الفصل 12 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
16
كلمة
3,991
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

هل دنت ساعة نهايتها؟ ستُكبّل حريتها بقيود تشوش فكرها. هربت الكلمات فوق لسانها، ليكرر كلامه: -أنا واقف قدام الباب، لو جهزتي افتحي الباب. -باب إيه؟ سؤال طرحته ببلاهة، ليجيب متعجباً: -باب شقتكم يا شمس. تأقّدت أقدامها وتوترت خطواتها، لتقترب من الباب. فتحته ببطء، لتجده يقف أمامها بحلته السوداء.

رمش عينه، ليخفق قلبه وهو يراها بفستانها الأبيض. ورغم أنها وضعت لمسات مكياج بسيطة، إلا أنها جميلة تجذبه، كأنها تمتلك قوة سحرية. تفرّست عينه ملامحها، وطالعها من الأعلى إلى الأسفل، لينظر لها برضى وقال يشاكسها: -كويس، طلع مظبوط عليكِ. أغاظها بكلماته، لترسم العبوس على وجهها. تركته ودخلت، ليتعجب فعلتها، فدخل ورائها. عينه تتابعها وهي تذهب نحو إحدى الغرف، ثم خرجت تحمل باقة من الورد الطبيعي، كانت جميلة.

تجاوزته خارجة من الشقة دون أية كلمة، ليخرج خلفها. فتغلق الباب بقوة، وتهم في نزول الدرج. وقف بجانبها، ومد يده يحاول مساعدتها: -خليني أساعدك. دفعت يده وقالت بحدة: -ملوش داعي، أنا هقدر أنزل لوحدي. تأفف، يزفر أنفاسه بضيق وهو يسير خلفها. ورغم صعوبة نزولها، لكنها أبت تقبل مساعدته. فتحت باب السيارة ودخلت. وقبل أن تعترض، ساعدها بإدخال الفستان إلى السيارة، وأغلق الباب.

كانت تقبض على تلك الزهور، علّها تستطيع السيطرة على انفعالها، وهي تجده يخرج هاتفه من جيبه ويلتقط لنفسه صوراً عديدة. انتبه لحنقها، وقال وهو يلتفت نحوها: -معلش، عاوز أوثق اللحظة. عارفة؟ أول مرة أكون عريس. كانت تود لو تستطيع أن تلطمه، وتزل تلك الابتسامة السمجة على وجهه. استغل انشغالها وهي تعقد شريط الزهور الذي ارتخى، ليرفع هاتفه ويدير شاشة الكاميرا نحوها، ليلتقط صورة سيلفي له معها دون أن تعلم. زفرت أنفاسها بملل، وقالت:

-هو إحنا مش هنخلص من موال الصور؟ زيّنت وجهه ابتسامة كبيرة، ليميل نحوها، يغمض عينه ويستنشق عطرها: -كويس كمان إن البرفان عجبك. دعت الله أن يلهمها الصبر، قبل أن تخنقه. زفرت أنفاسها بضيق، لينتبه لغضبها. أدار سيارته منطلقاً، ثم قام بتشغيل إحدى الأغاني الشعبية الصاخبة، يدندن ويرقص معها، تحت نظرات الازدراء منها. ***

وفي مكان آخر، كانت هدى وندى يجلسون في مركز التجميل. أحدهما تشجع الأخرى وتأخذ رأيها في اختيار ألوان المكياج. كانت ندى تراقب هدى وخبيرة التجميل تضع لها اللمسات الأخيرة.

ليلوح طيف شقيقتها الأخرى أمامها، ليعتصرها قلبها. لقد ظلت وحيدة، رغم محاولات هدى لاقناعها، لكن دون جدوى. اخفضت عينها بحزن، لتنظر إلى ذلك الخاتم الذي زين إصبعها، لترحل بذكرياتها إلى ذلك اليوم الذي أهدتها فيه والدتها هذا الخاتم في يوم تخرجها، ولم يغادر إصبعها من ذلك الوقت. -هاتي إيدك يا ندى. لتنظر لِمَ تفعل بتعجب، فلقد وضعت في يدها خاتماً جميلاً. لترفع يدها تنظر له بانبهار: -إيه دا يا ماما؟

