خرج من باب الحمام يحمل منشفة يجفف خصلات شعره ليتجه نحو المرآة يقف أمامها يبدأ بتمشيط شعره ويحمل زجاجة العطر ينثر العطر على ملابسه ليلمحها تحمل الملابس المطوية وتحدق به ليبتسم ويقول مداعبًا لها: -معقول أكون وسيم للدرجة دي؟ لتجيب بعفوية: -قمر. أتسعت ابتسامته وغمز لها: -دا أنا كده بتعاكس. لتضحك بخجل تجيبه: -أيوه. أعاد زجاجة العطر مكانها وأستدار يشاكسها: -لا خلي بالك أنا متجوز ومراتي بتغير عليا. لت قهقه ضاحكة
وتغمز له ترد له مزاحه: -شكلك بتخاف منها. ليحرك لها يده نافيًا وهو يقترب منها: -تؤ تؤ مش بخاف منها. حتى وصل أمامها وأحاط خصرها بحب يهمس أمام وجهها: -بحبها وبموت فيها. توردت وجنتاها بخجل وقبل أن تهتف بأية كلمة سمع اهتزاز هاتفه لتتملص من بين يده وهي تقول: -علي تليفونك. -سيبيه يرن وخليني أقولك بحبها إزاي. ليعود لإحاطة خصرها مرة أخرى ليعاود رنين هاتفه. أزاحت يده بخجل وقالت مصرة: -علي التلفون احسن يكون فيه حاجة.
ابتعد عنها متذمرًا لتضحك على تذمره وهي تعيد الملابس إلى الخزانة. جلس على السرير يلتقط هاتفه بأنزعاج. لكن أصابته الدهشة وهو يرى اسم المتصل: -دي شمس! -أكيد بتطمن علينا بس متصلتش بيا ليه؟ أستدارت مقتربة لتجده ينهض بفزع بعد أن أجاب على الاتصال وهو يقول: -مالك ياشمس؟ -مالها شمس ياعلي؟ قالتها هدى بذعر وهي تقترب منه ليشير لها بيده ان تصمت وتنتظر وهو يستمع لكلام شمس: -الحقني ياعلي فارس مش طبيعي مش عارفة ماله.
فهم ماحدث له ليقول لها مطمئنًا: -أنا جاي حالًا ياشمس متخافيش. أغلق الهاتف وعين هدى تتوسله بقلق: -علي حصل أيه شمس جرالها حاجة؟ -ماتخافيش ياهدى. أقتربت منه تمسك بذراعه وتقول راجية: -خدني معاك يا علي. -يلا بسرعة مفيش وقت. قالها وهو يرتدي ملابسه ويبحث عن مفتاح سيارته ويتحرك بخطوات سريعة. -يلا ياهدى. قالها يحثها وهي ترتدي ملابسها كالمجنونة وتتبعه كالمغيبة. جاورته في السيارة تسأله بقلق:
-علي هو فارس فيه حاجة طمني اختي مالها؟ كان يبدو وكأنه يركز في طريقه لكن في الحقيقة كان باله مشغول في ابن عمه وما قد يفعله ويود ان يختصر الطريق كي يصل إليه قبل ان يتهور ويحصل ما لا يحمد عقباه. كررت سؤالها بترجي وصوت ملأه الخوف والقلق: -علي رد عليا مالها شمس؟ التفت اليها ثم عاد يحدق في طريقه: -مش وقت أسئلة دلوقت ياهدى خلينا نوصل وتعرفي كل حاجة.
