لم يكن يتوقع أن ماقالته له كان حقيقة. ظن أنها تمزح حتى أعطته جوازها كي يحجز لها تذكرة معه. رغم أنه كان سعيدًا، لكنه كان متوجسًا في ذات الوقت. أما هي، فكانت مترددة وشعرت أنها قد تسرعت في خطوتها. لكن ماذا تفعل؟ كانت فكرة طرأت عليها عندما أحست أن ذهاب حازم معه يعني هدم ما كانت تصنعه في الأيام الماضية. "باين أنك ورطتي نفسك ياشمس. هتعملي أي دلوقت؟ هتكوني معاه في مكان واحد أربعة وعشرين ساعة."
صمتت قليلاً لتواسي نفسها في محاولة للتخفيف من شعور الارتباك الذي أصبح يسيطر عليها. "مهو قال إن عنده شغل. جايز ينشغل بصفقات." ثم رددت تحاول إقناع نفسها: "أكيد هينشغل." لتسمع صوته يناديها: "شمس… يلا هنتأخر على الطيارة." زفرت أنفاسها بضطراب وهي تحمل حقيبتها الشخصية وتردد: "يارب عديها على خير." ثم بدأت تأُنب
نفسها: "هبلة ومتهورة. كان لازم تعملي فيها أم العريف وصاحبة الضمير الصاحي. يعني اللي أبوه معرفش يربيه هتربيه انت يامجنونة." ليصدح صوته مرة أخرى: "يلا ياشمس." تتأفف متذمرة: "طيب انت التاني. هعيش معاك عشرة أيام إزاي؟ لترفع عينها للأعلى وهي تقف خلف باب غرفتها: "يارب يتيمة ومتهورة. استرها معايا يارب." كانت فرحة جدًا بمقعدها بجانب النافذة، فهذه المرة الأولى لها في ركوب الطائرة. ورغم خوفها، لكنها كانت سعيدة. سوف ترى الغيوم.
ليسألها بعد أن لاحظ حماسها وهي تنظر عبر النافذة: "سافرتي قبل كدة وإلا دي أول مرة؟ "لا دي أول مرة." سألها دون أن ينظر لها محاولاً مشاكستها: "خايفة؟ نظرت له نظرة جانبية وتحدثت باستهجان: "وأخاف ليه أن شاءالله؟ التفت نحوها ببطء وقال: "لا بس ركوب الطيارة بيكون مقلق خصوصًا لو للمرة الأولى." لتبتسم ساخرة وتقول بتحدي: "أطمن مش خايفة."
أعتدل في جلوسه وأغلق حزام الأمان حتى أعلن قائد الطائرة عن بدأ الإقلاع. بدأ قلبها يخفق خوفًا يزداد كلما قل الاتزان. حاولت أن تلهي نفسها بالنظر عبر النافذة، لكن حركة الطائرة شوشت تفكيرها وهزت أركان قوتها المزعومة. تمسكت بذراع الكرسي بقوة وأغمضت عينيها تعتصرها وهي تردد الشهادتين بهمس: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله."
كان يختلس النظر نحوها ويبتسم على عنادها، ليحاول هو أن يشغلها حتى تستقر الطائرة في الجو. ليمد يده ويضعها على يدها الممسكة بذراع الكرسي، لكنها لم تشعر حتى به. ليرفع أصابعها ويتمسك بها، لتتمسك بيده بقوة وتتشبث بها. تفاجأ بسعادته عندما شعر بيدها تتمسك به، ليوزع نظره بين وجهها ويدها ليستوعب هل ما يحدث حقيقة. وجدها لا تزال مغمضة العينين وشفتها تردد دعاء. أتسعت ابتسامته ليضغط على يدها أكثر يطمئنها.