-دا الحاجة الوحيدة اللي ورثتها من والدتي يا ندى. -طب ليه بتدهولي؟ كنتِ خليتيه ليكي يا ماما. تمسكت ورد يدها بين كفيها، تحتضنها وتقول بحب: -كنت عايزة أدهولك يوم فرحك، بس النهاردة كمان يوم فرح. إنتِ تعبتي معايا يا ضنايا، ويا رب يقدرني وأقدر أجيبلكِ غيره يوم فرحك. غامت عينها بالدموع، وبدأت تسقط رويداً رويداً، وهي تعاتب والدتها: -النهاردة فرحي يا ماما، بس انتِ مش موجودة. لتمسح دموعها وترفع عينها تتطلع لهدى، وصورة

تلك الغائبة تطرق بالها: -خايفة أكون ضيعت الأمانة يا ماما. نادتها هدى، لتجيب بأضطراب وتتظاهر بالسعادة: -شوفي كده يا ندى، حلو؟ -يجنن يا حبيبتي، قمر ما شاء الله عليكِ. نظرت لها ندى وكأنها تذكرت شيئاً: -انتِ سبتني باقة الورد لشمس وعرفتيها مكانها؟ -أيوة، متخافيش.

لتتذكر هدى تلك الزهور التي انتقتها بين اللون الأحمر والأبيض، وتعود بذكرياتها إلى ذلك اليوم الأول الذي عملت فيه في محل الزهور، وكم كانت سعيدة بوجودها بين الزهور وتنقلها بينها. لتجذب أنظارها تلك الزهور الحمراء التي تعشقها والدتها، لتأخذ واحدة حمراء عند عودتها إلى المنزل.

وما أن وصلت المنزل، حتى بحثت عنها وهي تخفي تلك الزهرة خلف ظهرها، لتجدها تقف تعد الطعام لهم. وقفت خلفها تقبلها على وجنتها عدة قبلات، لتقهقه ورد ضاحكة بعد أن داعبتها قبلاتها، حتى هتفت وهي لا تزال تقبلها: -بس يا هدى، كفاية. -وحشتيني يا وردتي. لتستدير ورد وتنظر لها بابتسامة كبيرة، وتسألها بلهفة: -طمنيني، عملتي إيه؟ عجبك المكان؟ لتاخذ نفساً عميقاً وتغمض عينها، تخبرها بسرور:

-يجنن يا ماما، يجنن. كأني وسط جنينة ورد محل عم نعيم الكبير والمعروف. -ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي. -غمضي عينك. قطبت ورد حاجبها بتعجب، لكن هدى أصرت: -ماما، غمضي. لتخرج هدى الزهرة وتضعها أمامها. ما أن أغمضت ورد عينها، حتى قالت: -افتحي يا ماما. فتحت ورد عينها، ونظرت بأنفها لتلك الزهرة الحمراء، لتلتقطها وتستنشق عطرها وهي تردد: -الله يا هدى، حلوة أوي.

ثم سارت حتى جلست على كرسي قريب، وتشرد وهي لا تزال تغمض عينها وتستنشق عطر تلك الزهرة. سحبت هدى كرسياً وجلست أمامها: -ماما، روحت فين يا حبيبتي؟ نظرت لها، وقالت بابتسامة يشوبها الحزن وصوت ملئه الشوق: -آخر مرة حسين جابلي ورد، وكانت وردة حمرا ووردة بيضا. قالي: عارف إنك بتحبي الورد الأحمر، بس أنا بحب الأبيض، عشان كده جبتلك واحدة على ذوقي ووحدة على ذوقك.

عادت من ذكرياتها بعيون دامعة وشوق لوالدتها، التي تمنت أن تكون معها اليوم. لترفع رأسها تنظر إلى المرأة، فتواجه عينها عين ندى، التي تقف خلفها. مشاعر مختلطة عصفت بهم، أهو الخوف من حياتهم المجهولة، أو التيه الذي لا يعلمون له نهاية؟ ليسمعوا عاملة المركز تخبرهم أن عرسانهم يقفون في الخارج. خرجن في من الغرفة الخاصة إلى صالة الانتظار، كي يدخل العرسان من أجل تصوير النظرة الأولى (فيرست لوك)

، هكذا أخبرتهم المصورة التي استأجرت لتصوير الحفل. كان علي يقف في الخارج، يتملكه الشوق ليراها. لم يصدق أنها أصبحت من نصيبه، وليس سوى وقت قليل وتُكتب على اسمه. حلم كان مستحيلاً وأصبح حقيقة. التفت نحو طارق، الذي كان يقف يرسم فرحته ويبتسم. ابتسامة كأنها واجب عليه. هناك صراع داخله، ما بين قلب بدأ يميل لها، وعقل لم تكن ضمن حساباته.

