الفصل 30 | من 46 فصل

رواية بنات ورد الفصل الثلاثون 30 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
15
كلمة
4,073
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

صباح أشرق عليها بأمل وجديد. في ذلك المكان البعيد، فتحت عينيها وهمت بالنهوض، تقنع نفسها أنها ستعود من جديد. شمس التي تركض خلف طموحها ومستقبلها، وستنزع عنها عباءة الحب وتجرد قلبها من تلك المشاعر ولو بالقوة. لن ترضخ لذلك القلب الغبي الذي أطاح بكرامتها. سيعود عقلها يمسك زمام الأمور من جديد.

كانت تكرر تلك الكلمات على نفسها، تقنع عقلها بأنه الأقوى، وتدعس على خافقها كي ينساق خلف عقله. درس تلقنه كل يوم لذلك القلب كي يحفظه وينسى عناده وتخاذله. ارتدت ملابسها وحملت أوراق تكليفها لتجد هاتفها الذي لم تفتحه منذ يومين. التقطته بتردد، لكنها أعادته مكانه مرة أخرى. لن تضعف، فلا مجال للتراجع عن قرار حُسم منذ أن حطت قدماها محطة القطار. خرجت لترحب بها نعمة كعادتها. "يا صباح الفل والورد والياسمين على ست البنات."

"صباح الخير يا خالة." "يلا تعالي افطري معايا، حماتك بتحبك." قالتها نعمة وهي تشير لها نحو الطعام الموضوع أمامها. "الله يرحمها." همست بها شمس ليخفق ذلك القابع بين أضلعها وهي تتذكر انهياره بين يديها حزناً على والدته. لتنهره موبخة ذلك القلب الذي يرفض تعلم الدرس. "يلا يا شمس، الوكل هيبرد." جلست تتناول هذا الإفطار الشهي لتجد فرحة تحضر أطباقاً إضافية فيها بيض مسلوق وبعض الجبن. "صباح الخير يا شموسة." "صباح الخير يا فرحة."

كانت تتناول الإفطار وتنظر إلى ساعة يدها بين الحين والآخر. "مواعيده زفت، هو كده دايماً." ضحكت شمس على وصفها وفهمت من تقصد. "يا ستي كتر خيره إنه هيجي معايا." قطبت نعمة حاجبيها وقالت مستفهمة. "إنتو تقصدوا مين؟ "جابر الغتت، هو فيه غيره." قالتها فرحة بسرعة لتلاقي التوبيخ المباشر من والدتها. "اتلمي يابت، متجوليش الكلام العفش ده على ابن عمك، دا كتر خيره شايلنا فوج راسه وشايف طلباتنا من يوم ما أخوكِ فرج سافر."

حشرجت اللقمة في فمها لتبتلعها بصعوبة بعد ذكرهم لاسمه. كم كانت سعيدة عندما علمت بسفره. فرج ذلك الصبي الصغير الذي كان السبب في وفاة والدها عندما أنقذه ليرحل هو. ورغم أنه كان صغير ولا يعي شيئاً، لكنها كانت تحس بالغضب كلما ذكر اسمه. طرقات على الباب أعادتها من ذكرياتها لتركض فرحة نحو الباب تفتحه فتجده أمامها يقف بابتسامته السمجة. "صباح الخير." لتجيبه باقتضاب. "أهلاً." "الدكتورة جاهزة؟ "أيوه."

استفزته طريقة حديثها ليصرخ بها. "مالك يا بت بتجاوبي كده ليه؟ "ماليش." "فرحة ياحببتي تحبي أديكي كف أرجعلك إعداداتك من جديد بدل ما أنتي عمالة تجطعي كده." قالها ملوحاً بكف يده لتشهق هي معترضة. "ليه إن شاء الله تديني كف، كنت عيلة عشان أسكت إياك." "صباح الخير يا جابر." صوت شمس المبتسمة أنهت الحرب الدائرة بين الاثنين. "صباح الخير يا دكتورة، اتفضلي."

