الفصل 25 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
21
كلمة
4,721
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

جلس أمامها يفكر بتردد كيف يخبرها بما طلبته منه والدته، لكنه تعلم الدرس، لن يخطئ الآن. جلس بجانبها على السرير وضمها إليه، يقبل جبهتها. أراحت رأسها على صدره وقالت: -أنا فرحانة أوي ياعلي، مش مصدقة أني هكون أم. حرك يده على ذراعها، يشدد من ضمها: -أحلى أم في الدنيا. صمت قليلاً، يرتب كلماته ويزينها كي يستطيع إقناعها، ليتحمحم قائلاً: -هدى. -ممم، أيوة ياحبيبي. -كنت بفكر منقولش لحد حكاية الحمل. رفعت رأسها نحوه تسأله بدهشة:

-ليه ياعلي؟ أخفض رأسه نحوها لتتقابل عينه بعينها وقال بأضطراب: -أصلي بخاف من الحسد. ثم أبتسم ابتسامه مهزوزه يداري فيها أضطرابه: -هما مش بيقولو داري على شمعتك تقيد. دارت عينها في حيرة كأنها تقلب تلك الفكرة في رأسها، لتومئ له بالموافقة: -بس أنا ما أقدرش أخبي على خواتي. حرك يده على وجنتها بحنان: -حبيبي، أنا مقصدتش شمس وندى، دول أخواتك وأكيد هيفرحولك، أنا قصدت أي حد تاني غيرهم. -حاضر.

تسارعت دقات قلبه وهو يخشى ردة فعلها إذا طلب منها ترك العمل. جلى صوته يستكمل حديثه: -فيه حاجة تانية عاوزة أطلبها منك، بس ياريت متفهمينش غلط. قطبت حاجبها بتعجب: -حاجة أي؟ -شغلك ياهدى، كنت بفكر أنك تسيبي الشغل دلوقت، خايف يأثر على الحمل. شحب وجهها لتسأله وهي تمسح على بطنها كأنها تخشى حدوث ما يؤذي صغيرها: -تفتكر ممكن يأثر؟ -اكيد، أي مجهود هيأثر. -طب أنا ممكن ما أضغطش على نفسي. -هدى. عادت ترفع عينها لتواجه عينه:

-أنتِ عارفة شغل المدرسة كان بيتعبك إزاي، أنتِ نفسك كنتي بتشتكي من الضغط. صمتت تفكر في حديثه ويدها لاتزال تتحرك على بطنها بحمايه كأنها تطمئن صغيرها أنه بأمان. ولن تعرضه للخطر، ثم توقفت كأنها تتذكر شيء: -طب وخالتك ودعاء؟ ضرب أنفها بأصبعه يشاكسها: -ملكيش دعوة، أنا هعرف أقنعهم، هقلهم: حبيبتي بتوحشني وأنتو شغلتوها عني. ابتسمت لحديثه، ليعاود ضمها بقوة كأنه يريد أن يقرّبها منه ويحفظها داخل أضلعه، ثم تنهد برتياح يهمس:

-الحمد الله. دخل إلى الشقة فوجد أثاثها مبعثر وهناك أدوات تنظيف وضعت جانباً. بحث عنها بعينه فلم يجدها، ثم نادى عليها: -شمس، أنتِ فين؟ أي الي بيحصل هنا؟ لتأتي من المطبخ بعد ندائه، ترفع أكمام بجامتها وتحيط شعرها بقطعه قماش، ربطتها على قمة رأسها. واضعه على كتفها قطعه قماش خاصة بتنضيف وتمسك يدها بممسحه، مرتديه خف وترفع أطراف بجامتها حتى ركبتها: -أنا هنا، عاوز حاجة؟ ظل يحدق بها حتى أنفجر ضاحكاً، ليعبس

وجهها بأنزعاج وتهتف بغضب: -ممكن أعرف بتضحك ليه؟ ليحاول التوقف يخبرها من بين ضحكاته: -انت عامله بنفسك أي؟ ردت بأقتضاب وهي تربع يدها على صدرها: -حملة تنظيف. -حملة تنظيف في البرد؟ طب ليه كنا طلبنا شركه تنظيف بدل البهدلة الي أنتِ فيها. -ملهاش داعي، أنا أعرف أنظف بيتي، وبعدين أنا عندي إجازة يومين قلت استغل الوقت. اقترب منها وأمسك ذقنا ليقول لها وهو يحركه يميناً ويساراً ضاغطا على أسنانه يخرج الكلمات من بينها:

-حبيبي النشيط ياخواتي. أبعدت يدهه بضيق وقالت بأنزعاج: -غير هدومك وتعالى ساعدني. اتسعت عينه وقال معترضاً: -أي؟ أنا أساعدك؟ لوت شفتها وقالت بتهكم: -ومالك تفاجأت كدة، مش أحنا شركة في المكان. ضيق عينه بتفكير، ثم أقترب منها يضع كفي يده على كتفيها ويقول مازحاً: -ماشي ياشريك، أنت تؤمر. تركها متجها نحو غرفته وعاد يرتدي بجامة بيتيه، أعطته الممسحة وأشارت له نحو المكان المطلوب منه تنظيفه.

واتجهت هي نحو الجهه المقابلة تزيل الغبار وتمسح الأثاث. كان يمسح المكان حينما خطرت في باله فكرة، لينظر نحوها بمكر ويصطنع السقوط وينادي عليها متأوهاً: -شمس الحقيني. أرتجف قلبها بخوف وركضت نحوه لتجده يمد لها يده يمثل الألم: -ساعديني ياشمس. كادت أن تمد يدها نحوه تساعده، لكنها لمحت ابتسامته الخفية لتقول له بحدة: -قوم يافارس بلاش دلع. أغلق أحدى عينيه يكمل أدعائه وهو يمد لها يده ويقول: -اه… طب ساعديني. -ساعد نفسك.

قالتها والتفتت عائده إلى ما كانت تفعله. نظر لها بحنق ونهض متجه نحوها يقول لائماً: -أي دا، مش دا السيناريو الي أنا تخيلته. نظرت اليه مبتسمه وقالت بسخرية: -وأي بقى السيناريو الي أنت تخيلتة. تنهد بضيق وقال متذمراً يحرك يده ويمثل لها ماكان يرسمه خياله: -تخيلت أني أمدلك إيدي وتمسكيها، أقوم أنا سأحبك وتقعي عليا، وبعدين اقرب منك وأبو… -فارس. قالتها بسرعة تمنع استرساله بحديثه الذي علمت نهايته ومبتغاه. لتربت على ذراعه

بقوة وتقول بأنزعاج ساخرة: -بطل أحلام يقظة وكمل شغلك يلا يابني خلينا نخلص. نظر لها بضيق وهتف مستنكراً: -أحلام يقظة. -ماشي ياشمس، بكرة تكون حقيقه وأفكرك. كتمت ضحكتها بصعوبه وهي تطالع غضبه وأدعت الثبات قائلة: -فارس أنجز ورانا شغل كتير. لتشهق عندما باغتها وهو يجذبها نحوه حتى لم يعد يفصلهم شيء ونظر لها بعمق هامساً: -بكرة الحلم يكون حقيقة وهتحبيني زي مابحبك. نفضت يده متمته بغضب مصطنع بعد أن أربكتها فعلته وشتتها كلماته:

-غرور وثقة زايدة. قرص وجنتها وقال محاولاً اغاضتها: -بكرة نشوف ياشمسي. أزاحت يده عن وجنتها ودعكت وجنتها متأوه: -اه… أيدك تقيلة يارخم. لتتفاجأ به يقبل وجنتها بسرعة ويبتعد قبل أن تهتف بأي كلمة، ثم جدته يعمل باندماج متجاشياً غضبها وهو يكتم ضحكته بصعوبه خاطفاً بعض النظرات نحوها. مسحت آثار قبلته بعنف متأففة واستدارت، لكنها عندما استدارت عادت تلمس وجنتها مبتسمة.

رتمو على الأريكة بجسد متعب بعد أن أنهو حملة التنظيف، لينظر لها يزفر أنفاسه لاهثاً: -أنا تكسرت، مش قادر أتحرك. رمقته بنظرات متهكمه وقالت: -يابني أمال فين الجم والعضلات، وألا فورما على الفاضي. ردد كلامها مستنكراً: -لا ياستي مش فورما على الفاضي، لكن حضرتك خليتي اتشعلق على المراوح والشبابيك وخليتيني أشيل الكنب، أيمش محتاج مجهود ياهانم. نهضت بثقل دون أن تجيبه، لكنها تمتمت: -أنا عاوزه آخذ شور عشان أصحصح. -أنا جعان.

