وقفت أمام باب غرفته بضطراب والأفكار تتضارب في رأسها. لماذا طلب منها الحضور إلى مكتبه؟ هي لا تعمل في القسم ذاته، إذا ما السبب؟ أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بشدة، علّها تخرج معه مخاوفها من هذا المواجهة. لملمت شتات نفسها وأصطنعت الثبات لتطرق الباب طرقات خفيفة. ثم أغمضت عينها، تمسك مقبض الباب وتديره. ما أن سمعت أذنه بالدخول، وبخطوات مترددة فتحت الباب نحو الداخل. لتجده يرسم ابتسامة عريضة على وجهه. خلع نظارته الطبية وقال:
-مرحبا وهو يشير لها بالدخول. -أهلاً يادكتورة، اتفضلي. لا تعلم لماذا عندما رأته ضربت فكرها صور الماضي تتلاحق الواحد تلو الآخر، تزيدها عزماً وقوة، تشحن ثقتها وتزيدها عنفواناً وكبرياء. لتقول: -حضرتك طلبتني يادكتور؟ -أيوه يا شمس، أتفضلي. عاوز أتكلم معاكِ في موضوع. قالها طارق يشير لها بالجلوس. جلست أمامه بثقة تترقب حديثه. -ازيك يا شمس؟ -الحمد الله. -مرتاحة معانا في المستشفى؟ -الحمد الله.
-لسه قدامك كم شهر عشان تيجي قسم القلب؟ -أيوه. أجوبتها المقتضبة جعلته يبتسم رغماً عنه، لكن ابتسامته أستفزتها. لتتنهد بضيق وتبعد نظرها عنه. لكنه باغتـها بسؤال: -انت اسمك أي يادكتوره؟ -شمس. قهقه ضاحكاً ويقول: -الاسم الكامل. علمت ما يرمي إليه وودت لو تتركه وترحل. لكنها تحاملت على نفسها وأجابت: -شمس حسين الجوهري. -وأنا طارق محسن الجوهري… يعني أحنا ولاد عم ياشمس.
قالها طارق ومازالت تلك الابتسامة السمجة كما وصفتها تملأ وجهه. لتجيبه هي بتحدي: -ما أنا عارفه. من شفته ورفع حاجبه يسألها بتعجب: -ومدام انت عارفه أننا ولاد عم! مش معترفه ليه؟ يعني أنا كنت معيد في الكليه وكنت بشوفك بس عمركماقولتي انك بنت عمي. أنا عرفت بالصدفه ولا… -ما بحبش الواسطه. قالتها بسرعة تنهي استرساله بالحديث. هز رأسه بحرج يخفف ارتباكه من جوابها ليسألها. -طب وهنا في المستشفى؟
-يادكتور أحنا مش في قسم واحد أولاً وزي ماقولتلك أنا مش بحب الواسطه. أنا عاوزه أعتمد على نفسي وأتعلم. والحمد الله أنا مجتهده وماشيا خطواتي صح. رغم أن حديثها كان هادئاً، لكن كلماتها كانت سهام تعرف ماتصيب. هي ليست بحاجه له ولا لمساعدته. فهم هو مغزى حديثها. ليقرر إنهاء هذا اللقاء البارد ويقول: -على العموم ياشمس لو أحتاجتي أي حاجه أنا موجود هنا وهكون سعيد جدا لو طلبتي مني أي خدمه. نهضت بسرعة وجاهدت لترسم ابتسامة
باهتة على وجهها وهي تقول: -متشكره يادكتور، عن أذنك. ثم تركته ورحلت. ينظر لإثرها مبتسماً، فشخصيتها العنيدة لم تكن بالغربيه عليه. فهذه صفة وراثيه مشتركه في هذه العائله. ليضحك ويقول: -بنت الجوهري صحيح. أما هي، فنظرت إلى باب غرفته المغلق خلفها، لتضحك بستـهزاء قائلة: -عاوزني أقول إنك ابن عمي؟ مش لما أعترف أنا الأول بعمي عشان أعترف بيك يا ابن محسن. ***