قالها مشيراً إلى سيارة الأجرة التي تقف أمام الباب لتتجاوزه شمس متجهة نحو السيارة. فالتفت هو نحو فرحة يشير لها بيده متوعداً. "ماشي يا فرحة، حسابك بعدين." استدار لتخرج هي لسانها مستهزئة بوعيده، حتى عاد يلتفت نحوها بشكل مفاجئ لتضع يدها على فمها بسرعة. ركب السيارة مع شمس، لكن عيناه كانت تتبعها بحنق لتدخل إلى المنزل وتغلق الباب خلفها ليتمتم بهمس. "ماشي يا فرحة."

وصلت إلى الوحدة الصحية التي كانت عبارة عن بناية بسيطة لتدخل إلى المكان المخصص فتجد طبيباً يجلس على مكتبه مندمجاً مع بعض الأوراق. "صباح الخير." رفع عيناه عن الأوراق التي يطالعها وخلع عنه النظارة الطبية يضعها جانباً. "صباح النور." لتعرف شمس نفسها وهي تمد يدها له بأوراق تكليفها. "أنا الدكتورة شمس حسين الجوهري، دكتورة مكلفة في الوحدة هنا عندكم." نهض الطبيب مرحباً بها وهو يلتقط منها الأوراق.

"أهلاً يا دكتورة، اتفضلي، أنا دكتور وائل مسؤول الوحدة هنا." "أهلاً يا دكتور." جلست شمس قليلاً حتى أنهى وائل أوراقها ليدخلها على المكان الذي ستباشر عملها فيه. وصلت إلى حيث أشار لها لتجد فتاة ممتلئة قليلاً ترتدي زياً طبياً، كانت ملامحها جميلة. تجلس تقطب جرحاً في جبهة فتاة هزيلة الجسد، شاحبة الملامح رغم صغر سنها. لتسمع الفتاة الممتلئة توبخها. "إنت يا ولية مش هتتعظي غير لما يجيب أجلك." لترد الأخرى بوهن.

"وانا هاعمل إيه يا زهرة بس، أهلي كل ما اشتكيلهم يقولوا استحملي، هتتطلقي بعد سنة جواز." "يا جميلة، أنتي كل مرة بتنضربي أوحش من اللي قبلها يا بنتي، خايفة في مرة يجيب أجلك." "وانا إيه اللي في إيدي أعمله، وهو كل ما يتعصب يضربني." لتصيح بها زهرة غاضبة. "يا ولية دا أنتِ مساطة مرتين على يده، مستنية إيه." تساقطت دموعها بقهر لتقول. "أهلي بيقولوا راجل ومرته عادي، وغطى عليه مدام مكفيكي أكل وشرب، استحملي مسيره يتغير."

ربطت رأسها بالشاش تتمتم بانفعال. "حطيت إيدي في الشج منك ومن أهلك اللي ما عندهمش رحمة دول، مستنيين إيه ترجعيلهم بكفن." لتقول بسخرية حزينة. "عايزين يخلصوا من حِمْلي." "يجوموا يحطوكِ في النار، هي جت على لجمتك يابت." نظرت لها وخرجت كلماتها بعجز. "أهلي شايلين هم كلام الناس أكتر ما هم شايلين هم وجع." نظرت لها زهرة بأشفاق وقالت لها وهي تربت على كتفها. "ربنا يهديه ويصلح حاله، قاسم البغل ده."

ابتسمت جميلة ابتسامة باهتة وشكرتها. "متشكرة يا زهرة، ربنا ما يحرمني منك يارب." التفت جميلة لتغادر لتجد شمس تقف أمامها. "صباح الخير." التفتت زهرة نحو مصدر الصوت. "صباح النور، أهلًا…." "عن إذنك…" "مع السلامة." قالتها جميلة وغادرت لتهتف زهرة خلفها. "خلي بالك من نفسك يا بت." ثم حولت نظرها نحو شمس. "شمس حسين الجوهري…دكتورة تكليف عندكم." شقّت ابتسامة كبيرة وجه زهرة وهي تلقي عليها التحية.

