سقط فنجان القهوة الذي كانت تحمله وتدحرج متناثراً إلى أجزاء، كما ذهبت أحلامها هباءاً في الهواء. ظلت تحدق بها، لقد ارتبطت بحبيبها أكثر، عقلها يرفض الاقتناع لتعيش صدمة غيابها عن الواقع. لم تشعر حتى بالقهوة الساخنة التي انسكبت على يدها. "دعاء، خلي بالك. أنتِ كويسة؟ قالتها هدى وهي تقترب منها تحمل منديلاً. تمسح يدها وتتفحصها لتنتبه أخيراً على حركة هدى وتنظر لها بارتباك لتقول بتلعثم:
"لا ما حصلش حاجة. آسفة بوظت السجادة بس الفنجان فلت مني." ابتسمت لها هدى وقالت: "ولا يهمك حبيبتي، فداكِ." ثم ذهبت وعادت تحمل كريم مخصص للحروق لتمد يدها لها: "أتفضلي، دا كريم هيبرد الحرق." أخذت منها الكريم وبدأت تضعه ببطء وعينها شاردة في عالم آخر. لم تستمع لكلام هدى، بل كل ما كان تفكر به أنها خسرت، خسرت حبيبها وحياة كانت تحلم بها.
كانت تراها تحرك شفتها بكلمات لم تفهمها، كانت تبصر فقط السعادة التي تعتلي وجهها، سعادتها المسروقة التي خطفتها هي منها، هكذا صور لها عقلها ما يحدث. *** دخلت غرفتها في الوحدة الصحية لتجدها جالسة شاردة الذهن، على غير عادتها، فهي اعتادت عليها ثرثارة مبتهجة. لتقترب منها وتحرك يدها أمام وجهها لترمش بعينها عندما انتبهت لها. "أي يازهرة، الي واخذ عقلك يتهنا بولوت." شفتها ساخرة وقالت بتهكم: "أطمني، دماغي فااااااضيه خااااااالص."
ضحكت شمس على طريقة حديثها وجلست أمامها لتضيق عينها وتسألها: "لا ماهو طريقة كلامك بتوحي أن فيه حاجة أكيد." ضربت يدها الموضوعة على الطاولة وقالت تمازحها: "اتكلمي يابنت." تنهدت ببطء وقالت: "مافيش." نظرت لها نظرة جانبية وهزت رأسها تحثها على الحديث: "عليا أنا بصي، أنا أعرفك من شهرين ومتأكدة أنك فيك حاجة." لتقرص وجنتها الممتلئة وتقول: "عيني بعينك ياشكولاتة." "بجيتي فضوليه زيي يادكتورة ورغاية زيي؟
أنا خايفة لحد ما مدة تكليفك ماتنتهي تبجي بخدود زيي." ضحكت شمس على كلامها وابتسمت هي ابتسامة باهتة. لتقول شمس مازحة: "أنا رغايه وفضوليه يا زهرة، ماشي ياستي مقبولة منك." وزمت شفتها تمثل العبوس ل تنهض، لكن زهرة أمسكت يدها وقالت معتذرة: "ماتزعليش مني يادكتورة، مش قصدي والله." لتهز رأسها وتستمر في تمثيل الانزعاج لكي تجبرها على الحديث علها تخفف عنها: "لإخلاص خلصت، أنا زعلت." لتمسك يدها وتنظر لها برجاء:
"وحياتي يادكتورة ماتزعليش، اجعدي بس وأنا هحكيلك." ابتسمت شمس وجلست تنظر لها بترقب. ل تخفض عينها تخبرها بصوت مهزوز: "فرح أبن عمي بكرة." قطب حاجبيها تسألها مستفسرة: "وهو فرح ابن عمك يخليكي زعلانة كدة؟ ثم توقفت كأنها فطنت لشيء: "أستنى، أوعي تقولي أنك بتحبي." تنهدت تنهيدة طويلة لتخبرها بحرقة:
"كنا مكتوبين لبعض زي عوايدنا هنا في الصعيد، زهرة لسالم وسالم لزهرة. وكبرنا وأنا بسمع الكلام دا. وسافر سالم القاهرة عشان يدرس الهندسة ويبقى مهندس كبير واشتغل في شركة كبيرة. ورجع. أنا خلصت ثانوية التمريض. جدي طلب منه يتجوزني. في البداية وافق على الخطوبة واتخطبنا، بس كنت بحس إنه مضايج. كل ما أتكلم معاه يشخط فيا ويعيب في لبسي، كنت بضايق وبعمل جهدي عشان أعجبه. لحد ما سافرت أنا وأمي معاه القاهرة عشان أشتري جهازي. كنت فرحانة عشان هشوف القاهرة."