وقفت ترتب الأزهار وتنسقها مع بعضها، تلف الشريط الملون حول سيقانها المجتمعه وتربطه بأنتظام. تشكله وتقص أطرافه. تلصق تلك البطاقة الخاصة تدون عليها بعض العبارات. أمسكت القلم ودعكت جبينها في محاولة لتذكر ما أخبرتها به صاحبة باقة الزهور لتدونه. -ستظل أغلى من ملك قلبي ومنحني حبًا مختلفًا. ثم توقفت برهة، تضع القلم في فمها وعينها تتحرك يمينًا ويسارًا تحاول أن تتذكر بقية الكلمات. ثم أخرجته من فمها تهتف بانتصار وهي تخط الباقي:
-يشبه حب الأساطير. رددت الكلمات لتتأكد من صحتها. ليطرق ذاكرتها كلام شقيقتها شمس وهي تصف لها كيف تتمنى أن تعيش قصة حب مختلفة. ليفتر ثغرها عن ابتسامة متحيرة وهي تسأل نفسها: -ياترى ياشمس، أنتِ هتعيشي الحب ولا هتحرمي على نفسك؟ لتشهق فجأة بفزع عندما رفعت رأسها لتجد يقف أمامها مبتسمًا. لتضع يدها على صدرها تهدئ من ضربات قلبها وتغمض عينها تردد: -بسم الله الرحمن الرحيم… أنت دخلت أمتى؟ ضحك على تصرفها وقال:
-أنا آسف أني خضيتك… دخلت من شويه بس أنتِ كنت مشغولة. ممكن أقعد؟ -أيوه أكيد، اتفضل. قالتها وهي تهز رأسها بالموافقة وتشير له بالجلوس. نظر لها بابتسامة وقال: -كنت عاوز بوكيه ورد؟ -هي أي المناسبة؟ -عيد ميلاد. نهضت بسرعة تتجه نحو مجاميع الزهو وتسأله: -لون موحد ولا مجموعة ألوان؟ -أبيض، هي بتحب اللون الأبيض. بهتت ملامحها وقلبها الغبي بدأ يخفق بجنون. وتزاحمت الأفكار في عقلها. ترى لمن يشتري الزهو؟ هل يملك حبيبة؟
أرتعشت يدها وهي تلتقط الأزهار وارتبكت نظرات عينها. حتى تخيلت أن الألوان امتزجت ببعضها كما امتزجت مشاعرها مابين الحزن والغيرة. بلعت ريقها وقالت بصوت جاهدت لأخراجه: -ذوقها جميل… كم وردة؟ تقافز قلبه بين أضلعه وهو يرى تغير قسمات وجهها. هل ياترى تبادله نفس الشعور؟ ليقول بمكر قاصداً التأكد مما يشعر به: -خليهم خمس وعشرين، حبيبتي بتحب الرقم دا.
كلمة "حبيبتي" جعلت دمائها تتيبس بين عروقها وتجمد جسدها. لتتوسل مدامعها أن لا تخذلها وتذرف الدموع. فيبدو أن ما حلمت به كان سراب ووهم صنعه عقلها ومشاعر صدقها قلبها الغبي. جمعت الزهور ورتبتها وهي وعقلها مشتت. كانها انفصلت عن العالم. كل ما تسمعه هو حطام قلبها المتناثر وصراخه ألما وحسرة. وجل ما تفكر فيه أن لا تهرب دموعها التي تحبسها أمامه.
انتهت من ما تفعله تحت نظراته التي توقدت حباً وهو يرى تأثير كلماته عليها. اقتربت منه وهي تريه ما صنعت. جلت حنجرتها وسألته بصوت مختنق: -كده البوكيه كويس؟ نظر إلى باقة الزهور باستحسان وقال مادحاً: -برافو، تجنن. بس لو ممكن تكتبيلي بطاقة. هذا ما كان ينقصها أن تكتب كلمات الغزل لحبيبته. زفرت أنفاسها بضيق وقالت بحده: -هعلقلك البطاقة وحضرتك ممكن تكتب اللي أنت عاوزه. أشار لها بيده رافضاً وقال متصنعاً:
-لا لا، أنا خطي وحش. أنا همليكي وأنتِ اكتبي. حلت بأعلى درجات الصبر وتمالكت أعصابها، تجلس أمامه وتمسك القلم تضغط عليه بين أصابعها حتى لا تظهر أمامه ارتعاش جسدها. وقالت بـ أمتعاض: -اتفضل. ابتسم على حنقها وخفق قلبه مع ارتعاش صوتها الذي منحه الراحة. إنها تبادله المشاعر. -إلى من سكنت قلبي منذ سنين. دمتي حبيبتي إلى الأبد. كل سنة وأنتِ أغلى حاجة عندي.