دخل علي في البداية، ليجدها تقف أمامه كأميرة من أميرات القصص والروايات، وكأن العالم قد اختفى من حولهم، ولم يبقَ سواهما. اقترب منها ينظر لها بعيون توقدت بالحب، لتبتسم وهي ترى نظراته نحوها، وتتسع تلك الابتسامة عندما سمعته يقول: -بسم الله ما شاء الله، زي القمر يا حبيبتي. -متشكرة، أنت كمان حلو يا حبيبي. -ألف مبروك يا علي. كان هذا صوت ندى، الذي أخرجه من غيبات عالمه الرومانسي. ليتحمحم بحرج:

-احم… متشكر يا ندى. مبروك ليك كمان.

خرج علي وهدى. ليُكون دور طارق عندما أشارت له المصورة بالدخول. أخذ نفساً عميقاً، ثم زفره بقوة، يستعد لتلك الحياة الجديدة التي سيخطو الآن خطواتها الأولى. ليطالعها بانبهار، فوجهها الطفولي زاد جمالاً، وتوجته حشمتها، لتصبح عروساً رائعة، وكأن رؤيتها أذابت جليد ذلك القابع بين أضلعه، ليخفق يأمره بالاقتراب. ابتسم لها، لتبادليه بابتسامة خجولة، تورّدت معها وجنتاها. ضحك، يشعر أنها لا تزال فتاة صغيرة، وليست تلك الفتاة الناضجة التي حملت عبء عائلة بأكملها.

-مبروك يا ندى. -متشكرة. *** كانت تجلس، ويجلس هو بجانبها في انتظار عقد قرانهم. لكنها لم تكن ترى سوى نظرات بدران لها، بعد أن أخبرها أنه سيكون وكيلها. اعتصرت باقة الزهور التي بيدها، تخفي انفعالها، وقدمها تهتز من شدة غضبها. حتى وصل اهتزازها إلى جسده الملاصق لها، ليميل نحوها يهمس لها: -اهدي يا شمس. لتلتفت نحوه بغضب، وأنفاسها المتسارعة تكاد تحرقه لو أطلقتها. التزمت الصمت بعد أن نكزتها هدى الجالسة بجانبها.

عقد قرانهم، الواحدة تلو الأخرى. اقترب منها حسن، وعينه تهرب من مواجهة عينها. يعلم ما تشعر به. يسلمها تلك الورقة: -أمضي يا بنتي.

أمسكت القلم بيد مرتعشة. ستوقع على وثيقة سجنها. ودت لو تستطيع الهروب، نعم تهرب، فما عاد قلبها يتحمل أكثر. توسلت مدامعها ألا تفضح ضعفها أمامهم، وأن لا تشي عيونها بكسرتها. دارت عينها لتواجه عين ندى، التي هربت بعد أن أشاحت بعينها بعيداً، ثم نقلت عينها نحو بدران، الذي زين وجهه ابتسامة غريبة. ثم التفتت نحو فارس، الذي لا تزال تلك الابتسامة السمجة تزين وجهه. ليكرر حسن كلامه دون أن ينظر إليها: -أمضي يا بنتي.

ابتلعت ريقها، وأجبرت يدها على أن تخط نهاية حريتها. وما أن نطق المأذون كلماته الشهيرة: "بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما بالخير"، حتى شعرت بأنها تختنق. لقد نَفَذ الهواء من حولها، وتمنت الموت في تلك اللحظة. شعرت بالضياع، وكان العالم من حولها أصبح أشبه بأمواج بحر عاتية تضربها من كل اتجاه، لتتيه وتغرق في دوامته. حتى أخرجها ملمس شفتيه على جبهتها، وصوته يقول: -ألف مبروك يا شمس.

