الفصل 27 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
19
كلمة
4,235
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

فتح عينيه بثقل ليدعكهما عدة مرات مع شعوره بصداع يضرب رأسه. دلك جبهته وعاد يفتح عينيه ويغلقها ليشعر ببرودة جسده. تلمس صدره مع استمرار اغلاقه لعينيه ليتفاجأ بأنه عاري الصدر. هب بفزع بعد ان استشعر عري جسده، لتصيبه الصدمة وهو ينظر بهلع لتلك الممددة بجانبه. شهقة شقت صدره وهو يبصر مظهرها، ملابسها الممزقة، الكدمات والجروح تملأ جسدها، وذلك الجرح الغائر في رأسها الذي يبدو انه نزف حتى تجلطت دمه.

تضاعفت صدمته وأغمض عينيه بمرارة عندما رأى دماء عذريتها التي تناثرت ببشاعة على ملاءة سريره. تسارعت أنفاسه بخوف والتقط ملابسه يرتديها بسرعة ليتجه نحوها كالمجنون، يمسح دماءها التي كست وجهها وهو ينادي عليها بحرقة: "شمس… شمس حبيبتي ردي علي." بدأ يتلمس وجهها بيده المرتعشة وينهار باكيًا ويصرخ موبخًا نفسه: "عملت فيك أيه ياحبيبتي، اذيتك ازاي؟ تعالت شهقاته وقلبه يكاد يحترق حزنًا عليها ويبرر لها متوسلاً:

"والله مش فاكر حاجة يا روحي." ثم بدأ يلطم وجهه بهستيريا وهو يدعو: "ياريتني كنت مت ولا اذيت يا حبيبة قلبي، ياريتني كنت مت." اقترب منها ورفع جزئها العلوي يحتضنها بقوة متأسفًا وجسده يرتعش: "سامحيني ياروحي، سامحيني يا قلبي، سامحيني يا أغلى حاجة عندي." ظل يحتضنها ويشم رائحتها بألم وهو يتخيل ماذا فعل بها وكيف أصبحت هكذا: "أذيتك ازاي ياعنيا، اذيتك ازاي؟ أعادها وبدأ يلطم جبهته وهو يبصر حقيقة ما سيحدث: "غبي… غبي… مش هتسامحك."

ثم تنبه لشئ، تحسس نبضها ليجده ضعيفًا، ليركض نحو غرفتها يحضر لها ملابس جديدة. أزال عنها ملابسها الممزقة وكلما أزال جزء زادت شهقاتها وتهاوت دموعه كما تهاوى قلبه خوفًا عليها وهو يرى بشاعة فعلته. ليحملها ويقبل وجنتها وجبهتها يردد بألم: "سامحيني… سامحيني يا روحي." ركض بها نحو المستشفى واتصل بطارق يخبره بما حدث. طارق الذي صعقه ما أخبره به شقيقه اتصل بدوره بعلي.

وصل الجميع إلى المستشفى بسرعة ليصيبهم الفزع وهم يرونه يجلس على مقعد الانتظار يضع رأسه بين يديه ويبكي. تسمرت هدى وندى لحظات ينظرن له بخوف، لتقترب منه ندى تسأله بقلق: "مالها شمس يافارس، مالها اختي؟ قالت كلمتها الأخيرة بصراخ، ليرفع رأسه ببطء فيصدمهم منظر عينيه التي أصبحت حمراء من شدة البكاء وهو يقول بصوت مختنق وبلا وعي: "دبحتها." شهقت ندى بفزع وتراخى جسد هدى التي أسندها علي يمنعها من السقوط. لتقترب ندى منه تهز كتفه:

"فارس ارجوك قولي اختي عايشة؟ دبحتها ليه أنا مش فاهمة." تركت فارس بعد ان سمعت هرولة طارق الذي كان يأتي مرافقًا للطبيبة المعالجة. وما أن حضرت الطبيبة حتى اقتربت منها ندى تسألها بخوف: "طمنيننا يادكتورة اختي مالها؟ نظرت الطبيبة لهم بحزن وقالت: "مع الأسف عملية اغتصاب عنيف أدت لأضرار كبيرة. احنا اضطرينا نديها مهدئات لأنها مش هتستحمل تصحى دلوقتي." شلت الصدمة الجميع.