ولكنه، وفي غمرة سعادته وبعد أن استقرت الطائرة في الجو، وجدها تنفض يده وتلتفت نحوه بغضب وتقول مستهزئة: "يعني أنت بقالك ساعة بتقولي خايفة وأنت طلعت خايف أكتر مني وماسك إيدي من كتر خوفك. كنت قولتلي أمسكي إيدي أنا. بخاف بدل اللف والدوران. مش عيب لما نعترف بمخاوفنا." أفغر فاهه واتسعت عيناه بتعجب بعد أن قلبت الطاولة عليه واتهمته بالخوف. لتشيح هي وجهها بالاتجاه الآخر تكتم ضحكتها على ملامح وجهه المتعجبة.
"أنا بخاف برضو. طيب ماشي ياشمس." تتمتم به بغيظ يضغط على أسنانه يحدق بها وهي تدعي انشغالها بالنظر نحو النافذة. الصمت كان سيد الرحلة بينهما. فهي كانت مندمجة في سحر جمال الخالق عبر النافذة، وهو كان يختلس النظر إليها يتأمل قسمات وجهها عن قرب. حتى قالت بعفوية وهي تعتدل في جلوسها: "سبحان الله. المنظر جميل أوي."
استغل هو الفرصة ليميل بجسده نحو النافذة حتى انعدمت المسافة بينهما. كتمت أنفاسها بأضطراب بعد أن فاجئتها حركته، ليقول بمكر وكأنه ينتقم منها: "تصدقي فعلاً جميل أوي. سبحان الله." عاد إلى وضعه ينظر بتسلية لاحمرار وجنتيها الذي زاد جمالها.
انقضت الرحلة ووصلوا إلى ميلانو، إحدى أكبر وأجمل المدن الإيطالية. وتعجبت بمعرفته بالمدينة وحتى بعض الكلمات الإيطالية التي ساعدته كثير. ليأخذها إلى أحد الفنادق التي اعتاد ارتيادها. قبل أن يصل إلى موظف الاستقبال، تفاجئ بها تمسك يده. "فارس، أنا عاوزة أوضة لوحدي." كان يتوقع طلبها، لكنه كان يخطط لشيء آخر. "بس ياشمس. هما لما يعرفوا إننا زوج وزوجة هتكون الغرفة مشتركة." توترت
واصرت عليه تحاول إقناعه: "هما مش هيتعرضوا لما يعرفوا إن دي رغبتنا." تنهد بحيرة وهو يحرك عينه يميناً ويساراً: "ماشي. هحاول." لمعت عينه بخبث واستغل عدم معرفتها بلغة الإيطالية ليدعي أنه يحاول سؤال موظف الاستقبال وعرض طلبها. لينظر نحوها بقلة حيلة: "مفيش ياشمس إلا أوضة مشتركة." عبس وجهها تخبره بضيق: "خلينا نشوف فندق تاني." "أستنى أما أجرب تاني." عاد يحاور موظف الاستقبال ليلتفت نحوها يسألها: "فيه أوضة مشتركة بسريرين."
تنهدت بيأس وصمتت لحظات لتخبره مضطرة: "خلاص." أخفى ابتسامة الانتصار التي ود لو يطلقها، فقد نجح مخططه. وصلوا إلى الغرفة التي كانت غاية من الجمال بأثاثها وتصميمها الإيطالي. أخذت عينها تجوب المكان بأنبهار وركضت نحو النوافذ التي كانت تطل على المدينة بواجهتها الجميلة. فتحت النافذة لتأخذ نفسًا عميقًا ثم أطلقته دفعة واحدة وظلت تتأمل منظر تلك المدينة. تحمحم حتى يخرجها
من تأملها لتلتفت نحوه: "احم… شمس. أنا هنزل تحت. تقدري تاخذي راحتك وتغيري هدومك." أومأت له بحرج ليغادر تاركًا لها المكان. لتنظر لآثره وتدخل في نوبة ضحك وهي تقفز وتقول: "وأخيرًا بقيت لوحدي." فتحت ذراعيها والقت بنفسها على السرير براحة. تمتم ساخرة: "عايش عيشة ملوك يا ابن محسن ومش عاوزينك تنحرف."