نفرت مرتدة إلى الوراء خطوة، مبتعدة عنه، لتنظر له بوجه عابس دون أن تتفوه بكلمة. ليغمز لها ويقول مشاكساً: -إيه؟ مش هتقوليلي مبروك؟ زاد عبوسها أكثر، وأشاحت بنظرها عنه، قبل أن ترتكب جريمة وتخنقه. لكنها ابتسمت بتلقائية عندما رأت علي يحمل هدى ويدور بها وسط تصفيق الحضور. لكن عينها التقطت ندى، التي كانت عينها موجهة نحو والدة علي، التي انتبهت هي أيضاً إلى امتعاض وجهها، لتتنهد بحزن:

-مبروك يا حبيبتي. مش مصدق نفسي. بحبك يا هدى، بحبك. -علي، نزلني. الناس بيبصوا علينا. أنزلها، لكنه أخذها بين أحضانه: -مبروك يا روحي. -الله يبارك فيك يا حبيبي. -أنا فرحان، فرحان أوي يا هدى. ليشعر بعدها بيد تمسك كتفه وتجذبه، ليخرجها من أحضانه عنوة، فيجد والدته تقول بوجه محتقن: -مش كفاية كده؟ هنتاخر. وبعدين احسب حساب الناس اللي حواليك. تجهم وجهه وقال: -حاضر يا ماما. *** -مش هتباركيلي؟ مش كتبت كتابي وبقيت متجوز؟

صحيح مراتي سايباني وعينيها بتدور على أخواتها، بس أنا هكون عريس جدع وأقولها: أنا ألف مبروك يا ندى. ضحكت بخجل، وقالت: -الله يباركلك، متشكرة. اقترب منها يقبل جبينها، لتغلق عينيها تستشعر تلك اللحظة وهذا القرب منه: -مبروك علينا، ربنا يكتب لنا الخير يا رب. آمنت على دعائه وهي تبادله الابتسامة، ومد لها ذراعه لتتأبطه. تأبطت ذراعه وسارت بجانبه. ***

دخلوا قاعة زفافهم، دخولهم الواحدة تلو الأخرى إلى قاعة الزفاف برفقة عريسها، جعل الدموع ترقرق في عين حسن. فلو كان لليتم صورة، فسوف تتجسد صورتها في هذه اللحظة. فبنات شقيقه من دون أب يسلمهن لأزواجهن، ولا أحد. ساروا خلفهم بزغاريد والدعاء، وحيدين يسيرون. لم تكن الدموع من نصيب حسن فقط، فقد هربت الدموع من عين بدران، ليمسحها خلسة ويعود يرسم الجمود على وجهه. ***

جلس كل في مكانه، ليفتتحوا حفل الزفاف. وما هي إلا لحظات، حتى وجدوا منظمة الحفل تحضر لهم خواتم الزفاف ليرتدائها وسط أنغام الموسيقى. أمسك تلك العلبة المخملية، ليقف ويمسك الخاتم وينظر لها، رغم أنها وقفت معه، لكنها لم تمد له يدها. ليسحب يدها هو، وأمسك كف يدها الذي كان متحجراً، كأن يدها تعلن العصيان. معها، اختلس النظر نحوها، ليجد الجمود مرسوماً على وجهها.

لبسها الخاتم الذي لم تره أصلاً، وكان من اختياره هو. ورغم أن الخاتم كان حجمه كبيراً على إصبعها، لكنها كانت تشعر أنه يخنقها، ورغم أنه كان يحيط إصبعها، كانت تشعر أنه يمسك رقبتها ويحيطها كحبل المشنقة. -الخاتم مش مقاسك، نبقى نغيره بعدين. سحبت يدها من يده بسرعة، وجلست دون أن تنطق كلمة. جلس جانبه يزفر أنفاسه بتأفف، فلَقد أفقدته برودها صبره.

لم تكد تلتقط أنفاسها، حتى تمت دعوتهم لرقصة السلو. ليجدها فرصة للانتقام. جذب يدها، يسحبها إلى ساحة الرقص، وسط تصفيق الحضور. تسارعت أنفاسها، تود لو تنتهي هذه المهزلة بأسرع وقت. فطاقة تحملها بدأت تستنفذ.