وصلوا إلى المنزل وحمد الله ان هدى تمتلك نسخة من مفاتيح المنزل. فتح الباب ودخل مندفعاً ليجده يطرق الباب بقوة. ركض نحوه يسحبه وسط صدمة هدى التي صعقها المنظر. -تعالى هنا يامجنون بتعمل إي؟ -إي دا علي الجوهري. قالها فارس بلسان ثقيل تبعتها ضحكاته الغريبة. سحبه علي بقوة رغم اعتراضه واتجه به نحو الحمام يصرخ بهدى التي تجمدت في مكانها: -شوفي شمس يا هدى. أعادها صراخ علي من دهشتها لتركض نحو الغرفة تطرق الباب وتنادي باسمها:
-شمس افتحي أنا هدى ياشمس افتحي. نهضت بسرعة بعد ان كانت جالسة تضم ساقها نحو صدرها وتحتضن جسدها المرتعش بيديها. اتجت بخطوات سريعة نحو الباب تفتحه وترتمي منهارة بين أحضان هدى التي احتضنتها بقوة تشاركها البكاء. ثم سحبتها تجلسها على الأريكة وتضم جسدها تحرك يدها على ظهرها لتشعر بالامان وهي تردد: -متخافيش يا شمس. -متسبنيش يا هدى. قالتها شمس بشفاه مرتعشة وجسد لا زال ينتفض من الخوف تتشبث بجسد هدى كأنه طوق نجاتها.
-متخافيش ياحبيبتي أنا معاكِ اهو ومش هسيبك. *** أخذه علي نحو الحمام ووضع رأسه تحت صنبور الماء عله يفيق. يبدو انه قد شرب حد الثمالة. صاح به علي موبخًا: -عملت إي يامجنون كدة هتخليها تخاف منك ربنا يستر وتعدي الليلة على خير. فارس الذي بدأ يتقيأ يفرغ مافي معدته متكأ على الحوض بيده يسنده. علي الذي هتف بقرف: -الله يقرفك يا فارس كان يوم أسود يوم ما بقيت ابن عمي.
يتوقف عن القيئ ويغسل علي وجهه ساحباً إياه نحو غرفته أجلسه على السرير وفتح الخزانة يبحث عن منشفه يجفف شعره ثم خلع حذائه ورفع قدميه على السرير يساعده في الاستلقاء ويسحب الغطاء يحاول ان يدثره. ليمسك فارس يده ويتحدث بهذيان بما جعله يندهش: -قلبي بيرتعش ياعلي لما بشوفها. ليضحك بسخرية وبلا وعي و يقول ماجعل علي يشفق عليه: -وهي مش شيفاني. يدثره علي بالغطاء ليقول متهكماً: -وبعد الي عملته ياغبي ربنا يستر هتعمل إيه.
جلس علي بجانبه يربت على كتفه ويقول ساخرًا: -شكلك طبيت يا ابن محسن بس مش بسرعة يا فارس والا انت معجب من زمان ومخبي؟ ليردد فارس اسمها بهذيان: -شمس … شمس. دعك علي عنقه بأرهاق وتنهد بحيرة: -ودي هقنعها إزاي؟ ثم نظر لفارس وقال بغضب: -منك لله يافارس قلتلك ابعد عن الهباب الي بتطفحه ده. *** أشفق عليها حين وجدها تجلس متشبثة بأحضان هدى، كطفلة متشبثة بأحضان والدتها. جلس بالقرب منهم لينادي عليها وعينيه تلتقي بعينى هدى الباكية:
-شمس خلاص فارس نام. كانت كلمات علي كفيلة بأخراجها من أحضان هدى تمسح دموعها بيديها ويتحول خوفها لغضب تصرخ بهم: -يعني جدكم مكفاهوش انه يجوزني واحد فاشل لا وكمان مدمن. تمتم علي بغباء فارس في سره ونظر اليها يحاول تهدأتها: -اهدي يا شمس وصلي على النبي بص. ثم استرسل موضحًا لها عله يستميلها نحو الغفران:
-بصي يا شمس أنا مش هاقول فارس ما غلطش ومش بيغلط لا فارس غلط أكيد، بس صدقيني فارس مش وحش، بالعكس فارس أطيب إنسان ممكن تقابليه ويمكن عنده عقل يوزن بلد لكن فارس الظروف هو اللي خلته يوصل للحالة دي. -مفيش حاجة تبرر الإدمان. تفت بها بغضب وكأنها عادت لترسم قوتها المزعومة أمام الجميع. -عندك حق بس هو مش مدمن، فارس لسه موصلش لمرحلة الإدمان يعني نقدر نلحقها. أزداد احتقان وجهها وقالت له مستنكرة:
