الفصل 24 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
17
كلمة
4,567
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

لم يعد يشعر بالوقت ولا وجود للحياة بدونها. أصبحت أنفاسه ثقيلة، يشعر أنه يختنق. لقد اكتفى من هذا الجفاء ونفذ صبره، فقد تملكه الاشتياق. خمسة عشر يومًا بعيدًا عنها كأنها كانت خمسة عشر سنة.

تهرب من مواجهته، كلما لاح طيفه أمامها هربت نحو غرفتها وأوصدت الباب. اعتصره قلبه عندما رآها منذ يومين، وجهها شاحب والهالات السوداء تحيط عينيها الجميلة التي ذبلت من شدة البكاء. كان يود أن يركض نحوها ويأخذها بين أحضانه، لكنها سبقته ودخلت الغرفة قبل أن يصل إليها. لقد أخطأ عندما ظن أنها طيبة وتسامحه بسرعة، لكن يبدو أن الطيبين خصامهم عنيد وإرضائهم متعب. لكنه اليوم يملك حجة ليحادثها. وقف أمام غرفتها كما يفعل كل يوم،

يناديها: –هدى… هدى… أنتِ سمعاني؟ أريد أن أتكلم معكِ. لكنها لم ترد عليه. زفر أنفاسه بيأس، فقد تعود منها على عدم الرد. –هدى… هدى أرجوك، أنا عارف أنكِ سمعاني. افتحي، الموضوع يخص شمس، لازم تسمعيني. سمعت اسم شقيقتها فتملكها الخوف وترددت في فتح الباب. حتى سمعته يقول: –يا هدى، الموضوع ضروري. فارس كلمني خمس مرات لحد دلوقتي.

اقتربت من الباب بخطى مضطربة. لا تعلم لماذا، علي الذي كانت تتمنى رؤيته وتعشق نظرة عينيه، اليوم تشعر أن هناك جدار سميك بينه وبينها. لا تريد أن تواجه تلك العيون التي خذلتها. وقفت خلف الباب وأخرجت أنفاسها المضطربة دفعة واحدة: –نعم، ماذا تريد؟ أنا أسمعك. أغمض عينيه يكتم غضبه منها ليقول بنبرة حادة: –افتحي الباب لأتكلم معكِ. لكنها لم تفتح الباب رغم طرقه عليها بعنف. لتخرج شياطين غضبه وصرخ بصوت أجفلها:

–افتحي الباب وإلا أقسم بالله أكسره. قالها متزامنًا مع طرقه العنيف على الباب. ابتلعت ريقها بخوف واقتربت من مقبض الباب تفتحه ببطء. توقف عن طرق الباب عندما سمع صوت المفتاح. لتفتح الباب وتقف أمامه بوجه جامد. صمت، يحدق بها. يا إلهي، كم أشتاق لها! ليتحول غضبه للهفة. كاد أن يتقدم نحوها ويحطم هذا الجفاء ويأخذها بين أحضانه يطفئ شوقه لها، لكن جمودها جعله يتسمر مكانه ويكابر.

–فارس عازمنا بكرة على العشاء، يريد أن يعمل مفاجأة لشمس في عيد ميلادها وعايز دا يكون سر بينا. انتظر أن تجيبه، لكنها هزت رأسها بالموافقة فقط: –سنذهب بكرة سوياً الساعة سبعة. يسألها كأنه يريدها أن تتحدث ولو بضعة كلمات تؤكد له ذهابها معه على أقل تقدير، لكنها أومأت مرة أخرى دون أن تنطق كلمة. استدار بقلة حيلة بعد أن يأس من إجابتها وتحرك بضعة خطوات ليسمعها تقول:

–أنا ما أخبرت إخواتي أي حاجة، يا ريت نتعامل قدامهم طبيعي عشان ما يحسوا بحاجة. ابتسم، فهذا مبتغاه. واستدار ليخبرها أنه موافق، لكنها دخلت وأغلقت الباب قبل أن تسمع جوابه. لينظر للباب المغلق مبتسمًا، فربما تكون فرصة له لإذابة الجليد بينهم. ***

تفاجأت من تلك الدعوة، فلم تجد لها سبب. رغم أنه أخبرها أن علي أصر عليه لحضور العشاء مع ندى التي سبق ووجه لها الدعوة. جلست بسعادة تتجاذب الحديث مع شقيقاتها، ورغم أنها أحست بوجود خطب ما، لكنها لم تفهم ما يحدث. كان علي يختلس النظرات نحو هدى التي غطت وجهها بطبقة سميكة من المكياج تخفي شحوب وجهها وآثار تلك الهالات التي شوهت وجهها. –إيه، لسه متخاصمين؟ عينك هتاكلها يا ابني، خف شوية وخليك طبيعي.