"كانت أمي نايمة لما ندهني وجال: أنا عاوز أتكلم معاكِ. لجتني وجف جدامي بكل جبروت وجال: أنا مش عاوزك يازهرة… أنا مش بحبك، أنتِ مش الست اللي أتمنى ارتبط بيها. لا مؤهلك التعليمي ولا شكلك عاجبني. أنا عاوز واحدة جميلة ورشيقة مش زيك كدة، وحد توزن كلامها وتعرف تتكلم، مش رغاية زيك. عشان كدة إحنا لازم نفسخ الخطوبة. وياريت تبلغي جدي إنك أنتِ مش عاوزاني، أنا مش عاوز جدي يغضب عليا. لكن أنتِ جدي بيحبك ومش هيرفضلك طلبات."
اتسعت عين شمس وهي تسمع لحديثها وتشعر بالأسى لأجلها لتكمل: "الصدمة شلتني يادكتورة، مكنتش عارفة أعمل أي. حسيت إن قلبي اتكسر وكرامتي اتبهدلت." لتنساب دموعها بقهر وهي تكمل: "لكن كرامتي فوق أي شيء. أول ما رجعت الصعيد بلغت جدي إني مش عاوزاه. جدي غضب عليا هو وأمي وعمي ومراته، لكن أنا فضلت مصرة على رأيي، مش أنا اللي أهين نفسي عشان أتجوّز حد مش طايقني." لتضحك بسخرية وحزن: "تعرفي هو عمل إيه؟
عمل نفسه زعلان وطلب من جدي عشان يراضيه يخطبلو بنت عمي التانية اللي ساكنين القاهرة. فهمت بعد كدة إنهم بيحبوا بعض وإنها كانت معاه في نفس الشركة، حلوة ورشيقة زي ما قال. فهمت إنه استخدماني عشان يوصل للي هو عاوزه ويظهر قدام الكل الولد المطيع، وأنا البنت الوحشة." مسحت دموعها بحرقة:
"أنا مش زعلانة على سالم يادكتورة، عشان سالم بعد اللي عمله خلاني كرهته وحمدت ربنا إني خلصت منه، واحد لعّاب زيه. أنا اللي حازز في نفسي وصفه ليا إني تخينة وإنه عاب في لبسي وطريقة كلامي. واللي مزعلني أكتر نظرة جدي ليا ونظرة أمي ليا نظرة كلها لوم وعتاب. بس أنا مش هقدر أقولهم إنه سابني عشان مش عجبه. مجاملة كرامتي ماتسمحليش يادكتورة." ربتت على يدها بحنان وقالت تؤازرها:
"متعيطيش يازهرة، هو اللي خسران، خسر قلب طيب وبنت جدعة. وبعدين أنتِ حلوة يازهرة ومش تخينة أوي، أنتي مكلبظة شوية أه، لكن تخينة، أوعي تصدقي، هو كان عاوز يضغط عليكي بكلامه." "ربنا يجبر بخاطرك يادكتورة." "يابنتي أنا مش بقول غير الحقيقة. طب والله انتِ حلوة، بصي في المراية، عينيكي الواسعة، مناخيرك المسمسة. وبالعكس خدودك أحلى حاجة فيكي." لتقرصها وتقول مازحة: "ياريت يكون عندي خدود زي خدودك." لتبادرها زهرة المزاح:
"لا متخافيش، على آخر التكليف هيكون عندك خدود، خليكي انتِ معاي بس." لترفع شمس سبابتها أمامها وتقول بوعيد زائف: "وعد." "وعد." واتبعت كلماتها بضحكات شاركتها فيها شمس. *** وقف في ذلك المحل الذي استأجره مؤخراً بالقرب من محلاته يراقب عمل العمال في عمل الديكور ووضع اللمسات الأخيرة. ليشرد ذهنه في ذكريات الماضي عندما كانت تتأبط ذراعه ويسيران سوياً كما اعتادا في أوقات فراغهما في الفترة الأخيرة قبل الحادث.
