صباح جديد ليوم جديد يستثمره الصالح كما أراد الله، ويضيعه المغبون. دخلت فاطمة على أسماء توقظها لصلاة الفجر. "أسماااااء يا عروسة اصحي." هكذا هتفت فاطمة. والنائمة متيقظة وجلة قلقة لا تريد الاستيقاظ. أسماء: "أما تتوضى صحينى." فاطمة: "اتوضيت وصليت، قومي." اتبعت فاطمة جملتها وهي تدفع الوسادة عن رأس أختها. أسماء بتكاسل وإحباط: "أنا مش قادرة." فاطمة: "لا هتقدري. استعيني بالله."
أسماء: "فاطمة أنا خايفة. أنا مش مستوعبة إن آدم هيتقدملي." فاطمة: "أنا بأي فرحانة جداً، إنسان تقي بتاع ربنا هيخاف ربنا فيكي." أسماء: "وحازم! فاطمة: "ربنا يصرفه عنك ويرزقه اللي تصلحه." أسماء: "ااوف والصور؟ فاطمة: "انسيها وربك هيستر." أسماء بابتسامة: "فاطمة شكراً إنك أختي." فاطمة وهي تحتويها بين يديها وتبتسم: "ويلكم بيبى." في شركة الحسينى.
دخل عمر الشركة وهو يتوقع أن تتغيب فاطمة، فما فعله ليس بالهين على الإطلاق. واصطدمت توقعاته بأرض الواقع عندما وجدها على مكتبها منكبة على عملها كأن لم يحدث ما حدث بالأمس. نظر عمر لفاطمة نظرة إعجاب لم تتعد بضع ثوانٍ، ظناً منه أنها لم تلحظ مجيئه لانكبابها على الأوراق الخاصة بالعمل. ثم حدثها بصوت حازم: "فاطمة تاني مرة أما تمشي لازم تستأذني."
أما عن فاطمة فقد علمت مجيئه من عطره المميز الذي يسبقه، وأصرت على التجاهل. فقد تطورت الأمور ويجب عليها إنهاء هذا التعلق، وفي الوقت ذاته هي تحتاج للعمل لأنها تحتاج النقود. سمعت جملته فرفعت رأسها ببطء قائلة: "عُلِم وهنفذ يا فندم. وأظن أنا أخدت جزائي بالخصم." "خصم؟ " سألها عمر في دهشة. فاطمة: "الخصم اللي حضرتك قلت لسالي عليه."
الغبيه سالي سليطة اللسان المندفعة، فقد أخبرها عمر بذلك في خضم غضبه، لكن قلبه لم يطعه أن يفعل ذلك بفاطمة. والآن ما العمل؟ عمر بهدوء: "لا خلاص حصل خير." فاطمة ببرود: "بمعنى؟ عمر: "بمعنى إني اتراجعت عن إجراء الخصم ده." فاطمة باستفزاز: "لا." عمر: "نعم؟ فاطمة: "لا مفيش حاجة اسمها اتراجعت. أنا غلطت بنظر حضرتك وأنا أتحمل غلطي، وطالما شايف إني غلطت وإني أتحمل فأنا لها. عادي جدا."
عمر بهدوء: "بالظبط، أنا اللي شايفه هيحصل لأن أنا اللي ليا الحق أقرر." تركها عمر ودخل مكتبه. عمر محدثاً نفسه: "يا الله. هتعملي فيا إيه يا فاطمة أكتر من كده." في مكتب يوسف. علي: "طيب هو هييجي امتى؟ يوسف: "على الساعة ٨ إن شاء الله." علي: "طيب أنت محتاج فلوس يا جو." يوسف بابتسامة: "تسلم يا علي. يدوب هجيب فاكهة وجاتوه مش مستاهلة فلوس. تسلم يا صاحبي." تردد علي ثم استجمع شجاعته قائلاً: "أنت مقلتليش عملت إيه مع الجماعة."
يوسف بتنهيدة: "اديتهم اللي في النصيب." علي بفزع: "أوعى تكون مديت إيدك عليهم يا جو." يوسف بسخرية مريرة: "لا حاجة بسيطة كده. تقدر تقول كل واحدة كلت علقتين في بعض بالحزام." ثم اتبع: "كل أما افتكر منظرهم مع الحيوان أحس إن في نار جوايا يا علي." علي: "لا يا يوسف مش كده. معلش هم غلطوا بس نصبر برده يا يوسف عليهم." يوسف: "هحاول يا علي ربك يسهلها." في الساعة الثانية عشر مساءً، فوجئت فاطمة بياسمين وهي تتهادى إلى المكتب.
سالي بفرحة مفتعلة: "مدام ياسمين نورتي." ياسمين وهي تنظر لفاطمة بطرف عينيها: "ميرسي يا سالي." ثم نظرت إلى فاطمة قائلة: "إزيك يا... مين؟ فاطمة وهي ثابتة على مكتبها: "فاطمة." ياسمين: "اها إزيك. عمر جوا؟ سألت سؤالها واتبعته بالدخول مباشرة إلى مكتب عمر دون الانتظار لإجابة.
