سكون الليل الذي اعتاد عليه صار صديقه الصامت. لم يعد يسمع سوى حركته وهدير أنفاسه. صوت صرير ذلك السرير أزعجه، لينهض يبحث عن مفك يساعده في تثبيت ذلك البرغي المتخلل. خرج يبحث في المطبخ عنه وعاد.
يرفع الملاءة ويبحث. أحنى رأسه بعد أن فتح كشاف الهاتف ليضيء تلك العتمة، حتى استطاع إيجاده وتثبيته. ليصدر عنه تأوه بعد أن ارتطم رأسه بحافة السرير وسقط المفك من يده، يصدر صوتًا يكسر ذلك الصمت. رفع يده يدعك رأسه وأخرجه بانتباه أكبر، ولكن عينيه لمحت ذلك الصندوق أسفل سريرها، وأنتابه الفضول لمعرفة محتوياته. مد يده وانحنى أكثر يسحبه باتجاهه.
وما أن خرج الصندوق حتى اضطربت نظراته. مسح التراب الذي تراكم عليه، ومع كل حركة كان التراب يتطاير ويعيد عليه مشاهد من الماضي ليتأكد أنه صاحب الصندوق. أزال الغطاء ليظهر فستان زفافها الذي اختاره بنفسه.
ارتعشت يده وهي تمر على تفاصيله، ليستعين بيده الأخرى ويرفعه. ثم أحنى رأسه يستنشقه. "يكفيه أنه لامس جسدها وضمه بحنان طيلة تلك الليلة." أخذ يمرمغ أنفه داخل طيات قماشه يبحث عن رائحتها التي علقت به، أو ربما هذا ما خيل له. أسند ظهره على حافة السرير وسحب فستانها نحو أحضانه، يضمه إلى صدره بقوة. وكلمة واحدة أفلتت من شفاهه. "وحشتيني."
لا يعلم المدة التي استغرقها في شروده، حتى وعى لحاله. وبدأ يطوي ذلك الفستان يحاول إعادته لمكانه، لكن انتبه أن الصندوق لم يحتوي فستانها فقط. هناك كيس هدايا بلاستيكي فيه مجموعة من الأغراض البسيطة. أعاد الفستان وأخذ الكيس وفتحه. هناك أشياء من ذكرياتهم معًا. لتخرج آه مكتومة من صدره تشق ذلك الصمت، والحقيقة تكشف أمامه. هذه ذكرياتها معه اختصرتها في هذا الصندوق. لقد اعتبرته ماضيًا، ربما ذكرى في خانة النسيان.
بدأ يقلب الأشياء ويتفحصها، لتلامس يده تلك التذكرة وتسحبه نحو ذلك المشهد الذي لم ينساه، ليستعيده كما حدث وهم يقفون أمام إحدى دور العرض. أحدهم ينظر للآخر بعناد. "شمس، اسمعي كلامي. الأكشن أحلى." رمقته بنظرات تحدي وقالت بإصرار. "وأنا عاوزة عائلي أو رومانسي." رفع سبابته يشير لها بوعيد. "هتندمي. دا توم كروز عامل شغل جامد في الفيلم." ربعت يدها على صدرها وقالت بمكابرة وهي تهز رأسها رافضة. "لأ... لأ. مش هأندم وأنا مصرة."
رفع كتفيه بقله حيلة وقال بلا مبالاة. "براحتك."
جلست بجانبه تترقب بشغف أن تشاهد ذلك الفيلم الذي نصحتها به هدى. انتشر الهدوء وانخفضت الأضواء وبدأ يظهر العنوان وأسماء الممثلين. التفتت نحوه لتجده مندمجًا مع علبة الفشار يتناول حباتها بملل. ابتسمت على مظهره وعادت تطالع تلك الشاشة العملاقة. كانت عينها تتسع تارة وتغلق أخرى، تبتسم وتعبس تجاري أحداث ذلك الفيلم الذي نالت مشاهده الأولى استحسانها. استرخت بجسدها على المقعد مع تباطؤ وتيرة الأحداث لتشعر به يضع حبات الفشار أمام فمها ويطعمها. كانت تلتقط حبات الفشار بشفاهها من بين أصابعه وتستغرب عدم رفضه. لكن عللت ذلك بسبب اندماجها.