قالها فارس وكتم ضحكاته وهو يرى حنق علي الذي التفت نحوه ينظر له بضيق. –طلع زعلها صعب، أويرددها بضيق وحسرة. ليهمس له فارس بما جعله يضحك بصوت واضح: –يخرب بيتك خوفتني! إذا كان هدى الهادية زعلها صعب، أمّا شمس لو زعلت هتعمل إيه؟ ربت علي على قدمه واصطنع الحزن مازحًا: –يبقى الله يرحمك يا ابن الجوهري. –ربنا يطمنك يا ابن عمي، قالها فارس قبل أن ينفجر الاثنان بالضحك الذي جذب أعين الفتيات نحوهم باستفهام.

–ما تضحكونا معاكم، قالتها شمس بامتعاض. ليجيبها فارس: –لا، ده علي بيقولي نكتة. لتلوي شفتها وهي تردد الكلمة باستهزاء: –نكتة! ازدادت حيرتها عندما رأت النادل يدنو منه ويهمس بأذنه، ليومئ له فارس. فهمت ندى ما يحدث لتنهض من مكانها بجانب شمس وهي تقول: –فارس، ممكن تقعد مكاني؟ أنا مش مرتاحة في الكرسي ده.

غير فارس مكانه وهو ينظر لندى بامتنان. لتبتسم خلسة. استغل علي جلوسه جانبها، يرفع يده يحيط كتفيها بيده ويضمها إليه. لتنظر له بحنق، محاولة الابتعاد، لكنه همس لها: –أي، مش لازم نمثل إننا مبسوطين. لتنظر له نظرة مستنكرة تستهجن حديثه وتصرفه. انحنى فارس نحوها هامسًا وعينيه تدور في المكان: –المكان جميل، صح؟ التفتت نحوه تهز رأسها بموافقة:

–أيوه جميل وهادي، حتى الموسيقى كلاسيكية وهادية. لكن عينيها اتسعت بدهشة عندما تغيرت الموسيقى إلى إحدى أغاني عيد الميلاد الصاخبة. وجدت النادل يحمل كعكة عيد ميلاد ويتبعه مجموعة من زملائه. ليضع الكعكة أمامها ويشعل الشموع. اتجهت عينيها نحو هدى وندى بحيرة واستفهام. لتجدهما تبتسمان وتصفقان، ترددان أغنية عيد الميلاد، يشاركون طاقم العمال الذين وقفوا ملتفين حول الطاولة يرددون الأغنية. التفتت نحوه لتجده يفعل كما يفعلون. حتى انتهت الأغنية، ليشير الجميع لها أن تطفئ الشموع. لا تعلم ما هي المشاعر التي أحست بها. فهي لم تشعر سوى بالدموع تتراكم في عينها. لتمسحها وتبتسم، تنفخ على الشموع لتنطفئ ويصفق الجميع لها بحرارة.

رفعت رأسها لتجد الموظفين يرحلون بعد شكر فارس لهم. التفتت نحوه ولازالت الدهشة مرتسمة على وجهها. لكن دهشتها تحولت عندما وجدته ينحني نحوها، يمسك رأسها بين يديه ويقبل جبينها: –كل سنة وأنتِ الشمس اللي منورة دنيتي. ليبتعد ويخرج علبة، يخرج منها سلسلة تدلى منها قلب. ليمد يده يحيط رقبتها به ويلبسها إياها: –كل سنة وأنتِ طيبة يا شمسي.