-إحنا هنضحك على بعض ياعلي ابن عمك امبارح كان فاقد عقله تعرف يعني إيه الكلام دا، يعني لولا إني لحقت نفسي كان الله أعلم حصل إيه تقدر تقولي هآمن على نفسي معاه إزاي؟ صمتت تأخذ أنفاسها وعينها معلقة عليه قبل ان تقول بحزم: -خليه يطلقني يا علي. شهقت هدى بصدمة تضع يدها على فمها ونظر لها علي بعدم استيعاب وعينه تتنقل بينها وبين هدى: -شمس يعني إيه تطلبي الطلاق وجوازكم مكملش شهر أنت واعية بتقولي إيه والناس هتقول إيه؟
-طز في الناس انت عاوزني أكمل حياتي مع واحد مدمن؟ تحركت يد هدى لتمسح على رأسها وذراعها بعد ان اصبح جسدها يرتعش من شدة الانفعال: -اهدي يا شمس وخلينا نفكر بالعقل. وضعت شمس رأسها بين يديها تردد بإنهيار: -عقل إيه يا هدى هو أنا بقى عندي عقل أنا خسرت كل حاجة، قلبي وعقلي وكرامتي، أنا عايشة ميتة ومحدش حاسس بيا. اعتصرت كلماتها قلب هدى التي ضمتها اليها وعينيها تلتقي بعينى علي الذي كان يشعر بالحزن لأجله.
ليرحل نحو المطبخ ويعود بكأس ماء بارد يمده نحو هدى ويشير لها ان تسقيها إياه. التقطت هدى منه الكأس. تقربه منها: -إشربي يا شمس إشربي ياحبيبتي واهدي. أخذت منها الماء بيد مرتعشة حتى تساقطت قطراتها على ملابسها ترتشف منه القليل وتعيده اليها لتسكب هدى القليل من الماء على كف يدها وتمسح بيه وجه شقيقتها علها تبرد من تلك النار التي تلهب جسدها ألماً وحسرة. اتجهت عيناها نحو علي متوسلة أن يساعدها أومأ لها برأسه:
-شمس فارس ماكنش كده هو أتعرف على شلة جرته للشرب والسهر لو قدرنا نمنعه عنهم ونخلصه منهم هيتغير يا شمس فارس محتاجالك. -وأنا مش مصلح اجتماعي. قالتها بصوت واهن يملئه الهدوء رغم ذلك الصخب بداخلها الذي يشعرها الكسرة. -ياشمس أرجوكِ اعتبريه حالة مرضية وأن دا واجبك الإنساني. قالها علي برجاء وعينه تترقبه. لكنها نهضت بجسدها المتعب تجر خطواتها بثقل وتخبره: -خليه يطلقني يا علي كفاية أنا استحملت كتير. حتى دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
نظرت هدى نحو علي وسألته بقلق: -هنعمل إيه دلوقت يا علي؟ نظر اليها وأمسك يدها يضمها بين يديه يربت عليها ويبتسم لها مطمئنًا: -متخافيش ياروحي هتتحل إن شاء الله. -طب أنا مش هقدر أسيبها لوحدها. نهض علي من مكانه وجلس بجانبها يضمها إليه ويقبل رأسها: -والا أنا هقدر أسيبكم خليكي جنبها وأنا هنام جنب فارس اللهي يعكنن عليه البعيد ضرب لنا الليلة. لتضحك هدى بخجل من بين أحضانه ليحيطها بكلتا يديه بقوة ويقول مشاكسًا لها:
-بتضحكي وهنا كمان عاوزاني أتهور يا هدى هلاقيها منك والا من أختك وجوزها أرحموني ياناس دا انا عريس. علت ضحكتها ليرفع يده يضعها على فمها يكتم ضحكاتها ويلتفت يمناً ويساراً: -هتفضحيني يا مجنونة. *** أستلقى بجانبه على السرير العريض والتفت يحدق به رغم أخطائه لكنه لازال يعتقد انه يستحق فرصة وتمنى لو تمنحه تلك العنيدة هذه الفرصة ربما يتغير. زاد حزنه عليه وهو يسمعه يردد اسمه من جديد: -شمس … شمس. لكن فجأه لمعت
عين علي بخبث وهو يبتسم: -ليه لا؟ ليلتقط هاتفه ويصوره وهو يردد اسمها بلا وعي، ضحك وهو يتخيل شكله لو رأى هذا الفيديو: -والله وجيه اليوم اللي هنتقدم فيه واضحك عليك يا ابن الجوهري. استيقظ يفتح أجفانه بثقل ويدعك جبهته يشعر بصداع يضرب جنبات رأسه. امسك مابين عينه يضغط عليها. ثم دعك عينه بقوة لينهض بفزع وهو يشعر بيده ترتطم بشيء لينظر بدهشة لعلي الغارق في النوم بجانبه. ليحرك جسده يحاول إيقاظه: -علي … علي … أصحى يا بني.