عاد بعد ساعة قضاها في إجراء بعض المكالمات الخاصة بعمله. فتح الباب ووقف مكانه عندما وجدها ترتدي إسدالها وتقف تصلي. كم كان صوتها جميل ودافئ يشبه صوت والدته. ظل يتأملها حتى وجدها تنهي صلاتها وتلتفت نحوه تسأله: "لو تحب تصلي فأتجاه القبلة كدة." قالتها تشير نحو القبلة ثم أكملت: "أصلي. عندي برنامج على الموبايل يعرف القبلة وأوقات الصلاة." أرتبك لا يعرف ماذا يجيبها. أيخبرها أنه لا يصلي أصلاً ومنذ زمن أيضاً؟
ليتلعثم ويقول وهو يستدير ليغادر مرة أخرى يهرب من نظراتها: "اه. اكيد هصلي. هخلص مكالمة مستنيها وراجع." أغلق الباب مغادراً. لتخفض نظرها نحو سجادة الصلاة تتنهد بضيق وتتمتم بيأس: "ومش بتصلي كمان." تعمد إطالة الوقت بالخارج علها تنام ويتخلص من نظراتها التي تراقبه وتشعر ه بالندم. عاد بعد مدة من الزمن ليجدها تقف أمام المرآه تمشط شعرها الذي انسدل على أكتافها بنعومة أكسبها جاذبية أكبر وترتدي بجامة محتشمة زهرية اللون.
لمحت صورته المنعكسة في المرآه وعينه تحدق بها. لتشعر بالحرج. ابتلعت ريقها بخجل واسرعت بحركتها متجهة نحو سريرها تجلس عليه تنتظره يتحرك لتدفن نفسها تحت الغطاء. لكنها تذكرت شيئًا لتسأله: "فارس. كنت عاوزة أطمئن البنات أني وصلت." لمعت عينه بمكر مجدداً ليجلس بجانبها ويخرج لها هاتفه. يميل نحوها بشكل أزعجها وهو يقول: "أنا عندي خط دولي تقدري تتصلي." التقطت منه الهاتف ونهضت بسرعة مبتعدة عنه بوجهه محتقن: "أنا سيفت رقم ندى."
هتف بها وهو يبتسم على تصرفها. اتصلت بشقيقتها تطمئنها. "الو. أيوه ياندوش." "أيوة ياحبيبتي وصلنا. طمني هدى." "ماشي ياروحي. انت كمان خلي بالك من نفسك." "مع السلامه." التفتت لتجده يحدق بها. وقفت أمامه ومدت له يدها بالهاتف: "أتفضل." أخذ منها الهاتف وقال لها: "حلوة علاقتكم ببعض." "ملناش غير بعض. إحنا واحد. ماما ربتنا على كدة." قالتها وهي تزيح الغطاء وتتمدد تواليه ظهره.
نظر لها بحسرة على كلمتها الأخيرة التي لامست جرحًا من الماضي ظن أنه التأم. وضع رأسه على الوسادة لكن النوم هرب منه. هو معها تحت سقف واحد. نظر باتجاهها ليجدها غارقة في نومها، أو ربما تتصنعه. أغمض عينه يجبرها على النوم، لكن كلما دنا من النوم ابتعد عنه وظهرت صورتها. كل يوم يراها أجمل من سابقه. كان مغمض عينه عندما سمعها تنهض من سريرها. ليدعي النوم. سمع أقدامها تصل أمام النافذة. فتح عينه قليلاً يراقبها.
وقفت تنظر إلى أنوار تلك المدينة التي تتلألأ كالنجوم. لتتنهد في حيرة تشعر بالاختناق وهي تجد نفسها تسير في طريق لا تعلم نهايته. التفتت تنظر إليه. ثم تطالع الظلام إلى شقته. تلك الأنوار وتفكر في أيامهم القادمة. زفرت نفسًا طويلاً تخرج معه ذلك الهم الجاثم فوق صدرها. عادت إلى سريرها تحاول النوم مرة أخرى علها تهرب من ضجيج تلك الأفكار التي أتعبتها.
