الفصل 8 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل الثامن 8 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
22
كلمة
4,124
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

جلست بذهن شارد تفكر بحال ندى الذي تغير هذه الأيام. باتت شارده الذهن معظم الوقت، وأصبح يقلقها همسها المتكرر مع هدى وصمتهم بمجرد حضورها. لكن ليس هذا ما يقلقها، ما يقلقها أكثر هو حال والدتها التي أصبح تظهر عليها علامات الخطر. رغم أنها تتابع مع طبيبها المختص هذه التغيرات واهتمامها الكامل بها، إلا أن خيوط الخوف نسجت شباكها حول هذا القلب المنهك، يضغط ويحكم خناقه حتى صار النوم يجافيها.

خرجت بخطوات متعبه نحو المطبخ لتشرب كأس ماء. اقتربت من المطبخ لتجد الضوء منيره وندى تجلس شارده الذهن كعادته. تناديها بصوت منخفض: -ندى؟! لكن ندى كان منغمسه في عالمها المظلم تفكر في ما هو قادم ومصيرهن، وماذا إن علمت والدتها؟ هل ستغفر لها؟ هل يعقل أن يزج بها بدران في السجن إذا لم تسدد؟ أيصل به الكره إلى هذا الحد؟ تتذكر كلمات طارق: -جدو مش وحش. ياترى هل سيكون معهم مختلف؟ هل سيكون الجلاد الذي ينهي شبابها داخل أروقة السجن؟

وماذا إن علمت شمس؟ تلك المجنونه ستقت*لها لو علمت بالأمر. -ندى! كان صوت شمس تناديها، لكنها ظنت أنها تتخيلها لتقول ساخرة: -اتجننت وبقيت بسمع صوتها. قادرة يابنت الجوهري. -ندى…… ندى! هتفت بها شمس بصوت أعلى لتلتفت ندى وتشهق بفزع عندما رأتها تقف بجانبها. أغمضت عينيها وقالت: -بسم الله الرحمن الرحيم… انت هنا من امتى؟ ضحكت شمس بقوه وقالت تشاكسها: -من ساعه. بنت الجوهري. بلعت ندى ريقها بتوتر وقالت بتلعثم: -هو أنا قلت أي؟

لتمط شمس شفتها وترفع كتفها بعدم معرفة: -مش عارفه. كل اللي سمعته بنت الجوهري. -هي مين بنت الجوهري يابنت ورد؟ زفرت أنفاسها بارتياح وقالت بسخط: -يجعل كلامنا خفيف عليها. بتيجي على السيرة. أشارت شمس على نفسها بتعجب وقالت مستنكره: -وأنا عملتلك أي ياابله؟ -عملك أسود ومهبب. حد يخض حد كده. وبعدين أي اللي مسهرك لغايه دلوقتي؟ أنتِ مش عندك شغل بكره؟ -ياسلام. يعني أنتِ اللي معندكش شغل ولسه صاحيه؟ متحاسبي نفسك يا مس.

-أنا مش جايلي نوم. سحبت شمس كرسي وجلست بوهن وتمت بتعب: -ولا أنا. دب القلق في قلب ندى لتسألها بذعر: -هي ماما تعبانة؟ حركت شمس عينيها يمينًا ويسارًا في حيرة وقالت بخفوت: -أيوه ياندى. وضع ماما مش مطمئن. شهقت ندى تضع يدها على فمها يصدمها كلام شقيقتها لتنحني نحوها تسألها بتوسل: -يعني الوضع خطير اوي؟ تنهدت بألم ولم تستطع الإجابة واكتفت بإماءة. -يعني ممكن جسمها يرفض الكلية الجديدة؟

أغمضت شمس عينيها ثم فتحتها تأخذ نفسًا عميقًا وتدفعه بقوة تقاوم دموعها لتخبرها وهي ترحل نحو غرفة والدتها: -أهو دا اللي أنا خايفه منه ياندى. نظرت ندى إلى أثر شمس التي غادرت المكان لتلوم نفسها: -أنا السبب يا أمي. كأن جسمك عرف إن الكلية بفلوس بدران. ليصيبها الذعر عندما سمعت صراخ شمس ومناداتها عليها. هرولت إلى غرفة والدتها لتجد شمس شبه منهارة وهي تطلب منها الاتصال بالإسعاف. -مالك ياشمس؟ ماما مالها؟

