أتسعت عيناه بتعجب، هل وصلت بها جرأتها أن تأتي لعيادته بل وتقتحمها بهذا الشكل؟ فعلتها حررت شياطين غضبه ليهب واقفًا ويصرخ بها: -أنتِ إزاي تدخلي كده؟ رؤيتها لمشهد قبلته مزق قلبها. لم تتوقع أن تراه بلحظة حميمية هكذا مع من تبدو زوجته. ارتعش جسدها وهي ترى نظراته الغاضبة وعروقه النافرة تنذرها أنها تجاوزت خطوطها الحمراء. أبتلعت ريقها وقالت متلعثمة، تشير نحو الباب: -والله يا دكتور أنا خبطت على الباب بس الظاهر إنك مسمعتنيش.
ضغطت على حروف كلمتها الأخيرة كأنها تلمح لوضعه الذي رأته. أقتربت خطواته منها وازدادت ثورة غضبه بعد كلامها ليصرخ بها موبخاً: -ولما خبطتي مش تستني حد يسمحلك تدخلي؟ هي وكالة من غير بواب! لترفع يدها تحاول أن تشرح له وتقول وهي تمثل الحرج وتستحضر دموعها الكاذبة لكي تستعطفه: -والله يا دكتور ما كانش قصدي، أنا آسفة. ثم أدعت الأنخراط في البكاء وترفع صوت شهقاتها لتثير أستعطافه.
أجتذب صوت صراخه مسامع سماح التي هرولت نحو غرفته ووقفت تنظر لروان بدهشة وتوزع نظراتها بينها وبين طارق: -فيه إيه يا دكتور؟ وما أن رآها حتى قال يلومها وهو يشير نحو روان: -الأنسة دخلت إزاي يا سماح؟ -أنا آسفة يا دكتور، أنا يا دوب دخلت الحمام من دقايق وماشفتهاش. لتسرع هي بالدفاع عن نفسها: -أنا مشفتش المدام بس والله خبط الباب يا دكتور، أنا مش قليلة رابيه عشان أدخل من غير ما أخبط.
قالت كلماتها وأسترسلت في البكاء تحاول أن تجعله يشعر بذنب أو الأسف. الاتهامه لم تهزه دموعها ولم تؤثر به حتى شعر بيد ندى تمسك ذراعه: -خلاص يا طارق، هدي نفسك، حصل خير. زفر نفسًا طويلًا وهدأت ثورة غضبه مضطرًا بعد أن رأى قدوم المرضى الذين وجده يقترب بفضول. ولأنه لا يريد إثارة الأقاويل والريبة عن عيادته سألها: -جاية عاوزة أي؟ لتمد له يدها ببعض الأوراق وتقول بمكر تدعي القهر:
-دي شهادات تقدير من مركز الأيتام باسم حضرتك وكشوفات إيداع مبالغ ربح القناة في مستشفى الأورام، جبتهم عشان تشوفهم عشان تتأكد. نظر إلى الأوراق وقال متهكمًا: -وأنا من إمتى شككت في كلامك؟ وأردف يسألها بحدة: -وبعدين كان ممكن تديني الورق ده في الجامعة، جاية هنا ليه؟ كان أختراع الكذبة أمرًا هينًا عليها لتقول بصوت مثلت فيه الحزن: -كنت قريبة من عيادة حضرتك، قلت أسلمهم هنا. لوت سماح شفتيها بستةجان وهي تنظر لها وهمست مستنكرة:
-تلاكيك بنات آخر زمن. همست له ندى من جديد: -خلاص يا طارق. ليشير نحو سماح بأمر: -سماح، خذي الورق. واتبع ذلك نظرة مستنكرة نحو روان ليقول باقتضاب بعد أن رفع يده يشير نحو الباب: -متشكر، مع السلامة يا روان. خرجت بخطوات متوعدة وهي تردد مع نفسها بإصرار: -ماشي يا طارق، أما خليتك تحبني، أما خليتك تسيبها وتجيني راكع. أما هو فطلب من سماح أن تؤخر الكشف عشرة دقائق ريثما يلتقط أنفاسه. جلس يمسح على وجهه بقوة ويزفر أنفاسه بضيق.
