الفصل 18 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
17
كلمة
4,022
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

سارت بجانبه تكتم ضحكاتها وهي ترى حنقه منها بعد نظرات موظفين الاستقبال التي تبعتهم. وصلا إلى غرفتهم ودخل بخطوات مرتجفة وملابسه مبللة، شعره الذي تشعث يقطر الماء منه ليبدأ بالعطاس. فالتفت إليها يلومها: -عجبك كدة أهو هندخل على دور برد. -متخافش دا أنت عطست بس تغير الجو عليك مابين بره وجوه. كان يزيل قطرات المطر عن وجهه بضيق: -تغير جو وأنا حاسس أني هتجمد. قطبت حاجبها بغضب وقالت: -يا عم خذ شور دافي هو حد حايش.

نظر لها بطرف عينه ليتهكم: -ما شاء الله شور دافئ حليتيها انت كدة. أشاحت وجهها عنه قبل أن ترد عليه بعد أن دخل في نوبة عطاس، يتمتم بأنزعاج وهو يأخذ ملابسه متجه نحو الحمام. *** كانت تغط في نومها عندما استفاقت على صوت همهمات وأنين. دعكت عينها واعتدلت لتنظر نحوه وتجد جسده يرتعش بالكامل. أزاحت الغطاء عنها واتجهت نحوه. اقتربت منه وانحنت تلمس جبهته لتلسع يدها حرارة جسده. أبعدت يدها بقلق. -دا سخن أوي اعمل أي.

أخذت منشفة صغيرة وبللتها بالماء. جثت على ركبتها لتزيح حبات العرق المتجمعة على جبهته وتمسح بمنشفتها المبللة وجهه وجبهته. ليقلبها أيضا صوت اصطكاك أسنانه وانتفاض جسده، يلهمهم بارتعاش: -بررررردان … بردان. نهضت بهلع تطلب له أغطية إضافية وعادت تبلل منشفتها وتمسح على وجهه وجبهته ثم يديه. وتذكرت ذلك المسكن الذي لطالما كانت تحمله معها في حقيبة يدها. أمسكت الحقيبة تبحث بين جيوبها بأضطراب.

وجدته أخرجته لتفلت الحقيبة وتتحرك بخطوات سريعة نحو. وضعت يدها تحت رأسه ترفعها ليفتح عينه بوهن: -فارس أنت سخن لازم تاخد مسكن. كان يحرك عينه كأنه في عالم آخر. اقتربت منه لترفع رأسه أكثر تسنده بيدها، دست حبة الدواء في فمه وقربت الكأس من فمه: -أشرب يافارس… أشرب يافارس. رفعت الكأس وبصعوبة ارتشف القليل من الماء. أراحت رأسه مرة أخرى على الوسادة وعادت تمسح وجهه تعمل له كمادات. لكن جسده عاد يرتعش وبدأ يتصبب عرقه حتى تفاجأت

به يهلوس من شدة الحرارة: -ماما … ماما … متعمليش كدة … متسبنيش. امتزج مشاعرها مابين الإشفاق والقلق. يبدو أنه قد عانى من فقدان والدته. اقتربت منه تمسح على وجه لكن هذه المرة بيدها لتلامس جبهته ثم وجنته وكأنها تواسيه. حرارة جسده التي انتقلت ليدها زادت من خوفها وشفته المرتعشة تنذر بالخطر. حتى ارتطام أسنانه ببعضها زاد من توترها. ليعاود ترديد ندائه لوالدته وكأنه يراها: -ماما … ماما.

تلك الهلاوس جعلتها تفكر وهي لا تزال تحرك يدها على وجهه وتسأل نفسها هل فقدانه والدته جعله ينحرف؟ يبدو بأنه يفتقدها. -الظاهر يافارس وراك حزن كبير بتكابر عشان تخفيه. سمعت طرقات على الباب لتنهض تستلم الأغطية من العامل وعاد تدثره وتستكمل عمل الكمادات. ظلت على تلك الحالة حتى قرب الفجر. تمكن منها النعاس وشعرت بالإرهاق الذي ظلت تقاومه حتى أحست بانخفاض الحرارة لتتنهد بأرتياح.