بدأ الأحداث تأخذ منحى مختلفًا وبدأت الرتابة تطغى على سياق الفيلم لتجده يهمس بتذمر. "شكلي هأنام لحد الفيلم ما يخلص." ثم تنهد بيأس يلومها بعتاب. "قلت لك هتندمي... كان زمانه بنشوف أكشن وحماس." حركت عينها بضيق ونظرت له نظرة جانبية تستهجن حديثه. أزاح جسده قليلاً نحو الأسفل وأراح مرفقه على مقبض الكرسي ليسند رأسه على كتفها. يدعي النوم. وقبل أن تهتف معترضة. "أدفعي ضريبة عنادك."
لا تعلم سبب هدوئها وعدم ثورتها واستنكارها. ربما تلك المشاعر التي توغلت تستوطن قلبها. عينها تمردت عليها وتسللت تخطف النظرات نحوه مستغلة غلقه لأجفانه. عينها التي أشهرت العصيان عليها باتت تتأمل تفاصيله. بلوت جمل صورته كأن تفاصيله أصبحت تريحها بعد أن كانت تزعجها. موسيقى الفيلم الهادئة منحت تلك اللحظة سحرًا مختلفًا. حتى أبعدت عينها عنه بسرعة عندما بدأت عينيه ترمش ليفتح عينيه بملل. لكن فجأة استقطبت أنظاره تلك المشاهد الرومانسية ليعتدل ويقول مشاكساً لها.
"شكل الفيلم هيحل." لتلعن غباءها وإصغائها لنصيحة هدى. عندما ظهرت مشاهد رومانسية بين البطل والبطلة. فلتفتت نحوه بخجل. أزداد عندما وجدته يحدق بها ويده تتسلل وتحيط خصرها يضمها إليه في مشهد يحاكي ما يشاهده في شاشة السينما. اتسعت عينها وهي تجده يمسك يدها الأخرى ويقبلها. يردد اعتراف البطل لحبيبته ويهمس لها بهيام. "بحبك يا شمس." عاد من ذكرياته يردد تلك الكلمة مبتسمًا. "بحبك يا شمس."
ليبتسم بقهر ويعيد التذكرة مكانها في الصندوق ويدفعه تحت السرير مرة أخرى. أصبح يعيش على ذكرياتهم معًا فقط. خمسة أيام وهي حبيسة غرفتها. عقلها يرفض تصديق ما حصل. هل حقًا رحلت رفيقتها؟ رغم أن قلبها توقف أمامها وهي من مدت يدها تغلق عينيها المفتوحة إلى الأبد. وأزاحت تلك الدماء التي أغرقت وجهها. رحلت جميلة وتخلصت من هذا العالم القاسي. رحلت كي ترتاح من ظلم البشر. رحلت وهي تحمل أملًا بالتغيير.
انسابت الدموع ببطء من عينها المتحجرة لتتدحرج ترسم طريقًا على وجنتها تلسعها بحرقة الألم. وبدأت تعتصر قبضت يدها وتفتحها. ورياح الغضب تعصف بخلايا جسدها وهي ترى زوجها المجرم يقف ينظر إلى جثتها الهامدة بعد أن أبرحها ضربًا فقتلها نزيف لم يستطيعوا إيقافه، ولم تستطع إمكانياتهم البسيطة أنقاذ روحها. كم ودت لو أمسكته ومزقته إربًا. ولولا إمساك شمس بيدها لكانت فعلتها. الشرطة من رحمته من تهورها وانقضاضها عليه.
دخلت والدتها عليها لتجدها تجلس على سريرها تضم قدمها إلى صدرها وتحيطها بذراعيها وتسند رأسها على الجدران بجانب السرير كأنها تحاول رمي همها عليه. كانت شاردة وعينها تنظر إلى المجهول. لم تشعر حتى بجلوس والدتها بجانبها حتى أحست بيدها تربت على كتفها وتقول. "وبعدين يابنتي هتفضلي كده لحد إمتى؟ يابنتي استغفري ربك. جميلة راحت للي أحسن مني ومنك." "ياريتها كانت سمعت كلامي."