عندما مروا من إحدى الكافيهات ليقرروا الجلوس وشرب فنجان من القهوة. اختار طاولة واختار الجلوس بجانبها لتبتسم وتدعي الانزعاج. تنظر له نظرة جانبية لتشير إلى الكرسي المقابل لها وتقول ساخرة: "فيه كرسي هنا." انحنى نحوها وهمس لها كلماته ببطء: "بحب أقعد جنبك ياروحي." أربكتها كلماته لتتحمحم بحرج: "احم… أنا عاوزة هوت شوكليت بلاش قهوة." داعب أنفها بإصبعه وقال مبتسماً: "انت تأمر ياجميل."
أشاحت وجهها عنه بضيق جعله يضحك بخفة على ملامح وجهها الحانقة. وضع النادل أمامهم ما طلبوا وبدأ بارتشاف قهوته كما بدأت هي بارتشاف مشروبها بتلذذ. عندما لمحت رجلاً يدخل إلى المكان يرتدي معطفاً أنيقاً لتلتفت نحو تخبره وهي تشير بعينها نحو الرجل: "حلو أوي البالطو بتاع الراجل اللي دخل." نظر حيث أشارت وعاد ينظر لها بوجه ممتعض ملأته الغيرة يوبخها: "اتلمي يا بنت الجوهري، جوزك جنبك وأنتِ عمالة تبصي للراجل."
قطبت حاجبها وأسعدتها غيرته لتوكزه بذراعها وتقول موضحة: "يابني قصدت البالطو مش الراجل." "ركزت اخت ملامحه وقال بهدوء: "اه دا ماركة Zara بس كوالتي عالي سعرها يوصل ١٢ ألف جنيه." اتسعت عينها بدهشة وقالت بصدمة: "يااا غالية أوي." ارتشف قهوته ونظر لها: "طبيعي عشان ماركة." عبس وجهها وقالت بحزن: "طب الشباب الغلبان لو كان عاوز يلبس حاجة كويسة هيجيب منين؟ "فيه ياحبيبي ماركات مقلدة يعني بتكون نفس الشكل أقل كوالتي وأرخص." حدقت
به ثم ضيقت عينها تسأله: "طب ماتفتح محل زي دا، أهو على الأقل تساعد الناس الغلابة وأنت ذوقك حلو أكيد هتجيب حاجات تنفع شباب الجامعة." "هي فكرة حلوة ومربحة، بس الماركة ليها زبونها وربحها حلو كمان." نظرت إلى كوب الشوكولاتة وإلى أبخرته المتصاعدة التي بدأت تتناقص بعد أن تأثرت ببرودة الجو، كأنها تتذكر مشاهد من الماضي. حتى شعرت بملمس يده وهو يمسك يدها بين يديه بحنان بعد أن لاحظ شرودها: "مالك ياحبيبتي؟
تنهدت بحزن وزفرت أنفاسها بقوة ثم التفتت نحو تخبره بحسرة: "لما كنت في الكلية كنت بتكسف أطلب من أمي لبس جديد عشان كنت عارفة إن هي وندى هيقصوا على نفسهم عشان يجيبوا اللي أنا عاوزاه، مصاريف الكلية كانت تقيلة عليا." ثم لمعت عينيها بالدموع واكملت: "كنت بتجمد من البرد عشان ما أطلبش منهم بالطو أو جاكت." اعتصر قلبه حزناً وإشفاقاً عليها ليضم كفها بين يديه ويريح عليها يده بحنان يقول مواسياً بفخر:
"حبيبتي، أنتِ بطلة وقدرتي تكملي وترفعي رأسهم." ابتسمت لكلامه ودفء حنانه الذي وصلها من لمساته ليكمل وهو يرفع يدها نحو شفته يقبلها وينظر لها بعين تتوقد عشقاً يعدها: "أوعدك ياشمس أن أعمل كل اللي في إيدي عشان أسعدك وأعوضك." عاد من ذكرياته ليبتسم بسخرية وهو يهمس لنفسه يلومها بتهكم: "وفيت بوعدك ليها يا ابن الجوهري." دارت عينه في المكان وقال يعدها من جديد: "بس هعمل بنصيحتك ياروحي وأساعد الشباب ولو بحاجة بسيطة." ***