اتجهت نحو سريرها تستلقي عليه بجسد منك وتغط بنوم عميق ما أن وضعت رأسها على الوسادة. *** عاد إلى المنزل ليجدها تجلس أمام التلفاز وعقلها غائب في مكان آخر. ألقى عليها التحية فلم تجبه. جلس بجانبها يسألها بتعجب: -مالك يا صفاء؟ صوته انتشلها من أفكارها لتلتفت نحوه ترمقه بحنق وتعود تنظر للتلفاز: -ابنك نسيني خلاص بنت أخوك خدتو مني. قطب حاجبه بغضب وقال بعد أن أزعجه كلامها: -بنت أخويا يعني مراتها. ستهجنت كلامه لتلتفت نحوه وتصرخ:

-مراته تنسيه أمه. -صفاء. صاح بها موبخاً: -وطّي صوتك لما تكلميني. وبعدين تأخده منك أي هدى مراته وانت أمه. دا ابنك يا هانم مش حلق في ودانك عشان تقولي أخدته مني. -امال تفسر بأيه يرجع من غير ما أشوفه وبقالي ساعتين بستناه ينزل ومنزلش ها تسميه أي يا حسن. -اسميه راجل وقاعد مع مراته فيها أي دي وحضرتك شوفتيه الصبح خلاص سيبه وبكره أكيد هينزل وتشوفيه الدنيا مطارتش يعني مفيش داعي للهوليلة الي انت عملاها. -اتسعت

عينها وقالت تستنكر حديثه: -عاوزني استناه لبكره أنا هتصل بيه ينزل دلوقت. وكادت أن تلتقط هاتفها لولا يده التي سبقتها ليمسك يدها يمنعها: -صفاء سيبي الولد يأخذ راحته مع مراته. كلماته أشعلت غضبها لتثبت يدها على خصرها وتقول بسخط: -طبعاً بدافع عنها وعاوز راحتها مش بنت أخوك. امتعض وجهه وقال بضيق: -أيوه بنت أخويا وهتاف معها واسندها ومش هخذلها زي ماخذلت ابوها وهقف في وش أي حد عشنها حتى لو كان انتِ ياصفاء. تسارعت أنفاسها

بغضب ونظرت لها بعتاب: -هي وصلت لكدة ياحسن. -أيوه ياصفاء واعقلي يابنت الناس معاداتك لبنت اخويا هتخسرك ابنك. قالها حسن وهو ينهض ويتركها وهي تردد كلمته بخوف: -اخسر أبني. *** تململ في رقوده يشعر بجسده منهك. ملابسه رطبة. حاول فتح أجفانه التي اثقلها المرض وثقل تلك الأغطية زاد من صعوبة حركته. اعتصر عينه ثم عاد يحاول فتحها حتى استطاع أخيراً أن يفتحها. حاول أن ينهض لكن جسده متعب.

دار برأسه باتجاهها ليبتسم بوهن على هيئتها وقدمها متدلية من السرير. شعرها مشعث يغطي وجهها. لفت انتباهه تلك المنشفة الموضوعة بجانب السرير وشريط الدواء الذي بجانبها. قطب حاجبه بحيرة يحاول تذكر ما حصل وأطياف مشاهد من الليلة الماضية تتجسد امامه. مناداتها له إعطائه الدواء ثم نظر إلى الأغطية التي وضعت فوقه. ابتسم مجددا وهو يتذكر مساعدتها له. لكن المرض اثقل أجفانه مرة أخرى ليعود ويغط في نوم عميق. ***

جرس الاستراحة رن معلناً نهاية الحصة لتعود إلى غرفة الأساتذة مرهقة فهذه الحصة الثالثة لها. دخلت لتجد صديقتها سماح منكبة تسجل بعض الأشياء في ورقة ثم تهز رأسها نافية وهي تقول: -لا كدة مش نافعة. ثم تقلب القلم مستخدمة الممحاة في الطرف الآخر لتمحو ما كتبه وتعو تحرك إبهامها على باقي أصابعها تحسب شيء معين وتكتبه. -مساء الخير. -أهلا ياندوش. -تشربي قهوة؟ رفعت سماح عينها عما كانت تفعل وقالت بأمتنان: -ياريت ياندى لو مش هتعبك.