دموعها سبقت كلماتها لتخرج مختنقة بحرقة دون أن تلتفت إلى والدتها كأنها تعاتب طيفها. "يابنتي دا قدرها." رفعت يدها تمسح دموعها بعنف لترتعش شفاهها وتخرج كلمات بقهر وهي تلتفت نحو والدتها. "هما اللي قتل*وها يا ماما." "وحدي الله يابنتي. فيه حد يقتل ضناه؟ كلمات والدتها أوقدت تلك النار التي تحاول أن تكتمها لتصرخ. "ولما يسيبوها يضربها وهما بيتفرجوا عليها ويقولوا ليها لها اصبري؟
تنهدت والدتها بحزن ومسحت على رأسها علها تمنحها السكينة. "وهما يعني كان يعرفوا إنه هيقت*لها؟ دي أمها مقطعة نفسها بالعياط ياحبة عيني." "لو شفتيها بس." وقالت مستنكرة. "كتر خيرها بعد أي." "زهرة الكلام معادش منه فايدة. ادعيلها يابنتي." قالتها والدتها بعد أن أصابها الإحباط وتأكدت أن محاولاتها ميؤوس منها. لتنهض وتتركها تعود لأحزانها.
أصابها الملل من وجودها في المنزل وضجرت من حالة الرتابة التي لازمت أيامها لتقرر أن تحاول العودة إلى العمل. لعله العمل يشغلها عن كثرة التفكير. أمسكت الهاتف وحاولت الاتصال بها. انتظرت بضعة ثواني حتى أجابتها. "هدى! مش معقول. إزيك. عاملة إيه؟ أسعدتها حفاوته لتقول. "الحمد لله. إزيك يادعاء. وحشاني." ابتسمت بخبث ومثلت الحب ببراعة وبنبرة شوق مصطنعة أخبرتها. "إنتِ كمان وحشاني يا حبيبتي." "طب مدام وحشاني ممكن أشوفك؟
غمرتها السعادة. لم تتوقع أن خطتها ستنجح بل ستساعدها هي على استكمالها. "حبيبتي أكيد. اختاري الوقت والمكان وهتلاقيني قدامك." "آه... والله يا ريت. عاوزة أخرج من جو البيت شوية." "خلاص ياروحي أي وقت تكوني مستعدة أنا جاهزة." لتخبرها بامتنان. "متشكرة أوي يادعاء." وهل تتوقف الحياة عند نقطة وداع؟ أم هل يحجبنا الفراق عن العودة؟
سنعود مرغمين وتسير عجلة الحياة حتى لو استنكرنا سيرها وحاولنا الوقوف بين عقارب الساعة كي نمنعها من الحركة. سنعود لكن ليس كما كنا. سنفقد جزءًا من روحنا. سيتغير طعم الحياة. سيصبح حتى حلوها مرًا. سننسى لكن سيعود طيفهم يذكرنا أننا فقدناهم.
هكذا سارت بخطواتها تجر أقدامها جراً تجبرها على التقدم رغم امتناعها. فذلك الشرخ في قلبها لم تداويه تلك الأيام القليلة. كلما تقدمت خطوة داهمتها الذكريات. فلم تكن جميلة. مجرد شخص عابر في حياتها. كانت جارتها وصديقتها. تقاسما سنين العمر سوياً حتى فرقتهما الأقدار. سارت تقنع نفسها أن ما حدث قدرها. لكن شيئًا داخلها يرفض ويستنكر. لتتباطأ خطواتها كلما اقتربت من منزلها. كم تمنت لو كانت اتخذت طريقًا آخر وتجنبت فيه المرور من
أعتاب دارها. أغمضت عينيها وتمسكت بحقيبتها تحاول اجتياز المكان. لكن صوت أخوتها ووالدتها الذين يقفون عند باب دارهم جعلها تتسمر وترفض قدمها التحرك. وجودهم أشعل فتيل غضبها. ولم تستطع السكوت أكثر. ولم تعِ إلا ولسانها ينطق بما يجول بخاطرها. فتهتف بحرقة.
