي، جايز ميطلعش مقاسك؟ ابتلعت ريقها بحرج. تلك المرة الأولى التي يكون بهذا القرب منها. أمسكت الخاتم ويدها تزداد ارتعاشاً. حتى وضعته في إصبعها وعينه تتابعها. أدارته حول إصبعها ورفعت يدها تنظر له: -حلو قوي.

رغم أنه كان يبتسم لها، لكنها كانت تشعر ببرودة ابتسامته إذا قارنتها بابتسامة علي العاشقة التي تردد صدى ضحكاته داخل المحل. لتلتفت ندى تراقب ذلك المشهد مستغلة انشغال طارق بكلامه مع صاحب المحل. لتلتقط عينها امتعاض وجهه والده علي، التي يرونها للمرة الأولى. أزعجتها نظرة الاشمئزاز التي تنظر بها لشقيقتها. -اخترتي أي يا حبيبتي؟ -أي رأيك دا يا علي؟ التقط منها علي الخاتم ينظر له بأنبهار: -الله يا حبيبتي، يجنن! حلو ورقيق زيك.

ابتسمت هدى ابتسامة خجلة بعد إطرائه، لكن ابتسامتها زالت عندما سمعت صوت والدته الممتعض: -بس موضة قديمة أوي. مش عارفة أي اللي عجبك بيه؟ لتمسك الخاتم تنظر له بتعالٍ وتقول: -مش حلو خالص، هشفلكم غيره. نحتت هدى جانباً بعد أن تقدمت والدته. لينظر علي لها بتوتر، ثم اتبعها بنظرات أسف وترجي. اقترب منها ووالدته تمد يدها لها بخاتم من اختيارها وتقول بحده: -شوفي دا أحلى. التقطت الخاتم منها باضطراب وعين صفاء تترقب ردة فعلها.

ليقف بجانبها وهمس: -لو ما عجبكيش نغيره؟ لترفع نظرها نحو صفاء وتجد عينها ترمقها بازدراء. علمت أنها ترفضها وأن زواجها من علي رغماً عنها. التفتت نحوه لتجده ينظر لها بتوتر. أعادت نظرها نحو الخاتم الذي لم يروق لها، تضعه بإصبعها مجبرة. تمنت أن لا يناسبها، لكنه كان مقاسها تمام. ليعود يهمس لها عندما شعر بعدم تقبلها له: -هدى، لو الخاتم معجبكيش نغيره؟ -علي، دا خاتم راقي، وإلا أنت عندك شك في اختياري؟

أنت عارف إن بالبس من أرقى وأحدث الماركات وعارفة إيه الجديد. صدح صوت صفاء بهذه العبارات وكأنها تتعمد الانتقاص منها: -أيوه يا ماما، عارف يا حبيبتي إنك شيك وقمر، بس كمان أنا عاوز أشوف رأي هدى. أرضاها مدحه وأغضبها طلبه رأي هدى في أن واحد، وما زاد عينه التي تتوقد حباً لها ويظهر جلياً في معاملته لها. لتحاول إحراجها: -أكيد هدى هيعجبها ذوقي، وإلا أي؟ لم تعلم بماذا تجيب، هل ترفضه أم تقبله؟

نظرت نحو علي الذي ابتسم لها ابتسامته التي تعشقها، وكأنه يخبرها أنه بجانبها. لكنها لا تريد أن تكون سبب في مشكلة مع والدته. لتقول مجبرة: -ماما معاها حق يا علي، واختيارها جميل. ابتسمت صفاء ابتسامة انتصار، وأبتسم علي لها ابتسامة امتنان. زاد موقفها حبها في قلبه وهو يراها تضغط على نفسها إرضاءً له ولوالدته. لكن هذا المشهد جعل ندى تشعر بالخوف، فيبدو أن شقيقتها ستعاني مع هذه السيدة. -ندى… سرحانة فين؟

كان هذا صوت طارق الذي كان يحرك يده أمامها بعد أن رأى شرودها. ثم نظر إلى ما كنت تنظر إليه ليجدها تحدق بزوجة عمه، ففهم ما تفكر فيه: -طنط صفاء بتحب علي أوي عشان ابنها الوحيد. التفتت إليه وقالت بسخط: -الظاهر إنها مش بس بتحبه وبتغير عليه كمان. -الصراحة أيوه، حتى من عمي ذات نفسه. نغزها قلبها وهي تبصر أول العقبات التي ستواجه شقيقتها التي ظنت أنها الأوفر حظاً بينهم. ***

عادت إلى المنزل في وقت متأخر كعادتها. لتجد ندى تنتظرها. وقفت عندما رأتها تدخل الشقة، لكن شمس تجاوزتها متجهة نحو غرفتها رغم نداء ندى المتكرر: -شمس… شمس استني، عاوزة أكلمك. أغلقت الباب بقوة، أدارت المفتاح تمنع قلبها من الضعف أمام ندائها وتوسلاتها: -حرام عليكي، كفاية كده. كان هذا صوت هدى التي قالت كلماتها معاتبة لها: -اسكتي أنتِ، ملكيش دعوة. لتهتف هدى بغضب وهي تعتدل في رقودها:

-لا يا شمس، ليا دعوة. أنتو الإتنين أخواتي، ومحبش أشوفكم زعلانين كده. نظرت لها نظرة خاطفة وعادت تخلع ملابسها بلامبالاة: -هدى، أنا تعبانة ودماغي مصدعة. نامي وإلا ردي على رسايل حبيب القلب وسيبيني بحالي. تنهدت هدى بيأس وقالت: -فارس شطب الأوضة وجاب الأثاث النهارده، وسابلك البوكس دة. تشير نحو صندوق وضع على سريرها. هاتعلم لماذا تشعر بضيق كلما ذكر اسمه؟

وتعجبت من السرعة التي أنجز فيها تلك الغرفة، فلم يمضي على طلبها سوى سبعة أيام. جلست على السرير وفتحت غطاء الصندوق ليتجهم وجهها وهي ترى فستان زفاف. أغلقت الصندوق بسرعة ووضعته على الأرض لتركله بقوة دافعة إياه بعيداً تحت السرير، وكأنها تحاول النسيان.

أزاحت الغطاء بعنف واستلقت على السرير، واضعة يدها تحت خدها الأيمن. لتستنشق فجأة عطره. ظنت أنها تتخيل. لترفع يدها تقربها من أنفها لتجد يدها تمتلئ بعطره. يبدو أن ذلك الصندوق اللعين قد غرق بعطره. لتنهض بسرعة وتاخذ زجاجة العطر خاصتها ترشها على يدها لتخفي آثار عطره البغيض من يدها. -أي يا بنتي؟ خنقتينا؟ قالتها هدى وهي تسعل وتضع يدها على أنفها متذمرة: -نامي يا هدى وأقصري الشر، أنا روحي في مناخيري.

-نامي أنتِ عشان أقدر أنا كمان أنام. عادت إلى سريرها تستلقي عليه مرة أخرى لتصلها همهمة هدى وصوت ضحكاتها الخافتة. تطلعت إليها لتجدهاتحدق في شاشة هاتفها والابتسامة تشق ثغرها. ابتسمت بعفوية وتمنت لها دوام السعادة. ليعتصرها قلبها رغماً عنها. كم تمنت أن تعيش هذه اللحظات، لحظات الحب الحلال وهي تنتظر مكالمة من خطيبها أو رسالة حب منه تنسيها الدنيا بأكملها. لتتنهد بحزن. يبدو أنها لن تعيش قصة الحب التي طالما حلمت بها.

شعرت فجأة باهتزاز هاتفها الموضوع بجانب السرير. مدت يدها تلتقطه لتجد رسالة من رقم مجهول. فتحت الرسالة لتتسع عينها وهي تقرأ محتواها: -دا عنوان المحل اللي اشتريت منه الفستان عشان لو المقاس مش مضبوط تقدري تغيريه. أنا متفق معاهم. الفستان باسم… مدام فارس الجوهري. استشاطت غضباً وهي ترى اسمه. لتصيح بغضب: -فارس جاب رقمي منين؟ -أنا اديته الرقم. قالتها هدى بعفوية متغافلة عن بركان الغضب الذي نشب داخل شقيقتها:

-لا يا هدى، كده كتير. لتنهض حاملة وسادتها وتندفع نحوها تضربها بها. لتفزعها فعلتها: -أه يامجنونة!! لتنهض هي الأخرى وتحمل وسادتها ترد لها الضربة حتى نشبت حرب وسائد بين الشقيقتين. تعالت معها ضحكاتهن التي كسرت سكون الليل. وكأنهن اقتنصن لحظات من الزمن عادت بهن لأيام الطفولة. وصل صوت تلك الضحكات إلى مسامع ندى التي كانت تذرف الدموع من جفاء شقيقته. لتمسح دموعها وتبتسم هي الأخرى مغمغمة: -سامحيني يا شمس. ***

كان يمسك هاتفه ينتظر أي رد منها بعد أن رأى الرسالة قد وصلت لها. مر وقت ولم يصله أي شيء. زفره أنفاسه بقوة وهو يعاود النظر إلى شاشة الهاتف. تباً لكبريائها وعنادها. ألم تكلف نفسها حتى بالشكر؟ ولم تعطي حتى رأيها بالفستان. ليته تغادر فكرة التي باتت تشغله ليلاً ونهاراً. ***

مرت الأيام ولم يبقى على موعد زفافهم سوى يوماً واحد. كانت جالسة شاردة الذهن عندما أخبرتها إحدى الممرضات أن الدكتور طارق يريد رؤيتها. وقفت أمامه في حيرة ترى ماذا يريد منها. أربكها تحديقه بها ثم سؤاله: -أي اللي جابك النهارده؟ أنتِ مش هنا من أربع أيام. ندى بتقول إنكِ مرجعتيش البيت من أربع أيام. لوت شفتيها بسخط وقالت مستنكرة: -هي لحقت تشتكيلك؟

