أسدل الليل ستاره وعم الهدوء المكان لتذهب نحو سريرها تتخذ منه ملجأ لتخفيف ألمها الذي تخفيه عن بناتها. فأوجاع ظهرها وجانبيها باتت تتعبها وتورم أقدامها بدأ ينذرها بأن هناك شيء خطير يصيب جسدها، لكنها آثرت الكتمان، لا تريد أن تثقل كاهل صغيراتها وهي تراهم يسعون في شق طرقهم بهذا الحياة. تعلم مدى حبهم لها فلا تريد إخافتهم، ربما هذه ليست سوى أعراض التقدم في العمر.
أراحت رأسها على وسادتها لترحل نحو ذكريات الماضي، تعيش بين صفحاته علها تتناسى ألمها لتذهب إلى ذلك اليوم الذي رأت فيه مالك قلبها الذي غيبه القدر. كان شاباً طيب القلب، جميل المُحيا، جذب انتباهها منذ أول مرة رأته عندما كانت تقف تساعد والدها على عربة الفول التي تقف في أحد شوارع منطقة الحسين.
كان يحضر مع مجموعة من العمال لتناول وجبة الإفطار بشكل يومي حتى تعلق قلبها به، لتعرف بعد ذلك أنه ابن مالك محلات الجوهري للقماش، ذلك التاجر ذائع الصيت. لتصفع قلبها وتكمم نبضاته، فهي تعلم أن هذا الحب مستحيل، لذلك فلتحكم عليه بالإعدام قبل أن يحكم هو عليها بالتعاسة، فالفرق بينهم كبيرٌ جدًا، هو ابن تاجر القماش وهي ابنة بائع الفول. كلام كان يردده عقلها حتى يحفظ قلبها الدرس ولا ينصاع لمشاعره ويجري خلف السراب.
لتبدأ في تجنبه وعدم التكلم معه، وتشغل نفسها عند وجوده بأي شيء، لتتفاجأ به في يوم يقترب منها يسألها: -إزيك يا ورد؟ تخبطت الأطباق التي تحملها بيدها لإرتعاش يدها وارتجف قلبها كما ارتجفت الكلمات على لسانها وهي تجيبه: -أ أ أهلًا... ابتسم على ارتباكها الذي أعطاه الأمل فيما يشعر به وأنها قد تبادله المشاعر، ليسألها: -مالك يا ورد؟ انت زعلانة مني؟ احتقن وجهها وهتفت بوجهه بشراسة: -وازعل منك ليه حضرتك؟
هو بيني وبينك حاجة عشان أزعل منك؟ قطب حاجبيه من هجومها الغير مبرر عليه: -هو أنا قلت حاجة غلط يا ورد؟ أنتِ بتكلميني كده ليه؟ وضعت يديها على خصرها وهتفت كلماتها بغضب: -أكلمك إزاي يعني ياحضرت؟ ما تلزم حدودك. عبس وجهه وقال بامتعاض: -عندك حق، أنا آسف، الظاهر أني تجاوزت حدودي. ثم تركها ورحل، لتسند يدها على الجدار المجاور لها تهدئ من الحرب القائمة بين قلبها اللائم وعقلها الداعم. تتغمغم بلسان مثقل بالحزن:
-كدا أحسن يا ورد، عشان تفوقي من الوهم يا بنت صابر. تعمد عدم الحضور لتناول الإفطار مع العمال رغم شوقه لرؤيتها، كأنه يعاقب قلبه ويعوده على الفراق. أما هي، فوقفت تسترق السمع إلى الحديث الدائر بين والدها وأحد العمال عن سبب عدم حضوره: -هو حسين بيه مبقاش يجي يفطر معاكم ليه يا محمد؟ -والله مش عارف ياعم صابر، أهو ساعات بيقول تعبان وساعات بيكون مشغول، مع أنه زمان كان هو الي بيلمنا ويجيبنا عشان نفطر هنا.
-ربنا يعينه يا محمد، أنا سامع أنه شايل شغل أبوه على كتافه. -أيوه حسين بيه راجل يعتمد عليه والذراع اليمين للحاج بدران، أصل اخواته التانين ملخومين في دراستهم وسايبين الحمل عليه، بس الشهادة لله حسين بيه طيب وابن حلال وحنين على الكل، مش زي أخواته المهندسين الي مناخيرهم في السما. -عندك حق يامحمد، ربنا يحميه لشبابه.