يخفق قلبها بقوة واضطربت بفرح. فكل شيء يفعله يجذبها نحوه ويجعله يكسر أسوار ذلك القلب العاصي رويدًا رويدًا. مد يده يمسح دموعها بإبهامه ويلومها: –بتعيطي ليه يا حبيبتي؟ رغم أن كلامه كان همسًا، إلا أنه جعل ندى وهدى تنظران إحداهما للأخرى بتعجب امتزج بالفرح. وهم يرون اهتمام فارس بشقيقتهما التي ظلت تحدق به وهو يمسح دموعها ويهمس لها بكلمات تجعلها تبتسم بحرج وتسبل أهدابها بخجل. اقتربت منها ندى تعانقها بقوة:

–كل سنة وأنتِ طيبة يا مشمش. اشبعتها هدى تعانقها وتهمس في أذنها تشاكسها: –شكل الحب ولع في الدرة. دفعتها شمس عنها بضيق. لتقمز لها هدى وتبتسم وتكتم ضحكتها وهي تبتعد عنها. عادت تجلس بجانب علي الذي قال يمازح شمس: –ما تقطعي التورتة يا دكتورة، خلينا ناكل. ضحت شمس وهي تمسك السكين وتبدأ بتقطيع الكعكة وتضع القطع في أطباق خاصة. ليستغل هو هذه الفرصة ويقول: –دكتورة، نصيبي أنا وهدى عايزهم في طبق واحد.

لتفعل شمس مثل ما طلب منها وأعطته الطبق. ليلتقطه منها ويأخذ الشوكة يقطع قطعة صغيرة ويقربها من فمها يحاول إطعامها. كادت أن تعترض، لكنها لمحت عيون شقيقاتها المحدقة بها. لتفتح فمها بحنق وتلتقط القطعة بفمها تمضغها بانزعاج. ليقطع قطعة له ويدسها في فمه متلذذًا. وضعت شمس القطعة الخاصة به وأعطته إياها: –اتفضل يا فارس.

تعمقت عيناه بعينيها كما تعلقت يدها بالفضاء وأربكتها عينيه التي تخبرها بحبه لها. ثقل الطبق بين يديها وتلك الكعكة التي كادت أن تنزلق جعلتها تنتبه وتقول متلعثمة: –اتفضل يا فارس. أخذ منها الطبق مبتسمًا: –تسلمي يا شمس.

ووجنتها التي تورّدت وقلبها الذي ارتعد جعلها تشيح بنظرها عنه وتدعي انشغالها بطبقها. كانت ندى تراقب المشهد من بعيد تدعو لشقيقتها بالسعادة. لتتنهد بحسرة وهي تجد نفسها وحيدة معهم. فكل واحدة منهم برفقة زوجها، وهي زوجها اعتذر لانشغاله. كم كانت تود أن يشاركها تلك المناسبات وتفتخر بوجوده بجانبها، لكنه بعيد. مضغت قطعة الحلوى التي رغم حلاوتها، لكن مذاقها كان كالعلقم بالنسبة لها. ***

كان يجلس في مكتبه في الجامعة يراجع بعض الأوراق عندما سمع الطرقات على الباب تطلب الإذن بالدخول. ليقول: –اتفضل. دخلت روان ترتدي فستانًا جميلًا وتضع مساحيق التجميل التي تعطيها عمرًا أكبر من عمرها. كان مندمجًا في الكتابة عندما سمع صوتها: –صباح الخير يا دكتور. رفع رأسه وخلع نظارته الطبية ينظر لها: –أهلًا يا روان. ابتسمت ابتسامة عريضة وسألته مدعية اهتمامها: –أنا جيت أسأل عن البحث بتاعي وأي رأي حضرتك فيه؟

عقد حاجبيه يحاول أن يتذكر: –آه، افتكرت. ثواني. ليفتح أحد الأدراج ويخرج ذلك البحث: –اتفضلي، أنا عملت لكِ إشارة وكتبت لكِ التصحيح فوق كل معلومة غلط. اتفضلي. دعت الفرح وهي تلتقطه منه تهتف بسرور: –متشكرة أوي يا دكتور. –أنا ما عملتش حاجة، بس أتمنى إنك تتأكدي من المعلومة قبل طرحها. أنتِ دكتورة وعارفة أن الغلط ممكن يخسرنا روح إنسان. اتسعت ابتسامتها وهي تومئ له موافقة: –حاضر. ثم عاد يخفض عينه يقول لها وكأنه يلومها بحدة:

–أتمنى تهتمي بدروسك عشان لما تدي نصيحة تكوني قدها. رغم غضبها من كلماته ومعرفتها بمكنونها، إلا أنه كلما كان باردًا وحادًا معها زاد لديها التحدي لاقتحام حصونه. وربما تكون هذه الخطوة جيدة، فقد سمح لها بدخول مكتبه… المنطقة المحرمة كما يسميها زملاؤها. ظلت تحدق له فترة من الزمن قبل أن تحمحم بحرج: –احم… حاضر.