اتجهت ندى نحو إحدى حافظات القهوة التي جلبتها زميلة لهم لتصب فنجان لها وآخر لسماح. عادت تضع الفنجان أمامها وسحبت كرسي تجلس بجانبها. ارتشفت ندى القليل من القهوة وعادت تركز مع سماح التي كانت لا تزال تكتب وتمسح ما كتبته بعد تفكير تحاور نفسها بهمس: -دي كمان مش نافعة. قطبت ندى حجبها وسألتها ضاحكة: -بتعملي أي يابنتي؟ تنهدت بأستياء تخبرها:

-بساعد بابا ياندى في جهازي وبعمل ميزانية بالمرتب بتاعي وبدور على حاجات بالقسط يكون مريح بس مش بتضبط معايا ومحمد خطيبي كمان بيشتغل شفتين عشان نلحق نكمل العفش. ثم عادت تتنهد بضيق وتحك ذقنها. في حيرة: -تعرفي أنا محتاجة شغل إضافي عشان أقدر أوفر. نظرت ندى لها بأشفاق فقد ذاقت سابقاً مرارة العوز والحاجة وكانت ذات يوم مثلها تماماً تحاول جمع النقود بأية وسيلة.

لكنها تذكرت فجأة طارق وعيادته الجديدة وحاجته لمساعد ينظم مواعيد مرضاه. إذن لماذا لا تساعدها؟ -لقيتلك الحل ياسماح. ابتهج وجه سماح لتسألها بلهفة: -بجد ياندى الحقيني بيه اللهي يسترك؟ -هكلم طارق يشغلك معاه في العيادة. -متشكرة متشكرة أوي ياندى. صمتت فجأة وسألتها بريبة: -طب وهو هيوافق؟ قطبت حاجبها مستنكرة: -ومش هيوافق ليه؟ -يعني يكون متفق مع حد او عنده شروط معينة. -استنى. اتجهت ندى نحو حقيبتها واخرجت الهاتف عائدة

نحو سماح تشير نحو هاتفها: -خلينا نتصل بيه ونأخذ رأيه. ضغطت على هاتفها واتصلت به لكنه لم يجيب. كررت محاولتها لكنه لم يجيب مرة أخرى لتشعر بالحرج وأشاحت عينها بعيداً عن عين سماح التي كانت تترقب جوابها. حتى ظهر حرجها الذي فهمته سماح من ملامحها لتقول محاولة التخفيف عنها: -أكيد مشغول ربنا يعينه. أومأت برأسها بهدوء ووضعت الهاتف جانباً. وعادت تنظر نحو سماح تعدها: -لما أرجع البيت أكيد هاخذ رأيه وأن شاء الله هيوافق.

ابتسمت سماح لها: -أن شاء الله ياحبيبتي. ولتغيير مجرى الحديث سألتها: -عملتي أي مع فصل تالتة أول أنا بصراحة الفصل ده بيجيلي المورستان. الجيل بقى صعب ياندى تتعاملي معاه بشدة يقلك قاسية وصارمة وأين أساليب التربية الحديثة تتهاوني معاهم. يفلتو منك ومتعوديش قادرة تسيطري عليهم. أجابتها ندى بعملية: -أهو أنا بحاول أصاحبهم ووازن بين الشدة واللين. ربتت سماح على يدها وقالت مازحة:

-أيوه ياعم يا أبو عقل كبير يلي الكل بيشهدلك تلاميذ وناظرة. ضحكت ندى مبتهجة: -قري ياسماح يعني انت الي مش بتشهدلك يا سيبويه. عبس وجه سماح وقالت بحدة: -ندى هو انتي هتبقي زي محمد الي ماسكها عليا رايحة وجاية سيبويه. كان يوم أسود يوم ما قلتها الناظرة بتشكر فيه وبتقول انت حفيدة سيبويه. قهقهت ندى ضاحكة على ملامحها المحتقنة ثم توقفت ضحكاتها ليتوهج وجهها فرحاً عندما وجدت هاتفها يرن ويظهر اسمه على شاشته. أجابت:

-الو أيوة يا طارق. -ندى اسف كان عندي كشف مقدرتش ارد. -ربنا يعينك كنت بس عاوزه اكلمك في موضوع لو مشغول خلاص. -لا يا ندى اتكلمي أنا سامعك. -سماح صاحبتي كانت محتاجة شغل إضافي لو ممكن تشتغل مساعدة ليك في العيادة. صمت لترتبك هي وتقول بتوتر: -يعني لو مفيهاش مشكلة او او يعني لو مكنتش اخترت حد. -مفيش مشكلة ياندى بس هو فيه سؤال واحد هي متجوزة يعني أنا محتاج واحدة متفرغة للعيادة فهمتني. لتـهز رأسها وهي تجيبه:

-أيوه يا طارق فهمـاك لا أطمن هي مش متجوزة. -خلاص ياندى أول ما أشطب العيادة وأباشر شغل خليها تجي تستلم شغلها ومش هنختلف على المرتب. لتشير لها سماح هل يطلب مقابلتها قبل مباشرتها في العمل ثم جذبت يدها نحوها تهمس لها: -أسأليه لو عاوز يقابلني يسأل عن حاجة عادي يعرف عني حاجة. أومأت لها ندى متفهمه: -طارق أنت محتاج أي معلومة عن سماح او عاوز تقابلها قبل ما تبدأ شغل.

-لا ياندى ملوش داعي هي مش صاحبتك خلاص ياندوش مدام انت الواسطة نشغلها واحنا مغمضين. تراقص قلبها من حديثه وثقته بها التي سندتها أمام صديقتها لتقول له: -متشكرة. -انت تأمري. أغمضت عينها تشعر بسعادة وهي تسمع كلماته التي أثلجت فؤادها الذي بات يسقط في حبه أكثر يوم بعد آخر. -ندى أنا لازم اقفل دلوقتي عشان عندي كشف مع السلامة. -مع السلامة. أغلقت الهاتف متنهدة بسرور. طالعتها حنان وغمزت لها بمرح: -شكلو بيحبك ويعزك اوي.

تلاطم قلبها بين أضلعها كما تتلاطم الأفكار في رأسها. هل حقا يحبها كما أصبحت هي تحبه؟ هل يبادلها نفس المشاعر التي أصبحت تتملكها بقربه؟ كم تمنت أن يكون ما تفكر فيه حقيقة. *** استفاقت من نومها لتعتدل تتثائب وتعيد ترتيب شعرها. تنظر إلى الساعة التي كانت تشير إلى الحادية عشر. التفتت نحوه لتجده الإيزال نائم. لملمت خصلة شعرها وربطته ونهضت لتمد يدها تتلمس جبهته لتجد حرارته معتدلة. تركته متجهة نحو الحمام.

خرجت من الحمام واتجهت نحوه مرة أخرى تحاول إيقاظه: -فارس … فارس. همهم يحرك رأسه يمناً ويساراً لتعاود مناداته: -فارس … فارس … أنت كويس حاسس بأيه؟ رفعت يدها تلمس جبهته ووجنته لتجد حرارته معتدلة. شعر بملمس يدها على جلده ليبتسم ابتسامة بسيطة وفتح عينه قليلاً كأنه في حلم: -شمس. -فارس ازيك دلوقت أحسن؟ -جسمي واجعني. -معلش دا عشان حرارتك كانت عالية هطلبلك شوربة تأكل وتاخذ الدوا وهتكون أحسن إن شاء الله.