-أطلبي الإسعاف. مافيش وقت. ماما سخنة. أويركضت بتعثر تبحث عن هاتفها حتى وجدته بصعوبة وهي تصرخ تنادي هدى التي استيقظت بفزع هي الأخرى. أمسكت ندى الهاتف بيد مرتجفة ولاتعلم كم مرة تحاول الاتصال وتنسى الرقم حتى خطفت هدى الهاتف من يدها واتصلت بالإسعاف. وقفت أمام غرفة والدتها تستمع إلى الخبر الذي رسم النهاية المفجعة. لقد دخلت والدتهم في غيبوبة.

انهمرت دموعها التي حاولت كتمها وهي تسمع كلمات الطبيب الذي أخبرها أن الجسم رفض الكلية المنزرعة وهاجمها جهاز المناعة كونها جسم غريب لتدخل والدتهم في غيبوبة. اتجهت شقيقاتها إليها وكأنها طوق نجاتهم. اقتربو منها يسألونها بهلع: -أي ياشمس؟ حصل اي؟ -ماما مالها ياشمس؟ أنتِ بتعيطي ليه؟ نظرت إليهم نظرة تائهة لاتعلم هل تخبرهم الحقيقة وأن النهاية قد دنت أم تكذب كما كانت تفعل في السابق. لِتجد نفسها تختار طريق ضائع وهي تقول:

-مش عارفة. عادت ندى بصدمة إلى الوراء حتى اصدمت بجدار خلفها تسند جسدها تمنعه من الانهيار. فأجابه شقيقتها تعني شيء واحد لا تريد تخيله. هدى التي كانت لا تفهم شيء نقلت نظرها بين شقيقاتها تسألهم برعب وهي تصرخ: -مالكم؟ اتكلمو؟ أمسكت كتف شمس برجاء تسألها: -ماما بخير يا شمس؟ لتحرك رأسها بتوسل تحثها على تأييد كلامها: -هتبقى كويسة عشان العملية نجحت مش كده؟ أزاحت شمس يدها بضعف ورددت: -مش عارفة. قلتلك مش عارفة.

صدمة شلت جسدها وهي ترى انهيار شقيقاتها لكن شفتاها المرتعشة رددت: -ماما مش هتسبنا. هي قالتلي امبارح أنا هفضل معاكم على طول. لتتجه نحو ندى تجلس بجانبها وتخبرها بهستيرية وكلمات متقطعة: -دي حتى قالتلي خليكي قوية. الضعف في الزمن دا بيتعب صاحبه. لتهز رأسها بعنف وهي تقول: -والله ياندى قالتلي كده. ماما مش هتموت ياندى. ماما مش هتموت. ورغم ضعف ندى أصابها الخوف عليها. أمسكت رأس شقيقتها وأحاطت وجهها تنظر لعينها:

-اششش… ماما هتكون بخير. اهدي. تحدثم، ضمتها بقوه تحرك يدها على ظهرها تحاول تهدئتها حتى استكانت. *** سمحو لها أخيرًا بالدخول. اقتربت منها وقلبها يرتجف. تلك الأجهزة التي تحيطها، جهاز التنفس الذي يكبل وجهها يمنعها من رؤية وجهها الجميل، الأسلاك التي وصلت بجسدها، أصوات الأجهزة التي كان تزيدها رعب، ودقات قلبها الضعيفة كأنها تودعهم. جثت على ركبتيها أمامها وأمستكت بيدها التي غرزت فيها إحدى الإبر لتقبلها وتقول معاتبة:

-ليه ياورد؟ ليه كده؟ مش وعدتيني إنك هتفضلي جنبي؟ مش كنت دايما بتقولي نفسي أشوفكم عرايس؟ عاوزة تهربي ياورد وتسيبينا، وتسيبينا لمين من بعدك؟ مش خايفة الزمان يغدر بينا؟ مش خايفة الناس تأذينا؟ استعجلتي ليه وعاوزة تروحي بسرعة؟ مش لسه بدري يا ورد. دا إحنا لسه مشبعناش من حضنك. عاوزاني أحضر لحظة وداع تانية؟ مش كفاية دمه اللي لسه على هدومي؟ مش كفاية اللي شفته يا ورد. لتعلو شهقاتها وتتساقط دموعها وهي تكمل:

-طب أقول لأخواتي دلوقتي أي؟ أقلهم أمكم بتموت؟ دول بيستنجدوا بيا يا ماما. أقولهم اختكم فشلت إنها تعالج أمها؟ أقلهم اختكم معرفتش تعمل حاجة؟ بقيت عاجزة يا ورد. شمس اللي دايما بتقولي عليها قوية بقت عاجزة. أخذت تضرب على صدرها وتقول: -أنا من غيرك جبانة يا ماما. أنا من غيرك جبانة يا سندي. يلا اصحي. بناتك مستنينك. رفعت عينيها الحمراء وأزالت كمامتها وأخذت تقبل يدها وذراعها. تأخذ نفسًا عميقًا لتجد رائحة الدواء تطغى على رائحة

والدتها لتقبل رأسها وتقول: -اصحي يا أحلى أم في الدنيا. اصحي. هنضيع من بعدك. ثم نظرت لها وقالت كأنها تهددها: -هنضيع يا ورد. أنتِ سمعاني؟ الناس هتاكلنا. ثم صمتت تلتقط أنفاسها وعينها معلقة على وجهها لتقول بلا وعي: -هنتفرق يا ورد. هنتفرق من بعدك. لتجد دقات قلبها تتسارع وكأنها تحذرها. وربما تسمعها لتقرب وجهها منها حتى تلامست شفتها جبينها لتقول: -ما تخافيش يا ورد. هنفضل إيد واحدة. وعد.

ظلت جوار والدتها تحاورها كأنها تسمعها. *** أما في الخارج، رحلت هدى نحو المسجد القريب تصلي وتدعو الله لوالدتها. وندى التي لم تنم منذ يومين أنهكها التعب لتتكأ برأسها على ظهر الكرسي وتغلق عينها. وما هي إلا بضعة دقائق خطفهم النعاس حتى شعرت بيد توقظها: -ندى… ندى. فتحت أجفانها المتورمة ببطء لتجده يقف أمامها. اعتدلت بفزع تسأله: -ماما جرالها حاجة؟ ليقطب حاجبه ويسألها مستفسرًا: -هي والدتك هنا؟ لتخبره بنبرة صوت يائسة:

-أيوه. دخلت في غيبوبة. الجسم رفض الكلية. رفع حاجبه بصدمة وتأثر. فهو هكذا فهم النهاية الأقرب. ليشير لها: -طب تعالي يا ندى. -أروح فين؟ أنا مش هقدر أسيب ماما. ليقاطعها بترجي ويقول متوسلًا: -طب تعالي يا ندى. مش حلو نومتك هنا على كرسي الانتظار في الممر قدام الرايح والجاي. أومأت له فلم تعد تتحمل. لقد تملك الإجهاد منها. تبعته نحو مكتبه ليفتح الباب ويقول: -ادخلي يا ندى. اتفضل. دخلت بإحراج وخطوات مثقلة. ليشير

نحو الكرسي المخصص له: -دا أريح وممكن تسندي على المكتب. غرفة النبطشية مشغولة كنت خليتك ترتاحي فيها. اتجهت نحو الكرسي وجلست على استحياء. وقبل أن يخرج سمع همسها المبهم وهي تقول: -أنا السبب. ليعود إليها ويسألها: -انت السبب في أي؟ -أكيد جسمها ما استحملش فلوس بدران. ليه ياندى بتقولي كده؟ لترفع نظرها وتقابل عينها عينه بتحدي وتقول: -لأن دي الحقيقة. فلوسه هي السبب. لتنهار منتحبة وتلطم وجهها:

-أنا اللي هاموت أمي. أنا السبب. يارتني ما رحت. يارتني ما طلبت منه حاجة. اقترب منها بخطوات سريعة وأبعد يدها يوقفها عن لطم نفسها: -بس يا ندى. اهدي. اهديلها. لكنها ظلت تردد كالمغيبة وتكرر بلا وعي: -أنا السبب… يارتني ما رحت… أنا السبب. جثى على ركبته أمامها وصرخ بها: -بصيلي يا ندى. بصيلي. ظلت شهقاتها تعلو وجسدها يرتعش. ليكرر طلبه بصوت أعلى: -بصيلي. لتصمت وتنظر عينه لعينها بعمق:

-أنتِ عملتي الصح. انت ما كانش قدامك غير الحل دا. -بس أمي بتموت. قالتها بصوت منكسر بح من شدة البكاء. -ولو ما أخدتيش الفلوس كمان كانت ممكن تموت. دي أقدار ياندى وصدقيني كنت كمان هتندمي. وكنت هتلومي نفسك أكتر لأن كان هيكون في إيدك تنقذيها وما أنقذتهاش. ليصمت ينتظر ردة فعلها التي لم تكن سوى السكوت والتحديق نحوه. ليسترسل: -أنتِ عملتي الصح. -قولي يا ندى. ليهز رأسه يحثها على تكرار ما يقول. وكتلميذة تطيع أوامر أستاذها كررت:

-أنا عملت الصح. ابتسم لها كأنها اجتازت الاختبار بنجاح. ثم استقام واقفًا يحضر لها كوب ماء: -أشربي يا ندى. التقطته منه وتناولته جرعة واحدة فقد تشقق جوفها من شدة نحيبها. كم شعر بالشفقة والحزن لأجلها ولام جده على ما أوصلهم إليه. ليبتسم ابتسامة هادئة ويقول: -ارتاحي ياندى. ثم تركها ورحل. لتضع يدها على المكتب تتوسدها وتغفو قليلًا. ***

ها هو اليوم الثالث ووالدتها لم تفق من غيبوبتها. ذهبت مع هدى تحضر كوب قهوة لعله يوقف الصداع الذي يضرب رأسها. ليعود الاثنان يحملون القهوة ويسيرون نحو الغرفة التي تقطن فيها والدتهم.

كانتا تسيران بخطوات بطيئة تشبه تلك الساعات التي باتت تسير ببطء. حتى اقتربتا من الممر لتسمع شمس صوت خطوات الأطباء والممرضات المتسارعة عبر الممر. اضطربت لتسرع خطواتها حتى وصلت بالقرب من غرفة والدتها ليصيبها الهلع وهي تراهم يتراكضون نحو غرفتها وندى تقف أمام الباب بوجه مرتعب.

وقفت في صدمة لتفلت يدها القهوة فيسقط الكوب. تناثر محتواه على الأرض كما تناثرت أجزاء قلبها الخائف. ثواني من الاستيعاب كانت تحتاجها قبل أن تندفع نحو الغرفة تجد الأطباء يحاولون إسعافها. وقفت متجمدة في إحدى زوايا الغرفة تضع يدها على فمها تكتم صرخاتها. عينها متسعة، شفتها ترتعش كما ارتعش سائر جسدها. تحرك رأسها يمينًا ويسارًا وهي تردد: -لا… ارجوك يا أمي لا. متسبنيش.

لكن صوت ذلك الصفير أنهى كل شيء. ليتوقف الأطباء عن استخدام جهاز الصدمة وتسمع أسوأ جملة سمعتها من أحد الأطباء: -أعلن ساعة الوفاة. ليصرخ قلبها: -لا تعلن. ارجوك لاتفعل. لازال الوقت مبكر. حاول ارجوك. ربما تعود. لينسحب الأطباء بحزن لفقدانها. وسمعت صراخ هدى والممرضات يمسكون بها يمنعونها من الاقتراب وصرخاتها تمنعهم من إسدال الغطاء على وجه أمها: -ماما ما ماتتش. أنتو بتكدبوا عليا. متغطوش وشها. هي هتصحى بعد شوية.

وندي ساقطة على الأرض تلطم وجنتيها وهي تردد: -سامحيني… سامحيني. اقتربت من والدتها وأزاحت ذلك الغطاء الذي حجبها عنها وجثت على ركبتها لتلاحظ تلك الدمعة التي سالت من عين والدتها المغلقة. لِتمد يدها المرتعشة تمسح تلك الدمعة باناملها وترفعها نحو فمها تقبلها وهي تعاتبها: -عملتيها يا ورد ومشيتي. سبتي بناتك يا ورد؟ ليه لازم أعيش لحظة الوداع؟ لازم أعيشها تاني؟ ليه يا ورد؟

ثم رفعت نفسها ونثرت قبلاتها على صفحات وجهها لتقبله. ظلت تقبلها وأنهت وداعها بقبلة طويلة على جبينها: -مع السلامة يا أمي. السلام أمانة لحبيبي وحبيبك. هتوحشيني يا ورد.