تمتم بها حانقاً وهو يطالع تحركها نحو غرفتها، لتخبره بتذمر دون أن تستدير: -أخلص شاور واعملك عشا. -هطلب دليفري. -يكون أحسن. أنعشت جسدها بحمام دافئ ووقفت تمشط شعرها عندما سمعته ينادي عليها: -شمس… شمس يلا العشا وصل. لخرج بسرعة فقد كانت تتضور جوعاً: -انت طلبت أي؟ كان يفتح الأكياس ويخرج الطعام عندما سمع صوتها، ليرفع نظره نحوها فتأسره هيئتها، رغم أنها بسيطة لكن جعلت قلبه يخفق بقوة.

رائحة الياسمين التي سبقتها داعبت أنفاسه وسحرت حواسه، قبل أن يفيقه سؤالها وهي تتفقد الطعام: -أنت طلبت شاورما؟ أجابها من دون تركيز: -هااا… اه. -لحمه والا فراخ؟ -واحدة كده و وحدة كده. -طب ليه كده، أنا بحب اللحمه وأنت كمان بتحب اللحمه، كنت خلتها لحمه وبس. -مش عارف، قلت تغير. ثم أشار لها بسبابته: -أستنى ثواني. ذهب إلى المطبخ وعاد بسكين ليقطع الشطائر إلى نصفين، أعطاها نصف من اللحم والآخر من الدجاج وأخذ لنفسه مثلها.

ظلت تحدق به وبما فعل برهة من الزمن، حتى انتبه لها وهو يحمل شطيرته ويقضمها ليسألها: -مالك بتبصيلي كده ليه؟ لمعت الدموع في عينها وتحشرجت الكلمات لتخرج بصعوبه على لسانها:

-بابا وماما كانو بيقسمو أي حاجة بينهم، عمري ماشفت أبويه آكل تفاحة كاملة، كان دايما بيقسم التفاحة بينيه وبينها، ولاعمري شفتها أكلت حاجة من غير ماتقسمها وتقول دي حصه أبوكو، ولما كنا بنلوم عليهم ونعترض على تصرفهم كان بيزعقلنا ويقول دي حبيبتي الي شاركتني حياتي وهتشاركني كل حاجة فيه. مسحت تلك الدمعه التي تسللت هاربه من عينها وهمت بتناول الطعام، تحبس دموعها قبل أن تنهمر، حتى سمعته يقول:

-أنتِ محظوظه ياشمس أنك عشتي وسط قصة حب بلجمال دا. الأنسان ملوش حق أنه يختار البيئة الي يعيش ويكبر بيها، لكن فيه ناس ربنا بيكرمهم إنهم بيعيشو وسط عيله ودفى وحب. ورغم أن والدك ووالدتك ماتو، لكن أنتِ لسه عايشه على ذكريات جميله. بهمطالعته متفاجئه من حديثه، فتلك الحرقه التي يتحدث بها تؤكد لها أنه لم يعش حياة سوية. وقبل أن تسأله عن والديه وجدته، يستطر قائلاً: -بكرة نعيش قصة حب زيها، يفضل ولادنا يحكو بيها.

قطبت حاجبها ومطت شفتها مستنكره قوله، ليقهقه ضاحكاً على هيئتها: -كلي ياحبيبتي الشاورما هتبرد. بدأت تأكل وتتحدث معه على مواضيع عده، وأستمر النقاش بينهم لفتره طويله، حتى وجدها تحدق به من جديد بعد أن لمست ذكائه وتعقل رأيه في بعض المواضيع، لتسأله مستفسرة: -فارس، هو أنت مكملتش تعليمك ليه مع أنك ذكي ومثقف. اتسعت ابتسامته وأطربه وصفها، ليخبرها:

-مابحبش الدراسه، وكمان لما اشتغلت في محلات جدي ونجحت، حسيت أني ممكن أنجح من غير شهادة، فكسلت بصراحه. -بس الشهادة مهمه، ممكن تضيف ليك. -عندك حق، بس حاسس أنه فات أوانها خلاص. حركت رأسها نافيه: -العلم ملوش سن محدد، أنت ممكن تدرس في أي وقت. رفع كتفه بعدم أقتناع ليعقب: -معنديش لا الوقت ولا الشغف ليه. نظرت اليه بقلة حيله بعد أن ظنت أنها تستطيع إقناعه.