لتخرج عازمة على إكمال خطتها. نظر لإثرها بانزعاج، لكن رغم هذا لا ينكر أنها طالبة مجتهدة، تذكره بنفسه عندما كان في سنها. ***

كان يجلس أمامها يتناولون العشاء. رغم أنها عادت تحدثه، لكن حديثها بارد، لا يتجاوز بضعة كلمات. شهر من الجفاء رغم قربها منه، لكنها بعيدة عنه. كم أشتاق لحبيبته، أشتاق لحديثهم معاً، أشتاق لضحكتها، غزلها، رقتها، وصوتها العذب. أصبحت له الفاكهة المحرمة التي يعشقها ولا يستطيع تذوقها. عينيها تهرب من عينيه. طال الصمت بينهم، لا يكسره سوى أصوات الملاعق التي تحتك بالأطباق، كأنها تتحدث بدلًا عنهم.

أصابه هذا الوضع بالجزع، ليلقي الملعقة داخل الطبق بانفعال جعلها تصدر صوتًا أجفلها. لترفع نظرها نحوه، فتجد احتقان وجهه يخبرها بضيق: –وبعدين يا هدى؟ هنفضل كده لحد إمتى؟ أنا تعبت، مش قادر أستحمل. عايشين مع بعض كأننا أغراب، لا بتكلميني ولا بتبصيلي. استمرارها بالصمت ضاعف من غضبه، ليضرب على الطاولة بعنف جعلها تغمض عينها بفزع: –ردي عليا، ما تسبينيش أكلم نفسي كأني مجنون. حدقت به مطولًا قبل أن تجيبه بهدوء: –عايزني أقول إيه؟

نظر لها بدهشة يحاول استيعاب مقصدها وقال: –تقولي إيه يا هدى؟ يعني إيه؟ تكلميني وأكلمك زي زمان؟ زمان كنتي بتحكيلي، تشكيلي، وتتغزلي فيا. راح فين كل دا؟ ضحكت بصورة هستيرية أخافته واستمرت دون توقف. حتى استفزته ليصرخ بها: –هدى! توقفت تنظر إليه وتلتقط أنفاسها: –إيه؟ مش أضحك على النكتة اللي بتقولها يا علي؟ لتف به بأنفعال بعد أن أثار حديثها غضبه: –أنا قلت نكتة يا هدى؟! ليكون الصراخ من نصيبها هذه المرة وهي تجيبه:

–أيوه نكتة، لما عايزني أرجع زي ما كنت زمان يبقى نكتة. لما تخذلني وتكسرني وعايزني أرجع زي زمان تبقى نكتة. لما كسرت بأيدك أماني وثقتي فيك تبقى نكتة. بهتت ملامحه وارتجف قلبه بخوف يسألها بصوت خافت: –وحبنا يا هدى راح فين؟ اتسعت عينيه عندما سمع أجابتها: –أنت يا علي لفيت حواليه حبل المشنقة لحد ما خنقته. أشار نحو نفسه بتعجب: –أنا يا هدى؟! صاحت تخرج آهاتها وألمها المكتوم بقهر. دموعها المنهمرة تحكي حرقتها وهي تضرب

على قلبها كأنها تعاقبه: –أيوه أنت، يا اللي بحبك أكتر من روحي، أنت يا اللي كنت بنسبالي نفسي اللي أنا عايشة بيها. تحملت الكلام والذل عشان بحبك وكنت بصبر نفسي إنك بتحبني. لكن أنت عملت إيه بدل ما تقدره وتكون سند ليا؟ خذلتني يا علي، دفعتني من فوق جبل حبك العالي اللي كنت بحس فيه بالأمان عشان أقع وتنكسر رقبتي، وألاقيك بتبص عليا من فوق ولا همك دموعي وكسرتي. صمتت تطالع عينيه المتسعة بدهشة، لتلتقط أنفاسها وتقول