علي الذي كان يسند هدى بخوف لا يعلم أيسند هدى أم يسند فارس الذي أشفق عليه وهو يجده يضرب رأسه بيديه بعد كلام الطبيبة الذي أشعره بالخزي. ندى التي استندت بيدها على الجدار بجانبها تشعر ان جبلاً قد سقط عليها. ليقترب منها طارق بأضطراب ويضمها محاولًا تهدئتها فتقول له بصوت خافت: "عاوزة أشوفها." نظر طارق نحو الطبيبة لتومئ له بالموافقة. أمسك يد ندى التي رمت بثقل جسدها عليه ودخلا الغرفة.

دخلت إلى الغرفة لتجد نجوى تقف بجانبها تبكي على حالها. اقتربت منها أكثر وكلما اقتربت رأت وجهها الذي شوهته الكدمات لتنساب دموعها بقهر دون توقف. كانت تنظر لصغيرتها بقلب مكلوم وشعور واحد سيطر عليها، الندم. نعم انه الندم، هي وحدها من تتحمل ما حل بشقيقتها، هي من زجت بها في هذه الزيجة اللعينة. اقتربت تمسح على شعرها وتحدث نفسها: "ما ذنب هذه الصغيرة أن تدفع ثمن أحلامهم البالية وأنانتهم."

ازدادت شهقاتها وصوت شقيقتها تخبرها أنها ضحية هذه الصفقة وكبش الفداء فيها يطرق مسامعها يزيد من شعور الندم الذي يخنقها: "سامحيني يا مشمش أنا السبب." طارق الذي وقف يشاهد منظرها بقلق ويطالع تلك الممددة على سرير المستشفى بحزن وعينه تبصر فداحة ما فعله شقيقه بها. "دكتور طارق دي عملية اغتصاب احنا لازم نكلم البوليس." قالتها نجوى بحزن امتزج بالغضب على صديقتها ليجيبها طارق بهدوء: "أنا شايف أننا مبنبلغش البوليس عشان…"

لتقاطعه ندى وهي تصرخ بوجع: "ليه؟ عشان عاوز تحمي أخوك المجرم؟ اتهامها أشعل فتيل غضبه الذي ألغى هدوئه وتعقله ليهتف بحدة: "ندى انتي بتقولي إيه؟ حاسبي على كلامك أنا أتستر؟ إذا كان هو أخويا فشمس كمان أختي… أنا بفكر في مظهرها قدام زميلها هنا في المستشفى لما يعرفوا. ما فكرتش في أخويا زي ما حضرتِك تتهميني؟ وبعدين هنقول للبوليس إيه؟ جوزها عمل فيها كده، يعني مفيش جريمة أصلاً." ثم رمقه بحنق وقال بانفعال:

"أنا مش هحاسبك على اتهامك عشان عارف الظروف." نظرت له بلا مبالاة واشاحت بنظرها عنه لتعود تطالع شقيقتها بألم ولاتدري أتعانده وتطالب بحق شقيقتها أم تنتظر، وكأنها الآن تقف على طريق ضيق بين جبلين من نار. أما في الخارج فأمسك علي يد هدى يمنعها من التقدم نحو فارس بعدما ثارت تصرخ عليه بألم: "عملت فيها كده ليه؟ عملتلك إيه يا ظالم عشان تعمل فيها كده؟ سحبها علي لتنهار جالسة على الكرسي وهي تهمس بما لا يسمعه سواها:

"دي كانت فرحانة بحبك ليها." فارس الذي واجه ثورتها وهو يصرخ بوجع من بين شهقاته: "والله مش عارف عملت كدا إزاي، والله ما فاكر حاجة." اتجه نحوه علي وجلس بجانبه يحيط كتفه بأشفاق يحاول تهدئته: "أهدى يا فارس… أهدى. إيه اللي حصل؟ فهمني." ينظر له فارس بقلة حيلة: "مش فاكر ياعلي، أنا هتجنن." "طب آخر حاجة فاكرها احكيلي يا فارس." ليقص عليه ما حدث، ليمتعض وجهه علي ويقول له يلومه: "ليه يا فارس، ليه رجعت للشلة دي؟