كانت تخط الكلمات وتشعر أن القلم قد تحول إلى خنجر مزق قلبها العاشق. كادت دموعها أن تسقط مع آخر حرف لولا أنها تداركتها تمنعها لاتريد أن تظهر ضعفها أمامه. رفعت البطاقة بسرعة تعطيها إياها. ليدفعها بيده يعيدها إليها وهو يقول: -استني، لسه الاسم. أغمضت عينيها وتنهدت بألم. ثم فتحتها وعادت تمسك القلم من جديد تنهي هذا الموقف العصيب قبل أن تنهار أمامه. -اتفضل. -أمي الحبيبه.
قالها مع ابتسامة عريضة ونظرات ماكرة. اتسعت عينيها ونظرت له بدهشة. ليفتر ثغرها عن ابتسامة عريضة وهي تسأله بلهفة: -أنت قلت أمي؟ -أيوه، أصل النهارده عيد ميلادها. رغم فرحتها التي ظهرت أمامه، كانت تود لو تصفعه على تلك المشاعر التي عاشتها. لكنها أجبرت لسانها أن ينطق: -كل سنة وحضرتها طيبة. كده هنعملك ديسكونت عندنا، نظام في المحل باقات الأمهات عليها خصم. لتضيق عينيها وتقول بضيق: -كويس إنك عرفتني قبل ما تدفع.
ضحك ملء قلبه على تعابير وجهها وقلبه يتراقص فرحاً. فقد نال الجواب الذي يود سماعه دون أن يسأل. فوجهها البريء لم يستطع إخفاء مشاعر قلبها العاشق. *** وصلت إلى البيت منهكة بعد يوم عمل طويل. دخلت المنزل بخطى متعبة تنفث أنفاسها بتذمر. حتى وجدت والدتها وشقيقاتها يجلسون حول المائدة يتناولون العشاء. لتصرخ مستنكرة: -اه ياخونة، بتتعشوا؟ مش كنتوا تستنوني. -يابنتي انت مش قلتي هتتأخري. قالتها والدتها بحنان امتزج بالأسف.
-أيوه بس أهم رحـمـوني ومشوني بدري. قالتها وهي تمد يدها لتـطـقـت قطعة خيار. لتصفعها هدى على يدها تمنعها: -اغسلي إيدك الأول، تلاقيها مليانة ميكروبات وجراثيم. زفرت أنفاسها بضيق ورحلت لتغيب قليلاً. ثم عادت تسحب كرسيها وتأخذ طبق تسكب الطعام بحماس وهي تروي لوالدتها ما حدث معها: -تعرفي يا ماما مين اللي اتكلم معايا النهارده؟ -مين؟ -دكتور طارق. قطبت ورد حاجبها وقالت مستفهمة: -مين دكتور طارق؟ -طارق محسن الجوهري.
قالتها قبل أن تدس ملعقة الطعام بفمها وتمضغه وعينها تترقب ردة فعل والدتها التي احتقن وجهها وقالت بشدة: -وكان عاوز منك أي ابن محسن؟ -كان بينبهني إني بنت عمه. -ياسلام، وهو لسه مفتكر الحكاية دي؟ حمد الله على السلامه. قالتها ندى متهكمة. -لا أصله قال لومحتاجه حاجة أنا موجود، يعني بيعرض مساعدته. قالتها شمس بلا مبالاة وهي تكمل تناولها طعامها. -طب كويس، فيه الخير. رغم أن ورد قالتها بسخرية، لكنها واجهت اعتراض من شمس التي قالت:
-أنا مش محتاجة مساعدته، وحتى لو احتجت مساعدة مش هطلبها منه. -جدعة يا بت، ترددت ندى مؤيدة لكلام شقيقتها. -يابنتي جايز هو قالها بحسن نية. جايز هو واخد طباع أمه. حسين الله يرحمه كان دايماً يقول أحلام طيبة وخسارة بمحسن. -حسن نية، سوء نية. ربنا ما يحوجناش لولاد الجوهري. دعاء قالته شمس لتؤمن عليه ندى ووالدتها. -آمين يارب.