"يارب تكون استريحتوا لما مات*تتجهم." وجه أخوتها وظلت والدتها تنظر لزهرة بعين دامعة. "خلاص. اديكوا خلصتوا منها." صرخ أخوتها مستنكرين حديثها. "إنتِ بتقولي إيه يا مخبول؟ ماتحترمي نفسك." أصابها التحدي ولتصرخ تخرج ألمها المكتوم. "بقول الحقيقة اللي انتوا بتنكرها. مش انتوا سبتوها يضربها. مش انتوا اللي قلتوا لها اصبري واستحملي. أهو موتها خلاص."
صراخ أخوتها وصراخها هي. اجتذب المارة ليتفرج الناس حولهم يشاهدون حرب الألسنة مابينها وبينه. ليركض أحد الصبية نحو دار جدها يخبره أنها داخل تلك المعركة. ليهرول نحوها. ذلك التجمهر أجذب شخصًا آخر كان يمر من ذات الطريق ليجذبه انتباه تجمهر الناس. فيترجل من سيارته ويذهب نحوه. وما أن اقترب حتى أصابته الدهشة وهو يجدها تقف وتصرخ بوجههم. ورأى وصول جدها الذي وقف أمامها وصاح متعجبًا. "بت يا زهرة بتعملي إيه أنتِ؟ اتجننتِ؟
رفعت أنظارها المشتعلة نحو جدها وأشارت بيدها تخيره. "هما السبب. هما اللي قتل*وها يا جدي. قلتوا صاحبتي." اتسعت عينه ينهرها بانفعال. "زهرة اتلمي وروحي الدار وبلاش كلام ماسخ. الناس في مصيبة." لكنهما استمرت كأنها مغيبة. تضرب بعاداتهم وتقاليدهم عرض الحائط. لا تعي لوقوفها وصراخها وسط الشارع وبين جمهرة من الرجال. "مش ماسخ يا جدي. دي ماما استنجدت بيهم بس هما سابوه يضربها و... عاد يصيح بها بغضب. "اسكتي." استمرت تصرخ بعناد.
"مش هسكت. خلي الناس يشوفوا الرجالة اللي معرفوش يحموا أختهم." "آخرسسسسي." صرخ بها جدها بغضب شديد وهو يرفع يده كي يصفعها. أغمضت عينها تستعد لاستقبال تلك الصفعة. لكنها سمعت صوت ينادي بصوت عالٍ. "حج عثمان." لتتجمد يد جدها في الهواء. "مش إحنا اللي نضرب حريمنا ولا نعاقبهم وسط الشارع."
فتحت إحدى عينيها بحذر. فذلك الصوت لم يكن غريبًا. نظرت حيث ينظر جدها لتجده يقترب بهيبته يحمل عصا في يده وتزين كتفيه تلك العباءة السوداء. ابتلعت ريقها بخوف وندم عندما وجدت جدها يطأطأ رأسه بحرج ويقول بخفوت. "راجح بيه." لتجده يوزع نظره بينهم ويقول. "خذ حفيدتك يا حج عثمان وحاسبها في بيتكم."
نظر لها بلوم وتوعد قبل أن يتجه نحو أهل جميلة يقدم لهم الاعتذار على ما فعلته حفيدته. أما هي فكأن صوته أيقظها لتعي فداحة فعلتها وتشعر بالخزي. كادت أن تنحني لتجمع أغراضها التي تناثرت من حقيبتها عندما أسقطتها أثناء الشجار. ليوقفها صوته وهو يظهر عصاه أمامها يمنعها من الانحناء. "ما توطيش." ثم دارت أنظاره لينادي على أحد الصبية الذي يعرفه. "ولد يا جودة لم الحاجة." أطاع الصبي أوامره ليلملم أغراضها ويعطيها حقيبتها. "متشكرة."
كلمة واحدة فقط قالتها ثم انصرفت منكسة الرأس. تبعها جدها. لكن قبل أن يتجاوزه أمسك ذراعه وقال برجاء بسيط. "طول بالك يا حج عثمان. البنت شكلها حزينة على صاحبتها واللي جرالها. بلاش تقسي عليها." ابتسم الحجاج عثمان بسخرية وقال بتهكم. "أنا أقسى عليها؟ دي هي اللي قاسية علي." ربت راجح على كتفه وقال برجاء مضاعف. "معلش ياحج استحملها المرة دي."
