الفصل 15 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
15
كلمة
4,572
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

ظل ما أخبره به علي يدور في رأسه، يكاد لا يصدق. تلك الفتاة القوية مريضة، ومرض نفسي، بل والأقسى أنها لا تعلم بذلك. "أي روحت فين يامعلم؟ " سؤال طرحه علي، جعله يفيق من دوامة تفكيره. "معاك ياعلي." "معايا فين؟ انت في دنيا تانية يابرو، هااا قلت أي؟ "في أي ياعلي؟ "في أنك تساعد شمس، أي مالك؟ هو أنا مش لسه كنت بحكيلك؟ والا انت عندك ذاكرة سمكة؟ تجهم وجهه ليقول ساخراً: "لا ذاكرة أسد ياابن الجوهري." "طب يا أسد، قلت أي؟

تنهد بضيق، يحك ذقنه ويفكر. "أي المطلوب مني ياعلي؟ تأفف علي بتذمر: "طب والله ذاكرة سمكة يابني، مش لسه قايلك تخرجها لما تجيها الأزمة." "أخرجها بمزاجي، انت مش عارف شمس.. دا أنا امبارح خرجت معها…" ابتلع باقي كلماته وهو يبصر عين علي التي تلمع بعبث، ليقترب منه ويقول وهو يبتسم ابتسامة ماكرة: "خرجت معاها فين؟ مثل اللامبالاة وقال: "مخرجتش، انت سمعت غلط." ليغمز له علي بخبث وقال مشاكسًا: "عليَّ ياابن محسن، انطق يلا خرجت فين؟

امتعض وجهه ليقول له: "يابني ماقلنا مخرجتش." "فارس، أنت بتحب شمس؟ اتسعت عينه بدهشة وقال بسخط: "أحب مين؟ أنا أحب شمس؟ ليه مجنون؟ تلاعب علي بحاجبيه يستفزه وقال: "متكذبش يابني، أنا عندي الدليل." قطب حاجبه يسأله مستفسرًا: "دليل أي؟ ليقول له بتحدي: "دليل اعترافك ياابن عم." رفع سبابته أمام وجهه وقال محذرًا: "علي، اتكلم عدل أحسنلك وبلاش تلعب معايا." "تدفع كام؟ "علي! " صاح بها بغضب.

ليخرج علي هاتفه ويقوم بتشغيل الفيديو الذي صوره له، ليرفع حاجبه متفاجئًا ويهجم على علي، يحاول خطف الهاتف منه وهو يردد: "اه يا مجنون، والله لأوريك." تحول سريره إلى ساحة معركة بينهما، وعلي يحاول أن يبعد الهاتف عن متناوله وهو يغرق في نوبة ضحك، وفارس يحاول أخذ الهاتف منه وهو يردد الشتائم، حتى استطاع تخليص الهاتف من يده. ثم جلس يلهث أنفاسه ويحذف ذلك الفيديو من هاتفه، وسط استمرار علي بأضحك حتى أدمعت عينه وأمسك بطنه، يقول

وهو يحاول التقاط أنفاسه: "اه يا جبان، ما تعترف أحسن." ليقول وهو يدعي الغضب: "أعترف بأي؟ دا أنا كنت مش واعي." ردد علي كلامه مستهزئًا: "مش واعي… طيب يا مش واعي. هسبقك على تحت، زمانهم عملوا الغدا وجدك جامع العيلة، متتأخرش." تحرك علي نحو الباب، فتحه ليخرج، لكنه عاد كأنما تذكر شيئًا. "صحيح، هي شمس فين؟ مجتش معاك لية؟ نظر إليه بتيه، وهل يعلم هو أين هي؟ لكنه أجابه: "شمس عندها نبطشية النهارده."