ابتعدت بعد أن اندفعت ندى وهدى يحتضن جسدها وينتحبون بالبكاء. ليدخل خلفهم طارق يحاول تهدئتهم وإبعادهم عنها بعد أن أصبن بالانهيار. وهي لم تكن سوى متفرجة للمشهد الذي لا تعرف ماذا حدث بعده. ولم تعي بحالها إلا وهي تجلس وسط نسوة متشحات بالسواد يعلو صوتهم بالبكاء والعويل. وأخواتها يذرفن الدموع. أما هي كأن دموعها جفت. لم تبكي ولم تسقط دمعة واحدة من عينها. أغمضت عينيها ثم فتحتها لتجد النسوة قد اختفوا بل وحل محلهم أبناء عمومتها الذين كانوا يحدقون بها. لِتنهض تتبعها أعين الجميع وتدخل غرفتها.

-هي كده من امبارح ياندى؟ سؤال طرحه طارق بقلق لتجيبه بخوف وصوت متحشرج بالكاد يفهم لانهيارها هي الأخرى: -أيوه. كانها في عالم تاني. أنا خايفة عليها أوي. دي دي متكلمتش ولا كلمة ولا حتى عيطت. -طبيعي ياندى. الصدمة مش قليلة. وكأنها تذكرت مالم تنساه لتنساب دموعها التي صارت جزءًا من وجهها: -صلي على النبي يا ندى وادعيلها.

قالها علي وعينه تنظر بحزن نحو حبيبته الصامتة. أجفانها المتورمة وأنفها الأحمر تسقط منه دموعها التي سالت بلا توقف وخطت آثارها على وجنتيها. ليتمزق قلبه حزنًا عليها. ود لو يستطيع حمل هذا الحزن بدلًا عنها. قطع تأمله بها صوت الباب يفتح وتخرج شمس من غرفتها تحمل شيء وتدخل غرفة أخرى. لتهب ندى واقفة بفزع وارادت أن تذهب نحوها لكن قاطع تقدمها صوت هدى المبحوح: -سيبيها يا ندى. أثار ما تحمله فضول فارس الذي كان يراقبها ليسأل:

-هي شايلة أي؟ لتجلس ندى بجسد أثقلته الهموم وتجيبه بألم: -دا فستانها اللي عليه دم بابا. أصل شمس كانت معاه يوم الحادثة. اتسعت أعين الثلاثة بدهشة وأصابتهم الشفقة عليها. وشيء ما جعل قلب ذلك المغرور يرتجف. لتهرب دمعة من عينه مسحها خلسة قبل أن يراه أحد. -كده صدمة مكررة ياندى. لو فضلت على الحالة دي تبقى محتاجة طبيب نفسي. قالها طارق بعملية. لتوضح له:

-مهو عشان كده أنا خايفة. شمس فضلت متتكلمش بعد بابا عشر أيام. لولا ماما مثلت إنها وقعت وقالتلها نادي ندى أنا اتعورت مكانتش هتتكلم تاني. ثم نظرت نظرات خائفة وقالت متوسلة: -أنا خايفة عليها أوي. أنت متقدرش تعمل حاجة. تنهد بحيرة وأجابها يعطيها بصيص أمل: -كل اللي أقدر اعمله أديها حقنة مهدئة وهستشير دكتور نفسي. -أنا هجبلكم الحقنة. يلا يا فارس. لكن فارس هو الآخر كان في عالم ثاني. ليكرر علي ندائه: -فارس… فارس! رمشت عينه

بعد أن انتبه لنداء علي: -أيوه يا علي. -خلينا نجيب الدوا. أماء له برأسه ونهض يتبعه. حتى إذا وصلوا السيارة ناوله المفاتيح وقال: -سوق أنت ياعلي. -ليه؟ دي عربيتك؟ مش أنت اصريت نجي بيها؟ قالها علي متعجبًا. -سوق ياعلي. أنا عندي صداع. ركب الاثنان السيارة ليعيد فارس رأسه إلى الخلف ويغمض عينه. نظر له علي باستغراب فلم يكن هذا حاله عند قدومهم. وبعد مضي مدة ساله: -هي شمس كان عندها كم سنة لما عم حسين مات؟