ما أنا ياما حذرتك. أكيد هما حطولك حاجة في الكاس. ليه يا فارس؟ ده أنا فرحت لما قلتلي انك بطل." فارس الذي جحظت عيناه بعد أن أدرك الحقيقة التي غيبتها عنه صدمته لتخرج كلماته ساخرة بحرقة وندم، ترافقه دموعه التي انسابت بألم: "كان كاس الوداع." يكرر جملته وهو يلوم غبائه: "كان كاس الوداع يا علي." تخرج آهاته المنهكة وهو يضرب على فخذيه: "ضيعتها وضيعت نفسي معاها." اندفع طارق خارج الغرفة بأنفعال ليتجه نحوه يقبض على كتفيه بغضب:

"قوم معاي." يرفع نظره إليه: "على فين؟ أنا مش همشي إلا لما أطمن عليها." اتسعت عين طارق بغضب ليصرخ عليه بحدة: "قوم معايا يا غبي خلينا نشوف عملت المصيبة دي ليه." ثم أكمل بتهكم جارح: "دلوقتي عاوز تطمن عليها بعد عملتك السودا." علي الذي وزع نظره بين الاثنين بحزن ويزداد اشفاقاً على صديقه ليعاتب طارق: "على مهلك يا طارق." ثم ربت على كتفه بمواساة يحاول إقناعه:

"قوم يا فارس معاه، قوم يا صاحبي خلينا نعرف يمكن نلاقي دليل يقنعها إن اللي حصل كان غصب عنك." نهض يتبع طارق بجسد منهك يسنده علي. وصلوا إلى معمل المستشفى وطلب طارق منهم اخذ عينات من دمه للكشف عليه. *** هدى التي بالكاد استطاعت قدماها ان تحملها، دخلت تلك الغرفة تسمع أنين بكاء شقيقتها التي جلست تنظر للأخرى بحسرة.

وكأن دخول هدى كانت القشة التي قسمت ظهر البعير لتسمح ندى لنفسها أن تنهار أمام شقيقتها وتعري أفكارها التي امتزجت بالندم لتقول وهي تمسك يد شمس تمسح عليها برفق: "أنا السبب ياهدى، أنا السبب. أنا اللي كنت أنانية وسبتها تتجوز واحد مدمن عشان أنا أعيش مرتاحة. أنا اللي قلتلها اديله فرصة كأني برضي ضميري إنه خلاص بيحبها. أنا اللي خليتها تكون ضحية." ثم رفعت رأسها لتواجه عيناها عيني هدى وتقول بقهر:

"يا ريتني كنت سمعت كلامها وبعدت عن بدران وفلوسها." اقتربت منها هدى تزفر أنفاسها بوجع وهي تطالع أختها التي شوهت وجهها الكدمات ودموعها تسبق كلماتها: "مش انت لوحدك. كلنا أنانين وفكرنا في نفسنا وسعادتنا بس." تضمها إليها يندبن وجعهما المشترك وشقيقة دفعت ثمن سعادتهما. *** عاد مع علي ليجلس على الكرسي بجسد أثقله الألم يزفر أنفاسه المحترقة.

أعاد رأسه إلى الوراء وأغمض عينيه، يعتصرهما على ما مر به، مجرد كابوس سينتهي عندما يفتح عينيه بعد قليل. عاد علي يجلس بجانبه ينظر له بقلة حيلة ويعتصر قلبه، يربت على فخذه فيفتح عينه: "فارس اشرب العصير ده، انت كده هتتعب بعد ما عملت التحليل." عاد يغمض عينيه ويتمتم: "مش عاوز يا علي." "فارس انت وشك بقى أصفر، اشرب بلاش عند." تنهد بحسرة وهو يقول بتمني صادق: "ياريتني أموت وأخلص." نهرته علي بحنق:

"ماتقولش كده يا فارس، طب اشرب مية عشان خاطري." "سيبني ياعلي مش عاوز." تنهد علي بيأس حتى شعروا بمن يقف أمامهم ليصرخ بصوت أجفلهم لينتفضوا: "فارس! هب واقفًا عندما وجد جده يقف أمامه، وبمجرد وقوفه وجد صفعة قوية تهوي على خده وهو يصيح به معاتبًا: "هي دي الأمانة اللي أنا أمنتلك؟ عملت إيه في بنت عمك؟ أطأطأ رأسه يخبره بخزي: "غصب عني يا جدي، ماكنتش في وعيي." ليصرخ به موبخًا: "عذر اقبح من ذنب يا ابن محسن."