أغلقت الهاتف بغضب تستشيط غيضاً بعد أن سمعت منها عدم رغبتها في العودة للعمل. وأنها تتفق مع زوجها في ذلك، ورغم انها حاولت إقناعها بالعدول عن قرارها والتمرد عليه، لكنها رفضت بشكل غريب. تباً لها، كانت خطتها تسير بشكل جيد حتى شعرت أنها دنت من خلق شرخ في علاقتهم، لتأتي الآن وتنهي كل شيء: -ماشي ياهدى، وحياتك ما هتفلت مني. شهر مر على تلك الأحداث.

ظلت تطالع تلك الشموع التي ذابت وقاربت شعلتها أن تخمد، وكأنها تبكي على مرور الوقت. وأنطفاء ضيائها لينتصر عليها الظلام. لقد ذابت تلك الشموع كما ذابت روحها وتعبت من الأنتظار. انطفئ بريق الفرحة في عينها بعد أن تأخر عن موعد رجوعه ثلاث ساعات. طالعت الساعة بممل وتأففت بعد أن تملكها الضجر. لتقبض على فستانها القصير، تنظر له بحسرة فقد تزينت. واعدت له العشاء كي تحتفل معه.

اخفضت عينها تنظر لذلك الصندوق القابع في أحضانها، لتبتسم ابتسامة حزينه، تفتحه وتخرج هذا الأختبار الذي أجرته في الصباح، لتتأكد شكوكها. مسحت على بطنها برفقه، تحمل قطعة منه في أحشائها، غامت عينها بدموع. فكم تخيلت تلك اللحظة التي تخبره بهذا الخبر، وباتت تتصور ردة فعله، وتسأل نفسها هل سيفرح بوجود هذا الصغير. لكن فرحتها انصهرت شيئا فشيئا كما انصهرت الشموع بمرور وقت الأنتظار. وضعت ذلك الصندوق على الطاوله أمامها.

ثم تمددت على الاريكة تمسك بطنها وتتكور على حالها كأنها تحتضن ذاك الصغير، علها تستمد القوة منه. شردت بذاكرتها نحو مشاهد جمعت والدها ووالدتها، وذلك الدفئ والتفاهم في علاقتهم، كان يشعر الجميع بالأمان والدفئ في منزلهم. انسابت دموعها رغما عنها، وهي تقارن حياتها مع طارق بحياة والدها ووالدتها. كم تمنت أن تعيش تلك الحياه التي رغم أنها كانت بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والسعادة.

ثقلت اجفانها لتغلقها، علها تجد الراحة في النوم بعد هذا التشتت والضياع. وبعد مرور ساعة أخرى عاد إلى المنزل بجسده المنهك. دخل إلى المنزل وخطى بخطوات المثقلة نحو الداخل، ليقف متسمراً وهو يجدها متكورة على حالها. تنام على الاريكة، تقدم بخطوات نحوها ليلفت أنتابهة ذلك العشاء الرومانسي الذي اعدته. أعتصره قلبه ألماً عندما رأىتلك الشموع الذائبة، يبدو أنها أنتظرته كثيراً.

جثى على ركبته أمامها يتأملها ويتأمل زينتها، كانت فاتنه رغم ذلك الكحل الذي خالطته الدموع فنساب يشوه زينتها. ازاح خصلات شعرها عن وجهها ومد أصبعه يلمس تلك الدموع التي علقت بين أهدابه. مسح عليها برفق حتى علقت حبات دموعها على أصابعه. ليقرب يده ناظراً اليها بحيرة وندم، لايدري كيف يخبرها أنه كان يقف على قدمه منذ ست ساعات يجري عمليه خطرة، رغم أنها تكللت بالنجاح، لكن فرحته بنجاحها ضاعت عندما رأى تقصيره معها.

حتى رسالتها التي أرسلتها قبل ساعات تخبره أنها تنتظره ليتناولو العشاء معاً، وأن هناك مفاجئة في إنتظاره. لم يقرأها إلا منذ قليل، زفر أنفاسه بضيق يلوم نفسه، ليعتدل محاولًا إيقاضها، لكن لفت انتباهه ذلك الصندوق الموضوع على الطاوله ليحمله ويفتحهه بفضول. فأتسعة عينيه وهو يوزع نظره بينها وبين الصندوق ويردد بدهشه: -ندى حامل. لايعلم المشاعر التي اجتاحته في هذه اللحظة، سيصبح أب. تسارعت أنفاسه ينظر له.