عاد إلى المنزل بعد يوم عمل متعب. ظن أن هدى لا تزال في بيت شقيقتها. جلس على أقرب مقعد بجسد منهك يحاول خلع حذائه. ليرن هاتفه الذي وضعه توًا على الطاولة. رفع نظره ليجد والدته. ليضغط زر الإجابة وضغط زر مكبر الصوت. ثم عاد يخفض عينه يفتح رباط حذائه. "الو. أيوه يا ماما." تصرخ به بأنفعال: "أي هي مراتك نستك أمك ياولد؟ تطلع جناحك قبل ما تسلم عليه واعرف إنك وصلت من الخدم." زفر أنفاسه بيأس وأجابها بتذمر: "وهدى مالها ياماما؟
أنا جيت تعبان وقلت آخد شور وانزلك." "تاخد شور والا تأخذ إذن منها عشان تشوف أمك؟ "أي الكلام دا ياماما؟ هدى عمرها ما اعترضت على وجودي جنبك. بالعكس دي بتلومني لو اتأخرت عليك." "اه مهو باين." ركل حذائه بغضب وهو لا يعلم ما يرضيها. "ماما. آخد شور وآجيلك. مش هتأخر." "ماشي. أما نشوف." أغلق الهاتف وارتد بظهره إلى الوراء يعيد رأسه إلى الخلف. يغمض عينه بأرهاق. لا يعلم كيف يقنعها أن هدى لا تريد خطفه منه.
نهض متجه نحو غرفته ليفتح باب الغرفة ويتسمر مكانه وهو يجدها تجلس على السرير بزينتها الجميلة. يبدو أنها كانت تعد له مفاجئة. لكنها وجدها تعتصر يدها ورأسها منكسة. شعرها ينساب على جانبي وجهها. علم أنها سمعت مكالمته مع والدته الذي بغبائه جعلها تسمع الكلام الذي قالته عنها. ابتلع ريقه الذي جف من شدة توتره واقترب منها يناديها: "هدى." رفعت نظرها نحوه وازالت دموعها وقالت بصوت متحشرج: "الحمد لله على السلامة."
اقترب أكثر وجثى على ركبته أمامها. امسك يدها يقبلها ويسألها بأضطراب: "انت سمعتي كلام ماما؟ هدى ماما ماكنش…" لتضع أصابعها على شفته تمنعه من إكمال كلامه: "عادي. تعودت. هي مابتحبنيش والام تقبلاني ومفكرة إني عاوزة آخذك منها. مفيش داعي يا علي تبرر." لتنهض بسرعة تتجاوزه وهي تقول: "هحضرلك العشا." ربما تريد أن تهرب من ذلك النقاش العقيم. فلقد سئمت من تبريره وتجاوزات والدته عليها. زفر أنفاسه بقلة حيلة.
لكنه حاول أن يحدثها: "رجعت امتى وليه متصلتيش بيا؟ قالت دون أن تستدير: "دكتور طارق رجع بيدي واتكسفت أفضل عندها. طلبت منه يوصلني هنا. أنا عملتلك المكرونة بالبشاميل اللي بتحبها. تحب تتعشا والا…" تنهد بضيق وهو يتبعها نحو المطبخ. ادعت انشغالها تهرب من عينيه. لتضع الطعام بصمت ويجلس ليتناوله. كانت تحرك شوكتها على قطع المعكرونة تقلبها بذهن شارد. حتى هو لم يستطيع أن يتناول شي وهو لا يعلم ماذا يقول. لقد نفذت أعذاره. ساد
الصمت بينهم حتى قطعه هو: "تسلم أيدك يا حبيبتي. تجنن." رفعت عينها نحوه ببطء ورسمت ابتسامة باهته على وجهها: "بالهنا والشفا." غرس الشوكة في قطع المعكرونة ثم رفعها نحو فمها وعينه تترجاها: "كلي ياهدى. وحياتي مش عارف آكل من غيرك." "أنا باكل أه." وقالتها وهي تشير نحو طبقها. لكنه قرب اللقمة حتى لامست شفتها: "عشان خاطري." ارتعشت شفتها لتفتحها وتلتقط الطعام منه. ابتسم لها ثم غمز لها قائلاً