"يا ألف أهلًا وسهلًا يا دكتورة…أخيرًا يا دكتورة، دا احنا كنا مستنينك، فيه نقص في عدد الدكاترة هنا." بادلتها شمس الابتسامة. "أهلًا بيك…واديني جيت يا ستي." ***

وقف طارق بعيداً يشاهده وهو يخرج من قسم شؤون الموظفين ويبدو العبوس على وجهه. تأكد أنه جاء يبحث عنها ومن المؤكد أن الموظف استمع لطلبه ولم يخبره بمكانها بعدما أوصاه هو بذلك. اعتصره قلبه وتآكله الحزن وهو يجد شقيقه بوجه شاحب وعيون ذابلة، لكنه ربط على قلبه بحزم يوصي قلبه بعدم الضعف كي لايخذلها هو أيضاً، ليدعو بهمس. "ربنا يهديكم ويصلح حالكم."

كان ينهك نفسه بالعمل كي يتمكن من النوم عندما يعود. ربما إجهاد العمل يجبر عينيه على النوم. دخل الشقة في وقت متأخر، أخذ حماماً دافئاً ثم اتجه نحو غرفتها لينام هناك كما اعتاد منذ أن طلب من ندى وهدى المكوث في منزلهم. أصبح سريرها ووسادتها الملاذ الآمن بالنسبة له، لم يعد يستطيع النوم إلا وهو يحتضن وسادته.

دخل إلى الغرفة واتجه نحو ذلك الدب الموضوع بالقرب من طاولة القراءة. بدأ يتلمسه ويتذكر كم كانت سعيدة عندما أحضر لها هذه الدمية. ضغط على زر التشغيل وابتسم بحزن وهو يسمع اعترافه بحبها. ثم لفت انتباهه صندوق موضوع على الطاولة. سحب الكرسي وجلس، جذب الصندوق نحوه وفتحه ليجد نسخة من القرآن الكريم. التقطه وقبله ثم وضعه جانباً عندما لمح تلك الورقة المطوية والموضوعة تحته. رفعها يقرّبها من أنفه ويستنشق عبيرها. فتحها ليرتجف قلبه وتتجمع الدموع بعينيه وهو يقرأ الدعاء الذي كتبته عليها.

(يارب أهدي فارس وأصلح حاله، يارب أنا بحبه أوي أوي، يارب ابعده عن الحرام، يارب نفسي أقوله إني بحبه بس خايفة، يارب أصلح حاله عشان نبتدي أنا وهو صفحة جديدة ونعمل العيلة اللي بنحلم بيها إحنا الاتنين، يارب يكون عوضي عن حنان أبويا زي ما ماما دعتلي وأكون عوضه عن حنان أمه.) (يارب لما أفتح الورقة دي تاني يكون حاله أتغير.) تساقطت دموعه على تلك الورقة وهو يقول.

"حالنا اتغير يا شمس وبعدنا عن بعض وأنا السبب يا روحي. للدرجة دي كنتِ بتحبيني وأنا أذيتك يا قلب حبيبك." أعاد قراءة الدعاء ثم مسح دموعه وأمسك المصحف، فتح أول ورقة وقرأ سورة الفاتحة كأنه يعلن بداية جديدة لنفسه. شهران مرا على تلك الأحداث. لقد اشتاقت لأخواتها، فهي لم تتصل بهم منذ أن غادرت، وطريقة التواصل من خلال نجوى التي اتصلت بها مرات قليلة، تغلق بعدها الهاتف بمجرد أن تطمئن على شقيقاتها.

داهمها ذلك الدوار مرة أخرى وأقلقها غياب الدورة الشهرية، لكنها أوعزت ذلك إلى تغير هرموني ربما حدث لها بسبب ضعف حالتها الصحية. لكن هناك فكرة مخيفة ظلت تطرق رأسها وتنفضها عنها عدة مرات بخوف. لا تريد التصديق. نهضت بسرعة ليداهمها الدوار من جديد لتتمسك بطاولة مكتبها حتى استعادت توازنها. وابتعدت بوهن تائهة. سارت بلا وعي حتى اقتربت من صيدلية الوحدة لتطلب اختبار حمل. وغادرت نحو منزل الخالة نعمة.