هز عثمان رأسه بموافقة ثم تركه ورحل. لينفض الجمع من حوله. لكن عينه ظلت مرتكزة باتجاه معين يشعر بأشفاق عليه.
دخلت غرفتها وجلست على السرير يتملكها الخوف تستعد لعقاب جدها الذي لا تعلم كيف سيكون. وسط كلمات التوبيخ التي استقبلتها بها والدتها. انتفضت بخوف وهي تسمع صوت عصاه يضرب الأرض بعنف يدل على غضب صاحبها. وشعرت بوقوفه عند باب غرفتها ليرتجف جسدها بذعر وعينها منخفضة نحو يديها المرتعشة بين أحضانها لتمسك إحداهما بالأخرى تستجدي الثبات أمامه. عاصفة الغضب القادمة. "زهرة."
صوته لم يكن غاضبًا فقط كان منكسرًا. جعلها تجفل وترفع عينها نحوه بتلقائية. "تاني مرة بتكسريني وتوطي رأسي. مكنتش عارف إني رخيص عندك كده."
كلمات ألقاها عليها بعتاب ونظرات عينيه تحكي ألمًا جارحًا. أتبعه مغادرته وإغلاقه لباب غرفتها. ظلت عينها معلقة على باب غرفتها بتعجب. ليته ضربها أو أهانها. كلماته كانت عقابًا قاسيًا كسيوف ضربت صدرها ومزقت نظراته فؤادها. نبرة صوته المعاتبة كانت كسياط جلدتها بلا رحمة. لينزلق جسده نحو الأرض. تضع تضم قدميها إلى صدرها وتخبئ وجهها براحتي يديها تبكي مرددة. "ما عاش اللي يكسرك يا جدي."
دخل الوحدة الصحية يسند صدره المصاب يشد على يده. على كتفه ويحتضن خصره باليد الأخرى يساعده على السير حتى وصلوا إلى غرفة الأطباء لينادي على شمس التي لمحها تقف في الغرفة. "الحقيني يادكتورة." التفت شمس التي كانت مندمجة في ترتيب بعض الأوراق لتركض نحوه رغم ثقل خطواتها وتسأله بخوف. عندما وجدت وجه الآخر يغرق بالدماء. "ماله يا جابر؟ "رجله فجأة تزحلقت ولا إيه؟
بيقع فجأة من فوق الجرار بس الظاهر راسه ضربت عند حافته عملتله جرح كبير." هزت رأسها بتفهم وهي تتحرك حركات سريعة تجمع أدواتها وتساعده.
ما في الخارج دخلت بخطوات مترددة تحمل بيدها ذلك الكيس القماشي بحذر وتسير تتلفت يمينًا ويسارًا تقرأ تلك اللافتة التوضيحية علها تعرف مكان غرفتها. كانت تسير كالتائهة حتى اصطدمت به عند خروجه من أحد الغرف وترتد إلى الوراء بحرج. لتندهش ويملأها الحرج عندما علمت هويته. أما هو فرسم ابتسامة عريضة على وجهه غيبت امتعاضه من الاصطدام في بادئ الأمر. لكن عندما رآها نسي امتعاضه ليسألها. "إنتِ مش قريبه دكتورة شمس؟
هزت رأسها باستحياء وقالت بتلعثم راق له. "آيوة. أنا جيت أدور عليها. أمي بعتالها أكل معايا." حرك أنفه وقال يمازحها. "آه باين من ريحته إنه جميل. هو أنا مليش نصيب فيه زي الدكتورة؟ خفضت عينها بتوتر ولم تعلم بماذا تجيبه لتخرج كلماتها متقطعة. "آه... أكيد." ضحك على خجلها وقال بجرأة. "حلو أوي. هقولها قربتك القمر عزمتني." تفاجئت من جرأته واحمر وجهها خجلًا. رغم أن وصفه أعجبها لكنها لم تتعود على هذا الأسلوب.