يشير نحو شوكته: "دلوقت أقدر آكل فيها بعد ما لمست شفايفك. أكيد الأكل فيها هيكون طعمه يجنن." داعبه وجهها ابتسامة هادئة: "ايوه كده يادودي. خل الدنيا تحلى. وكمان ياستي أنا هغسل الأطباق عشان تعرفي إني زوج متعاون." ظنت أنه يمزح حتى وجدته يجمع الأطباق رغم رفضها ويقف على الحوض يغسلها. لكنها تفاجئت به يخرج وعاء كبير ويضع فيه كمية من سائل غسيل الأطباق وأضاف الماء. ثم فتح الأدراج يخرج منها مجموعة من القصبات الخاصة بالعصير
(الشالمو) ليحركها داخل الخليط حتى صنع رغوة. ثم جذب يدها: "تعالي. هنلعب لعبة كنا بنلعبها زمان أنا وفارس." لتجده يرفع القصبات من السائل في الهواء ثم نفخ محدثًا فقاعات الصابون. تطايرت في الهواء وغمرتها. لتقول: "بصي. لازم نفقع البالونات. والي هيفقع أكتر هو الفايز." ثم أعاد الكرة ونفخ الصابون في الهواء مرة أخرى ليتنافسا في تفجير فقاعات الصابون وسط ضحكاتهم وهما يتتبعان الفقاعات.
أعاد نفخ الصابون عدة مرات ليجدها تندمج باللعبة وتزداد ضحكاتها. لينظر إلى وجهها الذي لونته بسمتها. كم هي جميلة وهي تغمض عينيها إن لامستها الفقاعات وتنفجر ضاحكة لو انفجرت على وجهها. ياللهي كم يعشقها. رفرف قلبه بسعادة بعد أن استطاع إعادة ضحكتها. وتنهد بارتياح وهو يفكر. هل سوف يستطيع دائمًا من إعادة السعادة لها. لينغز قلبه فكرة أنه قد لا يستطيع أن يعيد لها السعادة دائمًا.
تعالت ضحكاتهم وهو يعود لاندماجه باللعب معها. ينسى معها كل أفكاره السلبية وينعم بلحظات جميلة تبعدهم عن العالم حولهم وتنشر السرور من جديد في قلوبهم. غمرتها السعادة وهي تجده يعرض عليها تناول العشاء في الخارج كنوع من الترفيه. جلست أمامه تطالعه وهو ينتقي الطعام بلباقة. وعينها تتأمله بأعجاب. كم هو وسيم ومثقف. ينتقي الأشياء بدقة. ليسخر قلبها منها. هو ينتقي كل شيء بدقة إلا هي. لم تكن من اختياره. "عجبك المكان ياندى؟
دارت عينها بالمكان لتقول له بأستحسان: "حلو وهادئ." طالعها بابتسامة: "فعلاً هادي عشان كدة أنا دايما بحب أجي هنا." ساد الصمت بينهم لوقت قليل قبل أن يقطعه هو: "أزي الشغل في المدرسة؟ مستريحة فيه؟ "أيوه. أنا أصلاً بحب التدريس. زمان كانت شمس بتخليني أدرسها. بتقول أسلوب بيخليني أفهم بسرعة." "حلو إن الواحد يشتغل المهنة اللي بيحبها." "وأنت. بتحب الطب؟ سند
ذراعيه على الطاولة يجيبها: "ايوه. الطب حلمي من زمان بس محتاج وقت وجهد عشان أبني نفسي وأثبت وجودي." "ربنا يوفقك. أنت مجتهد ولكل مجتهد نصيب." أرتبكت عندما وجدته يمسك يدها الموضوعة على الطاولة يحرك أبهامه على ظهرها بحنان: "عشان كدة ياندى عاوزك تستحمليني الفترة الجاية. أنا محتاج أكثف جهدي وكمان أنا هستلم الشقة اللي هعملها عيادة. فأكيد هنشغل عنك شوية."