ومع كلمات المدح التي كانت تسمعها كان قلبها يخفق شوقًا له، رغم الحصون التي تبنيها حوله، لكن يبدو أن حصونها كانت واهية، انهارت بمجرد أن سمعت اسمه يتردد بالقرب منها. مر شهر كامل دون أن تراه، حتى جاء ذلك اليوم الذي سمعت فيه صراخ العمال وتجمهرهم عند بوابة محلات الجوهري، يصرخ أحدهم للآخر يطلبون إحضار الطبيب بعد أن سقط حسين مغشي عليه داخل المحل.
ليعلن قلبها العصيان وثار عليها، ولم تشعر بنفسها إلا وقدميها تسوقانها لتقف بالقرب من المحل تنظر بلهفة وقلق نحوه والعمال يلتفون حوله ويحاولون إفاقته. يمسك أحد العمال قنينة عطر يرشها على يده ويقربها من أنفه وهو يضرب على خده مناديًا باسمه: -حسين بيه أصحى، حسين بيه أنت سامعني؟ فتح عينيه ببطء شديد ودار ببصره حول الجميع، أغمض عينيه وأعاد فتحها يسألهم بتعجب: -إيه الي حصل؟
-كنت واقف وفجأة اغمي عليك ولقيناك واقع على الأرض، الظاهر أنك مش واكل حاجة. قالها العامل الذي ساعده في الاعتدال والجلوس: -متشكر يا فتحي، متشكر يارجالة. قالها وهو يعتدل وينفض التراب عن ملابسه. -أبقى خلي بالك من نفسك يا بيه، أجبلك حاجة تأكلها والا أجبلك مية بسكر. -متشكر يافتحي، أنا هاكل أي حاجة واشرب عصير، تسلم، شوفو شغلكم انتوا.
وليرفع عينه تدور مرة أخرى للمكان من حوله، حتى التقطتها عينه تقف بعيدًا تكفكف دموعها بيديها وعينيها تخبره خوفها وشوقها إليه. ابتسم رغمًا عنه عندما رآها، وكأنه شفي مما أصابه، فرؤيتها كانت دواء لكل داء. عادت تزاول عملها والقلق يتملك منها عليه وما أصابه، كانت تتحرك مشغولة البال حتى وجدته يقف أمامها ويقول: -بحبك يا ورد. عادت من ذكرياتها تمسح دموعها المنسابة وتمتم: -وحشتني يا حسين، وحشتني يا حبيبي. ***
جلست تدون ما تعلمته اليوم في كشكولها الخاص وترتب المعلومات حتى شعرت بتشنج رقبتها، لتعتدل متكئة على ظهر الكرسي ورفعت يدها تدلك رقبتها تزفر أنفاسها بتأفف. استدارت يمينًا لتجد هدى تجلس على السرير تحمل بيدها إحدى الروايات الرومانسية وقسمات وجهها تتغير بين الحين والآخر، فتارة تعبس وتارة تبتسم وتارة أخرى تجدها تمسك خصلات شعرها تلفها حول إصبعها وهي تنظر لكلمات الرواية بهيام. لتقول شقيقتها لها ساخرة:
-ربنا يستر والروايات دي متلحسش دماغك. نظرت لها هدى بطرف عينها وقالت بسخط: -ملكيش دعوة بيا، خليكِ وسط العيانين بتوعك. دفعت كرسيها نحو الوراء واستقامت واقفة وخرجت من الغرفة تردد: -ربنا يشفيكي ياهدى. أبعدت هدى الرواية عن عينها ونظرت لإثرها لتمط شفتها بانزعاج وهي تقول: -بومة. عادت إلى اندماجها مع الرواية لتتفاجأ بها تندفع إلى داخل الغرفة كالإعصار وتبتسم قائلة: -ماما نايمة. اعتدلت هدى بتحفز وسألتها: -وبلة الناظرة؟
-ماتخافيش ندوش، مقدور عليها، كلمتين تقنعها. سكتت هدى تقلب الفكرة في راسها وقالت: -تفتكري؟ لتضربها شمس على كتفها وهي تقول بانزعاج: -انت لسه هتفكري؟ يلا يا بت. لتتوقف فجأة كأنها تذكرت شيئًا: -أستنى هكلم نجوى تيجي معانا. كانت شمس تعتبر نجوى شقيقتها الثالثة فهي جارتهم ورفيقة دراستها وتعمل معها الآن في نفس المستشفى.
