أنفاسهما تتعالى ونظرات عتاب تبادلتها إحداهما للأخرى، وهدى تقف تائهة لا تعلم تقف مع من، فالاثنتان على حق في نظرها. "يعني تقصدي إيه يا شمس؟ "أقصد إن فلوسه بالنسبالي ولا تسوى، لكن لو حضرتك شايفاها مهمة يبقى انسيني." بهتت ملامحها وارتجف قلبها لتسألها مستفسرة: "يعني أي؟ ألقت عليها بنظرة تحدٍ وقالت بصوت ثابت: "يعني كل واحد يتحمل نتيجة قراراته، وخرجيني من حساباتك يابنت ورد." تحديها واجه تحديًا أكبر من ندى، لتهتف بغضب:
"إنت بتلوميني؟ كنت عاوزاني أعمل إيه وأنا شايفة أمي بتموت؟ "كنت عملت أي حاجة، كنا استلفنا من الغرب، كانو أحن علينا ولا مدينا إيدينا للي مابيرحمش، كنا عملنا أي حاجة، ولا سكة بدران إذا كان ما رحمش ابنه هيرحمك إنت يابنت ورد." ذكرها لاسم والدتها زاد من خوفها، فهي تعلم مدى كرهه لها، لكن فكرة علي منحتها الطمأنينة لتعاود المحاولة مع شقيقته بأسلوب آخر، لتزفر أنفاسها المثقلة وقالت بهدوء عكس الفوضى التي تعتلي صدرها:
"يا شمس ياحبيبتي، إحنا لينا عنده فلوس، إنت ناسية ورث بابا…" وقبل أن تكمله جملتها قاطعتها بحده: "طظ في ورث بدران، الله الغني عنه وعن فلوسه، ما إحنا عشنا سنين من غير فلوسه، ليه دلوقتي؟ "إحنا هنضحك على بعض ياشمس، ما إنت عارفة إحنا عشنا إزاي." "بس إحنا وضعنا دلوقتي اختلف، إحنا كلنا بنشتغل." "وإنت فاكرة إن بدران هيسكت عن دينها؟ اقتربت شمس منها تحاول إقناعها:
"ندى، إحنا نحاول نسدد أي مبلغ ونطلب منه يمدد المدة، علي أو طارق ممكن يضغطوا عليه." حركت عينيها يمينًا ويسارًا لحظات أخذتها تفكر، لكن عادت كلمات علي تسطو على تفكيرها: "هذا حقهم، إذا لماذا الخوف؟ نظرت لها تصطنع القوة وقالت: "ده حقنا، سنين عمرنا اللي ضاعت في الفقر وهو متنعم في خير أبويا وتعبُه، إحنا أحق دلوقتي." ظلت تحدق بها بدهشة وكأن من أمامها شخص غريب عنها، هذه ليست ندى شقيقتها. "ندى، إنت بتتكلمي بجد؟
أنا حاسة إني قدام واحدة تانية غير ندى اختي اللي ربتني." لتبتسم ندى بسخرية تجيبها: "أيديكي قلتيها، اللي ربتني." لترفع كف يدها تضرب صدرها وتتحدث بقهر: "أنا اللي شفت مع أمي اللي شافته، أنا اللي سهرت ليالي أخيط معاها، أنا اللي رحت المدرسة بـهدوم مرقعة، أنا اللي عشت الكلية بـلبس واحد، أنا اللي كنت بشتغل ونسيت يعني إيه بنت في الجامعة لازم تهتم بنفسها، أنا اللي كنت بشوف نظرة الشفقة بعيون الناس وهم بيساعدوا أمي، أنا يا شمس…"