لقد زاد ترابطهم بهذا الصغير، حلم العائله الذي ظن يوماً انه سيؤجله أصبح اليوم واقعاً ملموساً. ابتسم يقترب منها، فقد كانت هذه المفاجئه البلسم الذي أذاب تعبه حتى تلاشى. جلس بجانبها يمسح على شعرها، ومابين فرحته وتألمه لأجلها اختلطت مشاعره. ليميل يقبل وجنتها يردد أسمها: -ندى… ندى. تململت وفتحت عينها ببطئ، مسحت على عينها والتفتت نحوه لتراه ينظر لها مبتسماً. اعتدلت في رقودها ونظرت له بضيق وقالت بصوت غلفته الحدة:

-غصب عني نمت هنا. يده يمسح على وجنتها بحنان: -بس كدة هتمرضيلي. يغمز لها بعبث: -فستانك قماشه خفيف. لتنظر نحو فستانها القصير وتتورد وجنتها بخجل، فتمد يدها بحرج تسحبه نحو الأسفل قبل أن تزداد ارتباك، وهو يدنو منها هامساً: -بس يجنن. ثم أخفض عينه ورفعها يخبرها بأسف: -أسف ياندى، عارف أني اتأخرت عليكِ، لكن غصب عني كان عندي عملية جراحية. حركت رأسها وقالت مستهزئة: -عادي، تعودت أنك تتأخر عليا.

علم أنه عتاب متأخر، ربما نفذ صبرها، كادت أن تنهض ليمسك يدها يمنعها وينظر نحوها برجاء: -ندى، عارف أني مقصر معاكِ، بس انت عارفة ظروفي. لتتنهد بألم وتخرج كلماتها مختنقه بحزن: -بس تعبت. تفاجئ من من ردها، لكنه أفسح لها المجال لتكمل رغم حزنه عندما وجد دموعها تسيل على وجنتها: -تعبت ياطارق من الحياه الباردة الي عايشنها. أنت عايش معايا كأنك ضيف، بشوفك ساعة وألا ساعتين.

تعبت من الوحدة، بقيت بكلم نفسي وكل يوم أواسيها وأقنعها وأقول يابنت دا عندو شغل، دا مستقبله، أنتِ لازم تستحملي، الزوجه الصح لازم تقف جنب جوزها وتستحملو. بس تعبت ياطارق وأنا شايفه نفسي آخر اهتماماتك، أنا كمان محتاجه الي يطبطب عليا، أنا تعبانة ياطارق، تعبانه أوي. يجذبها نحوه يضمها بقوة رغم تمنعها، لتنهار داخل أحضانه، فيحرك يده على ظهرها يهدئها:

-أسف ياندى، والله أسف وحاسس بيكِ، بس غصب عني صدقيني، أنا تعبان زيك ياندى ومحتاجك زي ما أنتِ محتاجاني، بس دا مستقبلي ياندى واتحكم عليا أمشي الطريق دا عشان أوصل لحلمي. لكن أوعدك أني هحاول… هحاول ياندى أكون الزوج الي بتحملي بيه. كانت تود أن تخبره أنها ليست بحاجه لزوج فقط، هي بحاجه لحبيب أكثر. أخرجها من أحضانه يمسح دموعها، ثم طبع قبلة على جبينها ليبتسم ابتسامه كبيرة: -ألف مبروك ياندى.

نظرت له بدهشه، لتلتفت مباشره نحو الصندوق الذي وجدته مفتوح، لتعلم انه قد عرف بخبر حملها. عادت تنظر له بأرتباك. لـيعاود ضمها مرة أخرى: -ألف مبروك يا أحلى ام في الدنيا. أثلج قلبها وصفه، لترد عليه: -الله يبارك فيكِ ياحبيبي. تلك الكلمة التي يسمعها اليوم منها بنبرة مختلفه، نبره احتياج وطلب للأمان. جاورته في سيارته وعلامات الدهشه ترتسم على محياها، لتهتف بحنق: -طب أفهم، رايحين على فين؟

-يابنتي ماتبقيش زنانة دلوقت، نوصل وتعرفي. ربعت يدها على صدرها بتأفف تتمتم بحنق: -ادينا صابرين، أما نشوف أخرتها. وبعد مرو القليل من الوقت، اعتدلت تنظر للافتات على الطريق بتعجب، لتلتفت نحوه: -دا طريق إسكندرية؟! ليجيبها دون النظر إليها: -أيوه. -هو أحنا مسافرين إسكندرية؟ -أيوه. استدارت نحو لتهتف بغضب: -هو أي الي…. أيوه. .... أيوه. طب كنت على الأقل خلتني أجيب هدوم ليا، هو أحنا هنرجع امتى؟ -بكرة أو بعده.