جاورته على السرير لتجده مندمج مع هاتفه وكأنه يتكلم مع شخص ما. دب الشك في قلبها لتقترب بجسدها منه حتى لامس كتفها كتفه، لكنه كان مندمج بشدة. حركت عينها نحو شاشة هاتفه دون أن تلتفت لتجده يكتب وصفات طبية ويسجل نصائحه. تنهدت بارتياح وابتعدت قليلاً تسأله: "بتتكلم مع مين؟ ليجيبها دون أن يبعد نظره عن شاشة الهاتف: "دي قناة بيسألوني فيها المرضى عن نصايح طبية وأنا بجاوبهم." استدارت بجسدها تجاهه:
"يعني النصايح بمقابل مادي وإلا مجاني؟ لم تتزحزح عينه عن شاشة الهاتف مرة أخرى وكأنها متجمدة: "أيوه، بس المقابل دا بيروح لمستشفى الأورام، يعني نوع من الإحسان، وساعات لدار أيتام." هزت رأسها وتسطحت توليه ظهرها لتتهكم بهمس: "إحسان؟ طب يا أخي أحسن للأهل بيتك، طب ما أنا كمان يتيمة." زفرت أنفاسها بضيق تخرج تلك الغصة المكتومة. هل يستكثر عليها حتى تلك الساعات القليلة التي يقضيها في المنزل؟
أغمضت عينها بقوة تتوسلها أن تنام كي تريح عقلها المشعل بالأفكار وقلبها الذي أتعبته تلك العلاقة الباردة. كأنها تقف وسط طريق مجهول تلفحها رياح ديسمبر. ظل مدة من الوقت يجيب على مجموعة من الأسئلة حتى بدأ أجفانه تثقل وتتشوه عنده الرؤية من أثر النعاس. خلع نظارته الطبية ووضعها جانباً ثم أطفأ هاتفه ووضعه بجانبها ليتسطح. التفت نحوها ليجدها توليه ظهرها.
فتعجب، لم يعتاد منها على ذلك، كانت دائماً تحرص على نومها على شقها الأيمن تطالعه بعينها حتى تغفو. حاول أن يغمض عينيه وينام لكن عينه كانت تغفو وتفزع عدة مرات. كان هناك شيء يقلقه أو ربما ينقصه. ربما انشغاله بعمليات الغد، وربما تلك البرودة التي يشعر بها. هكذا أخبره عقله ولم يشعر بنفسه إلا وهو يقترب منها ويحيط جسدها بذراعه يحتضنها. وما أن وصلت لأنفاسه رائحتها حتى وجد عينيه تغمض وتنام كأنها وجدت ما كان ينقصها.
شعرت بيده التي تحيطها لتتنهد بحزن. فلم تستطع عينيها أن تنام وهو بعيد عن ناظريها كما اعتادت أن تغفو وهي تتمعن بوجهه وعينها تحتضن ملامحه. *** جلست مطأطأة الرأس بكسرة تنظر إلى يديها المتشابكة في حجرها بحزن. تحيطها أعين النساء مابين مشفق و لائم. وتتعالى همساتهن يطلقن الأقاويل عليها.
كانوا ينظرون إلى ابنة عمها تلك العروس الجميلة ثم يحولون نظرهم إليها يعدون الفروق بينهم وينعتون ابن عمها بالمحظوظ لأنه بقرارها قد تخلص منها واستبدلها بمن تفوقها جمالاً وشهادة. كانت أصوات الغناء تخنقها وتلك الزغاريد كأنها سكاكين تضرب عمق قلبها. تمنت لو تصرخ وتخبر الناس بالحقيقة، وأنها لم تكن سوى الشخص المرفوض، دمية استخدمها ابن عمها ليحصل على الرضا وينال حبيبة قلبه.
كانت هي ذلك الحجر الذي ألقاه ليصطاد عصفورين في آن واحد. لكن لم يكن يهمها شيء سوى نظرات والدتها المصوبة نحوها بلوم. كانت برأيها ستكون هي العروس اليوم لولا رفضها وغضب جدها رغم ابتسامته المزيفة. تباً لكرامتها التي تكمم لسانها وتمنعها من قول الحقيقة. تعالت صرخات النساء يعلن عن وصول العريس. لتخونها عينها وتنظر باتجاهه فتجد السعادة مرسومة على وجهه.