لتصمت تلتقط أنفاسها المتسارعة وعيناها لا تزال معلقة بها لتكمل وسط دهشة الاثنين مما تكتمه شقيقتهم: "يبقى يا شمس إحنا أحق إننا نتعوض عن اللي شفناه." رغم تأثرها بكلماتها وانهيارها، لكنها أجابتها بإصرار وهدوء: "يبقى خليني خارج حساباتك مع جدك." "بس هو عاوزنا إحنا التلاتة." قالتها هدى بعفوية غافلة عن نيران الغضب المتاججة داخلها، لتصرخ: "يعني إنتو مصرين تروحوا خلاص؟
روحوا وقولوا له ينسى إن عنده بنت ابن اسمها شمس، أنا شمس بنت ورد، ويا ريت أقدر أمسح اسمه من اسمي." لتتحرك بخطى سريعة وهي تتمتم: "بكرة تندموا." نظرت هدى نحو ندى بأسف واقتربت منها تربت على كتفها تواسيها: "ماتزعليش منها، هي خايفة علينا. بيني وبينك أنا كمان خايفة، ربنا يستر." ودت ندى أن تخبرها أنها هي أيضًا خائفة، لكنها اكتفت بالطبطبة على يدها. *** اجتمع الثلاثة في انتظار جدهم، أحدهم ينظر للآخر في حيرة، ترى لماذا جمعهم؟
ماذا يريد منهم؟ نظرت علي لفارس ثم رفع حاجبه يحرك نظره نحو طارق ويشير له أن يسأله عن سبب وجودهم، فأومأ فارس له بالموافقة: "طارق، هو جدو عاوز مننا إيه؟ التفت له طارق بوجه جامد وقال بتعجب: "وأنا أيش عرفني؟ أنا زي زيكم." نظر له علي نظرة جانبية وقال: "طروقة عليا أنا يا دكتور؟ دا إنت بير أسرار جدو، إشمعنا المرة دي؟ ليجيبه بانزعاج ارتسمت على قسمات وجهه: "عشان أنا مش عارف ياعلي." ثم وزع نظره بينهم ليقول بسخرية:
"وبعدين إنتوا مستعجلين تعرفوا ليه؟ شوية وجدو يوصل ونفهم منه هو عاوزنا ليه." ليسمعوا صوت عكازه تتقدم نحوهم، لـيهب الثلاثة لاستقباله واحد تلو الآخر يقبلون يده ورأسه، جلس أمامهم ينظر إلى عيونهم المتسلطة عليه ليسألهم: "أزيكم يا ولاد؟ "الحمد لله يا باشا." قالها فارس مشاكسًا جده الذي ابتسم له وعاد يرسم الجدية وهو يقول: "أنا جمعتكم النهاردة يا ولاد عشان عاوزكم في موضوع مهم." تأهبت حواسهم يستمعون له بترقب ليكمل:
"إنتوا عارفين بنات عمكم بعد ما أمهم ماتت بقوا لوحدهم ومن غير سند، عشان كده أنا عاوزكم تكونوا إنتوا سندهم." صمت ليرى عين طارق التي اتسعت فقد فهم مغزى كلام جده، لكن ظل علي وفارس ينظران له ببلاهة وعدم استيعاب: "يعني إيه يا جدو؟ سؤال طرحه علي الذي كان يتبادل نظرات الدهشة مع فارس، ليكمل بدران مفسرًا: "يعني أنا عاوزكم تتجوزوا بنات عمكم عشان تحافظوا عليهم، وكمان عشان نلم شمل العيلة ونطمن إن الورث ميطلعش لحد غريب."