أما تلك التي كانت تنصت للحديث دون أن تشارك فيه، كانت تعيش وسط صراع من المشاعر والمخاوف. إذا كانت هذه ردة فعلهم على من عرض المساعدة، كيف ستكون ردة فعلهم لو أخبرتهم أنها تحب ابن عمها؟ فما حدث اليوم جعلها تعترف أمام نفسها أنها تحبه، وربما هو أيضاً يحبها. فنظرات عينيه اليوم أشارت له بالكثير. يبدو أنها داخل دوامة الحب المستحيل. هل سيعيد الماضي نفسه وتعيش ما عاشته والدتها؟
خرجت من شرودها لتجد الطاولة خالية إلا منها. لتلتفت عندما سمعت هتاف شمس التي قالت: -هدهد، ماما قالت آخر واحد يلم السفرة ويغسل المواعين. سلام ياقمر. قالتها وهي تلاعب حواجبها وتخرج لسانها في محاولة لإغاظتها قبل أن تهرب نحو غرفتها. استشاطت هدى غضباً وهي تتمتم متوعدة لها: -طيب يا شمس، أما أوريكِ. *** دخل عليه المكتب ليجده يحمل جهازه اللوحي يدون عليه بعض الأشياء. -مساء آلخير ياباشا.
رفع نظره عن الجهاز لينظر له بابتسامة وهو يضع الجهاز جانباً. -علي، أهلاً. اتفضل. -طبعاً أتفضل، أمال عاوزني أفضل واقف؟ قالها علي وهو يجلس. -وأي سر زيارة العظيمة دي؟ -أبداً، كنت قريب وقلت أجي أشوف فارس باشا، واهو بالمرة آخدلي طقم جديد. -تشرب إيه؟ -ملوش لزوم، عشان أنت هتعزمني على العشا. رفع فارس حاجبه بتعجب وحرك يده باستنكار وهو يقول: -يبقى الحكاية مش حكاية طقم ولا قريب منك ولا الكلام دا. أنت عاوز تفضفض يادكتور.
تنهد علي بحيرة وهو يخبره: -بصراحة أيوه، أنا عاوز أتكلم معاك. -طب ما تتكلم، وأنا سامعك يا علي. ثم أردف فارس مازحاً: -وما تخافش، هعزمك على العشا. سكت علي قليلاً ثم نظر لعينه التي كانت تترقب حديثه: -أنا بحب يافارس. ضحك فارس رغماً عنه. ليمتعض وجه علي ويقول باستياء: -شوف، أهو أنا كنت خايف من ردة فعلك التافهة دي. سيطرت على ضحكاته عندما رأى علي يحاول النهوض والمغادر. ليشير له أن يتوقف.