ارتديتا ملابس الخروج واتجهتا نحو غرفة ندى لتطرقا الباب حتى سمعتا أذنها بالدخول لتجداها تجلس على سريرها تنظر لهم باندهاش. جلست هدى على يمينها وشمس على شمالها لتتحدث هدى: -ندوش أحلى أخت في الدنيا. فأكملت شمس: -وأحلى مس فيكي يا مصر. زفرت ندى أنفاسها بضيق وقالت: -خير. -مشوار صغير لحد السوبر ماركت القريب مننا. قالتها هدى بنبرة متوسلة وهي تصف لها قرب المسافة باشارة من يدها. التفتت لها ندى وقالت مستهجنة وصفها: -قريب؟
دا هياخذ اكتر من نص ساعه. لم تتقبل شمس وجنتها في محاولة لاستعطافها: -ارجوكِ يا ندوش، هنروح بسرعة ونرجع بسرعة ونجوى هتكون معانا. لوت ندى شفتها بسخط وقالت مستنكرة: -دا على أساس نجوى البودي جارد بتاعكم. -وحياتي ياندى، اللهي يديكي الصحة يارب وتاخدي الماجستير الي نفسك فيه. قالتها هدى وهي ترفع يدها بدعاء لتكمل عنها شمس: -ويرزقك بابن الحلال الي يسترك ويهنيكِ. لتصرخ ندى بهم تنهرهم عن هذه الأفعال المزيفة:
-بس كفاية، انتوا هتشحتوا خلاص، موافقة بس بشرط. قالتها ندى وهي ترفع سبابتها أمامهم ليجيبا بسرعة وبصوت واحد: -انتِ تؤمري. -متتأخروش وتجيبوا طلبات البيت معاكِ. أومآ رأسهما بالموافقة. لتلتقط حقيبتها تخرج قائمة الطلبات من حقيبتها مرفقة بالنقود. انتشلت منها شمس النقود وجذبت يد هدى تسحبها ورائها وهي تردد: -يلا قبل ما تغير رأيها.
سار الثلاثة بعد أن أنهوا تسوقهم يحملون أكياس رقائق البطاطا بأيديهم يتناولونها وهم يتحدثون بأستمتاع، فهذه اللحظات المتعة بالنسبة لهم وأجمل أوقات لنقاش المواضيع الغريبة كما اعتادوا. لتسأل هدى نجوى التي تتأبط ذراعها: -أنتِ أي رأيك في الحب يا نجوى؟ رفعت نجوى كتفيها بحيرة وقالت: -والله مش عارفه يا هدهد، عمري ماجربته عشان أديكِ رأيي فيه. -حاجة تافهة وهبل ومالوش لا أمان ولا مصداقية.
كلمات قالتها شمس التي كانت تدس رقاق البطاطا في فمها وتمضغها بتلذذ. لتتلتفت لها هدى بسرعة تنظر لها بإشمئزاز وهي تقول مستنكرة: -وانتِ أيش عرفك؟ هو انتِ حبيتي قبل كده؟ لتشهق شمس بخفة وتسعل وهي تردد: -اعوذ بالله، أنا أحب؟ دا أنا كده أكون اتجننت عشان أسلم قلبي لراجل يتحكم فيه. لتضحك هدى باستهزاء وتقول وهي تقضم احد قطع البطاطا: -بكرة تحبي واضحك عليكِ وأفكرك بكل الكلام الي بتقوليه ده. ليمصع وجه شمس وتنظر لها نظرة
جانبية ثم قالت لها بتحدي: -بصي، هو أنا حتى لو حبيت مش عاوزة احب حب عادي، عاوزة أحب حب عاصف، حب زي الإعصار، حاجة شبه قيس وليلى، روميو وجوليت، عندك منه دا ياهدى؟ لو معندكيش ما يلزمنيش. ثم ضحكت بقهقهة حتى ضربتها هدى تنهرها وقالت بغضب: -انتِ مجنونة؟ احنا في الشارع. توقفت بسرعة عن الضحك ووضعت يدها على فمها بعد أن انتبهت لمكانهم لتقول لها هدى: -تصدقي يا شمس انتِ لما تحبي هتحبي بجد. لتسترسل وهي تأخذ شهيقًا كبيرًا وتزفر