تتبعته عينها حتى وصل عند عروسه التي كانت تبادله نظرات الحب والفرح متجاهلين ما فعلوه بها. فحتى هي كانت تعلم أنها خطبت له قبلها، وربما تعلم خطته في التخلص منها. التقى عينها بعينه لينظر إليها نظرة شماتة لن تنساها. ونظرت عروسه لها بانتصار لتبتسم متهكمة وكأن عينها تحاورها: "غبية، لو كانت تعتقد أنها حزينة لخسارته." بالعكس، هي اليوم تحمد الله أنها تخلصت من شخص مثله. "زهرة."
صوت تعرفه أخرجها من شرودها لتلتفت إلى مصدر الصوت وتجد شمس تقف أمامها لتشهق بفرح وتحتضنها مرحبة بها: "يا أهلا يادكتورة، نورتي." "أهلا يازهرة." حولت زهرة نظرها نحو تلك الصغيرة بجانب شمس لتجيب شمس عن تسائلها: "دي فرحة بنت خالتي نعمة يازهرة، اللي حكيتلك عنها." رحبت بها زهرة: "يا أهلا… يا فرحة… اتفضلوا." جلست شمس بجانب زهرة لتبدأ زهرة بسرد مشاعرها وحزنها لغضب والدتها وجدها منها.
كانت حزينة لأنه يخاصمها منذ وقت طويل وهذا ما يتعبها. فجدها كان دوماً بمثابة والدها، فقد رباها واهتم بها منذ وفاة والدها. ربتت شمس على يدها تواسيها: "بكرة ينسوا يازهرة، لما ربنا يعوضك بالأحسن منه." "يارب يادكتورة، يارب يسامحوني." كانت هذه دعوتها قبل أن تبدأ بالكلام والثرثرة التي اعتادت شمس عليها. تخبرها بتفاصيل حياة كل سيدة في العرس وشمس تستمع لها بإنصات، تضحك تارة وتندهش أخرى في محاولة منها لتجعلها تنسى ما يحيطها.
انتهى حفل الزفاف وخرجت شمس تمسك بيد فرحة التي أصابها الدور من ثرثرة زهرة: "يللا، هوني دي بتتكلم كتير، يا جي عشرة ألف كلمة في الساعة، جابت لي صداع في نافوخي." ضحكت شمس وقالت: "بس بصراحة عسل، أنا بحبها أوي. طريقة كلامها بتخليكي تندمجي مع القصة لحد ما تكوني عايزة تعرفي النهاية. كانت تنفع مراسلة صحفية وإلا مذيعة أخبار." قالت شمس كلماتها لتكمل ضحكاتها التي زادت عندما سمعت فرحة تعقب على حديثها:
"دا لو كان حدوتة واحدة مش عشرين." "اتاخرتوا ليه بجى؟ دي الساعة اللي جلتو عليها، مفكرتوش في اللي الملطوع برة وجاعد يستناكم؟ هتف بها جابر الذي كان يقف مربعاً يده على صدره ينظر لهم بحنق. "وهو كان حد جلك تستنانا؟ مش انت اللي اصريت." صاحت بها فرحة بغضب بادلها إياه وهو يجيب: "أمال كنت عاوزاني أسيبكم تمشوا لوحدكم في الليل يافهيمة؟ "خلاص استحمل بجى." "بس يافرحة، جابر عنده حق. إحنا متأسفين ياجابر وكتر خيرك."
قالتها شمس تنهي ذلك النقاش بينهم، فرأسها لن يتحمل المزيد من الثرثرة، يكفيها ما سمعته من زهرة. *** وقف أمام جده كالتلميذ المذنب الذي ينتظر عقابه. قابله الجمود في وجه بدران الذي كان يحدق به معاتباً: "اتأخرت يا ابن محسن." تحشرج صوته ولم تسعفه الكلمات ليفضل الصمت وعينه المنخفضة تروي ندمه وحزنه: "كنت فاكر إنك هتدور على حضني وتترمى فيه زي ما ترميت فيه لما خسرت أحلام، لكن أنت غيبت تلات شهور ويمكن أكتر ولسه فاكر إن عندك جد."