اتصلت بخدمة الفندق لتطلب له حساء ساخن الذي وصل بعد قليل لتستلمه من عامل الفندق. -يلا يافارس عشان تأكل. -مش قادر. تنهدت بضيق وقالت في محاولة لإقناعه: -لازم تأكل عشان تأخذ المسكن كدة مينفعش. اقتربت منه وقالت تشير إليه: -هساعدك عشان تعدل نفسك. انحنت تمد له يدها كي يتكأ عليها ووضعت يدها الأخرى تحت كتفه: -يلا يافارس ساعدني. لكنه كان في عالم آخر.

قربها منه ورائحتها التي تغلغلت داخل أنفاسه تغيبه في لحظة ممتعة تمنى لو لم تنته. حتى أنه لم يسمع ندائها: -فارس … فارس. استفاق من لحظاته الساحرة التي شتت تفكيره وشلت حواسه لينتبه إلى يدها الممدودة ويستند عليها. رفعت الوسادة لكي يريح ظهره عليها ثم نظرت إليه تسأله: -كدة كويس؟ -أيوه شكراً. لمعت عيناه بخبث بعد أن استشعر تعاطفها معه. ليدخل في نوبة سعال مفتعلة يحاول أستمالتها، لكنها ظلت تحدق فيه بلامبالاة.

زاد من تظاهره بالاختناق يشير لها أن تعطيه الماء. لتجلب له الماء التقطه منها بيد أصطنع بها الارتعاش لتهوي قطرات الماء وتتناثر حول الكأس تتساقط على ملابسه. ارتشف الماء رغم ادعائه صعوبة ذلك... ونظر لها بأستعطاف، وقال بلسان ثقيل: -شمس ممكن تساعديني أنا مش هقدر أكل لوحدي. تطلعت إليه وأخذت نفسًا تحاول أن تتحلى بالصبر لتزفره ببطء متذمرة. اتجهت نحوه ليزيح جسده قليلاً على السرير يصنع لها مكان لتجلس وتحمل طبق الحساء.

دست الملعقة فيه وحملت القليل لتقربه من فمه. فتح فمه يتناوله منها ويبتلع الحساء بصعوبة، بسبب احتقان الحلق. اغمض عينيه متألمًا: -معلش دا عشان الالتهاب هتتألم شوية. فتح عينيه يحدق بها وهي تستمر بأطعامه، ود لو يطول هذا الوقت ولا ينفذ الطعام حتى يظل يستمتع بوجودها قربه. قلبه الذي ينبض بعنف بين أضلعه يخبره بأنها أصبحت تعني له الكثير. عيناه اللتان تحدث بها وتأبى أن تحيد عنها باتت تعشق قربها.

غاب في عالم ساحر يجرب مشاعره جديد. تغافله عن الواقع جعله يتحرك بلا وعي فيسقط بعض قطرات الحساء على شفتيه وذقنه. التقطت بعض المناديل الورقية، تمدها له مشيرة له كي يمسح على فمه. التقطها منها وادعى عدم معرفته بمكانها: -فين... هنا؟ وبعد أن سأمت التقطت منه المناديل بضيق ومسحت فمه ودقنه بعنف وهي تغمغم بهمس: -يارب صبرني. -متشكر ممكن تساعديني أروح الحمام. -جسمي كلو واجعني.

وضعت الطبق جانباً ونهضت تمد له يدها كي يستند عليها تمسك بها و اتكأ ليرفع جسده. نهض واقفاً لكن اختل توازنه فأضطربت ليفلت يدها ويحط كتفها مستنداً عليها. كادت أن تبتعد لكنه تشبث بها ليتوسلها بنفس مختنق: -وصليني لحد الباب بس. ذلك القرب أسعده ود لو كان الطريق أطول كي يضمها أكثر وابتسم بتسلية وهو يرى قسمات وجهها الممتعضة. وصلا إلى باب الحمام لتفتح يدخل مستند على مقبض الباب واغلقه خلفه.