دخلت غرفتها تحمل ذلك الاختبار بعد إجرائه ووضعته على الطاولة تنتظر النتيجة. جلست على السرير بعيداً. تلك الخمس دقائق من الانتظار مرت عليها كأنها دهر من الزمان. تسارعت أنفاسها باضطراب وارتجف جسدها كلما دنت نهاية الوقت. تمنت لو تستطيع إيقاف عقارب الساعة.

لكن المدة انتهت ويدها تتشبث بحافة السرير كأن قدمها تيبست. لملمت شجاعتها ونهضت لتمسكه بخوف. شهقة شقت صدرها بألم لتصعقها الصدمة. وضعت يدها على فمها وهزت رأسها يميناً ويساراً ترفض تصديق تلك الحقيقة. هي تحمل قطعة منه، زرع داخلها نطفته كما زرع جرحه في قلبها. صرخت بلا وعي. "لا، مش ممكن… مش ممكن." لترفع يدها تحاول ضرب بطنها بقوة عل ذلك الذي بدأ ينبض داخلها يتركها وتتخلص منه. هوت يدها لكنها تجمدت يدها وهي تعاتب نفسها.

"هتقتلي ابنك يا شمس." لترفع يدها تلطم وجنتها بقوة عدة مرات كأنها تعاقب نفسها. "مش هاقدر أعملها، مش هقدر." انسابت دموعها بعجز واتجهت نحو السرير لتدفن رأسها في وسادتها وتصرخ بقوة علها تخرج ألمها. "ليه مش راضي تسيبني في حالي؟ ليه؟ صرخت بهستيريا وجسدها يرتعش من هول ما حدث. قدرها ارتبط بقدره رغماً عنها.

وصلت صرخاتها المكتومة إلى الخارج ليدب القلق في قلب نعمة التي هرولت نحوها بقلق. فتحت الباب لتنصدم وهي تجدها تدفن رأسها في وسادتها وصراخها يعلو وشهقات بكائها تفصل بين صرخة وأخرى. اتجهت نحوها برعب جلست على السرير وجذبتها نحو أحضانها تضمها تسألها بخوف. "مالك يا ضنايا بتبكي ليه؟ تشبثت بأحضان نعمة وزاد نحيبها وتدفن رأسها بين أحضانها لتصرخ بها نعمة بهلع. "يا بنت اتكلمي، وحياة جلبي هيوجف." للتخرج كلماتها بقهر.

"مش راضي يسيبني في حالي يا خالة." قطبت حاجبيها وصاحت بغضب. "هو مين يا بنتي، جوليلي هو مين واجطملك رقبته." خرجت من أحضانها وحركت رأسها يميناً ويساراً وهي تضع يدها على فمها تكتم عبراتها. "كنت فاكرة الحكاية انتهت، اتاريها بتبتدي…. كنت فاكرة إني هقدر أهرب منه، ربطني معاه غصب عنيا." ازدادت حيرة نعمة لتقبض على كتفيها بقوة تجبرها على النظر إليها بعد أن شعرت أنها على أعتاب حالة من الانهيار والهستيريا لتقول لها متوسلة.

"يا بنتي ريحي جلبي وفهميني، ورحمة أمك أنا خايفة جوي. إنتِ بتتكلمي عن مين." لتتأوه بحرقة وهي تخبرها علها تخرج النار التي نشبت في قلبها قبل جسدها لتغمض عينها بعد أن فاضت دموعها. "آه… آه…. يا خالة، بتكلم عن حبيبي اللي دبح*ني." لطمت نعمة صدرها بدهشة وقالت. "يللهوي… يلللهوي… حبيبك ودبح*ك. إنتِ بتتكلمي عن مين، انطقي يابنت ورد." نظرت لها نظرة ضائعة لتقول ما جعل نعمة تشهق وتضع يدها على فمها. "أنا حامل يا خالة."