"كنت خايف." خرجت تلك الكلمات المرتجفة منه بصدق، قابله صراخ بدران بلوم: "عشان عارف إنك غلطان وضيعت الأمانة." انحنى وأمسك كف يده يقبلها باعتذار: "متأسف يا جدي، سامحني، غصب عني أقسم بالله." سحب يده من بين يديه بعنف وواصل توبيخه: "وهيفيد بإيه الأسف دلوقتي يا ابن محسن؟
أنت جاي للشخص الغلط، يا ابن الجوهري، اللي كان مفروض تتأسف منها. أهي سابتلك البلد وطفشت. ياما حذرتك من سكة الحرام، لكن أنت كنت سايق فيها وعارف الغلط وبتعمله. بقيت عدو نفسك يا ابن محسن، وبدل ما تقهرها قهرت نفسك." رفع عينه الحمراء لتواجه عين بدران الحادة بدهشة ليكمل بدران ساخراً: "إيه، متفاجئ ليه؟ كنت فاكر إني مش فاهمك يا ابن أحلام؟ ذكره لاسم والدته جعله يفهم أنه يعرف سبب حقده على والده ليقول بحرقة:
"أديني خسرت أحلام تانية يا جدي، بس الخسارة المرة دي بتوجع أوي عشان أنا المرة دي لبست ثوب محسن وطلعت فعلاً ابنه." ثم جثى على ركبته أمامه ونظر له بعين متوسلة: "خدني بحضنك يا جدي، أنا تعبان." أشفق بدران عليه واعتصره قلبه على صغيره الغالي. أغمض عينه بقهر عندما وجده يضع رأسه على حجره. همس بدران على شعره برفق ولام نفسه، كان يريد أن يصلح أخطائه في الماضي ليتسبب بأخطاء أكبر راح ضحيتها أحفاده اليوم.
أضاع الأمانة بأبشع الصور، قلوب تمزقت وأخرى احترقت بنار العشق. وما ألمه أكثر أنه تسبب بأذى تلك الصغيرة التي لم تنس له جرح الماضي ليضيف لها جرح أكثر قسوة على يد حفيده الغالي. نظر إليه يشعر بأنفاسه تختنق، كان يظن أنها ستستطيع إصلاحه، تلك الفتاة القوية ستستطيع إصلاح اعوجاجه وإعادته إلى سابق عهده. كان يظن أنها ستكون دوائه الشافي، لكنه كان سكينها الناحر. تباً لعناده وتجبره يجعله يخسر أغلى أحبابه مرة أخرى.
لماذا لم يتركهم يعيشوا حياتهم كما يشاؤون ولم يتحكم في مصيرهم؟ "هترجع يا جدي، مش كدة؟ صوته الذي ملأه الرجاء كانه طفل يريد منه أن يطمئنه أن والدته ستعود في المساء وتأخذه. زاد من حزنه ولومه لنفسه ليحاول أن يخرج صوته ثابتاً: "هترجع يا ولد، أكيد. بلاش يبقى قلبك رهيف كدة. فين فارس الجوهري اللي كنت دايماً بقول، هو دا الخليفة بتاعي، يهودا اللي هيحافظ على اسمي." رفع رأسه وتلاقت عيونهم: "فارس ضاع من يوم ما شمسو غابت يا جدي."
تنهد ومسح على وجهه بحنان ثم قال بحكمة: "شمسو هتشرق من جديد لو لقت فارس يستاهل ترجع عشانه." وظل يحدق به يحاول تفسير كلماته، لكن بدران أكمل: "ارجع يا فارس، ارجع يا ابني عشان شمس ترجع لك." نهض بوهن وجلس بجانبه وصمته كان أبلغ من الكلام، يستوعب نصيحة جده. *** كانت ممدة على سريرها عندما سمعت جرس الباب لتنهض ببطء متجه نحو الباب. فتحته لتتفاجأ بدعاء تقف أمامها ترسم ابتسامة عريضة على وجهها وتحمل أكياس: "صباح الخير."