أقتربت منه ووضعت يدها على كتفه: -أهدى يا طارق. نفخ بتأفف كأنه يحاول أن يطفئ نيران غضبه التي أوقدتها تلك المتبجحة. ضغطت على كتفه وسألته بتردد: -هي من البنت دي؟ رفع نظره نحوها وأخبرها بأضطراب: -دي طالبة عندي وهي مسؤولة القناة الخيرية اللي حكيتلك عنها. عينه كانت معلقة بها يترقب ردة فعلها فقد خشي أن لا تصدقه، لكنها خالفت مخاوفه ومسحت على شعره قائلة: -خلاص أهدى، أنت عندك مرضى ومحتاج تركز، وباين البنت مقصدتش. ليقول معترضًا
على وصفها بأنفعال: -دي تافهة وغبية. وأمسك يدها يحاول أن يساعدها في الجلوس بعد أن أسعده تفهمها وأهتمامها وأطرب قلبه ثقتها به. جلست بجانبه تمسح على يده بهدوء وعينها تحدق به بقلق: -أجيب لك ميه تشربي؟ ألتفت نحوها مبتسمًا ليداعب وجنتها بحنان: -تعرفي يا ندى، ساعات بحس إنك بتخافي عليا زي الأم اللي تخاف على ابنها. تورّدت وجنتها واخفضت عينها بخجل. تحركت يده يحيط كتفها ويجذبها نحوه يقبل جبينها: -ربنا يحفظك لي.
لترفع يدها تسحب يده وتضعها على بطنها المنتفخة: -ويحفظ لك ليا وليها. أنحنى يقبل وجنتها ويقول ضاحكًا: -دي بدل اللي الضاعت. ضحكت وقالت تمازحه: -لا كده أنا لازم أمشي قبل ما حد يطب علينا وعشان تشوف شغلك. ثم نهضت بمساعدته وغادرت المكان ليتنهد بأرتياح ويضع يده على قلبه، فها هي تثبت له كل يوم أنها تستحق أن تمتلك هذا القلب. ***
دخل إلى قصره لتجذب مسامعه صوت ضحكات والدته التي تجلجلت حتى أثارت دهشته. فلم يسمعها تضحك منذ وفاة شقيقه. أقترب من غرفتها ليجد صوتها يخالط صوتًا آخر يبدو أن هناك ضيوفًا معها. وكلما اقترب اتضحت هوية ذلك الضيف فلم تكن سوى تلك الممرضة التي أصبحت تتردد على منزلهم في الآونة الأخيرة بسبب مرض والدته. وقف على أعتاب غرفتها ليرى ذلك المشهد الذي لم يكن غريبًا عليه فقد تكرر أمامه أكثر من مرة.
تلك الفتاة الثرثارة تحتضن أبنة شقيقه وتداعبها والأخرى منسجمة معها بسعادة. تحمحم قبل دخوله لتبتعد عن الصغيرة وتستقيم واقفة ما أن رأته: -أحم... مساء الخير. -مساء النور يا غالي. -كيفك يا ست الكل؟ قالها منحنياً يقبل رأس والدته ثم حول نظره نحو تلك التي تقف تنظر لهم بأستحياء: -كيف صحتها النهاردة؟ لتجيب بحرج:
-الحمد الله أحسن بكتير بس لو التزمت أكتر هيكون أحسن، ولو سمعت كلامي هتتعافى بسرعة، ولو رضيت تأكل الأكل الصحي هيفرق كتير، ولو بطلت السكر يكون عظمة على عظمة. كان يقف يستمع لها ويغمض عينه متنهدًا بقلة حيلة يود لو يصرخ بها أن تتوقف. صوتها يثير حنقه حتى رحمته والدته عندما ضحكت قائلة: -والله الأكل اللي بتقولي عليه ده ماسخ ومفهوش طعم، يا جي أي جنب الأكل البلدي بتاعنا. ضحكت بخفة وقالت ساخرة وهي تشهر يدها
أمامها وتعد على أصابعها: -عندك حق يا حجة، يا جي أي جنب الأكل اللي بينقط سمنة ومليان سكر وملح وبيجيب تصلب شرايين وانسداد أوردة وضغط وسكر ودهون على الكبد. -واه... حيلك يا بتي، كل ده. قالتها والدة راجح وهي تلوح لها بيدها أن تتوقف لتبتسم زهرة وهي تهز رأسها مؤكدة: -وحياة عيونك الحلوة كل ده. -يجبر بخاطرك يا زهرة يا بتي بس العينين الحلوة راحت بعد ما راح الغالي. قالتها بعين دامعة جعلت زهرة تلوم نفسها لتغير دفة الحديث:
-أنا ماشية يا حجة، خلي بالك من توتو الحلوة. -لسه بدري يا بتي. -بدري من عمرك يا غالية، أمي زمانها عاملة غاغة. لتنظر لها بلوم وتقول تنهرها: -ولا غاغة ولا حاجة، أنتِ جولي بس كنت عند الحاجة أم راجح وشوفي مين هيفتح خشمو معاكي. أبتسمت لها زهرة بود وقالت: -تسلمي يا حجة، ربنا يطول في عمرك ويديكي الصحة. لتقرص وجنته الصغيرة وتقول: -توتو خلي بالك من نفسك، ناكل كويس فاكهه والخضار ونبعد عن الحلويات، ولو قولتي مش بحبه.