-طب خلاص، خليك أهو والله أنا هسمعك. بس غصب عني، متوقعتش الموضوع دا. -هقعد، بس والله يافارس لو ضحكت تاني لأسيبك وأمشي. قالها علي وهو يعود للجلوس مرة أخرى. -لا خلاص، مش هضحك. بس قلي، أنت متأكد من الحكاية دي؟ ليكون إعجاب. أصل عارفك رومانسي وقلبك رهيف. حرك رأسه نافياً يجيبه مؤكداً: -لا يافارس، أنا اتأكدت النهارده إني بحبها وبحبها أوي كمان. ضيق فارس عينه ثم غمز له قائلاً بمشاكسة: -شكلك واقع يا ابن عمي، والحكاية جد؟
-واقع ومدهول كمان. -طب وهي بتحبك؟ يهز علي رأسه مؤكداً: -أيوه. قطب فارس حاجبه وسأله بحيرة: -الله، أمال فين المشكلة؟ لما هي بتحبك وانت بتحبها؟ زفر أنفاسه بثقل وقال بنبرة صوت امتزجت باليأس: -أنا بحب هدى بنت عمي حسين. -أنتِ! اتسعت حدقتي فارس بدهشة وقال متعجباً: -بنت ورد! -أيوه. توتر فارس بعد أن أبصر صدق ابن عمه في حبه وقال بتلعثم: -بس ياعلي، أنت عارف رأي جدي في بنات ورد هيكون إيه؟
-أيوه عارف، بس الحكاية دي مش بأيدي يافارس. أنا حبيتها غصب عني، وماحدش له سلطان على قلبه يا صاحبي. -بس أنت كده بتعيد الماضي ياعلي، وأنت عارف النهاية. -مهو المشكلة إني عارف النهاية، بس أعمل إيه؟ مش قادر أبعدها عن تفكيري. قلبي بينفض لما بشوفها. بحسـه عاوز يخرج من بين ضلوعي ويروح لها. كل حاجة فيها بتشدني. ثم انهار واضعاً رأسه بين يديه: -بحبها يافارس، بحبها. أشفق فارس عليه لينهض ويذهب إليه يمسك ذراعه
يجذبها يحثه على الوقوف: -طب قوم دلوقتي نتعشا، وبعد كده يحلها الحلال. *** جلست ورد على سجادة صلاتها بعد أن انتهت من أداء فرضها. ثم بدأت تحرك أصابعها تسبح وتردد: سبحان الله، الحمد الله، لا إله إلا الله، والله أكبر. ظلت تردد التسابيح حتى انتهت ورفعت يدها تدعو الله وهي تقول: -يارب اجبر صبري وعوضني ببناتي يارب. يارب أنا مليش غيرهم. يارب اجبرني بيهم جبراً يتعجب له أهل الأرض والسماء. ثم تجمعت الدموع في عينها
واختنق صوتها وهي تقول: -يارب هما اتحرموا من حنان أبوهم. ارزقهم بلي يعوضهم حنان أبوهم يارب. ثم شعرت بتألم قدمها لتمدها وتنظر لانتفاخ قدمها وهي تحركها يمينًا ويسارًا. حتى بدأ جنبها ينغزها بألم لتمسـكه علّها تخفف ألمه. لكن من دون فائدة. لتعاتب نفسها: -أي ياورد مالك؟ عجـزتي بدري؟ وإلا الهم هو اللي كبرك قبل أوانه؟ كلت تـتـنهد بألم حتى تأرجحت الدموع بين أهدابها وانسابت على وجنتيها. لتمسحها بأنـامـها بسرعة وهي تلوم حالها:
-بس ياورد. لحسن حد من البنات يدخل عليكِ وانتِ مقدرش تخبي دموعك عنيكي مفضوحه. لتبتسم فجأة وأطياف الماضي تلوح أمام عينها تتذكر حبيبها الغائب: -ياورد، أنا بحبك ومش بكذب عليكِ. -يا حسين بيه، ميصحش الكلام دا. عيب. ليضيق عينها ويسألها مبتسماً: -يعني انت مش بتحبيني زي ما بحبك ياورد؟ نظرت لعينه بهيام وتأهت بين نظراته. لتشي عينها له بكل شيء. ليبتسم هو قائلاً: -مش محتاج أسمعها ياورد، عنيكي مفضوحة واعترفتلي بحُبك.