"أهلا يادعاء، صباح النور، اتفضلي." قالتها هدى تشير لها للدخول. دخلت تتبعها هدى التي استغربت وجودها رغم أنها التقت بها في الأسبوع الماضي. جلست وجلست هدى بالقرب منها لتضع أمامها الأكياس وتقول وهي تخرج منها ملابس أطفال حديثي الولادة: "بصي، جبت لـ حبيب خالو اللي جاي." أمسكت هدى تلك الملابس بسعادة تتفحصها بلهفة: "الله، تسلم إيدك يا دعاء، يجننوا." "حبيبتي، فرحت إنهم عجبوكي." غلفت وجهها بابتسامة تخفي عنها احتراقها لتكمل
خطتها التي جاءت من أجلها: "طب ممكن تعملي لنا عصير ياهدى، عصير الفراولة اللي جبتهولي مرة في المدرسة، وأنا جايبة معداتي معايا." لتضع أمامها كيس يحتوي حبات فراولة وآخر يحتوي علبة حليب وعلبة عسل: "أتفضلي ياستي." ضحكت هدى وقالت تلومها: "يابنت عيب اللي أنتِ بتعمليه، حد يجيب الحاجة اللي هيتضاف بيها معاه." ضربتها دعاء على ذراعها بخفة: "إحنا أهل، عادي بينا الحاجات دي." ابتسمت هدى ونهضت متجه نحو المطبخ.
غابت وعادت بعد قليل تحمل قدحين من العصير ووضعتها أمام دعاء. لتنظر لها دعاء وتقول: "هدى، ممكن كوباية مية لو سمحتي." "من عنيا، حاضر." رحلت هدى لتستغل هي الفرصة وتخرج من حقيبتها زجاجة تسكب محتواها في القدح المخصص لهدى وتعيد الزجاجة في حقيبتها مرة أخرى. عادت هدى تعطي لها الماء لترتشف منه القليل وتبتسم بخبث وهي تقول لها: "يلا، اشربي عصيرك الجميل." ضحكت هدى وبدأت تشرب العصير.
بعد مدة من الوقت ابتسمت دعاء بانتصار وهي تجد هدى تشرب العصير حتى النهاية بعد أن حثتها هي على ذلك بحجة أنه مفيد لها، وهدى بطيبتها كانت تطيعها في كل ما تقوله. تعرق جسدها وأنت بتخفت. خشيت أن توقظه فقد تجاوز الوقت منتصف الليل. تحاملت على نفسها وقبضت بكف يدها على الغطاء المحيط بجسدها تكتم آهاتها وتصبر نفسها تتحمل ولو قليلاً. لكنها أحست بألم أقوى أسفل بطنها ضغطت عليها وعضت على شفتها بوجع حتى لم تعد تتحمل.
مع ازدياد الألم لتصرخ: "آه… آه… الحقني ياعلي." صراخها أفزعه من نومه لينتفض عندما وجدها تمسك بطنها وتصرخ ليسألها بقلق: "مالك ياهدى؟ لتجيبه من بين صراخاتها: "بطني بتوجعني ياعلي، بطني بتتقطع." نهض بسرعة واتجه نحوها أزاح الغطاء بسرعة وساعدها على الوقوف، لكن ما أن وقفت حتى شعرت بسائل دافئ يسيل منها لتتسع عينها بدهشة. تتساقط دموعها وهي تمسك بطنها كأنها تتوسل صغيرتها أن لا تتركها لتصرخ بهستريا بعد أن أحست بالخوف
من أن تصبح ظنونها حقيقة: "لا… لا، لازم نلحقها ياعلي، هنخسرها ياعلي." هز رأسه بعدم فهم، لكن ضغطها على بطنها جعله يستوعب ما تقوله ليحملها بسرعة ويتجه مباشرة إلى المستشفى. وقف أمام غرفة الكشف. بجامته المنزلية، وجهه شاحب يتملكه الخوف مما هو قادم. ليسمع أصوات أقدام تهرول نحوه فوجد والدته تقترب منه وتسأله بلهفة: "مالها مراتك يا ابني؟ وكطفل صغير احتضنها بخوف باكياً: "البيبي بخطر ياما."
شهقت بقوة وتجمد جسدها لتسقط يدها التي تحيط جسده بوهن كأنها شلت ولم تعد تستطيع السيطرة على أطرافها. وصورة واحدة تتجسد أمامها ما حل بها في الماضي عندما فقدت صغيرها، وكأن الماضي عاد بكل أوجاعه. لم يكن علي يشعر بوالدته، لكن حسن أحس بها ليسحبها من أحضان علي وسط دهشته ويجلسها على الكرسي. لتجلس بجسدها الذي أثقله الحزن وعينها معلقة على باب الغرفة تتمنى أن تحدث معجزة تنقذه، أو يكون هذا مجرد كابوس ستستيقظ منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!