-شمس، بلاش العند ده. ماعدش ينفع. أنتِ فرحك بكرة يعني النهارده حنتك المفروض أنتِ عروس. لتقول متهكمة: -ما أنت كمان عريس. أي اللي جابك؟ -عندي عملية. -وأنا كمان عندي شغل. امتعض وجهه يصرخ بحده: -شمس، كفاية. مفيش فايدة الهروب. -أنا مش بهرب. -لابتهربي من ندى وإلا من فارس؟ مش عارف. أشاحت عينيها عنه وقالت بغضب: -أنا مش بهرب. أنا مش قادرة أستوعب. شعر بألمها ليتنهد بفتور وقال بهدوء:

-شمس، لازم تستوعبي حياتك من بكرة هتتغير. وبعدين فارس مش وحش زي ما أنتِ فاكرة، وبكرة الأيام تثبتلك ده. لم يعجبها حديثه وقالت تنهي هذا النقاش العقيم: -يبقى خلي الأيام هي اللي تقنعني، جايز أقدر أستوعب. -صدقيني يا شمس، مش عشان فارس أخويا بس، هو محتاجك، محتاج إنسانة زيك في حياته. وأنتِ كمان محتاجاه. أغضبها حديثه لترد عليه بحنق: -أنا مش محتاجة حد. ياريتكم لو تسيبوني بحالي. زفر نفساً طويلاً وهز رأسه بقله حيلة:

-خلاص يا شمس، أنتِ بقيتو قدر بعض. -مع الأسف. عندك حق. قدري اللي اتفرض علي. نظر لها بضيق. فعنادها سيتعبها: -روحي يا شمس، خلاص أنتِ في إجازة لأسبوع قابل للتجديد. ابتسمت باستخفاف وتركته مغادرة غرفته. لينظر لإثرها ويضحك مردداً: -ربنا يعينك يا فارس. *** وفي اليوم التالي، جلست على سريرها. فقد رفضت الذهاب إلى مركز التجميل مع شقيقاتها. تنظر إلى الساعة. لماذا اليوم يمر الوقت مسرعاً؟

لم يتبقى سوى ساعات على موعد الحفل الذي أصر بدران على إقامته في أفخم قاعات الأفراح. ابتسمت ساخرة وهي تحاور نفسها: -أيوه يا بدران يا جوهري، لازم الشو يكمل على الآخر. نهضت من السرير ثم جثت على ركبتها تنظر تحت السرير. لتمد يدها تسحب ذلك الصندوق لتفتحه. تخرج الفستان لترفعه أمام نظرها. كان بسيطاً وأنيقاً في ذات الوقت: -والله وطلع عندك ذوق يا ابن الجوهري.

رمته بإهمال على السرير تخرج باقي محتوياته لتجده بكج متكامل يشمل الحذاء والحقيبة وحجاب واكسسواراته وزجاجة عطر من إحدى الماركات العالمية. فتحت الزجاجة ونثرت العطر في الهواء لتستنشق رذاذه. أعجبها عطره. لتنظر نحو الزجاجة باستحسان: -لا شاري ومكلف يا فارس بيه. أكيد مهو لازم العروسة تليق بجنابك. أخذت حماماً وأرتدت الفستان لتقف أمام المرآة تندب حظها. هل هذه اللحظة التي تتمناها كل فتاة؟

هذه اللحظة التي كانت يجب أن تكون أسعد لحظات حياتها. لكنها تشعر أنها أتعس لحظات حياتها. هذا الفستان الأبيض حلم كل فتاة. تراه اليوم كفناً لها ولأحلامها وطموحها. حركت يدها عليه تستشعر قماشه المزخرف لتشعر كأنه يخنقها. حتى اختنقت أنفاسها وسالت دموعها دون عناء. استدارت متجهة نحو صورة والدها تشكو له:

-النهار ده أنا عروسة يا حبيبي… بس أنت مش معايا. كان نفسي تكون معايا. يمكن كنت خففت عني… كان نفسي ماما تكون موجودة. نفسي أترمي بحضنها وأعيط. محتاجة حد يطبطب عليا يا بابا… حبيبتك تعبانة… كان نفسي أتجوز حد شبهك، حنين وطيب… كان نفسي يعوضني حنانك. ثم أختنق صوتها وهي تخرج كلماتها بقهر:

-كان نفسي أحب وأتحب… حتى دي استكتروها عليا. أول مرة أحس باليتم… من بعدك كنت دايماً بحسك معايا. ولكن غصب عني النهارده حاسة نفسي يتيمة من غيرك… كسروني يا بابا. رفعت صورته تقبلها عدة قبلات ومسحت عينها تقول بحسرة أرفقتها بابتسامة استهزاء: -اهو بدل القفص الذهبي هيكون سجن.

وضعت الصورة جانباً واتجهت للمرآة تلملم خصلات شعرها وتشبكها معاً وتزين وجهها بلمسات بسيطة من الزينة. كانت تلف حجابها لتتأوه بعد أن افزعها رنين هاتفها. فغرست الدبوس في إصبعها من دون قصد. ليمتعض وجهها. رفعت الهاتف بعنف واجابت ساخطة: -الو. لترتعش ويخفق قلبها باضطراب وهي تسمع صوته يقول: -أنا مستنيكي بره.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...