"إنتِ بتعملي إيه هنا؟ صوت أجفلها لترفع ناظرها تطالع صاحب الصوت الذي تعرفه جيدًا لتجده يقف وشرارة الغضب تجدح في عينيه تنذر بهيجانه. لتقول بهلع وارتباك. "جبت الأكل للدكتورة." أمسك ذراعها وجرها خلفه بعنف متجاهل نظرات الاستنكار من هذا الطبيب السمج حتى خرج خارج الوحدة. لتنفض يدها بغضب وقد أحست بالإهانة من سحبه لها بهذه الطريقة. "إنت بتجرني كده ليه؟ فاكرني بهيمة؟ إياك." "بهيمة وبجرة وحمارة كمان لو مش عاجبك."
نظرت له بتحدي وقالت. "احترم نفسك يا جابر." عاد يمسك عضدها ويهزها بغضب. "أحترم نفسي مش لما تحترمي نفسك أنتِ. الأول واقفة تتباهي وتتمايصي مع الدكتور. ولا همك." تلعثمت وقالت تشير لنفسها تستهجن حديثه. "أنا أتمايص يا جابر؟ جز على أسنانه وصاح بها بانفعال. "آيوة أنتِ يا هانم... وبعدين أنا مش نبهتك عليك إني أنا اللي آخد الأكل للدكتورة. إيه اللي جابك؟ ارتعشت من صراخه ولومه لها لتقول مفسرة. "اتأخر. قولت أجيبه أنا."
"اتأخرت ولا جيتي عشان تشوفي... أبتلع باقي حديثه متداركًا تهوره. هل سيخبرها أنه يغار عليها وأن لديه شك بأنها فضولها ساقها لترى ذلك الطبيب مرة أخرى وربما تكون معجبة به. هل سيهين كرامته ويخبرها أنه يغار عليها وهي تكرهه أصلاً. "ارخت قبضته حول يدها وقال بحدة. "خليكِ هنا. هودي الأكل للدكتورة وراجع. أوعي تتحركي." تركها وهم بالدخول ليستوقفه صوتها وهي تسأله بقلق تشير نحو ملابسه. "إيه الدم اللي على جلابيتك يا جابر؟
"حاجة بسيطة وعدت." قالها مقتضبًا وسحب الكيس منها بعنف ليسير بخطوات سريعة نحو الداخل.
كانت شاردة الذهن لا تفهم شيئًا من حديث سماح التي جلست تثرثر دون توقف تشرح لها تطورات والتجهيزات لحفل زفافها القريب. ثم انتقلت تسرد لها مواقف في عيادة طارق تشيد له مجددًا بأخلاقه وتعاملة المحترم مع المرضى. أغمضت عينيها بقوة علها توقف تلك المطارق التي تضرب رأسها. أفكار بشعة تخنق روحها. فلم تعد تلك الرسائل ترحمها. كلما بنت معاملته لها جدران الثقة ورممتها. جاءت تلك الرسائل تهدمها. تنهدت بأرهاق تدعك جبهتها. "مالك ياندى؟
شكلك مش طبيعي. أنتِ تعبانة؟ التقطت حقيبتها بوهن وعَلقتها على كتفها وهي تهز رأسها تؤكد لسماح حديثها. "آيوة. شكلي هستأذن. الصداع تعبني." ساعدتها سماح في النهوض وعينها تجرب قسمات وجهها بقلق. "أكلم الدكتور؟ يوصلك؟ "طارق مشغول دلوقتي. أنا هطلب أوبر. متشليش هم." نظرت لها سماح بلوم. "يابنتي خذي إجازة. أنتِ شكلك تعبانة."
ضغطت ندى على يدها التي تسندها وهي تغمض عينيها بألم وتعقد حاجبيها بعد أن شعرت بنغزات تضرب رأسها. حركتها زادت من قلق سماح. "مالك ياندى؟ هتقدري تمشي؟ عاوزاني أجي معاكي أوصلك؟ ابتسمت لها ندى ابتسامة باهتة تطمئنها. "متخافيش. أنا كويسة." وقفت سماح تراقبها حتى غادرت في سيارة الأجرة.