لوى علي شفته بحيرة: "يارب ماتتفهم غلط… خايف جدك يفهم أنها بتعند معاه." ليقول فارس بلا مبالاة وهو يتصفح هاتفه: "ماهي بتعند معاه، فكرك هترضى تجي هنا؟ لا وكمان تتغدى." رفع علي حاجبه ومط شفته يتخيل ردة فعله: "ربنا يستر… أسيبك يابرو." *** حول الطاولة تجمعوا الجد وأولاده وأحفاده. من يراهم يحسبهم عائلة متحابة يربطها الوئام، لكن الحقيقة كان هناك شروخ وتصدعات لن يمحها الزمن.

ندى التي كانت تجلس بجانب طارق، ورغم شعورها بالأمان بجانبه، لكن وجود بدران أمامها جعل الماضي يطرق باب الذكريات، ذكريات لن تستطيع أن تنساها مهما حاولت.

ومسامحة لن تمنحها. مها ادعت ذلك. حاولت أن تهرب من ذكرياتها بتناول الطعام، لكن حتى الطعام لم تستطع مضغه أو ابتلاعه. فضجيج تلك الذكريات أصبح يخنقها، وهي تتذكر إهانة صاحبة المحل لها على أتفه الأسباب، وتحملها لتلك الإهانة من أجل لقمة العيش، وتحرش زوجها بها الذي كان يعترضها كلما ابتعدت زوجته عنهم.

عادت الرعشة لجسدها، وكأنها تستحضر تلك اللحظة التي تمنت لو تستطيع أن تمحوها من ذاكرتها. حتى الأيام المنصرمة التي ذاقت فيها طعم السعادة معه تبددت بعد حالة البرود التي بدأت تتسلل إلى علاقتهم رويدًا رويدًا.

وليس بعيدًا منها كانت تجلس هدى وعلي، الذي كان يحاول ممازحتها بين الحين والآخر، لتبتسم هي ابتسامة باهتة وهي ترى عين والدته تتربص بهم، تشعر كأنها مراقبة. تنهدت بيأس وهي تتذكر ماحدث اليوم عندما كانت تجلس هي وعلي في غرفته القديمة يطلعها على بعض ذكرياته. "شوفي ياهدى، أهي دي صوري وأنا صغير." أمسكت ألبوم الصور تقلبه بشغف، وتبتسم بين الحين والآخر، وهو يجلس بجانبها يشرح لها ذكريات كل صورة. "بس كنت حلو أوي ياعلي."

ادعى الانزعاج وقال حانقًا: "تقصدي أي ياهانم إنّي دلوقت وحش؟ ضحكت على تغير ملامحه لتقرص وجنته وتضغط على أسنانها، تخرج كلماتها من بينها: "أنت قمر، أحلى راجل شفته في حياتي." ليضيق عينه ويسألها عن ممثلها المفضل الذي كان يغار منه: "يعني أحلى من توم كروز؟ لتشاكسه قائلة: "لا ياعلي، اللي بيكذب بيروح النار. توم كروز أحلى." ليجذب منها الألبوم بحنق ويتصنع الغضب: "خلاص، خلي توم ينفعك."

قهقهت ضاحكة وهي تجذبه منه: "هات ياقموص… بهزر معاك." "متهزريش تاني." وضعت الألبوم جانباً وضمته بقوة، سانده برأسها على صدره. "بتغير عليا؟ أحاطها بذراعه: "بغير عليك من الهوى الطاير، من الورد اللي بتلمسيه، بغير عليك من الدنيا كلها." أخرجها من أحضانه وقال وهو يمسك يدها يحثها على الوقوف: "تعالي."

وقفت وتبعته حتى وقفا أمام مكتبته، ليسحب كتاباً كبيراً بغلاف سميك، وضعه على طاولة الدراسة الخاصة به، وفتحه ليخرج منه زهرة يابسة وسط ترقب هدى. أمسكها بيده بحرص رغم تساقط وريقاتها الجافة بين الصفحات. "دي أول وردة اشتريتها منك." أعادها بذات الحرص وفتح صفحات أخرى لتظهر أخرى. "ودي بعد ما اعترفت لنفسي إني بحبك." ظل يقلب الصفحات وتظهر الأزهار واحدة تلو الأخرى، ومع كل زهرة كان يذكر لها ذكرى خاصة بها.