هناك من أبهجه الخبر وهناك من صعقه، فقد ألجم قراره لسان طارق، وكل ما يفكر فيه: "لماذا الآن؟ الآن ورد ماتت؟ أي غريمته قد رحلت؟ أم بسبب الإرث؟ لماذا ينساهم طيلة السنين الماضية ويتذكرها الآن؟ " انتشله من تفكيره سؤال علي الذي ارتسمت على وجهه علامات الفرح: "طب يا جدي، إنت مختار حد محدد لكل بنت ولا هتسيب الاختيار لينا؟ لينظر له بدران بنظرة جانبية وسأله بخبث: "يعني إنت موافق؟ "أيوه يا جدي، وأرفض ليه؟ تنهد بارتياح وقال:
"كويس، حيث كده أنا اخترت ندى لطارق وشمس لعلي وفارس لهدى." تبخرت سعادته وتلاشت الابتسامة التي كانت تزين ثغره، لتلتقي عينه بعين فارس الذي كان حاله أسوأ منه، والدهشة ترتسم على قسمات وجهه، عيني علي التي تستنجد به، لن يرضى أن يكون سبب في تعاسة أقرب شخص له، ولن يعيش مع شخص هو متأكد أنه ملك لغيره. استجمع قوته ثم نظر لجده الذي كان يحدق بهم ينتظر ردة فعلهم على اختياره الذي ظن أنه سيرضيهم، ليفاجئه فارس وهو يقول:
"بس أنا عاوز أتجوز شمس بعد إذنك يا جدي، شمس عجبتني أوي وحاسس إننا شبه بعض." ضربات قلب علي التي تسارعت ونظراته المشتتة، عقله يرفض مجرد الخيال أنها تكون لغيره، ظل ينظر لجده الذي بهتت ملامحه من طلب فارس، وذلك الصمت المريب الذي أطبق على المكان، نظرات فارس له تطمئنه. أنه لن يوافق، لكن صمت جده وكأن الكلمات هربت منه، يطالع فارس فقط، حتى كسر فارس الصمت عندما كرر سؤاله لجده: "قلت إيه يا جدي؟ تنهد بدران بارتباك لكنه
يجب أن يفصح عن مخاوفه: "بس يابني شمس دكتورة وإنت…" توقف بدران عن استرساله خشية أن يجرح حفيده الغالي، لكن فارس أكمل وهو يبتسم ابتسامة مجروحة: "وأنا معنديش شهادة، عارف يا جدي إنت تقصد إيه، بس إنت دايما بتقول إن الشهادة مش مقياس نجاح، والراجل مـبيـتعـيـبـش، وأنا ناجح يا جدي، يبقى إيه المشكلة؟ ثم توقف واخفض عينه ثم رفعها بفخر يتمتم: "ولو شايفني قليل على حفيدتك ياباشا، خلاص عادي، أنا فارس الجوهري، ألف من تتمنى."
تشتت أفكاره ما بينه وبينها، ماذا يخبره وهو من كان دوما يشجعه على نجاح تجارته ويلغي أهمية الشهادة؟ أم هي التي لا يريد أن يكسرها أكثر؟ ألا يكفيها الإجبار؟ ليزيده بأن اختار لها من لا يوازي شهادته؟ ربما هذه المرة الأولى التي يشعر فيها أنه لا يعلم ماذا يفعل، كأنه في منتصف طريق بين صوت قلبه وعقله، قرر أن ينحي نفسه عن المسؤولية: "أنا ماقلتش كده يابني، إنت في عيني أحسن حد في الدنيا، لكن… أنا مش عارف ردها أي."
"شمس مش هتوافق في كل الأحوال." قالها علي لأنه يعلم رفضها، وربما كي يبعدها عن مرمى الاختيار. نظر له بدران بريبة: "وإنت عرفت إزاي؟ "ندى امبارح قالت إنها رافضة أصلًا، حتى إنها تقابل حضرتك." عفوية علي في كلامه الذي غفل فيه عن عقلية جده، التي زاد كلامه التحدي لديه وأشعل فتيل حرب بينه وبين حفيدته، ليقول بغضب: "يبقى تيجي غصب عنها وتوافق على فارس كمان."
نظر طارق نحوه نظرات عتاب، فقد أوصلوا جدهم إلى طريق اللاعودة وأصبح أمام تحدٍ بينه وبينهم، طأطأ علي رأسه بعد أن أحس بخطأ كلماته التي لم يدرك تأثيرها على جده.