أسبلت أهدابها بخجل تبتعد عن مواجهة عينه. لتسمعه يقول: -أوعدك تكوني نصيبي ياورد، إن شاء الله. عادت من ذكريتها تمسح دموعها قائلة: -ولسه عيني مفضوحة ياحبيبي. لتعاود الرحيل لما بعد هذه الذكرى بسنتين. عندما رحل والدها عن الحياة ولم يكن لها أحد من بعده. جلست تذرف الدموع على فراقه بعد أن أصبحت وحيدة برحيله. كان يجلس أمامها مواسياً لها وقلبه يتمزق حزناً عليها: -كفاية ياورد، ادعيله هو محتاج دعاءك. -كلت أخبره
بصوت مختنق وشهقاتها تعلو: -سابني لوحدي ياحسين. هعمل إيه من بعده؟ -كده ياورد، وأنا رحت فين؟ ما أنا جنبك. قالها مدعياً الانزعاج كي يخفف عنها. لكنها زادت من بكائها وكان ما قاله أضافه حزناً لأحزانها. لتدهشه فعلتها ويقول متحيراً: -مالك ياورد؟ بلاش الدموع دي، أرجوكِ. دموعك بتوجعني. -حتى أنت ياحسين، بكرة تسيبني زي ما هو سابني. علم الآن سبب بكائها. ليحاول طمئنتها بكلماته الحنونة:
-حد يسيب روحه، يامجنونة. أنتِ حبيبتي وبكرة هتكوني مراتي. رفعت يدها تمسح دموعها بأكمام ثوبها وهي تسأله بلهفة: -أنت قلت مراتي؟ ليهز رأسه ويقول مؤكداً لها: -أيوه، مراتي. وحبيبتي وأم ولادي. -ووالدك؟ سألته بتعجب. ليخفض رأسه ويقول بكسرة: -وأعمل إيه ياورد؟ أنا بقالي سنتين بحاول أقنعه ومش راضي يقتنع. ابتلعت ريقها الذي جف من شدة البكاء وقالت بحزن: -بس أنت كده بتعصي والدك. أنا مش عاوزة أكون سبب في مشكلة بينكم. ليحتقن وجهه
فجأة وصدح صوته بنبرة غضب: -وأنا فين حقي ياورد؟ عمري اللي ضاع فين؟ معاه وفي طاعته. ده أنا بشتغل من وأنا عندي أربعطاشر سنة، لا كملت دراسة ولا دخلت كلية. اتحرمت من كل حاجة. لا عشت زي صحابي، لا عمري اتفسحت ولا سافرت. كل حياتي وأنا بتعب وبشتغل. روح يا حسين وتعالى ياحسين. ثم تحشرج صوته وأكمل:
-حتى خواتي شافوا حياتهم واتمتعوا. درسوا ودخلوا جامعة وحققوا أحلامهم ورموا الحمل عليا. لا عمري قلت ولا اشتكيت. كل اللي على لساني حاضر يابا وتأمر ياحاج. عمري ما قلت لا. ثم نظر لها بعين تلوث بياضها بلون الأحمر من شدة الغضب والحسرة: -يبقى ليه عاوز يحرمني من الحاجة الوحيدة اللي حبيتها؟ ليه مستكتر عليا الفرحة؟ قال كلماته الأخيرة صارخاً كأنه يخرج ألماً مكتوماً في صدره منذ سنين. ثم هز رأسه بعنف نافياً:
-لا ياورد، أنا مش هسيبك حتى لو حرمني من كل حاجة واتبرى مني زي ما هددني. أنا أبيع الدنيا وأشتريكِ ياورد. نتجوز والي يحصل يحصل. الرزق على ربنا… وبكرة يقتنع ويرضى لما يشوف سعادتي معاكِ. لتشق ثغره ابتسامة عريضة رغم حزن ملامحه وهو يقول: -تتجوزيني ياورد؟ عادت من ذكرياتها على نداء ابنتها المتكرر. لتنتبه فترفع طرف أسدالها تغطي قدمها المنتفخة وتكفكف دموعها. تجيبها: -أنا هنا ياشمس. لتدخل لها تشتكي من شقيقتها:
-شفتي يا ماما بنتك بتعاقبني وآخذه جزمتي الجديدة ومخبياها وأنا عاوزة ألبسها مع طقم بكرة. ليمتعض وجهها وتهتف بضيق: -يابنت، أنت مش هتبطلوا حكاية ناقر ونقير بتاعة كل يوم. -أنا والا هي يعني انت سايباها وبتكلميني أنا. -أنتِ الصغيره لازم تحترميها. -ياسلام، صغيرة؟ ينداس عليا يعني وأسكت؟ لتـقهـقه ورد ضاحكة وهي تقول مستنكرة: -أنتِ يا بنت الجوهري، يضحك عليكِ؟ -بلاش اللقب دا، مابحبوش. أنا مش بنت الجوهري، أنا بنت حسين وورد.