لا تعلم هل تفرح لأنها أحست أنها مهمة لديه ليستأذنها. أم تحزن فذلك يعني استمرار ذلك البرود والبعد الذي أصبح يضرب أركان هذا الزواج. لكنها ستسير على خطى والدتها وما تعلمته منها. لترفع يدها وتضعها على يده تخبره بأبتسامة: "انا معاك يا طارق وهسندك أكيد." يدها التي حطت على يده تمنحه الدفء والأمان. تشعره بمشاعر طرقت أبواب ذلك القلب المتجمد. لتتسع ابتسامته: "متشكر ياندى."
أستيقظ صباحاً. فتح عينه على صوت منبه الهاتف الذي أعده مسبقاً. ليتثائب بكسل. نظر باتجاهها ليجدها تغط في نوم عميق. اعتدل في رقوده ثم عاد يحدق بها ليقول ساخراً: "ملاك وأنتِ نايمة." ثم ضحك بخفة: "دلوقت تصحي وتقلبي علينا." يجذب انتباهه رباط شعرها الموجود على الطاولة بجانبها. انتابه فضول ليلتقطه ويقربه من أنفه يستنشق رائحتها. ولا يعلم لما ضمه داخل قبضه يده وعاد يستنشقه. مشاعر غريبة بدأت تدغدغ هذا القلب الضائع.
نهض متجه نحو حقيبة سفره يخبئ رباط شعرها داخله. لكن وجد قدمه تسوقه نحوها مرة أخرى. جثى على ركبته أمامها يتأملها. ثم مد يده يحاول إزالة خصلات شعرها. لكن يده تجمدت قبل أن تصل إليها. ونهر نفسه يوبخه. لينهض تاركاً إياها يهرب من قلبه الذي بدأ يميل إليها. كان دليلها في هذه المدينة الكبيرة ليأخذها في جولة في شوارعها التي مميزة والتي جمعت بين الثقافة والتطور. وتجولت بين محال الموضة يعرفها على أشهر الماركات.
جلست أمامه في أحد مطاعم ميلانو الشهيرة بصناعة البيتزا. تنظر نحو البيتزا الموضوعة أمامهم لتقول متحمسة: "كان نفسي أجربها في بلدها الأصلي." "بس فيه مطاعم بيتزا مشهورة كتير في مصر." "بس مش هيقدروا يوصلوا للطعم الأصلي. هنا بلدها أكيد هيختلف الطعم." ضحك وهو يراها ترفع إحدى قطع البيتزا تشم رائحتها وتنظر لها عن قرب. ليسألها متفاجئًا: "بتعملي أي؟ "كنت عاوزة أعرف مكونات العجينة." ثم قضمت قطعة وبدأت بمضغها. لتغمض
عينها وتقول باستمتاع: "الله. مش قولتلك في بلدها هتختلف. جرب كدة." أخذ هو أيضًا قطعة بعد أن رأى استمتاعها وبدأ يمضغ ليبتسم يخبرها: "تصدقي فعلاً طعمها جميل ومختلف." "مش قلتلك اديني العيش لخبازه."
قالتها وهي تأخذ قطعة أخرى وتبدأ في تناولها. ابتسم على استمتاعها وحركات وجهها. ليخفق قلبه من جديد يذوب في تفاصيلها كما ذابت اللقمة في فمه. لكن كل شيء تبدل عندما تجهم وجهها وهي تشعر بأصابعه تمسح جانب فمها يخلصها من بقايا صلصة البيتزا. تسحب منديل ورقيًا وتمسح فمها بعنف وكأنها تزيل آثار لمساته: "أنا شبعت خلاص." علم أن حركته هي سبب انزعاجها. لكنه لم يقصدها. لم تكن سوى حركة عفوية. قرر مجاراتها: "براحتك."
لتطالعه بوجه متعب وهو يظهر أستمتاعه بتناول قطع البيتزا الباقية وكأنه يستفزها. أبتسم خلسة فقد وصل لمراده وأستفزها بالفعل. أستفاق على ندائها بفزع ويدها تهز جسده: "فارس. أصحى يافارس." فتح عينه بهلع يسألها بخوف وهو يعتدل: "مالك يا شمس؟ "عاوزة انزل تحت. الدنيا بتمطر." حاول استيعاب ما تقوله ليسألها: "عاوزة أي؟ "عاوزة أتمشى تحت المطر." اتسعت عينه بغيض وقال بحده: "مصحياني بشكل دا عشان حضرتك عاوزة تتمشي تحت المطر؟!