أزاح علي يده بأنزعاج: -سيبيني نايم ياهدى. أمتعض وجهه ليكرر ندائه: -علي … يابني فوق انت نايم هنا ليه وأيه اللي جابك. فتح علي إحدى عينيه ينظر له بعبوس ليدعك عينه وهو يردد معتدلاً في رقوده: -انت صحيت يا زفت؟ رفع حاجبه يسأله من جديد: -انت نايم هنا ليه؟ أحتقن وجه علي وهو يلكم كتفه ببغض: -وكمان بتسأل يا بارد طبعًا ماحضرتك مش عارف هببت إيه؟ عاد يدعك جبهته وعينه تتحرك يميناً ويساراً يحاول ان يتذكر ماحدث لتلتقي
عيناه بعينى علي يسأله: -هو أنا عملت إيه؟ لينظر له نظرة جانبية وقال يوبخه بنبرة حادة: -حضرتك راجع سكران طينة وهجمت على البنت… ليقاطعه يسأله بلهفة: -شمس جرالها حاجة أنا آذيتها؟ ليبتسم علي بسخرية ويقول متهكمًا: -ومدام انت خايف عليها كنت بتطفح السم الهاري اللي بتطفحه ليه؟ أمسك ذراعه يتوسله بقلق: -علي إتكلم يا اخي هي جرالها حاجة؟ ربت على كتفه باستهزاء:
-إطمّن ياخويا قدرت تحبس نفسها في الأوضة وأتصلت بيا عشان ألحقها منك وأحمد ربنا إني لحقتك. قبل ما تكسر الباب عليها. زاغت عينه بقلق يبدو أنه قد تمادى في شربه حد الثمالة حتى بات لا يعرف ماذا يصنع: -وريني دلوقت هتواجهها إزاي يا سبع البرومبة؟ أعاده سؤال علي نحو نقطة أخرى كيف سيواجهها لكنه ادعى الجمود وقال بقوة زائفة: -وأواجهها موجهاهوش ليه هخاف منها يعني؟ تنهد علي بقلة حيلة ونهض ثم قال له يحثه:
-طب يلا قوم خلينا نشوفهم بيعملوا إيه عاوز أمشي من هنا وأنا مطمن عليك أصل ربنا بلاني بأبن عم جلاب مصايب. ليشعر بالوسادة تضرب وجهه بعد أن قذفها فارس باتجاهه وهو يضحك مرددًا: -أمشي يله هو أنت تطول. حرك له علي حاجبيه وقال محاولًا أغاضته وهو يبتسم بسخرية: -طب قوم خليني أشوفك وأنت بتواجه شمس. نهض يتبعه متوجسًا.
خرج علي ليجد الاثنتان تجلسان في المطبخ ولكن يبدو أن شمس كانت تنتظر خروجه فما ان سمعت صوت الباب يفتح حتى اتجهتا نحوهم بخطى سريعة. أمسكت هدى ذراعها تعيق تقدمها نحوه وتحاول تهدئتها. وقفت أمامهم وصاحت بغضب وهي تحرك يدها: -كويس الباشا صحي واعي ولا لسة سكران. -إحترمي نفسك يا شمس. هتف بها فارس لتلوي شفتها بسخط: -أي وجعتك كلمة سكران أمال تسمي وضعك اللي كنت فيه امبارح إيه؟ -أنا كنت مع صحابي وشربت شوية مفهاش حاجة دي.