"مش كده يا بابا، خلينا نفهم." قالها حسن الذي يرافق والده وهو يسحبه بعيداً عن فارس ليبتعد وهو يهتف: "يا خسارة يا ألف خسارة، خيبت ظني فيك." "اهدى يا بابا مش كده." "اهدى إيه ياحسن؟ انت مش سمعت طارق بيقول إيه؟ الباشا راجع مسطول واعتدى على بنت عمه." اتجه نحوه علي يقول بترجي وهو ينظر نحو فارس بأسى يشعر بمصابه: "خف عليه يا جدي، فارس كمان تعبان وندمان. وحياتي ما تزيد ناره." لكن بدران جلس على الكرسي يضرب أفخاذه مردداً

بهستيريا: "ضيعت الأمانة تاني يا حسين، سامحني يابني، ضيعت الأمانة تاني." نظر حسن نحو والده ونحو ابن أخيه بأشفاق لتلتقي عينيه بعلي الذي أصبح لا يعلم من يواسي، جده أم صديقه أم زوجته أم أبنة عمه التي لا يعلمون كيف ستكون ردة فعلها عندما تصحو. صفاء التي وقفت تشاهد المنظر من بعيد كانت عيناها تبحث عليها بقلق أن يصيبها مكروه. اقتربت من علي تتمسك ذراعه وتسحبه جانبًا وتقول بتحذير: "علي مراتك فين؟

خلي بالك منها، متنساش إنها حامل وحاجة زي دي ممكن تأثر عليها." أومأ علي لها وأشار بعينه نحو الغرفة: "هي مع أخته." لتسأله بتوجس: "أقدر أدخلها؟ امتقع وجهه بأضطراب لا يعلم ماذا يجيبها حتى سمع ما زاد أضطرابه وهو يسمع جده يقول: "عاوز أشوفها ياحسن." التقت عيني علي بعيني والده بخوف، فهم حسن نظرات علي وخوفه من ردة فعل بنات شقيقه. لكنه قرر الدخول أولاً ومعرفة رأيهن. نهض من جانب والده واتجه نحو الغرفة.

فتح بابها ببطء ودخل ليجدهما شاردتين في عالم آخر، وجهيهما يبدو عليها الشحوب وعيونهما متورمة. اقترب أكثر ينادي عليهن: "هدى… ندى." انتبهت هدى لوجوده ليفتح لها ذراعه بدعوة لاحتضانها. نظرت إليه قليلاً لكنها سرعان ما ركضت نحوه وارتمت بين أحضانه، ربما تحاول أن تشم رائحة والدها في أحضانها. احتضنها بقوة وقال يواسيها بعد أن هدرت دموعها التي ظنت أنها جفت: "أهدى… يا هدى، أهدي يا بنتي."

رفعت ندى عينيها نحوهم بوهن لينظر لها حسن بتوسل ويناشدها قائلاً وهو لا يزال يحتضن هدى التي تشنج جسدها من سؤاله: "ندى يابنتي جدك برا وحالته صعبة، عاوز يدخل يشوف شمس، ممكن تسمحيلي؟ طالعته بضيق للحظات وتقبض يدها المرتعشة على يد شقيقتها تود أن ترفض، فهو سبب ما جرى لها، لتسأله: "ولو رفضت؟ خرجت هدى من أحضانه بنفور تستهجن طلبه، أحس هو بذلك من نظراتها المحتدة نحوه، لكنه عاود استعطافها:

"ارجوكم يابنات دا راجل كبير، عشان خاطري، طب عشان خاطر أبوكم." قال كلماته الأخيرة بعد أن استشعر رفضهن القاطع. ذكره لوالدهن جعل إحداهما تنظر لأخرى بتفكير. أنهته ندى عندما اقتربت من هدى وقالت: "إحنا نخرج وهو يدخل." لن تتحمل المكوث معه في مكان واحد، خرجت ندى لتجد فارس يجلس واضعاً رأسه بين راحتي يديه بندم. ودت أن تذهب إليه وتمزقه تنتقم لصغيرتها.

اقترب بدران منهما، لكن هدى وندى ابتعدن نحو زاوية بعيد تسند إحداهما الأخرى دون كلمة واحدة، كأن الكلمات أصبحت ثقيلة، فهي بلا فائدة الآن. اتجهت صفاء نحو هدى بقلق وقالت: "إزيك ياهدى؟ أجابتها بأقتضاب: "أهلاً." "خلي بالك من نفسك يا بنتي." جملة قالتها صفاء جعلت هدى تنظر نحو شقيقتها بدهشة زادت عندما وجدت صفاء تمسك يدها وتسحبها لتجلس: "بلاش تقفي كتير مش كويس على صحتك."