فتحت باب شقتها وما أن دخلت تعجبت من صوت إشعارات الهاتف التي توالت بتكرار مفرط تنبهها بوصول مجموعة من الرسائل دفعة واحدة. اتجهت نحو الأريكة بخطوات مسرعة وجلست بثقل. تفتح حقيبتها وتخرج منها هاتفها لترتعش يدها. اتسعت عيناها وهي تشاهد تلك الصور. شهقت قهرًا شقت سكون المكان لتشعر بقلبها يتحطم إلى أشلاء صغيرة تبعثرت تحت وطأة الخذلان. بدأت تحرك إصبع يدها المرتجف على شاشة الهاتف لتتسع عينها وهي تتنقل بين الصور. قلبها يرفض
التصديق وعقلها ينهره مستنكرًا. فالحقيقة واضحة أمامها لا تحتاج إلى إنكار. لقد انهار كل شيء. تهشمت حياتها وسقطت أحلامها أمام عينيه. بعد أن بدأت ترى لمعة الحب في عينيه. اليوم تشعر بخنجر الخيانة يغرس في قلبها. شلت قدمها عن الحركة ولم تعد قادرة على الحركة. لا تعلم الوقت الذي ظلت فيه جالسة على الأريكة. يأبى جسدها الحركة. عينها شاخصة نحو الهاتف تعيد تلك الصور أمام ناظريها كي تقنع قلبها الرافض بخيانته.
وبعد عدة ساعات على ذات الوضع سمعت صوت مفتاحه في الباب. دخل ليجدها في وضعها هذا فيصيبه الفزع والخوف. خطواته الراكضة جعلته أمامها في لحظات. يجثو على ركبتيه يمسك يديها ويسألها بقلق. "ندى مالك؟ فيه إيه؟ أنتِ كويسة؟ رفعت عينيها التي صبغتها دموعها بلون الأحمر لتواجه عينه بعتاب وهي تقول بصوت مختنق بكت من شدة البكاء. "إيه دا؟
رفعت شاشة الهاتف أمام نظره. ليمسكه بدهشة ونهض يجلس على الكرسي القريب يتفحص الصور. عينها كانت معلقة به تترقب جوابه. ساد الصمت فترة طويلة وهو يتنقل بين الصور. قسمات وجهه يرتسم عليها الغضب وهو يحرك أصابعه يكبر ويصغر تلك الصور. حتى سئمت من صمته فقالت مستهزئة بقهر. "إيه يا دكتور؟ هي الصور مش واضحة؟ زفر نفسًا طويلاً وقال بكسرة. "لأ واضحة يا ندى. واضحة." ألتصرخ بحرقة. "يعني معترف بخيانتك ليا؟ "ندى أنا مش خاين."
صرخ بها بصوت عالٍ جعلها تنتفض. ثم نهض مقتربًا منها يعطيها الهاتف ويقول بحسرة. "ياخسارة ياندى. أنتِ شايفةني واطي ومستهتر للدرجة دي؟ أمسكي يابنت عمي أمسكي. شوفي دليل خيانتي إيه. عيل صغير هقولك إنها مفبركة ومتعدل عليها. ولو تحبي آخدك دلوقتي عند أي حد بيفهم في الحاجات دي هيأكد لك كلامي." ليكمل متهكمًا بحزن. "بس أنتِ ياندى مقدرتش تشوفي دا. عارفة ليه؟ عشان أنتِ معندكيش ثقة فيا. شفتيني خاين من مجرد صور مزيفة."
صرخ بكلماته الأخيرة وهي لا تزال تمسك هاتفها وعينها متسعة بصدمة. كانها تجمدت تحاول أن تتحرى صدقه. وقلبها يلومها مقدمًا. ماذا ستفعل لو كان صادقًا ولم يخنها؟ أرتعشت يدها وأنسابت دموعها وهي تسأله بصوت مرتعش شابته ارتعاش خلايا جسدها. "والرسائل اللي بتوصلني وبتوصفلي لبسي وريحتك؟ مسح على وجهه بغضب يشتم تلك الحقيرة التي صنعت شرخًا بينهما. ماذا يخبرها؟
وتصرفات تلك المتبجحة التي أصبحت واضحة بالنسبة له. لكن كيف يخبرها ويزيد إثباتًا لشكوكه؟ تنهد يرتب كلماته بتعقل كي يقنعها. "عادي يا أستاذة. أي حد عاوز يفرق بينا طبيعي يعمل كدة. وحضرتك اديتيله الفرصة دي وصدقتيه." "وعاوزني أعمل إيه؟ وأنا شايفة صور جوزي مع ست تانية." قالتها بضعف ألمه. ليعود ويجثو أمامها ويمسك يدها برجاء. "بصيلي ياندى." وضعت عينيها الذابلة بمواجهة عينيه.