أنفاسها وهي تتمتم بهيام: -الحب دا شئ جميل اوي يا شمس. نغز كلام شقيقتها قلبها وتسلسل الخوف لقلبها، هل ما تشك به صحيح؟ هل وقعت شقيقتها في لعنة الحب؟ *** كان يجلس على مكتبه الملحق بمحلاته يدخن سجارته الإلكترونية وينفذ دخانها عاليًا حتى ملأت رائحتها المكان. ثم استند إلى ظهر كرسيه الوثير يغمض عينيه باسترخاء حتى سمع من يقتحم المكان ويسأله: -إيه يا برنس؟ مش هنسهر الليلة؟ أجاب وهو لا يزال مغمض العينين:
-بلاش النهاردة ياحازم، جدي بيراقبني مش عاوزه يمسك عليا زلة الأيام دي، أنا محتاجله سفرية تركيا قربت. -يعم سهرة صغيرة وماتتقلش في الشرب. قالها حازم يحفزه على العدول عن قرار لكنه يعلم أن جده ليس بالشخص الهين ولن يستطيع مجاراة ذكائه. تنهد ثم فتح عينيه واعتدل في جلوسه يلملم أغراضه ثم حمل مفاتيح المحلات يقذفها باتجاه حازم الذي التقطها. لينهض وهو يقول له: -قفل المحل وخلي السهرة بعد كم يوم على ما جدي يطمن ويخف عينه من عليا.
تركه ورحل لينظر حازم لأثره وهو يغمغم: -ضيعت علينا السهرة يا ابن الجوهري. *** أيقظتها أصوات ضحكاتهن القادمة من المطبخ، نظرت نحو الساعة وبالكاد استطاعت رؤية الوقت بسبب إضاءة الغرفة الخافتة، لكنها عبست عندما رأت أن الوقت متأخر. نهضت مقررة توبيخهن بعدما وصلت لأنفاسها رائحة النودلز (الاندومي) التي تعترض دائمًا على تناولها. اقتربت من باب المطبخ ولكن قبل ان تقتحمه عليهن وصل لأسماعها ما جعلها تتوقف وتنصت لحديثهن:
-فاكرة يا ندى لما روحنا اسكندريه وبابا كان عاوز يعلمنا العوم؟ ابتسمت ندى وهي تلف النودلز حول شوكتها وقالت قبل ان تلتهمها: -أيوه حبيبي، وقتها فضل وقت طويل وهويعلمنا. عقدت شمس شفتها بعبوس وقالت: -أنا مش فاكرة اليوم ده. لتجيبها هدى: -أيوه ما انت كنت وقتها صغيرة، بس اكيد فاكرة يوم ماروحنا الملاهي وتوهتي هناك. -أيوه ما تفكرنيش، بابا حبيبي فضل يدور عليها زي المجنون والست هانم كانت واقفة بتاكل غزل بنات. ضحكت هدى وقالت:
-طبعًا ما ست شمس كانت دلوعة بابا والي على الحجز. زاغت عينيها تتذكر بحزن لهفته عندما وجدها وكيف احتضنها بقوة يدفن انفه بين ثنايا عنقها ويشم رائحتها وهو يردد: -حبيبتي يا روح بابا. تلمع الدموع في عينها وترسم شبح ابتسامة حزينة على وجهها قائلة: -فعلاً يومها، أنا ماكنتش خايفة عشان كنت متأكدة انه هيلاقيني.
نظرت ندى نحو هدى نظرات عتاب على تلك الذكرى والحزن الذي استوطن عين شقيقتهم، فكلاهما يعلمان مدى ارتباطها به وكيف عانت كثيرا بعد رحيله. لتغير هدى مجرى الحديث وهي تتصنع الانزعاج: -فاكرين أول يوم العيد لما كانت شمس تخبي جزمتي وأفضل أدور عليها؟ لتتعالى أصوات ضحكاتهن مرة أخرى على هذه الذكرى.