خرج كل منهم بذهن شارد، كل منه يفكر في اتجاه مختلف، ذهب طارق لغرفته، وكل ما يفكر فيه ليس الزوجة المستقبلية، فندى من غيرها لن تفرق معه، لكن ما يشغله باله الخطوة بحد ذاتها، فكرة الزواج لم تكن ضمن خططه، فهو طبيب لا يزال في مقتبل عمره وفي بداية طريقه، كان يطمح أن يثبت وجوده في مجاله قبل أن يفكر في الزواج أو إنشاء أسرة، لكن جده وضعه في زاوية لا يستطيع الفرار منها، هل يرفض ندى ويزيد جرحًا لجراحها وربما يورطها مع جده، وقد يخسر هو جده أيضًا إن رفض؟
وخسارة جده تعني خسارة عيادة وعدة بها في أفضل الأماكن. زفر أنفاسه بحيرة، لا يملك سوى الانصياع لمطالبه، ليلوح طيفها أمامه ومشهد انهيارها الذي ألمه، ليغمغم: "خايف أكون الجرح الجديد ليك يا ندى." *** سار أحدهما بجانب الآخر متجهين نحو الحديقة، ليجلس أحدهما مقابل الآخر يتبادلان النظرات، لا يعلمان ما هي الكلمات التي ممكن أن تفي موقفهم هذا، ليبادر علي: "آسف يا فارس على الموقف اللي اتحطيت فيه بسبب…" رفع فارس حاجبه بسخرية وقال:
"بسببك إيه يا ابني؟ هو إنت فاكر إني ممكن أتجوز واحدة عينها من حد تاني وبتحبه؟ ليه يلا؟ فاكرني سوسن؟ انكسر علي رأسه بأسف وقال: "ماكنش نفسي أتجوزها بالطريقة دي." ربت فارس على كتفه وقال ساخرًا: "احمد ربنا لو ماكنتش هتتجوزها بالطريقة دي عمرك ماكنت هتتجوز أصلًا، كنت قضيت حياتك زي عمك حسين." "تفتكر هتفرق معاها الطريقة يا فارس؟ "بصراحة يا علي، أعتقد هتفرق، وجايز ترفض واحتمال تنتحر."
ثم قهقه ضاحكًا وهو يرى علامات الانزعاج على وجه علي الذي قال ساخطًا: "تعرف الحق مش عليك، الحق عليا أنا اللي بسأل حد زيك." ثم رفع الوسادة خلفه وقذفها عليه لترتطم بجسد فارس المهتز من شدة الضحك، ليتوقف يمسح دموعه ويقول: "وإعملك إيه؟ عمال تسألني أسئلة غريبة، هو حد قلك إني هدى؟ "يووو يا فارس، بطل هزارك البايخ." ليقذف فارس الوسادة عليه مرة أخرى: "أنا مش بهزر، الموقف غريب، لكن هي أكيد هتتقمص، بس بتحبك، هتقبل الوضع في الآخر."
رغم أنه ابتهج بعد كلام فارس الذي أراحه قليلاً، لكنه استطرد في شيء آخر يشغله: "حاسس بذنب ناحية شمس، خايف جدو يأذيها." وعند ذكر اسمها لا يعلم ما هي المشاعر التي انتابته، للمرة الأولى يشعر أنه ضئيل أمام أحد، ربما هي فعلاً تستحق شخص أفضل منه، لكن غروره الذي استيقظ نهره، فماذا ينقصه هو والكثير من النساء يتمنين نظرة منه. "فارس… فارس يابني، رحت فين؟ نظر نحو علي ثم نهض مستقيمًا ينوي الرحيل:
"مروحتش في مكان، بس افتكرت إني اتأخرت، الشلة بتستناني دلوقتي." زفر أنفاسه بحده ليلومه قائلاً: "تاني الشلة يافارس؟ يابني إنت مش بتحرم؟ مابلاش جدك راضي عنك الأيام دي." "معلش يا علي، النهاردة بالذات ما أقدرش، لازم أشوفهم." ماذا يخبره؟ أي يخبره أنه يريد أن ينسى؟ أو ربما ينساها هي؟
خاصة تلك الشرسة التي يبدو أن القدر يرسم لهم طريقًا معًا، ليرحل تاركًا علي وسط أحلامه الوردية وهو يتخيل زفافهم، بل وتـمادى أكثر وهو يتخيل أطفالهم وحياتهم معًا. *** وقفت أمام باب تلك الفيلا مرة أخرى، واليوم قلبها يخفق بخوف أكثر من المرة السابقة، فاليوم عليها المواجهة، يجب أن تكون قوية، نظرت نحو هدى التي كانت أكثر خوفًا منها وتمسك بيدها كأنها تستمد قوتها منها، وربما العكس.