أغلق الكتاب والابتسامة تزين وجهه، أعاده لمكانه ليستدير نحوها، لتزول ابتسامته ويتجه نحوها بقلق، بعد أن رأى الدموع تنساب من عينها. أمسك وجهها بين يديه، يمسح دموعها بأبهامه ويسألها بخوف: "مالك ياهدى؟ بتعيطي ليه؟ لتقول من بين دموعها: "طلعت بتحبني من زمان أوي، أنا كمان حبيتك من أول نظرة، بس كنت فاكرة إنه حب من طرف واحد. بحبك ياعلي." احتضنها علي لتبادله العناق وهو يثلج قلبها بكلمات غزلها.

"وانا بموت فيك يا قلب علي وروح علي وعمر علي." كانت تضحك بخفة كلما زاد كلمة، حتى انتفضت مبتعدة عنه بفزع وهي تجد الباب يفتح فجأة وتدخل والدته محتقنة الوجه، ليرتبك علي وتخفض هي وجهها بحرج. "يلا هنتأخر على جدك." عادت من ذكرياتها على نداء علي. "أي ياهدى؟ مابتاكليش ليه؟ "بأكل اهو ياعلي." حمل بعض الطعام ووضعه في طبقها. ابتلعت ما في فمها بصعوبة عندما التقت عينها بعين حماتها المحتقنة، وكأنها لا ترى في المكان سواها.

أما فارس، فكان يقلب طعامه بذهن شارد وهو يفكر فيما قاله علي وما عليه فعله. التقطت عين بدران شروده ليسأله: "مراتك فين يافارس؟ سؤال طرحه بدران أربك الجميع وجعل أعين شقيقاتها وعلي تتجه نحو فارس بترقب. ولكن قبل أن يجيب فارس، قال طارق: "شمس عندها نبطشية النهارده." "وأنت عارف إنّي امرأتك عندها نبطشية؟ والا هي مدياك طناش؟ " قالها محسن بسخرية جعل وجهه يمتعض مع انزعاج شقيقاته من أسلوبه الساخر.

زفر فارس أنفاسه: "أكيد مراتي عارفة حقوقي عليها ومش بتخبي عني حاجة." ولأنه يعرف ما يزعج والده، أردف بما جعل هدى وندى ينظرون له بامتنان: "مراتي متربية وتعرف الأصول، مش بنت الجوهري." ابتسم بدران بخلسة عندما سمع جوابه الذي أزعج والده. ***

كانت تجلس في المستشفى، تطرق بأصابعها على المكتب وتفكر في تلك الكذبة التي باتت تحاول إقناعه بها منذ أكثر من شهر. لكنها وبعد تكرارها أكثر من مرة لن تصبح مقنعة، وستبطل الحجة بالتدريج. هو ليس بالغبّي، فتلك المدة التي كانت تتمشى بها معه وبعض الأحاديث التي تبادلوها سوية جعلتها تشعر أنه شديد الملاحظة والانتباه. إذن ماذا ستفعل كي تتقن خطتها؟ تحتاج لجعله هو من يطلب الخروج معها، أو حتى يتوقف عن الذهاب لأصحابه.

ظلت إصبعها تطرق على المكتب حتى توقف فجأة عندما وجدت الحل، لتبتسم بمكر. استغلت عودتها مبكراً من المستشفى لتقترب من غرفته كما تفعل في كل مرة. لكن هذه المرة لم تدعي الاختباء. بل طرقت الباب بهدوء. خرج يتوقع ما سيراه، لكنها صدمته عندما وجدها تقف هادئة، ليسألها بتوجس: "شمس، انت كويسة؟ أومأت برأسها وقالت: "ايوة." ثم تظاهرت بالخجل وقالت: "بس الجو جميل، لو ممكن تتمشى معايا؟ مقدرش أتمشى لوحدي."