بهتت ملامح نعمة لتسألها مستفهمة. "يا بتي إنتِ مش متجوزة؟ وجوزك مسافر زي ما قولتي، أمال إيه حكاية حبيبك دي، طمنيني يابنتي أنا الشيطان بيلعب في دماغي، أتكلمي يابت ورد." ومن بين شهقاتها قالت بصوت بح من شدة البكاء. "حامل من جوزي يا خالة." وضعت يدها على صدرها وتنهدت بارتياح تحمد الله ثم قالت تلومها. "أمال بتعيطي ليه عاد؟ مسحت دموعها وقالت لها بخجل. "أصلك متعرفيش الحمل دا حصل إزاي."

لتبدأ شمس بسرد حكايتها مع فارس، لتختم حديثها بكسرة. "عرفتي ليه أنا بعيط يا خالة." "بتحبيه يا بنتي؟ سؤال طرحته نعمة بعد أن أبصرت عشقها له في وميض عينيها حتى لو أنكرته لسانها. ضمت كف يدها ورفعته تضرب موقع قلبها كأنها توبخه. "قلبي الغبي مش عارف يكرهه، ياريتني أقدر أخرج قلبي من بين ضلوعي وأدوس عليه عشان يبطل يحبه ويعشقه. ياريتني أقدر أكرهه." لتضع يديها على وجهها وتنهار باكية.

اقتربت منها نعمة مرة أخرى وضمتها من جديد تواسيها لتسألها. "ما تسامحيه يا بنتي، مش انتِ بتجولي مكانش واعي." رفعت عيناها نحوها ببطء وقالت بقهر. "بس أنا كنت واعية وشوفته وهو بينهش جسمي." مدت نعمة يدها تمسح دموعها وتذكرها بوضعها الجديد. "بس يا بنتي انتوا النهاردة بينكم عيل، ذنبه إيه؟ ضاعت نظراتها بين الماضي والمستقبل لاتعلم بماذا تجيبها لتردد نعمة. "طب ماهو دلوجت لازم يعرف إنك شايلة حتة منه." "لأ."

قالتها بسرعة وحدة توقعتها نعمة من تلك العنيدة. "مش هيعرف، دا ابني وأنا اللي هربيه، مش محتاجة وجوده معايا." "أيوه بس هو هيعوز أبوه." طرقت نعمة على الجزء الذي تحاول تناسيه، هل ستحرم صغيرها من والده كما حرمت هي من والدها؟ لكن كرامتها ركلت تلك الفكرة بعيداً، هي لن تحتاج لأب مثله لولدها. "مش هاخليه يعوزه، أنا هاعوضه."

من لم يذق طعم الحلوى لن يعرف حلاوتها، سيعيش حياته من دون أب إذاً. لم يعرف جمال الحياة بوجوده. هكذا أقنعت نفسها. تنهدت نعمة بيأس وعلمت أن جرحها لا يزال ينزف، فل تتركه للأيام، علَّ النسيان يداويه. "ربنا يهديكي يا بنت ورد." ***

كان منغمس بين المراجع والكتب يستعد لإلقاء محاضرته بعد قليل. لملم أغراضه وارتدى نظارته الطبية، يراجع آخر الفقرات ثم وضع تلك الأوراق في حقيبته اليدوية وخرج من غرفته ليجدها تقف أمامه. قطب حاجبه بانزعاج وتحدث إليها بحدة. "انتِ مش في المدرج ليه يا روان؟ مش عندك محاضرة دلوقتي؟ توترت وقالت تشرح له. "كنت عاوزة أسلم حضرتك البحث." قالتها وهي تمد يدها له ببحث آخر. نظر لها ثم نظر للبحث وقال يوبخها.

"هو أنا مش قولت تلتفتي لدروسك أحسن." ارتبكت ورسمت ابتسامة مهزوزة لتخرج حروفها متقطعة. "اصل انت عارف حضرتك القناة وبصراحة المشاهدات زادت، لازم استمر وأنا عاوزة أنفع الناس يا دكتور." تجاوزها وسار يخبرها. "اتخرجي يا روان وانفعي الناس بعدين." ارتجفت يدها بانفعال بعد أن سحبت خيوط الكذبة الجديدة من يديها، لكنها لم تيأس ولحقت به بخطى سريعة محاولة استعطافه.