استفزتها برودة إجاباته، لتتقول بأنفعال: -فارس، عاوزه افهم أي الي بيحصل؟ -نوصل وتفهمي، متستعجليش. نفخت بضيق معتدله تنظر نحو الطريق بملل. ابتسم وهو يخطف نظره نحوها، ثم يعود ليركز في طريقه، ليحاول مشاكستها: -مشمش. -نعم. قالتها بأقتضاب، ليكرر فعلته: -مشمش. لترد بأنزعاج: -ماقلنا نعم، عاوز أي؟ -بحبك. نبض قلبها بعنف بين أضلعها، وارتبكت بخجل، ليضحك على أرتباكها.

وصلو إلى الإسكندرية، لتراقب الطريق بتمعن، تجذبتها تلك الشوارع الجميلة التي طالما حلمت بزيارتها. تمزج بين الحاضر والماضي، أنها حقاً عروس البحار. اتسعت ابتسامتها وهي تجده يقف بالقرب من احد الفنادق المطله على البحر. وازدادت بهجتها عندما وجدت نفسها تقف على أحد الشواطئ أمام البحر، كما حلمت دائماً. لتنظر نحوه بأمتنان وهو يخبرها: -حلمك ياشمسي. -متشكرة يافارس. ابتسم لها لها بحب، فقد أصبحت هي له الحياة، وابتسامتها سر لسعادته.

وقفت أمام البحر تفتح ذراعيها، سامحتا لنسمات الهواء الباردة أن تمر بجانبها، كأنها تعانقها، لتأخذ شهيقاً عميقاً تكتمه، ثم تزفره بقوة، كأنها تحاول أن تخرج مخاوفها وتفسح المجال لتلك المشاعر التي بدأت تطوق قلبها أن تمتلكه. أغمضت عينها ليشرد عقلها في مواقفه معها في الشهور الماضيه، كم كان حنونا ومحبا، ليخفق قلبها ينادي بأسمه. فتحت عينها فجأه عندما وصلت لنقطة إلا رجوع.

فما تشعر به معه، واشتياقها له، لهفتها للحديث معه، حبه، اهتمامه بها، أشياء دفعتها لتقف امامة حقيقه لم تعد تستطيع إنكارها، أنها تحبه. أغلقت عينها وفتحتها من جديد، تحاول أن تستوعب مايخبرها به قلبها، لتردد الكلمه همس لايسمعه سوها: -بحبو. ايوه بحبو. أمواج البحر التي تلاطمت أمامها كانت تشابه نبضات قلبها، ومابين المد والجزر حدثها البحربما تحاول أخفائه، لتبتسم وتحيط جسدها بيديها.

جلست على الشاطئ تراقب اختفاء الشمس، كأنها تغرق بين الأمواج، في مشهد غروب سحر عينيها. كانت تتأمله منبهره، ولاتسمح لعينها أن ترمش، كانت تريد أن تعيش حلمها بكل تفاصيله. ما هو فقد كان يتأمل شمسه التي زادها انعكاس ضوء الغروب على أمواج البحر التي هدئت تسيارهدوء الغروب، ليمنحها جمالاً من نوع آخر. هو يرى شمسه الحالمه وعينها تتلألأ بسعادة.

ويعترف لنفسه أنه أصبح يعشقها، ليتنهد بيأس ويرجو أن يأتي ذلك اليوم الذي تبادله فيه نفس المشاعر. رحلت الشمس وحل الظلام، ولم يتبقى سوى بصيص من أنوار خافته، لكنها كانت لازالت تجلس في ذات المكان، تطوي قدمها وتضمها إلى صدرها، تحيطها بذراعيها، وتنظر للبحر. شعرت به وهو يجلس بجانبها: -بقالك ساعاتين قاعدة نفس القعدة، أنتِ إزاي مستحمله؟ أنا اتجمت. التفتت نحو تبتسم ابتسامه هادئه، ذلك الهواء البارد زاد احمرار وجنتها وأنفها،

ليحاول مشاكستها: -أي دا، أنت كمان متجمدة، مناخيرك شبه البلياتشو. ونظرت له نظرة جانيه وقالت بامتعاض: -ما أنت كمان مناخيرك شبه البلياتشو يامتنمر. -طب أي، مش ترحمينا ونمشي خلاص. نظرت له بعين متوسلة وقالت برجاء: -معلش يافارس، وحياتي خمس دقايق كمان. غمز لها بعبث وقال: -لا مدام وحياتك، يبقى أتجمد للصبح ولا يهمك ياجميل.