تمتم بها فارس وهو يبعد نظره عنها. -شربت شوية دا إدمان يا أستاذ. نظر اليها بغضب وصرخ: -شمس قلتلك إحترمي نفسك واختاري ألفاظك. وقف علي حائلاً بينه وبينها بعد ان تقدم فارس نحوها يرفع سبابته بوجهها: -أنا محترمك وبتكلم معاكِ بأدب. -يا سلام. قالتها مستهزئة قبل أن تربع يداها أمام صدرها وتقول: -قول له يطلقني يا علي. كلماتها حررت شياطين غضبه ليصرخ بصوت عالي: -قولها في أحلامها ياعلي أطلقها. -أستهدوا بالله يا جماعة.
قالها علي وهو لازال يقف بينهم محاولاً التهدئة. -علي خليه يطلقني أحسن ما أخلعه. -علي خليها تسكت أحسن أتصرف تصرف تاني. علي الذي كان يلتفت ما بينه وبينها حتى نفذ صبره ليصرخ بهم: -بس انتوا الاتنين كفاية عمالين تتخانقوا ولا عاملين اعتبار لينا احترموا نفسكم انتو الاتنين وبلاش الكلام الفارغ بتاع الطلاق يا دكتورة وانت يا أستاذ بطل كلامك المستفز خلاص طهقتوني. ثم أشار لهدى نحو الباب:
-يلا يا هدى خلينا نمشي الظاهر إنهم مابيعرفوش يتفاهموا خليهم يحلوا مشاكلهم مع بعض. ظلت هدى واقفة توزع نظرها بينه وبين شمس حتى أجفلها ندائه عندما وصل عند الباب: -يلا ياهدى. هرولت هدى نحوه تهمس له عندما اقتربت منه: -هنسيبهم كدا إزاي أحسن يتخانقوا. أحاط جسدها يدفعها نحو الخارج بعد ان فتح الباب: -سبيهم هما مش صغيرين هيقدروا يحلوا مشاكلهم.
خرجت هي وعاد هو ليغلق الباب لكن قبل ان يغلق الباب التقت عينه بفارس ليغمز له بابتسامه جعلت فارسيهدأ قليلًا ويبتسم وما أن اغلق علي الباب حتى تحركت شمس نحو غرفتها لكن وقبل أن تدخل وجدته يمسك ذراعها ويجذبها. التفتت لتنظر ليده التي تمسك ذراعها بأمتعاض ورفعت عينها نحوه وقبل ان تهتف بكلمة قال مبتسمًا: -آسف. أزاحت يده من ذراعها بعنف واستدارت تدخل غرفتها وتغلق الباب خلفها بقوة. مسح على خصلات شعره يجذبها وزفر أنفاسه بتأفف. ***
كانت تعد الطعام بسعادة فاليوم قررت أن تفاجئه بطهو الطعام الذي يحبه تستغل أيام أجازتها قبل ان تنتهي وتنتظر عودته من المستشفى. نظفت الشقة وعطرتها واتجهت تأخذ حماماً وترتدي فستانًا بيتيًا جميلًا وتتزين. وضعت الشموع المعطرة وزينت الطاولة بالزهور وجلست امام التلفاز تنتظره لتسمع هاتفها يرن معلنا وصول رسالة. ألتقطته لتجد رسالة من رقم مجهول كتب فيها: -ألف مبروك.
تعجبت منها لكن ليس من عادتها الإجابة على الأرقام المجهولة. لتتجاهل الرسالة وتضع الهاتف بجانبها. وعادت تندمج مع التلفاز تطالع أحد الأفلام القديمة وبعد قليل رن هاتفها من جديد. التقطته من جديد وارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهها حين رأت اسمه يزين شاشة هاتفها. تلاشت عندما فتحت الخط ووجدتة يقول جملة واحدة: -الو … ندى متستننيش على الغدا أنا هتأخر عندي عملية مستعجلة. -حاضر … ربنا يعينك.