لتتوقف هي وتكمل الصغيرة: -هقولك مفيدة عشان صحتك. ثم أكملت: -ولو قلتي مش بحبها هقولك. لترد الصغيرة: -استحملي عشان صحتك. وتابعت: -ولو قولتي مش هقدر هقولك. لترد الصغيرة: -هزعل منك. ليضحك الاثنان معًا تشاركهما الحاجة تحية. كان يراقبهم بوجه ممتعض ويهمس ساخطًا: -يا ساتر يارب، نشرت الفيروس في العيلة. همت بالمغادرة، نظرت نحو الحاجة تحية وقالت برجاء: -مش هوصيكي، بلاش سكر يا سكر. ضحكت الحاجة تحية وهزت رأسها: -حاضر.
لتحمل حقيبتها وتغادر. وما أن غادر حتى قال بتذمر: -واه... البنت دي مبتسكتش، كيف الجطر، أكنها بالعة راديو. وما أن أكمل جملته حتى سمع: -نسيت أديكي علبة الدوا الأحتياطي يا حجة. ليلتفت نحوها ويجدها تقف عند باب الغرفة الدموع تلمع بين جفنيها ومن اختناق صوتها تأكد أنها سمعت ما قاله. تقدمت بخطوات مسرعة تعطي الدواء لوالدته التي كانت تنظر لها بحرج تتبعها نظرات لائمة له: -كتر خيرك يا بنتي.
التقطت منها علبة الدواء لتفر هي من أمامهم هاربة قبل أن تفضحها دموعها أمامهم. -ليه كده يا ابني حرام عليك، دي البنت طيبة وزي العسل، دا أنا مش بضحك ولابرتاح في الكلام إلا معاه. تصنع الجمود وقال بلا مبالاة رغم أنه أحس بالإحراج والندم: -وأنا أيش عرفني أنها هترجع؟ خرجت من القصر بخطوات راكضة تمسح دموعها الساخنة براحة يدها وتعاتب لسانها بقسوة:
-مش هتبطل الداء اللي فيك دا، خلتنا مسخرة للي يسوى واللي ما يسواش، كان عنده حق، طلعت الناس كلها شايفاني راديو. ثم توقفت فجأة والتفتت تنظر إلى القصر متهكمة: -بقى أنا راديو؟ يا ضفة الدولاب عشانا وشفنا حيطة بتتمسخر. عادت تكمل سيرها وهي تهمس سرًا وتنعته بأبشع الشتائم حتى لمحتها تسير تجاهها وجهها يحمل كدمات جديدة: -بت يا جميلة أي اللي حصل لوشك يا حزنية؟ لترد بصوت مكسور: -زي كل مرة... لتلومها بقسوة وهي تتلمس
جراحها والأخرى تتأوه بوجع: -أنتِ يا ولية هتفضلي ساكتة لحد ما يجيب أجلك! لتقول بعجز وألم تشكو لها بعين باكية: -روحت اشتكيت لأخويا وقال أرجعي بيت جوزك وأنا هبقى أتكلم معاه. لتنفعل زهرة وتضع يدها على خصرها ساخرة: -هيكلمو إمتى إن شاء الله؟ إذا كان هو أصلاً بيخاف منه! نظرت لها بخوف وقالت بصوت مرتعب وهي تضع يدها على كتفها: -زهرة أنا خايفة يعرف إني اشتكيت منه ويعملي حاجة. أستشاطت غضبًا وعضت على أصبعها بغيظ: -أخ...