"طب يا فندم ممكن تشترك حضرتك معايا وأعرض معلومات عن طريقك، مش شرط فيديو، ممكن معلومات كتابية وأنا هاعرضهم بطريقتك." كان الجمود يسيطر على قسمات وجهه، لكنها استمرت في محاولاتها. "يا دكتور أنا لو وقفت دلوقتي هخسر المتابعين وبصراحة القناة بتجيب ربح والربح دا بيروح لمستشفى الأورام. ارجوك يا دكتور متقطعش الخير دا عن الناس، اعتبرها حاجة إنسانية." تأفف بحنق والتفت نحوها بسرعة وصاح بصوت عالي نسبياً. "عاوزة إيه دلوقتي يا روان؟

لمعت عيناها بخبث وقالت. "تشترك معايا في القناة ولو ممكن رابط يقدر الناس يبعتولك أسئلة وتجاوب عليها، إيه رأيك يا دكتور؟ صمت لحظات وعيناها معلقة به تنتظر إجابته. "هشوف الحكاية دي بعدين، خليني ألحق محاضرتي." ابتسمت ابتسامة انتصار بعد أن لاح لها موافقته لتدق أول مسمار في نعش سقوطها بين يديها وتخطو أول خطوة للوصول لمبتغاها. ***

ليمر شهر آخر على الجميع. فتحت عيناها بيأس بعد أن جافاها النوم وأبت عيناها أن يسرقها النعاس نحو النوم كي تخطف ولو دقائق منه كأنها تعانده. نهضت بثقل، وضعت حجابها على رأسها بإهمال وسحبت ذلك الوشاح الصوفي الموضوع على حافة سريرها وأحاطت جسدها به لتخرج من الغرفة نحو باب المنزل القديم. فتحته ببطء لتغمض عينيها بعد أن أصدر صريراً كسر هدوء المكان لتوقفه بيدها حتى لا يوقظ صوته أولئك النائمين بعمق.

خرجت من فتحة الباب الصغيرة التي صنعتها تمرر جسدها بصعوبة من خلالها. خرجت لتستقبلها رائحة العشب الرطبة. أخذت نفساً عميقاً أغمضت عينيها تضم جسدها بيديها، سامحة لنسمات الهواء الباردة أن تداعب وجنتيها تنعشها علها تستطيع أن تطهر جروحها التي أبت أن تندمل رغم مرور تلك الأيام.

ظلت تغمض عيناها تستجدي من عقلها النسيان، حتى شعرت بتلك القطرة الباردة التي سقطت على وجنتها تغازلها بلطف. فتحت عينها لتجد السماء تمطر باستحياء كأن الشتاء يعلن رحيله، يحمل معه ذكرياتها وأحلامها وجراح لازالت تنزف، تعكر أي مذاق للسعادة.

فاحت رائحة التراب الذي لامسته قطرات المطر لتأخذ نفساً آخر وتزفره بشدة. ربما تخرج معه النيران المشتعلة في جسدها. ثم مدت يدها تلامس بطنها تتحسس ذلك الذي بدأ ينمو بين أحشائها ببطء. تستشعر وجوده وتبتسم بتلقائية. ابتسامة قهر وحسرة وطيف ذلك البعيد يزورها. تسارعت أنفاسها وصدى صوته يتردد في أذنها وهو ينادي عليها. ارتجف خافقها شوقاً له لتستفيق كرامتها تصفع ذلك الخائن وتذكره بما فعله بها، وهل يمنحه الغفران بعد أن ذ*بح روحها؟

رغم سماعها لمبررات نجوى وقصة ذلك التسجيل الذي سمعته ندى وهدى، لكن كل هذا لا يشفع ما فعله بها. ألم تطلب منه تركهم؟ ألم تتوسله أن يتغير؟ هو اختار العودة لهم وشرب كأسه الأخير معهم رغم وعده لها. قطرات المطر التي كانت تسقط عليها كانت تسقط عليه في مكان آخر عندما كان يقف في منتصف الشارع كما وقفت هي ويفتح ذراعيه لتعانقه قطرات المطر الطفيف وكأنه يستعيد ذكرياته معها. كم اشتاق لها. يهمس. "وحشتيني…"