وقفت أمامه بعد أن سمحوا لها بالدخول، وربما وجود طارق اليوم معه منحها القليل من الأمان، أشار لها بالجلوس، لـ تجلس تترقب حديثه: "إزيك ياندى؟ "الحمد لله." صمت بعد تحيتها زاد من توترها، وكاد أن يضرب ثباتها المزعوم، لتنظر نحو طارق الذي أومأ لها كأنه يدعمها، لتعيد نظرها نحو جدها الذي قال بصوت بارد: "المدة خلصت يا ندى." "عارفة." اليوم صوتها ثابت يحمل نبرة تحدٍ، فلم يعد هناك ما تخسره. "بس إنت لسه ماسددتيش الفلوس اللي عليكي."
"ومش ناوية أسدد، أبقى اخصمه من حقنا في الورث." احتـدت ملامحه بغضب ليصرخ في وجهها: "أنا لسه مامتش عشان تورثوني." صراخه أفزعها وكاد أن يزعزعها، لكنها تمسكت بثباتها أمامه: "ندى مش قصدها كده يا جدو، ندى بتفسرلك عدم إمكانيتها للدفع وبتطرح البديل." صوته الداعم لها عزز من قوتها المصطنعة، لكن بدران لم يعجبه الأمر ليقول ساخرًا: "بس شكلها محضرة نفسها كويس، والمحامي بتاعك شاطر أهو، فهم الاثنين سخريته المبطنة، ليكمل:
"إنتِ نسيتي الشرط الجزائي؟ ارتبكت قليلاً ونظرت نحوه، لتجده هذه المرة يهرب بعينيه بعيدًا، ما أقلقها، ليمد جدها لها بتلك الورقة. التقطتها منه وعادت تجلس بجانب هدى لتقرأ ما كتب فيها، فتتسع عيناها وهي تقرأ شرطه بالزواج من أبناء عمومتها، بل وحدد لها عريسها الآن، علمت لماذا عينه تهرب منها، نظرت نحو هدى التي كان حبيبها من نصيبها، لكن الطريقة جرحتها، هي ليست سلعة لـتباع وتشترى، لتتفاجأ شقيقتها عندما قالت:
"بس إحنا مش موافقين." نظرت ندى نحوها لتجد الإصرار الذي أعطاها القوة لتقول: "وإن رفضنا هيحصل إيه؟ "السجن طبعًا." صاعقة ضربت الجميع، حتى طارق الذي استنكر حديثه، لكنه ضحك ضحكة استفزت الجميع وقال: "مش أنا يا ندى اللي أدخل بنت ابني السجن، لكن إنت هتوافقي على شرطي، أنا متأكد." "بس أنا…" لم يدعها تكمل لينهال عليها بمغرياته، كأنه يحاول تغييب عقلها:
"زواجكم قصاد الورث بتاعكم، إنتوا والولاد، يعني حياة متكاملة ليكم، لكن بعد سنتين من دلوقتي، أضمن فيهم إن الزواج تم والوضع استقر بينكم، والأفضل لو كان فيه حفيد كمان، يعني حياة متأمنة ليكي ولأخواتك." ثم نظر نحو طارق الذي تتخبط الأفكار في رأسه، ليستطرد: "وأظن ولاد عمك معندهمش اللي يعيبهم ياندى، فكري."
أغمضت عينها، فقد أصبحت كالتائه في غابته، لا تعلم هل يحاول إنقاذها أم افتراسها. لم تجرأ على النظر باتجاه طارق، لكنها نظرت باتجاه هدى التي لم يكن حالها مختلف عنه. انهضت تحاول المغادرة هي وشقيقتها، حتى وصلت إلى الباب لتسمعه يقول: "أختك فين يا ندى؟ *** "كانتا تجوبان الشوارع هائمتين لا تعلمين أين تذهبا، لتسألها هدى: "هنقول لشمس إيه؟ لتتنهد ندى وتنظر لها نظرات ضائعة: "مش عارفة." "جدك اختار لها فارس، دي لو عرفت هتتجنن."