لو كنت راجل بس كنت ضربته علقة عدمت العافية عشان يبطل يستقوى على اللي أضعف منه. يا أخي تفووو... على راجل فاكر الرجولة بضرب مراته. ثم نظرت لها وقالت بحزم: -بت تعالي معايا وأنا هحميكي وهخلي جدي عثمان يشهد كبارات البلد عليه. صمتت تنظر لها بشرود تتخيل عواقب هذا الفعل ومصيرها لو علم بذلك لتهز رأسها بعنف رافضة: -لا لا يا زهرة مش هقدر أعملها. ثم وضعت يدها على بطنها وقالت بأمل: -زهرة أنا حامل، جايز لما يعرف ينصلح حاله.
كررت حديثها بسخرية: -ينصلح حاله. لتزفر أنفاسها بشدة وتقول بيأس: -جايز يا جميلة. لتربت جميلة على ذراعها وتتركها مسرعة: -أنا اتأخرت لازم أرجع قبل ما يرجع، فتك بعافية يا أختي. ظلت زهرة تنظر لأثرها بحزن وتتمنى أن يتحقق أملها. *** دخل إلى شقته التي سكن الحزن أركانها وتوطد الألم تفاصيلها. كانت تغرق في ظلام دامس. الأمن بصيص نور يأتي من غرفتهم.
زفر أنفاسه بثقل، فكل تلك الشهور التي مضت لم تنجح في جعلها تنسى ولم تخفف وطأة الألم الذي جثى على صدرها فأخذ منها مأخذه. من يراها يشعر أن عمرها زاد سنين في تلك الشهور. فعينها ذابلة ووجهها فقد الحياة ونسي ثغرها كيف يبتسم. فتح باب الغرفة ليجدها تجلس على السرير تضع رأسها بين قدميها وتضمها إلى صدرها وبجانبها ملابس تلك الصغيرة الراحلة. أغمض عينه وبدأ يستجمع قوته التي بدأ يفقدها شيئًا فشئ.
أقترب منها وجلس على السرير يتلمس خصلات شعرها مناديًا: -هدى حبيبتي. رفعت رأسها نحوه بوهن وقالت بصوت متعب: -علي جيت إمتى يا حبيبي؟ مسح على وجهها ومرر أبهامه تحت عينها يمسح آثار الدموع معاتبًا: -لسه واصل... وبعدين يا هدى أنتِ مش وعدتيني تبطلي عياط؟ أحنا مش اتفقنا؟ أرتجفت شفاهها واهتزت اجفانها التي أثقلتها دموعها وهي تنظر له بقلة حيلة: -مش قادرة يا علي. أحاط وجهها بيديه وعاد يمسح دموعها:
-يا روحي حاولي وخلي ثقتك بربنا كبيرة. نظرت اليه برجاء وقالت متوسلة وهي تضع يدها فوق يده التي تحيط وجهها: -خلينا نجرب يا علي وبلاش نستنى، إن عاوزه أكون أم تاني. -حببتي الدكتور قالت ست شهور على الأقل بعد الإجهاض عشان ترتاحي. عادت تحاول تترجاه وتحاول أستعطافه: -طب نغير الدكتورة وحياتي يا علي وحياة بنتي اللي راحت. تبعت كلمتها الأخيرة انهيارها بالبكاء ليحتضنها محاولًا التخفيف عنها:
-خلاص يا روحي هنعمل كل اللي أنتِ عاوزاه بس بشرط. خرجت من أحضانه بسرعة وقالت وهي تمسح دموعها بلهفة: -أي هو؟ قرص وجنتها وقال مبتسمًا: -أشوف ضحكتك اللي وحشتني. لتبتسم ابتسامة باهتة فرفع سبابته برفض: -تؤ... تؤ... عاوز ضحكة حبيبتي اللي بعشقها. لتضحك من بين دموعها: -أيوه كده خلي وشك ينور بيها وتنور بها دنيتي. -بحبك يا علي. قالتها بعفوية كأنها تشكره على مساندتها: -وأنا كمان بحبك يا روح علي. ثم نهض يجذب
يدها ويحثها على النهوض: -يله غيري هدومك وتعالي أنا عازمك على العشا. -بس... عبس وجهه وقال بحدة: -يله يا هدى ومش هقبل أي رفض. وقبل أن تفتح فمها بأعتراض وجدته يحملها لتهتف بتعجب: -بتعمل أي يا مجنون؟ -هاخذك المطعم بالبجامة لو رفضتي. لتقهقه ضاحكة وتقول برجاء: -لا يا علي والله هغير أهو، نزلني بس. لينزلها وما أن لامست قدمها الأرض حتى هرولت نحو الحمام بسرعة ليضحك على فعلتها ويتنهد بأرتياح أنه استطاع أن يجعلها تبتسم وتضحك.