وقفت هي أمام الباب لتنفخ أنفاسها متأففة عدة مرات تحرك يدها لتهدئ نفسها. -أهدى ياشمس هو عيان. -استحملي. أما في الداخل وقف فارس أمام المرآة يضع يده على قلبه الذي يخفق بقوة يسأل نفسه: -أنت حبيتها يا فارس؟ طالع صورته في المرآة يرى عينه التي تلمع بشكل غير مألوف ثم عاد يسأل نفسه: -معقولة بسرعة دي يافارس؟ ليحرك رأسه يميناً ويساراً يستنكر الفكرة: -لا… لا أكيد دا مجرد إعجاب شخصيتها المتمردة جذبتك مستحيل يكون حب.

ثم عاد يكرر الجملة كأنها يحاول إقناع نفسه: -أكيد إعجاب وبس. -أيوه … أيوه يافارس دا إعجاب. درس أراد لقلبه أن يحفظه رغم عصيانه وخفقانه الذي لا يزال يخالف حديث لسانها. *** وضعت أمامها طبق التسالي وجلست بجانبه وما إن جلست حتى رفع ذراعه يحيط كتفها ويضمها إليه ليستكين رأسها على صدره وتستمتع هي بسماع نبضاته التي كانت تعزف أحلى قصائد الحب بالنسبة لها. تطربها وتنسيها العالم من حولها وكأنها يعيشان وحيدين على هذا الكوكب.

كان يحمل جهاز التحكم ليسألها عن نوع الفلم الذي تود مشاهدته: -رومانسي والا اجتماعي؟ -براحتك ياحبيبي. اخفض عينه ينظر إلى وجهها المستكين على صدره ليحاول مشاكستها: -طب منخليه رعب والا أكشن أهو تغير يادودو. تهتف رافضة: -لا وحياتي يا علي أنا بخاف من الاتنين. أضحكه حديثها الذي استهجن: -طب الرعب فهمناها الأكشن ليه؟ -مبحبش العنف وبيحصل ضرب ودم وأنا عندي فوبيا من الدم.

-ماشي زي ما تحبي يا هدى هانم بس خلي بالك أحنا لازم نعالج الحتة دي عندك. أنا بعشق الأكشن. اختار لها فيلم رومانسي وبدأو في المتابعة. كان يطعمها قطع المكسرات بيده مرة وبتشاركها معها مرة أخرى فيقضم نصفها ويطعمها النصف الآخر. كم تعشق دلاله لها وتذوب في حبه كما يذوب السكر بين أحضان الشاي الذي كان يعشق شربه مع المكسرات. لتضحك فجأة وأثارت فضوله ليخرجها من أحضانه يسألها: -بتضحكي ليه؟

-أصلك عمال تقولي لازمي أتعود على الحاجات الي بتحبها وانت مش راضي تتعود على الحاجة الي بحبه. بادلها الضحك بعد أن أدرك مقصدها: -فهمتك تقصدي القهوة. لتهز رأسها توافق على كلامه: -أيوه القهوة. -لا أنا بعشق الشاي القهوة بتسهرني أنا ممكن أشربها الصبح اه ينفع لكن باليل لا. يجذبها نحوه يضمها مرة أخرى وهو يرتشف الشاي ويمازحها قائلاً: -تعالي يابتاع القهوة متبعديش عني وبعدين ياستي مسيرك تتعودي على الشاي ماتخافيش. ضحكت

على كلامه وعقبت ساخرة: -يعني برضو أنا الي لازم أتعود حضرتك ثابت مش بتتغير. داعب أنفها بأصابعه وقال: -معلش يادودي أنا واحد مزاجي صعب يتغير. -ياسلام وأنا عادي يعني. قالتها مستنكرة حديثه لتجده يضمها بقوة: -انت أطيب وأحلى حاجة ربنا رزقني بيها وعارف أنك ممكن تتغيري عشاني. -اه بتاكل بعقلي حلاوة حضرتك. ليضغط على أسنانه ويقول لها وهو يقرص وجنتها: -أنا نفسي أكلك.

لتـرفع وجهها بأنامله لتلتقي عيناهما في حديث غزل صامت للحظات قطعها هو قائلاً: -خلاص يادودي حبي الي تحبي وأنا احب الي أحبه نكون ديموقراطيين أي رايك؟ أومئت برأسها موافقة وعادت تسند رأسها على صدره. يشغل تفكيرها مكالمة العم نعيم وطلبه منها العودة إلى العمل معه في محل الورد فهو لم يجد لها بديل. هي كانت تحتاج للعودة للعمل فلقد بدأت بالشعور بالملل فمكوثها في المنزل ولعدة ساعات تنتظره حتى عودة بات يصيبها بالضجر.