أمسك خصرها بيده، ووضع يديها على صدره، وهي تتماشى معه، كأنها مغيبة. بدأ يتمايل مع نغمات الموسيقى، ويشعر بجسدها يتخشب بين يديه، وعينها تهرب من عينه. ضغط على خصرها ليجبرها على النظر إليه، لكنها امتنعت عن ذلك. فلم تكن لمساته سوى لهيب نار تحرق جسدها. هذا النفوذ كان يقابله اندماج في الجهة المقابلة. فعلي، الذي كان يراقص هدى ويغدق عليها بكلمات الحب التي تجعلها تبتسم بخجل: -تعرفي يا حبيبتي، أنا حاسس إني طاير في سما.

-هدى، أنا بحبك أوي. -بجد يا علي؟ -بجد يا روح علي. -وأنتِ يا هدى، فرحانة زيي؟ هزت رأسها باستحياء: -لا يا هدى، أنا نفسي أسمعها منك ياروح... رفعت نظرها نحوه بخجل، وقالت: -أنا بحبك. اتسعت ابتسامته، ورقص قلبه طرباً باعترافها. ***

وفي الطرف الثالث، كانت ترقص ندى معه بخجل. ويوم تمنته، ها هي تعيشه. لكنه ناقص. فرحتها مجروحة وغير مكتملة. فغياب والديها يؤلمها، ولكن غياب تلك الحاضر يؤلمها أكثر. كانت تختلس النظرات نحوها بين الحين والآخر، وتزداد ألماً. وهي تبصر الحزن في عينها. -هتسامحك، صدقيني. هي بس مجروحة دلوقتي، لكن أكيد هتسامحك. ومين عارف؟ يمكن تشكرك.

كان هذا صوت طارق، الذي مال نحوها يهمس لها بعد أن لاحظ شرودها ونظراتها التي تتبع شقيقتها. ابتسمت بحرج، وعينها تلتقي بعينه: -متشكرة يا طارق. -على إيه؟ -على إنك بتخفف عني وبتسندني. ثم لمعت عينها بدموع: -أكتر حاجة محتاجاها السند. حد أنام على كتفه وأرمي حملي عليه وأنا مطمنة. ليتفاجأ بها تسند رأسها على كتفه، وكأنها تخبره أنه سندها. ضمها إليه بعفوية، عله يستطيع منحها هذا الشعور، شعور بالأمان. ***

انتهت تلك الرقصة البغيضة، وعادت تجلس مكانها. فقد انتهى مشهد آخر من تلك المسرحية. لتشعر باهتزاز جسده وهو يكتم ضحكاته، وطارق ينظر له نظرة موبخة أن يتوقف. اتضحت لها الرؤية، عندما علمت أن سبب ضحكاته هو طلب زوجة عمه من منظمة الحفل أن ترقص مع ولدها، الذي كان سعيداً برقص والدته معه.

عادت هدى إلى مكانها وحيدة. هي لن تلوم والدة علي، فهذا ولدها، وأكيد أنها فرحة به. اخفضت عينها بحزن، فلو كان والدها على قيد الحياة، لتمنت أن ترقص معه في هذا اليوم. وما كادت تنهي جملتها، حتى وجدت يد تمتد لها: -تقبل عروستنا ترقص معايا؟

رفعت نظرها نحو مصدر الصوت، لتجد عمها حسن يقف أمامها مبتسماً. طالعت يده الممدودة نحوها، لتمتد يده ببطء وتمسك يده. سحبها معه إلى منتصف القاعة، وأخذ يرقص معها، لينظر له علي نظرة امتنان بعد أن لمحه. ابتسم على خجلها، فرغم أنه عمها، لكنه بالنسبة لها غريب عنها، فانقطاعهم عنهم سنين عديدة جعلهم غرباء. وبصوت امتزج بالندم قال: -سامحيني يا بنتي. رفعت عينها تحدق به وتترقب كلامه:

-أنا عارف إني قصرت معاكم وخذلتكم، زي ما خذلت أخويا قبلكوا. أيوه يا هدى، أنا خذلت حسين. كان لازم أقف معاه، كان لازم آخذ موقف من أبويا، بس أنا خفت. يمكن أكون جبان، خفت يحصلي اللي حصل. وحتى بعد ما مت، كنت خايف أقرب منكم. كنت أقف قدام بيتكم وأتمنى أقدر آخذكم بحضني وأقولكم: أنا آسف. بس معرفتش. سامحيني يا هدى. اتسعت عينها هدى وهي تسمع أسفه وندمه. لكن هل يفيد الندم بعد فوات الأوان؟

-علي طيب وحنين وبيحبك من زمان. اعترف ليا إنه بيحبك، لكن كان خايف. تورّدت وجنتاها من حديثه، ولم تجب عليه. -ربنا يسعدكم يا بنتي. -متشكرة يا عم. أطأ رأسه بحزن، بتوتر وقال: -خايف أقولك اعتبريني أبوكِ. عارف إنّي مستحقهاش. محدش يقدر ياخد مكان حسين، لكن اعتبريني عمك وسندك يا هدى، وأي حاجة تحتاجيها أنا موجود. ثم حاول أن يداعبها: -ولو الواد علي زعلك، انت بس قوليلي، وأنا أملصلك ودانه.

ابتسمت له، تستشعر صدق حديثه. يبدو أنه لا يشبه جدها. ***

تأملت سعادة شقيقاتها، ندى التي تبدو مندمجة في حديثها مع طارق، وهدى التي تسعدها لهفة علي وحبه لها. رغم وجود والدته التي كانت تقطع حديثهم بين الحين والآخر، إما لالتقاط الصور، أو الهمس غير المبرر مع ولده. تنهدت بقله حيلة، تنظر لفارس الذي تركها ليرقص مع أصحابه، وأمّت نفسها. لم تكن يوماً لتحسد شقيقاتها، لكن رغماً عنها، قلبها تمنى تلك اللحظة مع من تحب ويختاره. اخفضت عينها تتلمس الورد القابع بين يديها، ثم رفعته تستنشق عطره، وتتذكر حبيبتها الغائبة.

ثم ابتسمت ساخرة، تتذكر كيف أخبرتها أنها تتمنى زوجاً يشبه والدها، وتتمنى أن تعيش قصة حب عاصفة. لكنها اليوم أيقنت أن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. حتى لو قدر لها وانفصلت عن فارس، ستعيش مطلقة. لن يرحمها المجتمع، لا من نظراته ولا كلماته.

غامت عينها بالحزن، لتشعر فجأة بدوار خفيف. تذكرت أنها لم تتناول الطعام منذ البارحة، ولم تتقبل تناوله اليوم. لا تريد أن تأكل طعاماً دفع ثمنه بدران. دلّكت جبهتها عدة مرات، علّها تتخلص من هذا الدوار، وتوسلت الساعة أن تمضي، فقد اكتفت من كل ما يحدث.

كان مندمجاً بالرقص مع أصدقائه، عندما لمحها تدلك جبهاتها. ورغم أنها أغاظته بتجاهلها، لكن وجد نفسه يطلب من منظم البوفيه كأساً من العصير. أخذ العصير واتجه نحوها. مد لها يده بالعصير وقال مشيراً نحوه: -خدي، اشربي العصير. شكلك ما أكلتيش حاجة. نظرت إليه وإلى يده الممدودة، لتقول بحدة وهي تشيح عينها عنه: -مش عاوزة. جلس بجانبها، ومد يده يقرب العصير منها، وقال يستفزها:

-خدي، بلاش عناد. شكلك تعبان، ومتخافيش مش حاططلك سم. لما أحب أقتلك هستخدم طريقة تانية. اتسعت عينها والتفت نحوه بغضب: -وتقتلني إن شاء الله؟ ليميل نحوها يهمس جانب أذنها وهو يضغط على أسنانه: -عشان تبطلي عندك وبرودك. اشربي يا شمس، مش عاوز يحصلك حاجة وأتدبس فيك. اشربي بدل ما أشربوهلك أنا. التفتت نحوه بسرعة، وقبل أن تهتف كلماتها بسخط، عاد ذلك الدوار يداعبها. لتغمض عينها بقوة وتمسك جبهتها. ليقول لها بحدة:

-هتشربي، ولا أشربك أنا؟ وكاد أن يمد يده يسقيها، لكنها التقطت منه العصير، ترتشف منه وهي تشيح وجهها بعيداً عنه. أبتسم خلسة على عنادها، قبل أن تزول تلك الابتسامة عندما وجد والده يتقدم نحوهم، يقدم التهاني لطارق. تسارعت أنفاسها بكره وهي تجده يقترب منهم، وصورة الماضي تطرق عقلها وصوته البغيض يتهمها ووالدتها. وقف فارس يتلقى منه التبريكات، لتنتقل عينه نحوها، ويقول باستخفاف وكأنه يذكرها بخسارتها: -مبروك يا دكتورة. -شكراً.

قالتها مقتضبة، وشعور الكره يتضاعف داخلها نحو هذا الرجل. ليقول مستنكراً: -إيه؟ مش هتقومي تسلمي على عمك؟ ليفاجئها صوت فارس، الذي قال: -معلش يا بابا، أصل شمس رجليها بتوجعها. أنت عارف عروسة وفيه ضغط عليها. امتعض وجه محسن، قبل أن يرمقها بنظرة حقد ويرحل مبتعداً، لتنظر إلى فارس مستغربة، فقد كان يشوب الجفاء حديثه مع والده. *** انتهى ذلك العرس، وعادت إلى المنزل. معه، الآن يجب عليها أن تفعل ما عزمت على تنفيذه.

تسارعت أنفاسه، بدأ صدره يعلو ويهبط، أصبح معها في مكان واحد، وسقف واحد جمعهما. لكن لماذا قلبه يخفق هكذا؟ استدار ليغلق الباب كي يبدأ معها فصلاً جديداً من حياته، هكذا خُيّل له. صوت إغلاق الباب جعلها تنتفض وتخرج من شرودها. الآن عليها أن تلملم شتات روحها المبعثرة. يجب أن تصطنع القوة والثبات، رغم أن خلايا جسدها ترتعش. لكن هذه الساعة الفاصلة في هذه المعركة.

وإذا كانوا هم من فتحوا ستار المسرحية، ووضعوا شخوصها، واعتقدوا أنها ستكون إحدى الدمى فيها، فستنهي هي هذا الدور وتغلق ستار المسرح. ظن قبل أن يستدير نحوها أنه سيرى فتاة مرتبكة تخفض عينيها من شدة الخجل، لكنه تفاجأ عندما طالعها أنها تقف شامخة، عيناها تحملان حدة كأنها عين صقر يحدق في هدفه، قوتها وتحديها يرتسمان على قسمات وجهها. تقدم باتجاهها، لكن قبل أن يصل إليها، قالت: -خليك عندك يا فارس.

لكنه لم يُنصت، وكأن صوتها زاده تحدياً، وثبات قدمها جعله يزيد من تقدمه، ليقف أمامها مباشرة، وبنبرة ساخرة سألها: -مش عاوزاني أقرب؟ إزاي؟ إنتِ ناسيه إنّي جوزِك، والليلة دخلتنا؟ -مش ناسيه، لكن أنا عارفة إنك تاجر شاطر وبتحسب كل خطوة من خطواتك بالخسارة والمكسب.. عشان كده بقولك: كل ما تقرّب هتخسر. ضحك باستهزاء وسألها: -وهخسر إيه؟ لتصدمه كلماتها عندما قالت: -ورثي كله يا فارس. قطب حاجبيه وسألها مستفسراً: -يعني إيه؟

ملأت رئتيها بالهواء قبل أن تُطلق كلماتها أمامه دفعة واحدة: -أعقد معاك صفقة، أتنازل لك عن ورثي كله مقابل إن جوازنا يكون صوري. احتدت نظراته، وكأن كلماتها كانت البنزين الذي صُبّ فوق نار غضبه، يزيده تحدياً، ليمسك بذراعها ويجذبها نحوه حتى ارتطم جسدها بجسده، ينظر لها بتحدٍّ: -وإن رفضتِ؟ رغم أنه باغتها، أربكتها، لكنها استطاعت الحفاظ على قوتها المصطنعة، وتنظر له بذات التحدي: -يبقى أي حاجة هتحصل بينا هتكون غصب عني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...