*** ساقته قدمه نحو الوحدة الصحية ولا يعلم هل حضوره مجرد شعور بالذنب أم شي آخر. دخل الوحدة وأتجه بخطواته نحو غرفة الممرضين فصوت ثرثرتها كان كفيلاً بأن يدله على مكانها حتى استوقفه صوت أحدهم: -راجح بيه أهلاً بحضرتك. التفت ليجد دكتور وائل يقف وينظر له بتلك الإبتسامة السمجة، ذلك المغفل أفسد خطته في رؤيتها. أجابه برتباك بعد محاولات في تبرير سبب وجوده ليدعك جبهته ويقول: -أهلاً يا دكتور...
كويس إني لقيتك، عندي صداع جامد خايف يكون الضغط عالي والا حاجة. نظر لها وقال مسرعًا وهو يشير نحو غرفته: -اتفضل يا بيه هقيسهولك حالاً. نظر له بضيق أخفاه خلف ابتسامته المزيفة وتبعه بأستسلام. أجرى له وائل الفحص وطمأنه أنه بخير وليس هناك داعي للخوف. خرج بعد أن سئم من ابتعاد وائل عنه أو تركه. فوقف يشكره أمام باب غرفته ليجدها تخرج من الغرفة برفقة صديقتها. وجهها يحمل ابتسامة عريضة تناقصت حتى اختفت ما أن رأته يقف أمامها.
لكنها تجاهلت وجوده وتجاوزته بعد أن رمقته بنظرة جانبية ممتعضة. جعلته يشعر بالأنفعال من طريقة تجاهلها. خرج من الوحدة يأخذ نفسًا عميقًا ويخرجه دفعة واحدة كأنه يطرد هذا الغضب الذي يستغرب شعوره به ولا يجد له مبررًا. فماذا توقع أن ترحب به أو أن تلقي السلام عليه. *** بعد يومين في بيت الحاجة نعمة. وقفت بجانب وائل وهو يجري لها الفحص بعد اضطراب وضعها. وما أن انتهى حتى وجدت جابر يدخل ويسأله بلهفة كأنه يسأل عن والدته:
-طمني يا دكتور ملها أمي الحجة؟ ربت وائل على كتفه وقال بعملية: -لا اطمن، هو شوية ارتفاع في الضغط وكمان أنا لازم أشوف حكاية المرارة، ياريت تعملوا التحاليل. أن بلغت دكتورة شمس وهي هتفهمكم. قالها وائل وهو يحول نظره نحو شمس التي تهز له رأسها تؤيد كلامه ثم شرع يلقي بعض الإرشادات لهم.
كانت شمس تراقب احتقان وجه جابر الذي لم تخفى عليه نظرات وائل الجريئة نحو ابنة عمه التي كانت جالسة بجانب والدتها ولا النظرات التي خطفتها ابنة عمه نحو هذا الطبيبة. هزت شمس رأسها بعجز وهي تنظر إلى وائل ذو العيون الزائغة فلم تسلم سيدة من نظراته الجريئة. حتى قررت إنهاء هذا الوضع: -متقلقش يا دكتور أنا موجودة إن شاء الله أعتمد عليه. أربكته حدة شمس ليتلعثم قائلاً: -آه طبعاً، عن إذنكم.