استجمعت قوتها وابتعدت عنه: -علي ممكن أتكلم معاك. ضغط على زر التحكم واوقف الفلم ليلتفت نحوها: -أيوه ياحبيبي. فركت يدها بتوتر ظاهر وتلعثمت كلماتها لتخبره: -عم نعيم أتصل بيا وعاوزني أرجع أشتغل معاه. صمتت وعينها معلقة به تنتظر جوابها او حتى ردة فعله لتجد ابتسامته تتلاشى وعينه تنظر لها بنظرات حائرة. وبصوت علت فيه نبرة استنكار قال: -يعني ترجعي تبيعي ورد. لتتأجج نيران الغضب داخلها وهي تبصر انتقاصه من عملها السابق.

ليهتاج البحر الساكن في عينيها وكأن عاصفة ضربتها وئدت هدوئها لتصيح مستنكرة: -ومالها بياعة الورد يا علي ما أنت اتجوزتني وأنت عارف أني بياعة ورد. استشعر خطأه ليمسك يدها وقال يوضح لها: -حبيبتي أنا مش قصدي بس… ليـسكت ويقول بضعف: -بس انت عارفة ماما وجدو الوضع اختلف ياهدى. قاطعته رافضة: -وأنا ميهمنيش حد أهم حاجة انت توافق مش مهم حد تاني. عاد يضم يديها بين يديه في محاولة لتهدئتها وإقناعها في ذات الوقت:

-هدى حبيبتي افهميني أنا معنديش مانع بس أحنا. عادت تقاطعه بأصرار: -خلاص المهم انت. تنهد بيأس وعاد يترجاها: -هدى اسمعيني أرجوك أنتِ زمان اشتغلتي عشان محتاجة لكن دلوقت أنا كفيل بكل مصاريفك. نظرت له بتحدي استحدثته من كم المشاعر السلبية التي عاشتها في هذا المنزل ونظرات والدته التي أتعبتها وصمته الدائم:

-علي أنا مش عاوزة اشتغل عشان الفلوس أنا عاوزة اشتغل عشان أنا زهقت من قعدة البيت الي بقت تتعبني حاسة بالملل أنا بقيت بتخنق وأنا بستناك لحد ما ترجع. قالتها وهي تحرك يدها على رقبتها وصدرها بحرقة. أحاطها بذراعيه يضمها إليه بعد أن رأى الدموع تلمع في عينيها وقال محاولاً ارضائها:

-خلاص ياحبيبتي أهدى ياروحي أنا هدورلك على شغل عشان تتسلي بس عشان خاطري ياهدى أنا مش عاوز أسمع كلام من جدي وأمي وأنتِ عارفة هما مش هيرضوا على حكاية محل الورد أرجوكي افهميني وأنا بوعدك ألاقيلك شغل. أخرجها من أحضانه يمسح دموعها التي هربت من عينيها ويمسك وجهها بين يديه ينظر داخل عينها: -ووعد ياحبيبتي أن هدورلك على شغل صدقيني. وبعجز هزت رأسها موافقة على كلامه رغم عدم اقتناعها لكن رجائه وتوسله جعلها ترضخ. ***

أعدت لنفسها فنجان من القهوة وجلست تحتسيه وسط اندماجها في تصحيح أوراق الاختبارات. عندما صدح صوت الهاتف يرن معلناً عن وصول رسالة. التقطته ظناً منها أنها أحدى شقيقاتها. لكنها وجدت رسالة من رقم مجهول كتب فيها: -أزيك ياعروسة؟ امتعض وجهها بأضطراب وقررت أن تعرف من هذا الشخص الذي يرسل لها هذه الرسائل السخيفة. ضغطت على الأزرار وكتبت: -مين حضرتك؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...