"وبسخرية أجابتها: "ده لو اعترفت بجدك أصلًا." أمسكت هدى ذراعها توقفها وتسألها: "إنت هتوافقي على عرض جدك ياندى؟ لم تعلم بماذا تجيبها، هل ستوافق أم لا؟ عقلها يقودها نحو الموافقة فهذا حقهم، وقلبها يسوقها نحو الرفض، فهذا بدران الذي كان سبب تعاستهم. *** دخل محلات والده كعاصفة هوجاء أخافت حسن ليسأله: "مالك يا محسن؟ فيه إيه؟ ليلهث أنفاسه ويسأل بغضب: "أبوك فين؟ "جوه." اندفع نحو مكتبه، يتبعه حسن بقلق، ليهتف بغضب:
"إنت هتخلي ولادي يتجوزوا بنات ورد؟ ليسأله بدران ببرود: "مين اللي قلك؟ "طارق… يعني الكلام حقيقي؟ "أيوه." أزعجه بروده ليقول بسخط: "عاوز ولادي يتجوزوا بنات ورد!! "اقعد يا محسن." ليجلس بـجسد أشعله الغضب وملئه الحقد: "اسمع يامحسن، ورد ماتت خلاص، ودول دلوقتي بنات أخوك، دا أولًا، ثانيًا إنت ناسي إن أخوك متسجل باسمه حاجات كتير، إنت ناسي الأراضي اللي متسجلة باسمه عشان الضرائب."
حرك عينيه بتفكير يحاول التذكر، وتطلع لحسن الذي تعجب من كلام والده، فوالده قد نقل ملكية كل شيء له بموجب وكالة من حسين أجبره على توقيعها بنفسه، إذا لماذا يكذب على محسن؟ "مهو إنت السبب يا حج، ياما قلتلك خليه يتنازل." "مكنتش عارف إنه هيموت بسرعة." رددها بدران بتأثر وحسرة، ثم نظر لولده وقال بحدة: "محسن، بنات أخوك أحسن بنات، دا كفاية إن دكتورة هتتجوز ابنك اللي معندوش شهادة."
لمعت عين محسن بخبث، فبعد كل شيء ستكون صاحبة أعلى شهادة من نصيب ابنه الفاشل. *** عاد من العمل منهك وجلس على السرير يخلع عنه حذائه، لتندفع نحوه بغضب وهي تصرخ بانفعال: "صح الكلام اللي بيقوله أبوك؟ عاوز يجوز ابني الوحيد لبنت بياعة الفول؟ امتعضت ملامحه وهب يصرخ بوجهها: "حاسبي على كلامك ياصفاء، دي بنت أخويا." "بس دا ابني الوحيد، وهي بياعة ورد، طب كان يختارله الدكتور، على الأقل." "صفاء، دا قرار أبويا ومش هنـاقـشـه فيه."
"ودعاء بنت اختي؟ زفر حسن أنفاسه بملل وقال: "مالها دعاء؟ "مالها إيه ياحسن؟ دا إحنا متفقين من وهما صغيرين إن دعاء لعلي." تحرك بلا مبالاة وبدأ يفك أزرار قميصه وأردف: "دي مشكلتك ياصفاء، محدش طلب منك تتكلمي الكلام ده، والولد صغير، عشمتي نفسك وأختك وجايز بنتها بحاجة مش في إيدينا، دا نصيب، هتعترض؟ اقتربت منه تحمل ملابسه النظيفة وتقترب منه تتلمس صدره وذراعه بدلال وهي تقول: "إنت متقدرش تأثر على والدك ياحبيبي؟ أزاح ذراعها
والتقط منها الملابس بقوة: "أنا مش هخسر أبويا عشان وعودك ياهانم." ثم انحنى يهمس في أذنها: "هو إنت عاوزاه يعمل فيا زي ماعمل في حسين؟ بهتت ملامحها وهي تتخيل حرمانهم من كل شيء وأن يعيشون منبوذين مثل حسين. *** عادت شمس من المستشفى بتعب، تتحرك نحو الباب بثقل، أدارت المفتاح ودخلت، ليشل جسدها وتتجمد بوجه شاحب من هول الصدمة وهي تجده يجلس أمامها، لـ تردد اسمه بدهشة: "بدران!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!