"ارجوك يافارس. أنا مش هقدر أنزل لوحدي." قطب حاجبه وقال باستياء: "يابنتي الدنيا برد." "مش برد أوي. ارجوك." تنهد بيأس وقال وهو يزيل الغطاء عنه بأنزعاج: "أمري الله. يلا." نظرت له بامتنان لتقول بفرح: "متشكرة أوي."
يضحك وهو يرى فرحتها بموافقته. ليرافقها نحو الأسفل. وقف يراقبها تحت تلك المظلة. وبدأ يبتسم بعفوية عندما وجدها تفتح ذراعيها كأنها تحتضن قطرات المطر التي تتساقط عليها وتحتضن جسدها. اتسعت ابتسامته وهو يجدها تدور حول نفسها...
وترفع رأسها نحو الأعلى وتضحك كأنها طائر ينشد الحرية. ليتراقص قلبه كما تراقصت قطرات المطر على الأرض حولها. واليوم يكتشف أنها لا تخفي ضعفها فقط ولكن تخفي داخلها طفلة تود الهروب والاستمتاع بالحياة. كأنها كبتتها وحبستها داخل الماضي لتخرج اليوم دون إرادة منها. نسمات الهواء الباردة ضربت جسده ليرتجف من البرد ويضم جسده يحرك يده على عضده عله يشعر بالدفء.
اصطكت أسنانه. ليفك راحة يديه وينفخ عليهما. نظر نحوها وهو يجدها مستمتعة تتمايل تحت قطرات المطر. ليقول بغيظ من بين أسنانه: "مجنونة وهتجيبلنا المرض." ليضع يديه على جانبي فمه ويصرخ مناديًا عليها: "شمس. يا مجنونة. كدة هتعيي." صوته الذي نافس صوت المطر للوصول إليه. لم يثنيها عما كانت تفعله. كأنها في عالم آخر. ظل ينتظرها بقلة حيلة. حتى شعر أنه لا يستطيع أن يقف أكثر. ليتجه نحوها بسرعة يهرب من المطر الذي بدأ يبلل ملابسه.
أمسك ذراعها وهتف: "كفاية كدة. خلينا نرجع." يده التي لامست ملابسها المبللة أيقظتها من اندماجها. لتنظر له وليتها ما فعلت. فأهدابها التي اثقلها المطر وقطراته التي ملأت وجهها لتتلألأ على وجنتيها مع انعكاس أضواء المصابيح. زادتها فتنة. جعلته يتيه تلك الدقائق في عينها التي جعلته يرى صورة جديدة عنها. رقيقة وحالمة تحلم بالأمان والسعادة التي منحتها إياها دقائق قليلة. تحت المطر.
ما بال جسده أصبح دافئًا. قلبه الذي يخفق بقوة بين أضلعه. وهو يحدق داخل عينيها وتلك المشاعر التي أصبحت تتملكه. وتجعله يقف كالمغيب أمامها. حتى نسي ما أراد قوله. أما هي. وقفت تطالعه وهذه اللحظات من التواصل البصري التي كانت بينهم جعلتها تراه يحدق بها. عيناه تخبرها بما تخشاه. وكأنها تشي لها بمشاعره. لتقرر أن تقطع تأمله لتهرب منها وهي تقول متصنعة الضيق: "سيبني شوية يا فارس."
صوتها انتشله من تلك المشاعر التي أصبح يتذوق لذتها بقربها. ليفيق على وضعهم وقد ابتلت ملابسهم بالكامل. وبدأ البرد يضرب عظامه. ليسحبها عنوة وهو يقول: "كفاية يا مجنونة. هنتعب كدة." شعرت بيده المرتعشة. وجسده الذي يرتجف كما ارتجفت الكلمات على لسانه من البرد. لتشفق عليه وتتبعه مرغمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!