أغلقت الهاتف تنظر لشاشته بخيبة أمل. كانت تحلم بلحظة وصوله لكن يبدو أن حلمها قد تبخر. لامت نفسها فهذا عمله يجب أن تكون زوجة متفهمة هذا ما تعلمته. ***
أسبوع مر على خلافهم أصبحت تتجنبه اكثر من ذي قبل وتصمت حتى إذا التقت به لكنها تفاجأت من وجوده اليوم في المنزل يبدو أنه عاد مبكرا فلقد سمعت صوته بعد عودتها من المستشفى لتدخل الى المطبخ مباشرة. وقفت تعد لها بعض الطعام وتعد كوب شاي فقد كانت تشعر بالجوع. كانت مندمجة في ما تفعل عندما وصلت إلى مسامعها مكالمته الهاتفية: -أيوه يا حازم هو أنتو متجمعين فين؟ … اه يعني نفس المكان خلاص نص ساعة وأكون عندك.
رن في مسامعها حديث علي عن أصحاب السوء الذين كانو السبب في أنسياقه نحو هذا الطريق. نفضت تلك الأفكار وعادت إلى ما كانت تصنعه. ليعود صوت رجاء علي بأن تعتبره مريض وتعالجه. يطرق ذاكرتها. أغمضت عينيها تحاول أن تتناسى حديثه. لكن جملة اعتبريها حالة إنسانية غزت عقلها بتكرار لتطفئ الموقد وتتنهد بضجر وهي تغمغم: -سامحني يارب منك لله يا فارس. اتجت نحو غرفته تطرق الباب بعنف وهي تصرخ: -الحقني يا فارس. خرج من غرفته بسرعة ينظر
اليها بخوف ويسألها بهلع: -مالك يا شمس؟ أمسكت رقبتها وباتت تحرك يدها على صدرها وهي تقول بصوت مثلت فيه الاختناق: -بتخنق يا فارس مش قادرة أتنفس. أمسك كتفها بيديه يسألها بتوتر وقلبه يرتجف بخوف: -أكلم الإسعاف ولا اعمل إيه قوليلي فيه دوا بتاخديه؟ تسارعت أنفاسها ومثلت ارتجاف جسدها ليحيط وجهها ينظر لها بعين متسعة: -شمس اهدي انت كويسة؟ وبكلمات متقطعة أخبرته: -خرجني برا.
أمسك يدها يسندها نحو الخارج لتتشبث بها. نزل السلالم وعيناه تترقب ارتجافها بخوف حتى وصلا سيارته. لتشير له نحو الشارع: -نتمشى أحسن. أومأ لها بالموافقة وأمسك ذراعها يسير بجانبها ليجدها بدأت تأخذ شهيقاً عميقاً ثم تزفر أنفاسها بقوة. بدأت تكرر هذه العملية عدة مرات وسط دهشته مما يحدث. تلك المرة الأولى التي يراها بهذا الضعف. سار لنصف ساعة تقريبًا ليجدها بدأت تهدأ حتى وصلا إحدى المحلات ليتركها ويدخل: -إستنيني هنارحل.
وعاد بعد قليل يحمل قنينة ماء يمد يده بها نحوها: -إشربي يا شمس. تناولت منه الماء لترتشف منه ثم تغلق الزجاجة وتتنهد ليسألها بقلق وعينه تتابع قسمات وجهها بترقب: -أحسن دلوقتي؟ هزت رأسها بالموافقة دون أن تتحدث. -تحبي نرجع؟ لتفكر قليلاً ان الوقت لم يتأخر بعد لتهز رأسها برفض: -خلينا نتمشى كمان شوية.