ابتسمت بخجل وامتنعت عن التعقيب، لتجده يقترب منها يحيط جسدها بذراعه ويمسك خصرها، يقرّبها منه حتى ارتطم رأسها بكتف، وهو يقول: -ان شاء الله المرة الجايه نجي ومعانا سيف. قطبت حاجبها وسالته بصوت خافت بعد أن أربكها قربه: -سيف مين؟ اخفض عينه ينظر لعنيها ويقول بثقة: -ابننا سيف فارس الجوهري. لوت شفتها بسخط وقالت بأنزعاج مصطنع وصوت أمتزج بالحدة: -شيل إيدك يافارس وابعد عني. لت قهقه ضاحكه عندما وجدته يبتعد عنها.

لكن ضحكاتها توقف عندما وجدته ينهض واقفاً ويضع يديه على جانبي فمه ويصرخ بصوت عالي: -أشهد يا بحر أني بحبك. لتلتفت نحوها مبتسما وهو يجد صدمتها من صراخه، ليلتفت مرة أخرى إلى البحر ويصرخ: -أشهد يا بحر أنها الشمس الي نورت حياتي. ثم صمت وأكمل: -أشهد يا بحر أني محبتش قبلها ولا هحب بعدها. ثم صمت وقال مازحاً بصوت منخفض: -أشهد يا بحر أني بحبها … بس أوعى تكون فتان وتقولها.

ابتلعت ريقها بحرج والتمعت عينها بالدموع، لينتفض قلبها يخفق بجنون، يود ان يصرخ كما يصرخ هو ويخبره انه يحبه. لكن هناك شيء منعها من الأعتراف، لتجده يلتفت نحوها ويحدق بها، كانه يريد أن يرى ردة فعلها على اعترافه، لتهز رأسها وتقول ضاحكه: -البحر ما بيفتنش. لتطلق ضحكة عاليه وهي تجده يتجه نحوها، لتقف بسرعه وتركض هرباً منه. تبعه راكضاً يتوعد لها بغضب مزيف، وهو يهتف: -لا أنت عاوزه تجنيني، أي مفيش قلب، مفيش مشاعر.

قالها صارخاً وهو يجري خلفها، حتى تعبت من الجري لتبطئ سرعتها، فيمسكها هو. ظلت تضحك وتزفر أنفاسها لاهثه، وهو أيضا امسك ذراعها وتوقف يلتقط أنفاسه المتسارعة: -يامجنوها. اقترب محاولاً احتضانها، لكنها رفعت يدها توقفه ورأسها يتحرك يمناً ويساراً: -يامجنوون الناس. توقف بعد أن أدرك صدق حديثها، لينظر لها بلوم وهو يمسك يدها ويسحبها خلف وهو يتمت: -طب يلا بينا خلاص، كفاية لحد كدة.

سارت خلفه، لكنها الآن شخص مختلف، قلبها لم يعد ملكها، بل تمرد يشهر رأيه الاستلام لحبه. بعد مرور أسبوع من هذه الأحداث. كان يجلس في مكتبه يكتم ذلك الألم التي يخفيها عن الجميع ويمثل الصمود، رغم أنه لم يعد قادر على تحملها. سمع طرقات على الباب، ليغمض عينه ويفتحها، يتحلى بأقصى درجات التحمل ويرسم الصمود على وجهه: -أتفضل. ليسمع من يهتف: -الجوهري الكبير، سيد الناس، وحبيب الكلال.