صورة واحدة كانت تراها صفاء وتخشاها، أن يتكرر الماضي وتعيش هدى ما عاشته هي. علي الذي كان يشاهد المشهد من بعيد بترقب خوفًا من ردة فعل هدى، أطمأن عندما وجد هدى تمتثل لكلام والدته التي جلست بجانبها تؤازرها. وفي هذه الأثناء وصل طارق يحمل أوراق التحاليل واقترب من فارس وعينه تختلس النظرات نحو تلك الواقفة بوجه أنهكه الحزن. تردد بلا اقتراب منها والاحتكاك بها رغم أنه يتملكه الخوف عليها. هرول علي نحوه:

"هااا يا طارق، ظهر إيه معاك؟ هز رأسه بأسف: "زي ما توقعت. مواد مخدرة ومنشطة." جز علي على أسنانه بغضب: "الكلب أكيد حطهاله في الكاس." اخفض طارق نظره نحوه يسأله: "انت متأكد إنك مشربتش غير الكمية الصغيرة؟ أومأ رأسه بالموافقة دون ان ينطق بكلمة. "ما شاء الله. وهتتوقع إيه من واحد مدمن؟ منك لله، حسبي الله ونعم الوكيل فيك. دمرتها، ربنا ينتقم منك." تفتت به ندى بحرقة حزنًا وقهرًا على شقيقتها ليصرخ طارق بضيق منها:

"ندى فارس مظلوم، صحابه هم اللي عملوا فيه الموقف ده." رددت كلامه بتهكم: "صحابه؟ قصدك رفقة السوء اللي مصاحبها. واهي أختي اللي دفعت تمن استهتاره." "ندى فارس عمره ما يؤذيها، لكن اللي حصل غصب عنه." "واهو آذاها، غصب عنه أو بإرادته آذاها ودمرها." "ندى…" "خلاص الي حصل حصل." "اه خلاص وإي يعني هو عملها إيه؟ اغتصبها بس." "ندى…" "صلوا على النبي يا جماعة اهدوا." قالها علي وهو يوزع نظره بين طارق وندى بعد ان احتد التوتر بينهم،

ليقول فارس بصوت مهزوز: "ندى عندها حق يا طارق في كل اللي قالته." ظل طارق يحدق بها بضيق لتبادله نفس النظرات قبل ان تشيح نظرها إلى الناحية الأخرى. *** أما في الداخل دخل رضوان ينظر اليها بحسرة وندم، اقترب منها يتلمس شعرها ووجهها برفق. تساقطت دموعه بأسف وهو يقول:

"سامحيني يابنت الغالي، أنا أذيتك كتير بس مكنتش عارف إنها هتوصل لكده. كنت فاكرة هيتصلح على إيدكو، وكنت شايفة عوض ليكي عشان هو شبهه. أيوه يا شمس هو حسين بحنانه وطيبته. لما جاني وقال إنه بيعشقك افتكرت إن تفكيري كان صح وإنه هيعوضك مكان أبوكي. مكنتش عارف إنه هي*دبحك. مكنتش عارف والله يابنتي سامحيني ياشمس." حسن الذي كان يراقب والده من بعيد شعر بالآسى فلم يراه بهذا الضعف من ذي قبل. ***

حل المساء وغابت الشمس كما غابت شمسها التي لم تعد كما كانت ساطعة وقوية، فقد غلفتها غيوم الخذلان وجرح الوجع. كانت ندى وهدى بجانبها عندما بدأت تستفيق لتبتسم بقهر وهم يرونها. بدأت تفتح عينيهما متأهبين لردة فعلها. حركت رأسها يمينًا ويسارًا وبدأت تفتح عينيها وتغلقها حتى اعتادت على الضوء. أخرجت لسانها تبلل شفاهها وتسأل بصوت ضعيف: "أنا فين؟ دارت عيناها في المكان وهي تبصر شقيقاتها بجانبها لتعاود السؤال: "أنا فين؟

لتمسح ندى على وجهها بحنان وتقول بصوت متلعثم: "حبيبتي حمد على السلامة." كانت الرؤيا لا تزال مشوشة. "مشمش حبيبتي انت كويسة؟ سألتها هدى وهي تمسح على ذراعها. مهلاً هذا المكان تعرفه رائحة الأدوية المنتشرة والسقف الأبيض. حركت يدها لتجدها موصولة بمحاليل لتدرك مكان تواجدها تسألهم بصوت مرتعش: "أنا في المستشفى؟ "أيوه." أجابتها هدى باضطراب.