خرج برفقة جابر تتبعه أعين فرحة بأعجاب لم تستطيع إخفاءه لتسأله شمس وعينها معلقة على أثره: -هو دكتور وائل ساكن القاهرة؟ أجابتها شمس باقتضاب: -أيوه. ثم جلست بجانب نعمة تسألها بقلق: -أحسن دلوقتي يا خالة؟ ابتسمت بوهن وقالت تطمئنها: -الحمد الله. عادت شمس تنظر إلى فرحة التي كانت شاردة وتبتسم ببلاهة. تسلل الخوف إلى قلبها أن تكون نظرات ذلك الوقح قد زرعت شيئًا من الوهم في عقلها المراهق. ***
منذ أن ذهبت إلى العيادة وطردها بتلك الطريقة وهي تحاول استعادة ثقته ورضاه. اعتذرت أكثر من مرة وأقنعته أنها لم تقصد فعلتها تلك حتى استطاعت إقناعه. طرقت باب غرفته في الجامعة ودخلت بعد أن أذن لها بالدخول. رفع وجهه عن الأوراق التي كان يطالعها وقال: -خير يا روان، عاوزة أي؟ أقتربت من مكتبه وقالت وهي تحمل الأوراق: -قلت أجيب لك شهادات الشكر والتقدير، المكتب هنا أحسن ما أخذها العيادة ويحصل سوء تفاهم زي المرة اللي فاتت.
تقطبت حاجبه بأستغراب ثم خلع عنه نظارته الطبية وقال بتعجب: -شهادات تاني ليه؟ حدة صوته هذه المرة جعلتها تسرع بالتفسير وهي تحرك يدها نافيه: -لا يا دكتور أصل المرة دي من مستشفى الأورام بعد الإيداع، ممكن حضرتك تشوفه عشان تتأكد، دول حتى باعثين لك هدية معايا. أزدادت دهشته ونهض من مكتبه تجاهها وهو يسألها: -هدية أي؟ أنا مش مبلغك إن الاستشارات دي مجانية. أقتربت منه تعطيه الأوراق وتخبره موضحة:
-لا يا فندم، اقرأ حضرتك دي رسالة شكر مرفقة بهدية. التقط منها الأوراق وبدأ بقرأتها فوجدها رسالة شكر فعلًا من مستشفى الأورام، لكن ليس هناك ذكر لهدايا. كان مندمجًا بقرأت الأوراق عندما باغتته برش عطر عليه وقالت مبتسمة: -بصراحة الهدية مني، البرفان ده عجبك؟ أصل حضرتك ساهمت برفع مشاهدات القناة، ودا أقل تقدير.
تراجعت خطوتين إلى الوراء وبهتت ملامحها عندما وجدت عينه تتسع بغضب، فلم يستوعب كمية الجرأة التي جعلتها تتجاوز حدودها معه إلى هذا الحد. خرجت كلمات أسفها متقطعة: -آسفة يا دكتور، ما كانش قصدي أني أضايقك، كنت عاوزة بس آخذ رأيك في البرفان و... لم يمهلها إكمال حديثها يصرخ بها موبخًا: -أنتِ مين سمحلك أنك تتجاوزي حدودك بالشكل ده؟ أوعي يكون شغلي معاك أو تغافلي عن أخطائك صورت لك إننا بقينا أصحاب فمحيتي حدودك معايا؟ فوقي!
يصرخ بها فأنتفضت: -أنا هنا الدكتور وأنتِ طالبة عندي، وإذا كان على شغل القناة فأنا منسحب منه ومش عاوز الخير اللي يجي منها خلاص، أطلعي من مكتبي ومش عاوز أشوفك تدخلي هنا تاني. هزت رأسها رافضة بانهيار مفتعل: -لا يا دكتور أرجوك، أنا والله ما كانش قصدي، أعتذر والله بس بلاش تقطع سبيل الخير. حجة اتخذتها لأستعطافه فأبتعاده عن القناة يعني ابتعاده عنها لتبكي وهي تتوسله: -خلاص أنا مش هدخل المكتب تاني، أعتذر بس بلاش القناة.