ليوزع علي نظراته بينه وبين الطريق يجيب على تسأله بعدم تأكيد: -أعتقد عشرة أو اتناشر سنة. ثم صمت قليلًا وأكمل: -يعني أكيد فاكرة الحادثة. ربنا يعينها. -محدش بينسى حادثة حصلت قدامه مهما كان عمره. قالها فارس وهو لا يزال مغمض العينين. *** أعطاها الحقنة ولم تشعر بها رغم أن عينها مفتوحة. يبدو أنها لا تزال في حالة اللا وعي. فقد كانت تحتضن فستانها وتنام على سرير والدتها. -لو احتاجتي حاجة ياندى أنا موجود.

-متشكرة ياطارق. تعبناك معانا. -متقوليش كده. إحنا أهل. ظلت تحدق به ولسان حالها يقول بسخرية: أهل مرة واحدة. لكن لسانها نطق: -متشكرة. اقترب منها بخوف ممزوج بالحزن ليمد يده لها بعلبة الدواء التي جعلتها تنظر له بتعجب: -دا مهدئ ياهدى. بس ماتخديش كتير. نص حباية كويس. -متشكرة. مبشربش الحاجات دي. لتتبهت ملامحه من جوابها ليسرع مفسرًا: -لا انت فهمتيني غلط. دا بس عشان أعصابك ترتاح. وبنبرة حزن وانكسار تمتمت:

-معادش فيه راحة بعدها. ثم تركته ورحلت لينظر لإثرها بأسى. *** أسبوع مر على وفاة والدتهم ولا زالت لا تتكلم. عينها فقط من تتحرك. حتى الطعام ترفضه. ليشحب وجهها وترتسم الهالات السوداء حول عينها. ليعلق لها طارق المحاليل. وتعجب عندما لم تصدر تأوهًا وهو يغرس الإبرة في يدها. -كتر خيرك ياطارق. قالتها ندى بامتنان. -أنا معملتش حاجة. دا واجبي. ثم نظر نحوها ثم أعاد نظره نحو ندى: -ربنا يقومها بالسلامة.

لتغمض عينها بعد أن رحل الجميع. فشعرت بيد توقظها: -شمس… شمس. فتحت عينها لتجد والدتها تقف أمامها فتنهض بفزع تسألها بلهفة: -ماما أنتِ هنا؟ -أيوه يا روح ماما. -يعني أنا كنت بحلم؟ أمستكت يدها وقالت: -أنا مرتاحة هنا وأنا مع حبيبي. متعيطيش. ليمد لها يده ويسحبها وسط ابتساماته الكبيرة. وعندما رأت أنهم يبتعدون أصبحت تنادي عليهم: -ماما بابا استنوني!

مدت يدها وكادت أن تمسك يد والدتها لتتلمس أصابعها وتتشبث بها لولا والدها الذي سحبها نحوه بقوة. لِتلتفت إليها وتقول بوجه أشرق بابتسامة كبيرة: -أنا مع حبيبي يا شمس. لتنادي عليها وهي تبتعد حتى اختفت: -ماما… ماما. تفتح عينها وهي لا تزال تردد: -ماما… ماما.

تنهدت بيأس عندما علمت أنها كانت تحلم وأنها لن تعود. أنه مجرد حلم. لتنهار بالبكاء على تلك الحقيقة المرة. لكنها توقفت فجأة عندما تذكرت وجه والدتها المنير وابتسامتها. ثم رن كلامها في أذنها. لتمسح دموعها هي الأخرى وتبتسم. يبدو أن والدتها سعيدة وفي مكان أفضل. وربما لم يكن الحلم سوى رسالة منها. فهي تسمع دائمًا أن رؤية الشخص الميت صادقة. فهو في دار الحقيقة. كانت هدى وندى يجلسان يتناولان فنجان القهوة عندما رآها. تخرج

من الغرفة وتقف أمامهم: -صباح الخير. في قهوة ليا يا هدى؟ ابتهجت الأختان رغم حزنهما بعودتها للكلام. لتتهلل أسارير هدى وهي تقول لها فرحة: -بس كدا. حالا تكون عندك أحلى قهوة. *** ستة شهور مرت على رحيل ورد. كانت مظلمة بالنسبة لهن. فقد انطفأت الحياة برحيلها وغادرت البسمة أفواههن. ليخيم العبوس والحزن على أروحهن. لا يهنؤهن سوى وجودهن معًا.