تلتفت مبتسماً، فلقد علم هويه الطارق حفيده المدلل، ليقترب فارس منه يقبل رأسه ويده. فيضرب بدران على كتفه بعتاب: -يابكاش، دا أنا بقالي أسبوعين ماشوفتك. دعك فارس كتفه يدعي الألم ويمازح جده: -اه… ياجدي أنا مش قدك يا حج. ثم عاد يقبل رأسه معتذراً: -حقك عليا ياغالي. -أقعد يلا بلاش تأخذني بدوكة. سحب فارس أحد الكراسي وجلس مقابله، ليربت بدران على قدمه بحنان وهو يسأله: -عامل أي وشغلك ماشي إزاي؟

-لا الحمد الله، كلو تمام، أنت عارف أنا فارس الجوهري، تربيتك ياباشا. ابتسم بدران بفخر وهو يطالعه: -عفارم عليك ياولد. ثم ضيق عينه بخبث وسأله: -والـجواز عامل أي مع بنت عملك؟ قبل فارس أصابعه وفتحها على هيئه ورده، وهو يتمتم بسعادة: -فل الفل ياباشا. انحنى بدران مقترب منه يسأله بخفوت: -يعني هسمع البشارة قريب؟ قطب حاجبه بعدم فهم وسأله: -بشارة أي ياباشا؟ ضرب بدران رأسه بخفة وقال بضيق:

-بشاره الحفيد ياولد، مفيش حاجه في السكة، فرحني زي ما طارق فرحني. رفع حاجبه بعد أن أدرك مقصد جده وقال بستهزاء: -اه قصدك حمل، مش لما حفدتك ترضى علينا. مط بدران شفته بأنزعاج وقال ساخراً: -ياخيبتك، هو أنت لسه ماميلتش دماغها ياخايبه. هز فارس رأسه بقله حيله وقال يدعي الحزن: -لسه، ادعيلي ياباشا، بس أهو قربت، بس أنت قول ياربحك. بدران يده بعدم رضى وقال موبخاً: -دا أنت حالتك صعابه يابني.

-أوي ياجدي… وبعدين أعملك أي، حفيدتك دماغها ناشفة. ردد بدران قوله بستهزاء وقال مستنكراً: -دماغها ناشفة. أنت بتحبها للدرجة دي؟ نظر له فارس يخبره بهيام: -بحبها، بس قول بعشقها، بموت فيها. ابتسم بدران بسعادة بعد اعتراف حفيده، ليربت على كتفه: -ربنا يهديها وتحبك زي مابتحبه. رفع فارس يديه ينظر نحو جده برجاء: -أيوه ياجدي، وحياتك كترلي من الدعوات دي. لينفجر الاثنان ضاحكين على مزاحهم وحديثهم. ثم توقف بدران يحدق به وقال متوسلاً:

-خلي بالك منها يافارس، شمس أمانه عندك، أنا عارف أنها مش بتحبني، عندها حق، أنا ظلمتهم كتير. اختنقت كلماته لتخرج بحرقة: -وظلمت أبوهم قبلهم. ربت فارس على يد جده يواسيه ويطمئنه: -متخافش ياجدي، شمس في قلبي قبل عنيا. خرج من مكتب جده مبتهجاً وسار بضعة خطوات حتى سمع صوتناً ساخراً جعل ابتسامتة تتلاشى: -الحمد الله افتكرت أن عندك أهل وجيت، بس مش كان الواجب تسلم على أبوك، وألا بنت ورد نستك أبوك كمان.

قبض على يده يعتصرها محاولاً التحلي بالصبر وعدم الانفعال، ليستدير ويقول بصوت بارد: -أهلاً يابابا، إزي حضرتك، معلش أصلي مشغول في المحلات الأيام دي. وبنظرة سخرية طالعه وعقب متهكماً: -الشغل، وألا بنت ورد. احتقن وجه وقال مستهجاً حديثة: -شمس ملهاش دخل. لينهره بقسوة: -مالهاش دخل، أوعى تفكر أن دكتورة ممكن ترضى تعيش مع واحد أقل منها، واحد معندوش شهادة.

بنت ورد هتسيبك بعد ما تقبض الفلوس، أنت بنسبالها مجرد صفقة مربحة هتحققلا أحلامها، ومتحلمش أنها ممكن تكمل معاك. ضل يعتصر يده عله يهدئ من أعصابه ويخمد تلك النار التي أشعلها والده. ظل يرمقه بغضب ولم يجيب بأيه كلمة، واستدار مغادراً المكان بسرعة وصافقاً الباب خلفه بقوة أزعجت والده الذي تمتم: -مغفل. عادت إلى المنزل لتدخل متاففة من شدة التعب. أغلقت الباب واستدارت متجه نحو الداخل، لتقف متسمرة بدهشة وهي تطالع هيئته لتقول بفزع:

-فارس.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...