وهنا أدركت الحقيقة وصور الليلة الماضية تخترق ذاكرتها كعاصفة اقتلعت جذور تعقلها لتصرخ بقوة تخرج آهاتها المحترقة بعد أن أشعلت تلك الذكرى النار بجسدها لتضرب وجهها بهستيريا تردد: "اغتصبني… اه… اه." بدأت ندى تضمها في محاولة لتهدئتها لكن دون جدوى. صراخها وصل إليه ليركض نحو غرفتها بلهفة تبعه علي. وما أن رآه حتى ارتجف جسدها وانكمشت على حالها تزحف نحوالخلف تتشبث بندى وتشير نحوه بخوف تصرخ بصوت مرتعش:

"خليه يخرج يا ندى مش عاوزة أشوفه." تمزق قلبه لرؤيتها تخاف منه وترتعش عند رؤيته لتلمع عينيه بالدموع وهو يشير لها متوسلًا: "آسف يا روحي، شمس والله أنا مظلوم اسمعيني بس." لكنها استمرت بالارتعاش والصراخ: "سيبيني أشرحلك بس." "فارس لوسمحت اخرج برا انت مش شايف حالتها." هتفت بها ندى وهي تحتضن جسدها المرتعش وشفاهها التي لم تكف عن ترديد: "خلوه يطلع برا." سحبه علي نحو الخارج عنوة: "تعالى يا فارس سيبها تهدى."

خرج مع علي وعينه معلقة بها ينظر لها بلوعة ووجع لتهزمه دموعه وتنساب بقهر وندى تحتضنها تهدئها: "اهدي ياروحي اهدي." ثلاثة أيام قضتها في المستشفى حتى استقرت حالتها، لم يغادر هو مكانه طيلة تلك الفترة، رغم توسلات علي وطارق أن يغادر لكنه كان يستغل فترة نومها ليدخل ويطمأن عليها رغم انزعاج شقيقتيها. عادت إلى المنزل بعد رفضها دعوة شقيقتيها أن تمكث لدي إحداهما، لكنها عادت شخص مختلف روحها محطمة وقلبها محترق.

دخلت إلى غرفتها بخطوات مثقلة تجر أذيال الخيبة والخذلان. وقفت أمام مرآتها تتلمس بيد مرتعشة تلك الكدمات التي ملأت وجهها وعينها المتورمة من شدة البكاء لتنساب دموعها بلا إرادة ترثي حبًا أضاع كرامتها لتصرخ وهي تلقي كل أغراضها على الأرض وتصرخ: "مفيش حب في كسرة قلب فيه خذلان." ثم رفعت قبضة يدها تضرب قلبها كأنها تعاقبه: "كلو منك قلتلك ما تصدقيش الحب كذبة الحب بيجرح صاحبه جريت وراه وحبيته لحد ما جرحك."

هرولت نحوها هدى تمنعها من تحطيم الأشياء لتسحبها نحو سريرها: "أهدي ياحبيبتي تعالي نامي وارتاحي." لتنام واضعة رأسها على حجر هدى وهي تبكي بهستيريا اعتصرت قلبها وهي تخبرها بعين باكية وصوت بح من شدة البكاء: "قولتيلي الحب حلو بس طلع بيوجع." أو تمسحت هدى على رأسها بعيون باكيه حزنا عليها وبدأت تقرأ الآيات القرأنية عليها حتى هدأت واستكانت ثم غفت. لتضع رأسها على الوسادة ودثرتها بالغطاء وتركتها وخرجت من الغرفة.

يومان مرا على وجودها في المنزل تناوبت هدى وندى على البقاء معها حتى تتحسن صحتها. كان دور هدى عندما وجدت علي ينتظرها في صالة الشقة: "يلا عشان نجيب الحاجات اللي محتاجينها." وزعت نظرها بين غرفة شقيقتها وعلي لتقول: "واسيبها لوحدها؟ "مش هنتأخر ياهدى." حركت رأسها بالموافقة وغادرت المكان.