كانت عائدة من المستشفى عندما لمحته يقف مستندًا على سيارته الحديثة ينفث دخان سيجارته عاليًا في الهواء. لتبتسم ساخرة. فغروره ليس بالغريب. يحق له. أليس حفيد بدران الجوهري. اعتدل في وقفته عندما رآها قادمة. لكن ارتسم العبوس على وجهه عندما تجاوزته كأنها لم تره. دخلت لتجد علي يخرج من الباب ليقابلها بابتسامة: -أهلاً. ازيك ياشمس؟ لتجيبه باقتضاب قبل أن تتجاوزه هو الآخر: -أهلًا.

وصل علي إلى فارس لتلتقي أعينهم بتعجب من تصرفها. التفت علي ينظر لإثرها وهو يخبره: -ربنا يستر لما تعرف جدو بعتنا ليه. تأفف فارس بتذمر وهو يتمتم بحيرة: -جدك بقت تصرفاته غريبة. ***

ظلت شاردة تفكر بكلام علي وما أخبرها به أن جدها يريد رؤيتهم غدًا. تعلم أن المدة قد انتهت منذ أشهر. لكن حزنها على والدتها جعلها تنسى بدران ودينه. ليعاود الخوف يستوطن فكرها. ونصيحة علي تروق لها. فعلي قد نصحها بأن تخبر جدها أن النقود ليست سوى حقهم في الميراث. وأن حصتهم من إرث والدهم تساوي الكثير. وهذه النقود ليست سوى جزء صغير منها. أفاقها من شرودها صوت شمس وهي تهتف بغضب:

-شكل ولاد الجوهري اتعودوا على المكان. هما كل شويه هينطولنا هنا؟ مش خلاص وقفو معانا وشكرناهم وخلصت الحكاية؟ لازمتها إيه مجيتهم النهاردة؟ نظرت لها ندى وابتلعت ريقها. حان الوقت لتعلم. فلا مفر من المواجهة. -جدك عاوزنا نروحله بكرة الفيلا. أدهشتها كلمات ندى لتقول باستنكار: -نعم… نعم… هو مين اللي عاوزنا؟ وليه إن شاء الله؟ تنهدت ندى بخوف من القادم. لكن لابد من الإكمال:

-بدران عاوزنا عشان فلوس عملية ماما. أنا استلفتهم منه ومضيت على وصل أمانة مدة خلصت من شهور. تحجرت عيناها بدهشة. لقد صعقها ما تفوه به شقيقتها. هل ما سمعت حقيقة أم أنه مجرد كابوس سوف تستيقظ منه بعد قليل؟ لكن عين شقيقاتها المحدقة بها ومناداة هدى لها جعلها تعلم أنها حقيقة. انحسر الهواء من حولها حتى أصبحت تشعر بالاختناق. اقتربت منها ببطء وقلبها يخفق برعب. تسألها بشفاه مرتعشة: -بتقولي جبتي الفلوس منين يا ندى؟ اخفضت ندى

عينها بندم وقالت بكسرة: -من بدران الجوهري. مجرد ذكر اسمه أيقظ جروح الماضي وأوقد ثورة غضبها لتصرخ بها: -أنتِ اتجننتي؟ إزاي تعملي كده؟ إزاي تكدبي علي؟ لتصرخ ندى هي الأخرى. تخرج قهرها وقلة حيلتها وتلعن ضعفها الذي أذلها له. انسابت دموعها بندم وجرح الخذلان الذي طعنها به الزمن زاد من مآسيها: -ما كانش قدامي غير كدا عشان… صمتت تبتلع غصة مرة تجرعت مرارتها تكمل: -عشان أنقذ أمي. احتدمت ملامحها وهي تلومها بغضب:

-تقوم تسلمينا لبدران وتخلي رقبتنا تحت إيده؟ تسارعت أنفاسها بانفعال ترد عليها: -لا. دا حقنا وحق أبويا اللي دفعه عمره وشبابه وقهرته وذله. الفلوس والورث. دا عوض اللي خسرناه. التقاطتها متهكمة: -وهو اللي خسرته هيعوضه فلوس؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...