بصوت بح من شدة البكاء: –وعايز بعد كده أرجع زي ما كنت زمان؟ هدى الهبلة اللي تسمع وتسكت وتستحملك. كاد أن يتكلم ويدافع عن نفسه، لكن أصابه الفزع عندما رآها تمسك جبهتها ويترنح جسده. لتسقط أمامه مغشيًا عليها وسط صراخه باسمها: –هدى! هرع إليها بفزع وجثا على ركبته يرفعها بيده ويضرب على وجنتها بخوف: –هدى… هدى… ردي علي. لكنها لم تستفق. حملها بسرعة نحو غرفتهم ووضعها على السرير وأعاد الكَرَّة كالمجنون يضربها على وجنتها:

–هدى حبيبتي، أنتِ سمعاني؟ اتجه نحو طاولة الزينة والتقط عطرًا يرشه على أصابعه ويقربها من أنفها مع استمراره في مناداتها: –هدى يا روحي، ردي علي. بدأت تستفيق، تحرك رأسها يمينًا ويسارًا ثم تفتح عينيها ببطء وتغلقها عدة مرات بوهن وقالت بصوت متعب: –حصل إيه؟ ضمها إليه يزفر أنفاسه بارتياح وهو يردد: –الحمد لله يا رب. كررت سؤالها بصوت مرهق وكلمات مثقلة متعجبة من فعلته: –حصل إيه؟ أخرجها من أحضانه يمسح على وجنتها:

–أغمي عليكِ يا روحي. حاسة بأيه دلوقت؟ رفعت يدها تدلك جبهتها وتجيبه: –حاسة إني دايخة. –ارتاحي يا روحي. أراح جسدها بصورة صحيحة ودثرها ثم تركها ورحل نحو المطبخ وعاد بعد قليل يحمل عصير الليمون. جلس بجانبها ورفع رأسها يسقيها العصير: –اشربي يا حبيبتي. ارتشفت العصير بتمهل حتى توقفت تخبره: –خلاص يا علي، مش قادرة. وضع العصير جانبًا وأراحها على وسادتها مرة أخرى. ثم التقط هاتفه الموضوع على طاولة الزينة يتصل بطارق:

–الو، أيوه يا طارق، أنت فين؟ –في المستشفى، خير يا علي، ماله صوتك؟ –هدى تعبانة. –طب هاتها وتعالى للمستشفى. –تمام، أنا جايلك حالاً. ليسمعها تناديه بصوتها المتعب: –علي، ملوش داعي، هبقى كويسة، دول شوية تعب. التفت نحوها ينظر لها ويخبر طارق بإصرار مؤكدًا: –نص ساعة وأكون عندك يا طارق.

اتجه نحو الخزانة واحضر لها فستانًا. جلس بجانبها وساعدها في تغيير ملابسها رغم اعتراضها. وصل يسندها إلى المستشفى رغم رفضها كونها تستطيع السير وحدها، لكنه أصر أن يسندها. استقبلهم طارق وأخذهم نحو غرفة الكشف. لتراها الطبيبة. وقف متألماً وهو يراها تتأوه وهم يسحبون منها عينات الدم ويغرسون إبرة المحاليل التي عُلقت لها. ليمسك يدها الأخرى يضمها بين كفيه كأنه يؤازرها. التفتت نحوه ليبتسم لها بحب. غادر الممرضون ورافق طارق الطبيبة المختصة نحو الخارج. وظل هو لجوارها في انتظار نتيجة التحاليل.

كانت عينها تتابعه وهو يدلك يدها بحنان أو يدثرها، ثم يرتب حجابها ويراقب المحاليل ويعود يمسك يدها يدلكها. حتى التقت عيناها بعينيه ليسألها مبتسمًا: –أحسن دلوقتي يا روحي؟ أشاحت وجهها عنه وهي تتمتم بضيق: –الحمد لله. مد يده لتمس أصابعه ذقنها يعيدها ويجبرها لتواجه عيناه عينيها بعتاب: –هدى، مش عايزة تبصي في عينيا؟ خايفة تضعفي وعنيكي تقولي بحبك زي ما كانت بتقولها زمان.