ثم نظر إلى السماء الماطرة وتمنى لو تستطيع هذه الأمطار أن تغسل أحزانه كما غسلت تلك الطرقات. لفحت الرياح الباردة وجهه فارتعش جسده وبدأ بالسعال ليضحك هو يتذكر كيف اعتنت به في مرضه وكيف كان يتدلل عليها. أخذ نفساً عميقاً وزفره بقوة وأمنيات اجتاحت صدره ليتها تعود فتدلله. ***

حملت صورة السونار المطبوعة لجنينها وأخذت تتلمسها رغم أنها غير واضحة، لكنها كانت سعيدة بها. اليوم وصلت لشهرها الرابع واستطاعت أن تعرف أنها تحمل بين أحشائها فتاة. كانت سعيدة رغم أنها كانت تتمنى مولوداً ذكراً. أخذت تتبسم وهي تتذكر كيف يدللها علي ويهتم بها وهي تزيد من دلعها عليه. ثم اتسعت ابتسامتها وهي تتذكر فرحة عمها الذي تكفل بتحضيرات صغيرتها بالكامل، ووالدة علي التي لم تتخيل أنها ستفرح هكذا عندما علمت أن جنس الجنين فتاة، فأخبرتها أنها دائماً كانت تتمنى أن ترزق بفتاة.

انتشلتها من سعادتها طرقات على الباب لتتعجب. أعادت الصورة إلى ملف مراجعتها وتوجهت نحو الباب. فتحت الباب ووقفت تتطلع بدهشة. "دعاء؟! لتقول لها بعتاب مزيف مدعية الانزعاج. "أيوه دعاء اللي نسيتيها." عانقتها هدى بحب لتمثل عليها الاشتياق وتبادلها العناق. "حبيبتي يا دعاء، أنا مقدرش أنساكي." "ما انت بقالك أربع شهور ناسياني ياهانم." "اتفضلي." قالتها هدى مشيرة لها نحو الداخل لتخل هدى تعتذر منها.

"معلش يا دعاء، أصلي مشغولة في البيت وعلشان." دارت عين دعاء في المكان بحسرة. هذا المكان كان سوف يكون ملكها هي لو لم تخطف علي منها. جلست تخفي ألمها وحسرتها خلف ستار ابتسامتها الكاذبة. "إزيك يا دعاء، إيه أخبارك عاملة إيه؟ "الحمد لله، إنتِ أخبارك إيه، وحشتينا." "الحمد لله… تشربي إيه." هزت دعاء رأسها رافضة. "ملوش لزوم، انتِ عارفة الدايت." "لا إزاي ميصحش، ثواني عن إذنك."

رحلت هدى لتطلق دعاء العنان لعينها تتنقل بين أروقة الجناح حتى سقطت عينها على ذلك الملف الطبي. كادت أن تنهض وتلتقطه بعد أن تملكها الفضول لمعرفة محتوياته، لكن عودة هدى جعلها تعود مكانها تمثل الاسترخاء. وضعت هدى فنجان القهوة أمامها لتسألها دعاء بخبث. "أكيد إنتِ ملخومة مع خالتي، حاكم عرفاها ظالمة." لتبتسم هدى وتقول مدافعة عنها. "لا بالعكس، ماما صفاء بتراعي أوي وبتهتم بيا." لتهز دعاء رأسها وتقول.

"إنتِ طيبة أوي، معقولة خالتي تهتم وتراعي؟ يا ستي قولي كلام غير ده، تلاقيكي بتداري عليها، اتكلمي ياحبيبتي وأنا هسمعك." اندفعت هدى مدافعة عنها لتقول بلا وعي. "لا والله صدقيني، بتساعدني وتهتم بيا من ساعة الحمل…." صمتت تبتلع باقي كلماتها بعد أن أدركت تسرعها، لكن الأوان قد فات ووصلت الكلمة لمسامع دعاء. لتتسع عيناها بدهشة تردد. "إنتِ حامل؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...