يتعجب من أسلوبها الغريب، لكن الفضول في معرفة نيتها وسبب هذا الهدوء جعله يوافق. سار بجانبها، يخطف إليها النظر بين الحين والآخر. "تعرف إنّي كنت بتمشى أنا وبابا كتير في الجو ده." رغم ابتسامتها المرسومة، لكنه لمح لمعة الدموع بعينها. "كانوا هدى وندى بيغيروا مني عشان هو كان بيسمع كلامي دايمًا." ليجدها تتوقف وتمد يدها تفرق ما بين أصابعها في دعوة منها لكي يمسك يدها. ظل يحدق بها

وبيدها الممدودة لتوضح له: "هو كان بيمدلي إيده كده." مد يده يمسك يدها ويشابك أصابعها بأصابعه. لم تكن تشعر سوى أنه مجرد مريض يحتاج للعلاج. أما هو، فدفء يدها جعل قلبه يرتجف. سارو متشابكين الأيدي. "أهو إحنا كنا بنتمشى كده ونتناقش في مواضيع كتير." لتشرد قليلاً، انتبه هو لشرودها، لكنها أكملت وهي تخفض عينها: "بابا كان مش بس أبويا، كان أبويا وأخويا وحبيبي وصاحبي." توقفت لحظة والتفتت إليه. "فارس، هو إحنا ممكن نكون صحاب؟

أصابته الدهشة، هي ليست طبيعية بالمرة، هل تطلب صداقته؟ هل هي مصابة بالحمى وتهذي؟ باغته بسؤال قبل حتى أن يجيبها على طلبها: "أنت بتؤمن بالصداقة بين الراجل والمرأة؟ أصل أنا بصراحة مش بؤمن بيه." لكنه وجد نفسه يندمج معها في النقاش بتلقائية. "غريبة، مع إنك بتشتغلي في وسط مختلط." "لا يافارس، دي زمالة مش صداقة. دا زميلي زي بالظبط مكان عندي زملاء في الجامعة، وبعدين أنا بحط حدود في التعامل، الحدود عامل أساسي في أي علاقة."

"بس ألازم الطرف المقابل يحترم الحدود دي." "بالظبط كده، ولو مفهمش بذوق، أنا أعرفه بالعافية." ليتشاركا الضحك معاً، وهكذا استمرت النقاشات بينهم، حتى أنه اليوم لم يشعر بتعب من السير لمسافات طويلة. حتى وصلوا إلى أحد الشوارع ليشعر بتشنج يدها بين يديه وملامح وجهها تتغير، لتقول: "ممكن نغير الطريق ده؟ "مالك ياشمس؟ " ليجد عينها تنظر لنقطة معينة وتقول دون أن تنظر له: "بابا مات في الشارع ده." سحبها يبعدها عن المكان،

ليجدها تتحدث وكأنها تختنق: "إحنا مغيرناش بيتنا عشان كده، الشارع ده أنا بتجنبه عشان بتعب لما بشوف المكان." تنهد فارس وأراد أن يغير مجرى الحديث ليقول: "ربنا يرحمه." رددت خلفه: "ربنا يرحمه." ثم ساد الصمت بينهم، لكنها كسرته وهي تخبره: "لما بابا مات، صاحب البيت كان راجل مقتدر ومسافر بلد أوربي. تعرف قال لعم نعيم إيه عننا؟