أما في الخارج، فكانت ورد تستمع لهن يعتصرها قلبها وتخونها دموعها تنساب مع سيل ذكرياتهم، يبدو أنها ليست الوحيدة التي تشتاق له، فبناته أكثر شوقًا لوجوده بينهم. لتحاور طيفه قائلة: -حبك وحنانك عليهم يا حسين خلوك عايش جواهم، لا حناني ولا حبي ليهم قدروا يعوضوهم وينسوهم، ياريتك فضلت معاهم. مسحت دموعها ورسمت الجمود على وجهها وفتحت باب المطبخ فجأة لتفزع الفتيات من وجودها ونظرات الغضب الظاهرة عليها وصراخها:
-هو أنا مش منعتكم من الاندومي؟ مين الي اشتراه؟ لتجد شمس يد شقيقتيها تشير نحوها لتمتص شعيرات النودلز التي تدلت من فمها وتبتلعها بصعوبة وهي تجد تحديق والدتها بها وهي تؤنبها: -ما شاء الله، الدكتورة الي لازم تنصحهم هي الي بتشتري. بلعت ريقها وأجابت بتوتر: -يا ماما دي مرة كل فين وفين، مافيهاش حاجة. -يا سلام وأنا مش منعتها؟ وبعدين تعالي هنا، انت جبتيها امتى؟ ثم توقفت قليلًا في لحظة إدراك وعينها تدور في المطبخ لتصرخ
بصوت عالي أجفل الجميع: -انت خرجتي من البيت من غير أذني؟ -ما احنا أخذنا الإذن من ندى. قالتها هدى مدافعة عن شقيقتها لتحتد عين ورد أكثر وهي توزع نظراتها بينهم بعتاب: -والله عال، يعني متفقين سوى وبتتصرفو بمزاجكم. لتزداد وتيرة أنفاسها وهي تأمرهم: -على أوضتكم، مش عاوزه اشوف واحدة فيكم قدامي. لتهرول الفتاتين نحو غرفتهم دون نقاش خشية غضب والدتهم. اقتربت ندى منها وقالت في محاولة لإمتصاص غضبها:
-اهدي ياماما، مجراش حاجة لكل الزعل ده. صوبت نظرها نحوها تلومها: -كده يا ندى تسيبيهم يخرجوا بليل تاني؟ مش أنا نبهت عليكِ؟ سحبت ندى كرسي وامسكت يدها تجذبها وتطلب منها الجلوس: -استريحي يا ماما. ثم سحبت كرسي لها وجلست أمامها تمسك يدها تقبلها: -ماما يا حبيبتي، البنات كبروا، الخوف الزايد دا ليه؟
هم مش صغيرين عشان تخافي عليهم زي زمان، وبعدين ياستي المكان مش بعيد عشان امنعهم والوقت ماكنش متأخر اوي، وبعدين هما متاخروش زي ما وعدوني. تنهدت ورد بحزن وقالت بصوت غلفته الكسرة: -غصب عني يابنتي، عشت سنين وانا الأم والأب، المسؤولية مش سهلة يا ندى وانتِ فاكرة اني معنديش ثقة فيهم؟ أنا خايفة عليهم من الناس يا بنتي، الدنيا بقت متتأمنش. ربتت ندى على قدم والدتها وقالت: -انت هتقوليلي يا أم ندى؟
دانت أم عظيمة واتحملتِ كتير، ما أنا اتقاسمت معاكي الطريق ولا هتنكري يا ورد؟ حركت ورد يدها على وجنتها بحنان وقالت بامتنان: -عمري ياندى ماهنكر تعبك معايا وأزاي كنت بتساعدي في الخياطة وتربية أخواتك ودلوقتي الشغل الي هد حيلك. رفعت ندى كف والدتها تقبله مبتسمة وهي تقول: -فداكِ عمري كله يا ورد. *** عاد إلى المنزل يخطو خطواته بتململ رغم انه لم يسهر ولم يحتسي الخمر، لكنه ظل يجوب الشوارع بلا هدف.