وقف أمام باب غرفتها وقلبه يخفق بخوف وقلق.. يخشى من تلك المواجهة التي يؤجلها منذ يومين لا يعلم ماذا ستكون ردة فعلها.. لكن شوقه إليها وأد صبره وتنحى خوفه جانبًا يتوق لرؤيتها. والاطمئنان عليها.. أرتجفت يده كما أرتجف قلبه وهو يمسك مقبض الباب ويفتحه ببطء. دخل ليجد غرفتها تغوص في الظلام والهدوء. يسمع فقط صوت أنينها وأنفاسها المضطربة.

أقترب من السرير وجثى على ركبتيه يتأمل آثار تلك الكدمات التي رسمت على بشرتها البيضاء وشوهت وجهها. أعتصره قلبه ألمًا وهو يرى فداحة فعله. لسعت الدموع عينيه وهو يغمغم: "سامحيني ياحبيبتي." ظل يحدق بها ليجد نفسه بلا وعي يقترب منها ويقبل جراحه. أما أن لامست شفته وجهها حتى هبت فزعًا أنكمشت على حالها بهلع وأصبحت تزحف بجسدها المرتجف إلى الوراء حتى ارتطمت بحافة السرير تلملم الغطاء حولها وكأنها تصنع سداً بينها وبينه.

تمزق قلبه وهو يرى خوفها منه ونظرات عينها المرتعبة كانت سكاكين طعنت قلبه. وبشفاه مرتعشة وأنفاس متسارعة قالت: "انت ايه اللي جابك هنا؟ أطلع بره." رفع يديه وبدأ يحاول تهدأتها. أقترب منها وهو يردد: "أهدي.. أهدي.. ياحبيبتي." كلمة حبيبتي كانت كفتيل أشعل نار غضبها لتنهار وهي ترفع يديها تضرب على أذنها كأنها تصم أذنيها من سماع تلك الكلمة وهي تصرخ بهستيريا: "متقولش حبيبتي. متقولش حبيبتي."

دب الرعب بقلبه من مظهرها والحالة التي أصبحت عليها. أقترب محاولًا أن يمنعها من ضرب نفسها أمسك يدها وهو يترجاها: "أرجوكِ متعمليش في نفسك كده والله غصب عني. أرجوك ياحبيبتي طب أضربيني.. أعملى اللي أنتِ عايزاه فيا، أنا أستاهل، بس متعمليش في نفسك كده." وكأن كلماته أعطتها فرصة للانتقام. لتنهال عليه بالضرب تضرب صدره قبضة يديها تلكمه بكل قوتها وهي تصرخ به لائمة بكلمات شقت صدرها تخرج نار قلبها المكلوم: "عملت فيا كده ليه؟

أنا عملتلك إيه؟ ظلت تضربه وتدفعه خارج الغرفة وهو مستسلم لها يتركها تخرج غضبها رغم تألمه من ضربات يدها لكن ألم قلبه كان أكبر. دموعه التي أنهمرت من عينه كالمطر تمنى لو استطاعت غسل جراحها. ظلت تضربه حتى أنهكها صراخها وبكائها لتتوقف وتصعقه وهي تقول معاتبة: "خليتني أحبك ليه؟ تجمد مكانه و أتسعت عينيه ينظر إليها بدهشة رغم عدم وضوح صورتها بسبب الدموع التي حالت بينه وبين صورته. رفع يده يمسح دموعه ليرى الكسرة في عينيها القوية.

أعتصره قلبه وأغمض عينيه. يا الهي الكلمة التي لطالما تمنى سماعها منها تقولها الآن وفي هذا الوقت. ماذا تريد؟ ألا يكفيه ما يحمله من ندم لتزيده باعترافها بحبها الذي سحق قلبه بوجع الخذلان. أستأمنته على حالها فخذلها. لتعود هي تلكمه لكن بضعف وهي تقول بصوت مهزوز: "خليتني احبك ليه؟ سقطت يدها على جسدها بوهن. ثم بخطوات مثقلة أستدارت متجهة نحو غرفتها وأغلقت الباب سامحة لجسدها بالانهيار خلف الباب لتسقط و تفترش الأرض واضعة وجهها

بين يديها تنتحب وهي وتردد: "خليتني احبك ليه؟ كسرتني ليه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...