قال خليهم في الشقة، أنا اعتبرتها صدقة جارية. تعرف يافارس، إن رغم الراجل كتر خيره كان بيعمل خير، بس الكلمة وجعتنا أوي." ثم ابتسمت ابتسامة مجروحة: "حتى كلمة يتيمة، أنا بكرها." التفت ينظر لها بدهشة: "مش بستعر والله، بالعكس، أنا فخورة إن أبويا مات عشان ينقذ روح تانية، بس أنا مكنتش بحب حد يقول انت يتيمة، حتى في المدرسة لما كانو بياخدوا أسماء التلاميذ الأيتام، كنت برفض أقول إني يتيمة." "بس ياشمس…"

قاطعته قائلة: "عارفة إن الناس بتعمل خير، بس الكلمة كانت بتحسسني إني ناقصة. لما كانو بيجمعوا حاجات عشان المدرسة أو يدوا هدايا، كنت بحس إني شحاتة… أنا عارفة إن تفكيري غلط، بس…" لتطلق كلماتها بحرقة جعلت دموعها التي تقاومها تسيل على وجنتها وهي تقول: "غصب عني، بس الكلمة كانت بتجرحني." وبعفوية، رفعت يدها التي تشابك يده وتمسح دموعها، لتلامس يده دموعها الدافئة، فيشعر أنها كجمر لامس قلبه يذيب كل الحواجز بينهما.

لا تعلم لما تحدثت بهذا الموضوع، ربما رؤيتها للشارع جعلها تفيض بتلك الذكريات رغماً عنها. غير هو مجرى الحديث لكي يخرجها من هذا الحزن، ليأخذها إلى موضوع نقاش آخر. *** بعد عدة أيام. أتى برفقة أصحابه بعد أن أصروا عليه بالحضور معهم، فلم يستطع إيجاد حجة لتملص منهم كما في الأيام السابقة. دخل ذلك المكان الذي كان يوماً بديلاً عن بيته وملاذاً ينسى فيه همومه، صخب الموسيقى وتلك الإضاءة المرتعشة، وكل ما امتلأ به المكان من محرمات.

دارت عينه حول المكان وكأنه اليوم غريب عنه. وما كاد يخطو حتى وجد فتاة بلبس فاضح تتقدم منه، تكلمه بغنج، واضعة يدها على كتفه بدلال. "فارس بيه، نورت المكان، وحشتنا أوي." أزاح يدها عن كتفه بأنزعاج وقال لها: "أهلاً يا بوسي." عادت تضع يدها على كتفه من جديد وتلامس يدها صدره بجرأة. "مكانك محفوظ ياباشا." ابتعد عنها بشمئزاز وقال بسخط: "عارف مكاني."

ثم تخطاها نحو المكان، ونظرات الغضب تملأها، يتبعه حازم الذي غمز لها. إشارة نحوه حتى اقترب منها وانحنى يهمس لها: "عاوزينه يرجع فارس بتاع زمان." ضغطت على أسنانها بضيق وقالت: "مش شايفه مش طايقني، إزاي؟ "نستحمله ياهبلة، مدام هنستفاد منه." تخطاها يجلس بجواره، ليهرول نحوه النادل مرحباً بحفاوة: "فارس بيه، المكان نور يا باشا." "متشكر يامنير." "تشرب أي ياباشا؟ يهتف حازم به موبخاً: "منير، هو أنت تايه عن مشروب الباشا؟

يحرك فارس يده نافياً وهو يسترخي بجلوسه: "لا ياحازم، أنا مش ناوي أشرب النهارده." نظر له حازم بتعجب وقال: "أي دا يابوس؟ تيجي هنا ومتشربش؟ دي عيبة بحقك. منير، هات مشروب الباشا." قالها مشيراً نحو منير بأطاعته أمره والمغادرة. عادت تلك السمجة تجلس بجانبه وتميل بجسدها نحوه بأغراء. "أي يافارس، شكلك زعلان مني؟ أبعدها مرة أخرى بقرف: "بوسي، أنا مش فايقلك النهارده، شوفيلك حد غيري."