حتى تأخر الوقت صعد السلالم يقصد غرفته لكنه توقف امام بابها متعجبًا من إضاءة الأنوار داخلها. فتح الباب ليقف مشدوهًا وهو يرى شقيقه مستلقي على سريره يمسك بهاتفه ويعبث به كأنه مل من انتظاره: -طارق؟ انت بتعمل إيه هنا؟ اعتدل طارق وجلس على السرير وهو يرمقه بحنق وقال بحدة: -مستني الباشا لما يشرف. ثم نهض واقترب منه ليقول بتهكم وهو يجذبه من ياقة قميصه ويقرب انفه من وجهه يشم رائحته:
-بس كويس، توقعت انك تسمع كلام جدي الأيام دي، أصل مش معقول فارس باشا يخسر جده. نفض فارس يد شقيقه بعنف وقال بغضب: -عاوز أيه يا طارق؟ -عاوزك توعى وتبطل الي بتعمله في نفسك. قالها طارق وهو يضرب بسبابته على رأس شقيقه ثم استرسل وهو يبتعد عنه: -اوعى تفكر اني صدقت انك هتبطل، أنا حافظك يا فارس وعارف انت بتفكر إزاي. تسارعت أنفاسه وهتف بغضب: -أنا مش عيل عشان تحاسبني يا طارق. ليصرخ طارق بشدة وهو يمسك مقدمة ملابسه يهزه بعنف:
-لا عيل، لما تبقى مش عارف بتعمل إيه تبقى عيل، انت بقيت عدو نفسك يا غبي. ثم دفعه ليتهوى جسده ويسقط على سريره وأكمل يعاتبه: -انت فاكر أنك كده بتنتقم منه؟ انت كده بتنتقم من نفسك يا مجنون. ثم رفع سبابته بوجه يخبره بوعيد وهو ينفث أنفاسه المحترقة من شدة الغضب: -مش هسمحلك تضيع مني زي ما هي ضاعت. ثم تركه ورحل صافقًا الباب خلفه بقوة. ليضع فارس وجهه بين يديه يذرف دموعه كطفل صغير وهو يغمغم:
-بس أنا ضعت يا طارق من يوم ما هي راحت. *** وقفت ندى تلقي محاضرتها بين تلاميذها لأحد الصفوف الثانوية في المركز الذي تعمل فيه، كانت تدون الملاحظات على السبورة ثم التفتت تكمل الشرح حينما لاحظت نظرات تلميذها وائل التي أثارت في قلبها الريبة.
لم تعره اهتمامًا واكملت اندماجها مع تلاميذها، لكن تحديقه بها جعلها تلوم نفسها، فيبدو ان مدحها له وثنائها على اجتهاده وتفوقه والذي كانت تعتبره هي تحفيزًا له، عقله المراهق قد صوره بطريقة أخرى ومشاعره المتهورة قد أوهمته بشيء مختلف. لتقرر تجنبه واستخدام الحدة معه كي لا ينساق مع هذه الأفكار الغبية. أنهت محاضرتها وحملت كتبها تخرج من القاعة الدراسية لتجده يهرول خلفها وهو ينادي بسمها: -مس ندى… مس ندى.
رغم انها أسرعت في خطاها لكنه استطاع الوصول اليها قبل دخولها إلى غرف المدرسين لتقول له بامتعاض: -نعم يا وائل، عاوز إيه؟ -عندي سؤال؟ قالها وائل وهو يلهث أنفاسه المتسارعة نتيجه جريه خلفها لتجيبه بشدة: -وائل، السؤال يكون في الفصل وقدام زمايلك عشان الكل يستفيد. ثم تخطته راحلة حتى تنهي تلك الأوهام التي غزت فكره، لتبهت ابتسامته وهو ينظر لإثرها متعجبًا من انفعالها. ***
حملت التقارير تسير في أروقة المستشفى متذمرة، فاليوم كان متعب بالنسبة لها فأوامر الأطباء أرهقت كاهلها حتى وصلت إحدى الردهات ليجذب انتباهها حديث بين زميلاتها عن ابن عمها، تملكها الفضول لتقف وتسترق السمع نحو ما يقوله الفتيات عنه: -يابنتي انتِ مش شفتيش قد إيه هو حلو وكاريزما كدا؟ واو! دا شبه الممثلين الأتراك. لتجيبها أخرى: -مش بس كده، دا بيقولو انه شاطر أوي، دا حتى الدكاترة الكبار بياخدوا رأيه في حالات معينة.
ثم أضافت أخرى: -مش بس كده، دول بيخافوا منه، بيقولو مابيسكتش عن الغلط. لوت شفتيها باستهزاء ورفعت حاجبيها تغمغم مندهشة: -باين أنك مش قليل هنا يا أبن محسن. همت بالرحيل وما هي إلا خطوات خطتها مبتعدة حتى وجدت إحدى الممرضات تتجه نحوها بخطى متعجلة تخبرها: -دكتورة، دكتور طارق عاوزك في مكتبه حالًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!