قالتها وهي تمسح دموعها وتدعي الحزن. كانت أنفاسه متسارعة تخرج نيران غضبه معها ليمسح على وجهه ويقول لها مشيرًا نحو الباب: -اخرجي يا روان. ضمت قبضتيها ووضعتها أمام فمها برجاء: -يعني سامحتني يا دكتور؟ والله ما كانش قصدي، آسفة. أغمض عينيه وزفر طويلة خرجت منه وهو يكرر: -اخرجي يا روان. لتحاول مرة أخيرة علها تفلح: -هخرج بس قلي إنك سامحتني ومش هرجع هنا تاني. ظل يحدق بها يبدو أنها مصرة لينصاع لها كي يتخلص من إلحاحها:
-خلاص يا روان سامحتك بس اخرجي ومتجيش المكتب تاني، أنت فاهم؟ ضغط على كلماته الأخيرة بحدة جعلتها تخرج بسرعة وتغلق الباب خلفها ليزفر أنفاسه متأففًا، فهذه الفتاة يبدو أنها أصبحت تتمادى، يجب أن يضع حدًا لها ولتصرفاتها المجنونة. أما هي فما أن خرجت حتى مسحت دموعها الكاذبة وابتسمت بخبث فقد حققت مبتغاها ورشة العطر سوف توصل رسالتها وتحقق أهدافها.
كانت تمسك هاتفها بيد مرتعشة، تلك الرسائل التي كانت تتجاهلها سابقًا أصبحت اليوم أكثر إلحاحًا تصف لها ملابس زوجها ومواقف خاصة به تزرع في داخلها الشكوك أنه يخونها. وآخرها رسالة تخبرها أن حبيبة زوجها قد أهدته عطرًا يمكنها أن تشمه على ملابسه.
حاولت نفض تلك الأفكار لكنها ظلت تسكن رأسها تستنزف صبرها وتحرق تعقلها حتى شعرت بوصولهما. أن دخل ركضت نحوه تحتضنه. ورغم أنه أسعده تصرفها، لكن آثار ريبته في ذات الوقت فلم يتعود منها على احتضانه هكذا أو التمسح به هكذا. غرست أنفها بين ثنايا رقبته تتحرى حقيقة تلك الرسالة لتسري إلى أنفاسها رائحته التي صدمتها. ارتدت إلى الوراء خطوتين مبتعدة عنه تنظر إليه بعين متسعة. حركتها المفاجئة أثارت دهشته وزادتها
نظرته لتسأله بصوت مرتجف: -ريحة البرفان بتاعك متغيرة. لعن في سره تلك البجحة وجرأتها التي بدأ يمقتهالكن سؤالها أربكه ليرد دون مواجهة عينها مدعيًا انشغالها في خلع حذائه: -آه فعلًا، كنت عاوز أغير البرفان بتاعي، هشام نصحني بالنوع ده جربته لكن بصراحة معجبنيش. ثم رفع عينه لتصطدم بعينها التي كانت تحدق بعينيه كأنها تقتنص الحقيقة أم الكذب من بين حروفه: -أنت أي رأيك حلو؟
تاهت لاتعلم بماذا تجيبه، عقلها بدأ يستجيب لتلك الشكوك التي تزرعها زيادة تلك الرسائل التي بدأ تضرب ثباتها وتزعزع ثقتها به. عدم أجابتها أثار قلقه أن تكون كذبته لم تنجح في إقناعها ليعاود سؤاله: -ندى، روحت فين؟ عجبك البرفان؟ -لا. أجابته سريعة وحادة لاتعلم أهي له أم لعقلها الذي بدأ يعرض عليها مشاهد خيانته بأشكال مختلفة. لم تكن اليوم كما عهدها، نظراتها تشي له بعدم اقتناعها وصوتها يشوبه القلق.
نظر إلى رباط حذائه الذي فتحه تواً، فانسابت خيوطه متباعدة عن بعضها كأن خيوط تلك الحياة التي كان يحيكها بدقة كما تعود حتى أعتقد أنه أتم غرزها. ولما يبقى سوى أحكام عقده لتفك ذاك النسيج، تظهر صورة الحياة المثالية التي رسمها في خياله، لكن يبدو أن أحد غرزه قد حلت تنذر بأنفلات الخيوط من يديه وأنفراط عقده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!