قالها بحدة وهو يدفعها عنه. لتنهض بغضب وعينها تواجه عين حازم الذي أشار لها بالمغادرة. "ماشي يافارس." ثم تركته ساخطة، لينظر لأثرها بأمتعاض. "مالك يابوس؟ مش على بعضك؟ دعك جبينه وقال بأرهاق مصطنع: "أنا تعبان النهارده ياحازم، وغلطت لما سمعت كلامك وجيت هنا." "يعم غلطت أي، دي الشلة زمانها جاية وهنفرفش كلنا." ولم يكذب، وما هي إلا دقائق وتجمع عدد من أصدقائه.

وضع النادل أمامه كأس الخمر. أخفض عينه نحوه، ولاحت صورتها أمامه، يخشى أن يفقد السيطرة كما في المرة السابقة. رفع رأسه نحو أصدقائه وحديثهم التافه، وتذكر حديثها معه، ليبتسم بتلقائية. ضحكات رفاقه وصوت تلك الموسيقى، كل شيء اليوم يخنقنه، يود لو يهرب. رفع أصدقائه كؤوسهم بابتسامة، ليضرب أحدهم كأس الآخر. وجد أعينهم تحدق به، هل يرفع كأسه معهم؟ قربوا كؤوسهم من أفواههم… وارتعشت يده قبل أن تصل لفمه.

كان ينظر للكأس يقتربه من شفاهه، وكادت أن تلامس ما بداخله، ليشعر بأهتزاز هاتفه في جيبه. أخرج هاتفه من جيبه ليجد اسمها. فتح الاتصال بقلق. لينهض فجأة ويسقط كأسه من يده، وتتناثر أجزاؤه تحت قدمه، كما تناثر قلبه وهو يسمع استغاثتها. "فارس، أرجوك تعالي، أنا خايفة أوي." "جايلك حالا." أغلق الهاتف بسرعة ووضعه في جيبه وتحرك ليغادر. ليمسك حازم ذراعه. "على فين ياباشا؟ السهرة لسة في أولها." وبوجه محتقن،

التفت إليه: "عدني مشكلة ولازم أمشي." ثم تحرك إلى الأمام، ليفلت حازم يده وينظر لابتعاده وهو يضغط على شفته السفلية بغضب. "وبعدين معاك ياابن الجوهري." ينظر أحد أصدقائه: "أي ياحازم؟ مقدرتش تقنع فارس زي ما قلت؟ وشكلنا هنشيل السهرة." ليضغط على كأسه بقوة وعينه تتهوهج بغضب: "فلتت منها ابن الجوهري." تحرك نحو سيارته كالمجنون، قلبه يخفق بخوف، صوتها أقلقه. استقل سيارته وقادها بسرعة، يدعو الله أن يصل إليها بسلام.

أغلقت الهاتف تنظر إليه، لا تعلم لماذا اتصلت به هو؟ ربما طارق يحتاج ندى الآن، وهدى فلوقت متأخر، ولا تريد إثارة المشاكل لها بعد أن شكت لها سوء معاملة والده زوجها لها. أحاطت جسدها بالغطاء كأنها تحميه، وضمت قدمها نحو صدرها، تقضم أظافرها بخوف وجسدها يرتعش بهلع. أحاطت جسدها بذراعيها، تسند رأسها عليهما. ما مر قليلاً من الوقت لتشعر بباب الشقة يفتح ودخوله ينادي باسمها بذعر: "شمس… شمس، أنت فين؟ "فارس."