ضحكت بحزن مستهزئة، تبعد يده عن ذقنها وتشيح وجهها بعيدًا عنه مرة أخرى. ليعاود إمساك ذقنها يديرها نحوه ويقول بحدة: –ما تهربيش، بصيلي، خلي عيونك تكلمني. ثم تنهد بضيق: –هدى، أنتِ متأكدة إني بحبك؟ عارف إني غلطت بس غصب عني، دي أمي يا هدى، ارجوك بلاش تقسي عليا. أنا بموت وأنتِ بعيدة عني، أنا ميت من غيرك. رفعت أناملها تضعها على شفتيه تمنع استرساله بالحديث: –بعد الشر عنك، بلاش سيرة الموت.

قبل أصابعها وأزاحها عن شفته يخبـرها بعين متوسلة وصوت ملأه الرجاء: –والله بحبك، أنتِ روحي يا هدى، بلاش تقسي عليا أكتر من كده. تجمعت الدموع بعينيها، تود أن تخبره أنها تشتاق له كما يشتاق لها. ضغطت على شفتها تمنع عبرتها التي انسابت رغماً عنها. ليمد يده يمسح دموعها بأصابعه ويضمها إليه بقوة: –آش… آش، ما تعيطيش، وحياتي عندك، ما تعيطيش.

تشبثت بأحضانه التي اشتاقت لها، تخرج داخلها أحزانها التي كتمتها في بعده. تركها هو حتى هدأت. ليتبعد يزيل آثار الدموع عنها ويمسح تلك التي هربت من عينيه بعد أن شعر بضعفها بين يديه: –بحبك يا دودي. ابتسمت بخجل. وقبل أن يتفوه بكلمة أخرى، سمعا طرقات على الباب وطارق يدخل مبتهجًا وهو يحمل التقارير. يحركها بيده ويقول: –مبروك يا علي، هتبقى أب. هدى حامل، مبروك يا هدى.

شلت الكلمة تفكيرهما لحظات قبل أن يستوعبا ما يقوله. ينظر أحدهما نحو الآخر بدهشة. لتمد هدى يدها بتلقائية نحو بطنها تتلمسها وهي تنظر نحو علي وتقول: –أنا حامل يا حبيبي. علي الذي اتسعت ابتسامته وتعالت ضحكاته وهو يضمها إليه: –ألف مبروك يا روح حبيبي. وكان ذلك الجنين جاء ليعيد لهم رباط الحب المقدس ويضيف لتلك العلاقة رابطة من نوع آخر. ***

عاد إلى المنزل ليستنشق رائحة غريبة قادمة من المطبخ. تقدم بخطوات هادئة لتتسع ابتسامته وهو يتأملها من بعيد. وقد صنعت ضفيرتين من شعرها أعطتها مظهر فتاة في المرحلة الثانوية. ترتدي بجامة وردية جميلة. عينها تركز على الفيديو الذي يعرض على شاشة هاتفها، يبدو أنه فيديو طهي. توقفه لتظل تردد كلام وتبحث عن أشياء تقيسها بدقة. ظل يحدق بها فترة من الزمن حتى وجدها تضع المقلاة على النار. يبدو أنها وصلت للمرحلة الأخيرة. لتزفر أنفاسها بارتياح وترفع يدها تمسح على جبينها وتبعد تلك الخصل الصغيرة التي تمردت من ضفيرتها.

خفق قلبه وهو يدقق النظر في ملامحها التي صارت تفتنه. تحمحم وسعل يصدر صوتًا كي تنتبه لوجوده. توقفت عن جمع الأطباق المتسخة ورفعت عينها تنظر له: –مساء الجمال. –أهلًا يا فارس، وصلت إمتى؟ اقترب نحوها يخبرها: –من شوية. ثم قطب حاجبيه ينظر نحو الموقد ويعاود النظر إلى الأطباق التي تحاول جمعها: –بتعملي إيه؟ –مكرونة سباجيتي. يرفع حاجبيه بدهشة وعينيه تدور حول المطبخ الذي تبدو عليه الفوضى كأنه حربًا نشبت به. ليردد ساخرًا:

–كل الفوضى دي ومكرونة سباجيتي؟ قالها محركًا إصبعه نحو أرجاء المطبخ. ارتسم الانزعاج على وجهها تهتف بحنق: –مش أول مرة أعملها، طبيعي يحصل كده. كتم ضحكته وقال بجدية مصطنعة: –آه… خلاص، مدام أول مرة حقك أنتِ صح. اقترب منها أكثر يهمس لها: –وتسلم إيدك مقدمًا. أربكته قربه لتبتعد تدعي اندماجها في تقليب الطعام: –خلاص، غير هدومك وتعالى قيّم الأكلة. وبعد قليل جلس على المائدة ينتظر طبقه بلهفة. سكبت له وقبل أن تضع الطبق رفعت ملعقة

الطعام في وجهه وقالت: –أوعى تضحك عليّ. لقهقه ضاحكًا يخبرها: –شكلك مطينة الدنيا، اطمني يا ستي، أنا هنتقد بشفافية. جلست أمامه تترقب ردة فعله. كان يبتسم وهو يرى تحديقها به. وهو يدس الشوكة في الطبق ويلفها عدة مرات ويرفعها نحو فمه يمضغها ليدعي الانزعاج. عبس وجهها وهي ترى تغير قسمات وجهه، لكنه ابتسم يخبرها: –ما تخافيش، جميلة. برافو عليكِ. استرخت ملامحها وهي تتناول هي أيضًا لقمة وتمضغها متلذذة. حتى عاد

وجهها لامتعاض عندما قال: –كده نشكر صاحبة الفيديو اللي علمتك الطريقة. ليتجهم وجهها وتنظر إليه بحنق: –فارس! –عيون فارس. –كل وانت ساكت. ليضحك على حديثها ويعود لطعامه. حتى تذكر شيء لينظر لها ويقول: –شمس صاحبي عازمنا على فرحه. ممكن تحضري معايا الحفلة؟ ارتبكت تنظر له بحيرة، لا تعلم بما تجيبه وهل ترافقه أم لا: –هشوف لو عندي وقت. ابتسم بأمل عله يتحقق وترافقه. ***

تعجب من طلب والدته عندما أخبرها أن زوجته حامل. لتصر عليه أن لا يخبر أحدًا، رغم أنه يرى الفرحة مرسومة على وجهها ووجه والده: –ليه يا ماما؟ مش عاوزاني أقول لحد؟ ده أنا نفسي أقول للدنيا كلها إني هكون أب. قالها علي وهو يوزع نظره بينها وبين والده. –يعني أنت مش عارف أمك يا علي؟ بتخاف من الحسد والعين، وكل حاجة عندها أسرار. قالها والده وهو يربت على كتفه. لترد هي بضيق مفسرة: –أيوه بخاف من الحسد، بخاف يجراله زي…

لتبتلع باقي حديثها بخوف وهي تتذكر حملها الأول الذي فقدته بعد أشهر قليلة من الحمل، ليكتب عليها بعده معاناة كبيرة. ابتسم علي بسرور عندما سمعها تقول: –خليها ترتاح، ماتسيبهاش تشتغل، وأنا هبعت (جينا) تنضفلكم الجناح كل يوم. ليعقب والده أيضًا: –أيوه عندك حق يا صفاء، وحتى الأكل يطلعلهم فوق، بلاش ينزلوا أو تعمل هي وتتعب. اتسعت ابتسامة علي وهو يرى فرحة والديه بحفيدهما ولهفتهما لرؤيته. لتقترب منه والدته تمسك ذراعه قائلة:

–وبلاش حكاية الشغل. كلم خالتك وقولها إنك حكمت عليها تسيب الشغل لأنها انشغلت عنك. ورفعت سبابته تخبره بتحذير: –أوعى تجيب لها سيرة الحمل. اضطرب وهو يفكر ماذا ستكون ردة فعل هدى لو طلب منها أن تترك العمل، حتى لو كان طلبه خوفًا على طفلهم. ***

كم شعر بالفخر والسعادة وهي تتأبط يده وترافقه في حفل زفاف رفيقه الذي استقبلهم بترحاب. يختار مكانًا ويجلس معها يشير لها نحو أصدقائه ويعرفها بهم، حتى وجدهم يشيرون له بالقدوم إليهم. استأذن منها ورحل نحوهم.