"ندى أنا عمري ما خونتك ولا هخونك. صدقيني ياندى. ولو كنت عملتها كنت هقولك والله." شدد على يدها بقوة وتوسلها. "بلاش ياندى. بلاش تخلي حد يفرق مابيننا. اللي بيبعت الرسائل دي عاوز يوصل لكدة. بلاش ياندى تخليه يوصل للي هو عاوزه." ليحول نظره نحو بطنها المنتفخة. "وحياة بنتنا. فكري. ولو عاوزاني أنا آخدك دلوقتي لأي حد يأكد لك إن الصور دي مزيفة."
عينها التي تورمت أجفانها كانت تراقبه في صمت. أتعبها ما يحدث. ذلك التيه أصبح يسجنها داخل بحور من الشك. صمتها الطويل جعله يشعر بنوع من الخيبة. هي لم تصدقه أو تحاول ذلك. نهض وقال لها بحزم. "فكري ياندى... واحسبيها صح. ولو أنتِ مش مصدقاني أنا مستعد لأي قرار." ثم تركها ورحل. لم يتحرك أي جزء منها. ظلت على حالها كأنها تمثال من الإسمنت القاسي.
دخل هو إلى الحمام وفتح صنبور الماء لتنهمر الماء البارد على جسده بقوة. تمنى لو استطاع هذا الماء أن يطفئ ذلك اللهب المشتعل. ضرب الجدار أمامه عدة مرات يتمنى لو يسحق تلك الغبية. ماذا تريد منه؟ ليلومه عقله. هل هو غبي بعد تصرفاتها تلك؟ ألم يفهم ماذا تريد؟ وتذكر تلك المسكينة التي تحملت ذلك الجنون. لكن لماذا يلومها ويطلب منها أن تصدقه؟
وهو لم يمنحها الحب والأمان. هو بخل حتى في كلمة "حبيبتي". حتى اعتراف الحب يخشاه. ولا يعلم لماذا؟ هل ما عاشه والداه هو السبب؟ أم عمليته المفرطة؟ هل يخاف من الحب؟ خلل أصابعه في خصلات شعره ليسري الماء بينها. يغسل ذلك الماضي الذي دمر حياته. لم يكن فارس هو الضحية الوحيدة لما حدث. هل ينسى ضرب والده له وهو يدافع عن والدته؟ هل ينسى بكائها بين أحضانه تشكو له رغم صغر سنه؟ هل ينسى كدماتها التي تشوه وجهها؟
أم احتضانه جثتها وتوسله لها أن تعود؟ سند بكفيه على الجدار وسمح لدموعه أن تنهمر مع قطرات الماء. لم يكن يريد الزواج ولولا شرط جده وخوفه من خسارة حلمه لما فعلها. آه... خرجت من فمه بحرقة. لم يكن يريد أن يكون جرحها الجديد. ولكن هاهو يقت*لها دون أن يرق دمها. جعلها شبح امرأة تمنت الحياة. آه... أهتز جسده من انهياره وتعالت شهقاته المكتومة التي خالطت صوتها صوت الماء المرتطم على الأرض. "سامحيني ياندى. غصب عني. آذيتك."
ليصمت فيصرخ قلبه. "أنا حبيتك ياندى. والله حبيتك." خرج من الحمام وارتدى ملابسه يبحث عنها فلم يجدها في مكانها. ذهب نحو غرفة صغيرته ليجدها غافية على السرير هناك وتحتضن ملابسها. يبدو أنها تطلب من صغيرتها أن تواسيها. اقترب منها بخطوات مترددة وخلع عنها حذاءها الذي لا تزال ترتديه ودثرها بالغطاء. أشفق عليها يبدو أن البكاء أنهكها. ثم انحنى يمسح على خصلات شعرها ليطبع قبلة رقيقة على جبينها ووجنتها وقال بتمني.
"يارب تصدقيني ياندى."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!