ساعة ونصف قضاها يتمشى معها حتى أنهك قدميه التعب. ينظر اليها بين الحين والآخر علها تخبره أن عليهم العودة لكنها لم تنطق بكلمة. كانت تخطف النظر نحوه لتبتسم خلسة بأنتصار فلقد بدأ التعب يظهر عليه. ألتفتت نحوه تسأله: -فيه هنا محل عصير ممكن نشرب أصلي عطشانة وممكن بعدها نرجع البيت الوقت اتأخر. وكأنها رمت له طوق النجاة لتتسع ابتسامته ويقول لها: -حالًا. أحضر لها العصير لترتشف منه وتنظر لاحد الأزقة:
-خلينا نرجع من هنا الطريق دا مختصر. كانت تسير معه وترتشف العصير ترشده نحو الطريق إلى أن وصلا إلى المنزل. دخل إلى غرفته لجلس على السرير منهكاً رفع قدمه يدلكها وهو يتمتم بعبوس: -رجلي ورمت من المشي وهي ولا هرمى. جسده مستلقياً يفكر فيما حدث لها وما أصابها لكنه أبتسم عندما تذكر سيره بجانبها وطلبها العصير منه حتى طلبها المساعدة منه جعله مسروراً رغم إشفاقه وحزنه عليها. *** أغلق الهاتف بتعجب ينظر اليه ويبتسم بمكر وهو يتمتم:
-طلعتي مش هينة يا بنت الجوهري، والله وجيه اللي هيربيك يا فارس. انتبهت هدى لحديثه مع نفسه فسألته بريبة: -مالك يا علي؟ آفاقه ندائها ليلتفت نحوها: -هااا … لا ولا حاجة. -كنت بتكلم مين؟ -واحد صاحبي … هو فارس تحته. هزت هدى رأسها تجيبه: -أيوه وصل من شوية وشفته طالع أوضته. لينهض بسرعة وهو يقول: -هاروح أشوفه. وصل أمام غرفته وفتح الباب بسرعة: -فارس. فزع فارس من دخوله المفاجئ ليضع يده على صدره: -يخرب عقلك خضتني.
-متأسف ياعم … كنت عاوزك في موضوع. قطب حاجبه وجلس على السرير مشيراً له بالجلوس: -خير يا علي؟ جلس علي ليقول له: -شمس. -مالها شمس؟ طأطأ علي رأسه بحزن وقال يتصنع الألم: -هدى بتقول انها مريضة عندها حالة نفسية يا فارس. -مفهمتش! قالها فارس بعدم استيعاب. -بتتخنق يا فارس ولو جاتها أزمة بتتشنج ولازم تخرج تتمشى لحد ما تهدى وتتحسن حالتها.
كتم ضحكته وسيطر على تهوره قبل ان يفضح ذلك المخطط الذي رسمته شمس وأملته عليه لكي يخبره بفارس بمرضها الكاذب حتى يستطيعوا الحد من سهره مع أصدقاء السوء. فتح عينه على وسعه ينصت لعلي بدهشة ليسأله: -تقصد إيه يا علي؟ أخفض علي عينيه نحو أصابعه المتشابكة ليجيبه بأسف: -شمس مريضة يا فارس ومن زمان كمان. ابتلع ريقه بخوف نظر له بترقب وهو يتذكر أختناقها و وتشنج جسدها بين يديه. وتلك الصورة التي مزقت قلبه. لم يتخيل يوماً ان يراها
ضعيفة ليسأل علي بحيرة: -طب هي متعاجتش ليه يا علي؟ زفر أنفاسه بثقل يجيبه بأسى: -فارس شمس من ساعة حادثة عمي وهي كدة هدى بتقول حاولوا كتير لكن الدكاترة كان كلامهم واحد. خلي بالك يا فارس هدى بتقول شمس مش عارفة انها مريضة... تنهد علي بحزن وقال متوسلاً: -أرجوك يا فارس ساعدها. هي محتجاك جنبها.. ثم استطرد يقنعه: -أنا عارف أن شمس عنادية ولسانها طويل بس في النهاية دى بنت عمك ومراتك هي دلوقتي ملهاش حد بعد أخواتها ما اتجوزوا.
-اعتبرها حالة إنسانية. نظر لعلي بعين زائغة يشرد في كلماته ويحدث نفسه ساخرًا عن أية حاله إنسانية يتحدث بل ويتوسله أن يساعدها. وهو الذي أصبح قلبه يتمنى قربها... ويتوق لسماع صوتها بل وكاد يشك أنها صارت تملك ذلك القلب الذي ارتجف بخوف وهو يرى ضعفها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!