كانت تراقب الحضور في القاعة، واتجهت أنظارها نحو العريس والعروس التي يظهر عليها نظرات الحب لعريسها واندماجهم معًا في الحديث والرقص. لتتذكر حفل زفافها الذي كان بالنسبة لها حكم بالإعدام. تساق إليه رغمًا عنها. ابتسم بتلقائية عندما التقت عيناها بعينيه، لتجد يغمز لها ويرسل لها قبلة في الهواء. لتضحك وهي تردد: –مجنون.

لتنتبه إلى أصحابه الذين كان يبدو عليهم الانفلات وعدم الاتزان. تحركت عينيها بين الحضور ليجذب انتباهها تلك الفتاة التي تقف محدقة بزوجها وعينها تتبعه أينما تحرك. شيء ما داخلها انزعج. ودت لو تذهب إليها وتصفعها تمنعها من التحديق به. ثم توقفت تسأل نفسها لماذا انفعلت؟ هل تغار؟ هزت رأسها تنفض عنها تلك الأفكار الغبية كما أسمتها. حتى أحست به يجلس بجانبها: –حبيبتي، اتأخرت عليك؟ حركت رأسها نافية: –لا، أبدًا. لكنه اقترب منها يهمس

لها ويده تتسلل تمسك يدها: –بس أنتِ وحشتيني أوي. ارتبكت بحرج واشاحت وجهها إلى الناحية الأخرى مدعية أنها تنظر إلى العريس والعروس. حتى التقت عينها بعين الفتاة التي كانت تحدق بهم، لتثير فضولها وتلتفت نحو فارس تسألها عنها: –فارس، هي مين البنت اللي بتبصلنا دي؟ ثم أشارت له بعينها نحو الجهة التي تقف بها الفتاة. لينظر إلى الاتجاه الذي أشارت إليه: –دي مدام غادة مرات حازم صاحبي. قطب حاجبه يسألها: –بتسألي ليه؟ رفعت

كتفها تخبره بعدم معرفة: –أصلها مركزة معاك من أول ما جينا. ابتسم ونظر لها بخبث وهو يقرب وجهه من وجهها: –بتغيري عليا؟ لوت شفتيها باستهزاء وقالت ساخطة تشير نحو نفسها: –أنا أغير؟ ضيق عينيه وقال باستياء مزيف: –وما تغيريش ليه؟ مش جوزك؟ ولازم تغيري عليا؟ –لا، مش غيرانة، متخافش. ليقرص وجنتها ويقول مازحًا محاولًا مشاكساتها: –بكرة تحبيني وتموتي فيا وتغيري عليا ويكون نفسك تخبيني من عيون البنات. نظرت له ساخرة

وقالت مستنكرة تكرر حديثه: –أحبك وأموت فيك؟ وكمان أغير عليك وأخبيك؟ أي الثقة والغرور اللي أنت فيه ده! لاعب حاجبيه يحاول إغاظتها: –بكرة تشوف يا جميل.

وقبل أن تجيب سمعوا منظمة الحفل تعلن على الرقصة الثنائية وتدعوهم لمشاركة العروسين. مد يده لها يطلب منها الرقص. ظلت تنظر ليده الممدودة تحاول أن تتخذ القرار. لتمد يده تمسك بيده وترافقه إلى ساحة الرقص. أحاط خصرها وقربها من صدره بحرج، لكنها هذه المرة كانت عيناها تقابل عينيه وقلبها يخفق بشدة. وشيء ما داخلها يخبرها أنه لم يعد شخصًا عاديًا بالنسبة لها. فتلك المشاعر التي تشعر بها بقربه ليست مشاعر عادية. يبدو أنه استطاع أن يقتحم ذلك القلب المتبلد ولو بجزء بسيط. يدها التي كانت موضوعة على قلبه تشعر بضرباته القوية التي تشبه قرع الطبول. وعيناه التي تواجهها تشي لها بعشقه لها. يبدو أنه صار يحاصرها بحبه من جميع الاتجاهات، يرغمها على تذوق الحب معه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...