نادته بلهفة ليقوده صوتها على مكانها. صدمة منظرها، وجهها شاحب وجسدها يرتعش أمامه، تمد يدها نحوه وعينها تترجاه. "فارس." أتجه نحوها بسرعة يمسك يدها ويده تمسح على شعرها ثم ذراعها يتفقدها ويسألها بهلع: "مالك ياشمس؟ لتشهق وتجهش بالبكاء: "أنا خايفة أوي يافارس." عينه المتسعة باضطراب ووجهه الذي تملكه الذعر كان يترقب إجابتها. "خايفة من أي؟ "من عينها اللي بتترجاني يافارس، كل ما أغمض بشوف عينها." "عين مين ياشمس؟

"البنت اللي ماتت في العملية." "أنت اللي عملتي العملية؟ هزت رأسها بعنف رافضة: "لا، دكتور طارق هو اللي عملها، بس أنا كنت معاه وأنا اللي استلمت البنت من أمها." ثم انهارت بهستيريا وهي تظهر يده لها وتشير نحوها تخبره بكلمات متقطعة: "كانت… كانت فاكرة إني الدكتورة المساعدة… ثم بدأت تـشهق بشدة. "قالتي خلي… خلي بالك منها… أنا… أنا هستناهااا… كانت بتترجاني وفاكرة إني هنقذها." جلس بجانبها يمسح على رأسها محاولاً تهدئتها.

"اششش… اهدي، خذي نفس." نظرت إليه بنظرات ضائعة، ليحرك لها رأسه يحثها على فعل ذلك، لتحاول التقاط أنفاسها المختنقة بصعوبة. أخذت نفساً مضطرباً وزفرته بثقل. "كنت واقفة قريبة من دكتور التخدير، مكنتش عارفة إنها هتموت. آخر حاجة عينها جات في عيني كأنها بتترجاني يافارس." مسح دموعها وقال: "أهدي ياشمس، دا قدرها… ثم نهض مبتعداً عنها، ليسمعها تنادي بصوت مهزوز وعين متوسلة: "متسبنيش، أنا خايفة."

ذهب إلى المطبخ وعاد يحمل كأساً من الماء، اقترب منها ثم قرب الكأس من فمها يحاول أن يسقيها الماء. "أشربي يا شمس." وضعت يديها المرتعشة فوق يده وبدأت ترتشف القليل من الماء، لكن جسدها ازداد ارتعاشاً لتضم جسدها بذراعيها. وضع الكأس جانباً وسحب الكرسي القريب من طاولة المذاكرة، وضعه بجانب السرير ليجلس أمامها. ثم صمت ينظر لها وسألها: "هو حصل غلط في العملية؟ هزت رأسها يمناً ويساراً

وقالت بصوت منخفض وتائه: "لا، الحالة كانت حرجة ونسبة النجاح كانت ضعيفة، بس ماكانش فيه حل غير العملية." "طب يا شمس، كدة الغلط مش غلطك، والأحلى غلط طارق. دا قدرها وربنا كاتب لها تموت في العملية." التفتت نحوه وقالت: "أنا عاوزه أنام." علم أنها تريد الهروب بالنوم. نهض يساعدها على التمدد ليدثرها بالغطاء، وقبل أن يبتعد أمسكت يده برجاء. "متسبنيش، أنا خايفة." ربت على يدها ثم امسكها وجلس على الكرسي.

"متخافيش، أنا هفضل جنبك هنا، يلا غمضي عينك." أغمضت عينها وهي تشعر بيده تمسح على رأسها، كان يتأملها مشفقاً عليها، يعلم أنها مغيبة وفي حالة غير واعية. ليبتسم ويسأل نفسه: ماذا ستفعل لو استيقظت ووجدته بجانبه؟ رن هاتفه، أخرجه من تأملها ليجيب عليه. "الو، أيوه يا طارق." "شمس أزيها يافارس؟ "كانت منهارة بس هديت ونامت دلوقتي." "الحمد لله، هي عشان أول حالة موت تواجهها لمريض عادي، ردة الفعل هتكون كده. خلي بالك منها." "حاضر."

"مع السلامة." أغلق الهاتف واقترب منها أكثر، يزيح خصلات شعرها تلك التي خالطت دموعها، فلتصقت بوجهه. ليظل يحدق بها بعد أن نزعت قناع قوتها أمامه، حتى وإن كان دون إرادتها. "بتمثلي إنك قوية وأنتي ضعيفة، عايزة تدافعي عن نفسك وأنتي بتوهّمي الناس إن مفيش حاجة تأثر فيكِ."