لتتفاجأ شمس بوالدتها تفتح لها ذراعيها وهي تقول: -طب تعالي يابنت ورد. لتلبي شمس الدعوة بابتهاج وتجثو على ركبتيها تحتضن والدتها بقوة. لتبادلها شمس العناق وهي تمسح على شعرها بحنان: -شمس، ياريحة الغالي. عارفة إنكِ بتحبي أكتر مني ومش زعلانة. زمان كنت بهزر معاه وأقوله شمس ضرتي عشان كان بيحبك أوي وكنت محتلة حضنه. مكنتيش تقعدي إلا على حجره. وحتى لو كان تعبان وأخذك من حضنه يقول: سيبيها، أنا مرتاح وهي بحضني…
شعرت شمس بشيء غريب. صوت والدتها وكلماتها نغزت قلبها. شعرت بالأسى رغم أن كلامها ألمها هي أيضاً. لتخرج من أحضانها تسألها بقلق: -ماما، أنتِ كويسة؟ مسحت ورد على وجنتها وقالت بحنان: -أيوه ياحبيبتي، ماتخافيش. بس حسين واحشني وبشم ريـحـته فيكِ. لتأذن ورد لدموعها الحبيسة بالنزول رغم مقاومتها. فطوفان الذكريات الذي داهمها زاد من شوقها إليه. مسحت شمس دموعها وقالت معاتبة: -ليه الدموع ديه ياوردتي؟ أهو خليتيني أعيط أنا كمان.
ثم استطردت مداعبة: -والا أنتِ عاوزة تتوّهيني عشان أنسى عملت بنتك؟ ضحكت ورد من بين دموعها وقالت: -والله هدى طيبة. -اه، ومين يشهد؟ للعروسة هدى طيبة، يعني أنا اللي شريرة؟ زادت ضحكاتها وقالت: -هدى وندى بنات ورد طيبين زي أمهم. لكن أنتِ بنت حسين الجوهري، قادرة ودماغك ناشفة. دعت الانزعاج ومثلت الضيق قائلة: -كده ياورد، متشكرين بتتبري مني. لتـمسك ورد يدها بحنان وقالت: -أنا أتبرى من روحي والا أتبرى منكم؟ دانتِ ريحة الغالي.
لتشدد على يدها وتقول: -أنتو بناتي اللي عاوزاكم ديماً تحبوا بعض. أنتو ياشمس عاملين زي المثلث. هدى القلب وندى العقل. وأنتِ… -أوعي تقولي اللسان، أزعل منك. ضحكت ورد حتى بانت نواجذها لتقرص وجنتها: -أنتِ أحلى حاجة في الدنيا، أنتِ الاثنين. -ماشي، رغم إني مش مقتنعة. لتضربها ورد على رأسها بخفة وهي تقول: -يابنت، أنتِ بقالك ساعة بترغي وتشتكي مع إني عارفة إنك بتحبيها وبتـمـوتي فيها. غمزت لها شمس وقالت:
-قفشاني أنتِ على طول. بصراحة بحب أغشها دايماً. -ربنا يخليكم لبعض. -ويخليكي لينا يا أحلى أم في الدنيا. قالتها شمس وهي ترفع يدها تلثمها. ثم نهضت تقرر الرحيل: -أروح أنكد عليها. -لا حول ولا قوة إلا بالله. لتستدير مغادرة. ولكن قبل أن تخطي خطوة خارج الغرفة سمعت والدتها تصدر تأوهاً. التفتت إليها بفزع وهي تجدها تمسك جنبها. جثت بجانبها تتفقدها بقلق: -مالك يا ماما؟ اللي بيوجعك؟ -مافيش.
قالتها ورد وهي تغلق عينيها تعتصرها لتخفي الألم الذي زاد. لتعض شفتها تكتم آهاتها. لتنتبه شمس إلى تورم قدمها بعد أن انزاح أسدال الصلاة عنها. لتسألها برعب: -ماما، رجليكِ وارمة؟ -مافيهاش حاجة ياشمس، ماتخافيش. لتلومها بخوف قائلة: -مافيهاش حاجة إزاي؟ لتسألها بذعر: -هي كده من امتى؟ وجنبك بيوجعك من امتى؟ ليتملكها الفزع من سماع الإجابة التي تخشى سماعها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!