مسح على وجهها الذي لا يزال رطباً من أثر تلك الدموع المالحة، ثم مسح عينها يزيل تلك الدموع التي علقت بين أهدابها. ولم يستطع منع نفسه من الانحناء حتى اختلطت أنفاسه بأنفاسها، ليقبل جبهتها. "ليه بقيت متعلق فيكِ كده؟ حسيت إن قلبي كان هيوقف وأنا بسمع صوتك وخوفك. وتنفضت وأنا شايف ضعفك قدامي… معقولة أكون حبيتك زي علي ما قال؟ والا أنا معجب بيك وعنادك ليا خلاني أتمنى قربك؟

شعر بارتجاف جسدها ليمسح على وجهها بحنان، وطرق باله ذكرى قديمة. عندما كان في الرابعة من عمره، عندما استيقظ فزعاً من نومه لرؤيته كابوس مزعج، لينهض راكضاً نحو غرفة والديه. قدمه الصغير كان يسرع خطاها نحو باب الغرفة الذي وقف أمامه ليرفع يده ثم قدميه ليستطيع إمساك المقبض وفتح الباب. دخل غرفة والديه اللذان كانا يغطان بنوم عميق، ليقترب من والدته يحاول إيقاظها. "ماما… ماما." فتحت عينها بنعاس لتعتدل بخوف وتسأله قلقة

وهي تمسح على وجنته بحنان: "مالك ياحبيبي؟ نظر لها بعين ملئتها الدموع: "شفت حلم وحش وخفت أوي، عايز أنام جنبك ياماما، أنا خايف." "امشي روح أوضتك، بلاش تبقى جبان، أنت راجل مش عيل صغير. خذي ابنك ودي الأوضة، عايز أنام، مش ناقص لعب عيال." كان هذا صوت والده المنزعج الذي لم يكلف نفسه حتى بالنظر إليه أو الاطمئنان عليه، بل كان يوبخه بعين مغلقة، وكأنه لا يعني له شيئاً.

نهضت والدته لتحمله بحب وتمسح على ظهره تهدئ من خوفه، ثم اتجهت نحو الغرفة ووضعته على السرير لتتـمد بجانبه وتـدثر بالغطاء، تمسح على وجهه ورأسه. "لسه خايف؟ هز رأسه بنعم وعينه تتحرك بأضطراب: "بص ياحبيبي، هعلمك حاجة. لما تكون خاف كدة، استعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأقرأ المعوذات." "يعني إيه المعوذات؟ "يعني سورة الإخلاص وسورة الفلق وسورة الناس."

ثم بدأت تمسح على رأسه وهي تتلو تلك الآيات. عاد من ذكرياته وحرك يده على وجهها ورأسها، لكن عندما أراد قراءة السور تلعثم، فهو لم يصل ولم يقرأ القرآن بعد وفاتها، ولم يحاسبه أحد بعدها على ذلك، حتى طارق الذي كان يأخذه مجبراً في بعض المرات إلى صلاة الجمعة لم يحاسبه يوماً على أداء الصلاة أو الالتزام به. تلعثمت الكلمات على لسانه وخجل من نفسه، لكنه استطاع قراءتها وهو يمسح على رأسها وذراعه. بسم الله الرحمن الرحيم

قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ (1) ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ (2) لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ (3) وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ (4) صدق الله العظيم. بسم الله الرحمن الرحيم قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ (4) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) صدق الله العظيم. بسم الله الرحمن الرحيم قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (1)

مَلِكِ ٱلنَّاسِ (2) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ (3) مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ (4) ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ (5) مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ (6) صدق الله العظيم. ليجد جسدها استكان وانتظمت أنفاسها، ليبتسم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...