كان عمر يمارس أعماله عندما فوجئ بياسمين أمامه. نظر عمر إليها، قد توقع أن تخبرها سالي بما قال، ولكن لم يتصل بها، بل إن شئنا الدقة فهو لم تواته الشجاعة ليحادثها ويطلب منها الرجوع. دخلت ياسمين تتهادى حتى وقفت أمام مكتبه. مالت بحس أنثوي إليه قائلة لهمس: "ينفع أنا آخر واحدة تعرف المفاجأة." عمر: "ممم إزاي مهو سالي مبتتوصاش." ياسمين بنبرة عابثة: "تؤتؤ سالي إيه! أنا اللي مش بتوصى، بس أنت اديني فرصة."
لطالما كره جرأتها الفجة أثناء الخطوبة دون رباط شرعي، وها هي تكرر نفس الأخطاء. عمر: "ياسمين روحي اقعدي قصادي عالمكتب ونتكلم." تعمدت ياسمين أن تميل لدرجة الالتصاق به، ثم ضغطت على الزر الخاص بالسكرتارية. أما في الخارج فقد تعللت سالي لفاطمة وطلبت منها الدخول لعمر فور قرع الجرس، وفق اتفاق مسبق بينها وبين ياسمين.
قامت فاطمة مذعنة لرجاء سالي. وما إن دخلت حتى وجدت عمر وياسمين في وضع أقرب للحميمية. فما كان منها إلا أنها أسرعت للخارج. أما عند عمر فقد دفع ياسمين بكل قوته هاتفا: "ينفع كده المنظر الزبالة دا." ياسمين: "هو إيه اللي زبالة؟ هي دخلت لقتنا قالعين؟ هو في إيه؟ عمر بغيظ: "قالعين؟ وماله؟ مهو دا اللي ناقص." أما في الخارج فقد خرجت فاطمة تلاحقها أنفاسها وضربات قلبها المضطرب.
نظرت سالي لفاطمة وكانت تعلم ما رأت. وأرادت أن تزيدها بؤسا فنادتها قائلة بضحكة سمجة: "أووو يا فاطمة انتي قفشتيهم." فاطمة بعدم تركيز: "آه." اقتربت سالي منها قائلة بمكر: "كانوا بيعملوا إيه ها؟ نظرت فاطمة إليها ثم تركتها، قالت: "أنا نازلة لأخويا وجاية." بعد خروجها، همست سالي بحقد: "أخوكي، مهي عزبة أبوكم. أما طفشتك مبقاش أنا سالي."
اندفعت فاطمة إلى مكتب يوسف دونما استئذان. فنظر إليها كلا من أخيها وعلي. ثم قام علي مودعاً يوسف. علي: "احم، طيب همشي يا جو. إزيك يا آنسة فاطمة." فاطمة: "الحمد لله." علي: "طيب عن إذنكم." ما إن خرج علي حتى جلست فاطمة مكانه وانخرطت في بكاء شديد وسط نظرات شقيقها القلقة. في منزل الراوي. أسماء: "الحيوان سافر يا يارا." يارا: "أنا معرفش انتي كنتي بتحبيه إزاي؟
دا جبان. دا لو بيحبك كان زمانه جه ورانا واتقدملك. على الأقل عمره ما كان هيهون عليه إن أخوكي يبهدلك كده." أسماء: "حسبي الله. بعد صوري وكلامنا، حسبي الله." يارا: "أسماء متزعليش مني. انتي السبب. انتي ادتيله فرصة يا أسماء. خليتيه خد منك اللي ميحلش له أخده. وقبل ما تقوليلي إنه ملمسكيش هقلك مجرد النظرة يا أسماء حرام، فما بالك شعرك وجسمك في لبس ممكن أخوكي نفسه تتحرجي تلبسيه قصاده."
أسماء: "عندك حق. أنا كنت غبية ومتخلفة. ودلوقتي هدفع تمن كل دا بجوازي من آدم." يارا: "ليه بأي؟ هو وحش؟ دا كل كلامك يدل إنه إنسان محترم ومؤدب." أسماء: "دا قفل. ملوش لا في الضحك ولا الهزار. عمري ما شفته بيضحك مع واحدة. إنما حازم كان مدوب بنات الدفعة فيه." يارا وهي ترفع يديها عالياً: "يا رب عقلها. انتي يا بنتي لسعتي والله. انتي مفكرة إنه عشان مش بيضحك يبقى خلاص قفل؟ انتي تافهة أوي."
أسماء: "وكمان لحيته كبيرة كده ومنظره مرعب بيها." يارا: "ااه يا قلبي كمان ملتحي. وربنا دول أكتر ناس بيدلعوا ستاتهم. طيب دا أنا هموت وأخوكي يربي دقنه." أسماء بهدوء: "ربنا يعدي الليلة دي على خير." في مكتب يوسف. فور أن انخرطت فاطمة في البكاء، قام يوسف وأغلق باب المكتب من الداخل، ثم اندفع يلتقيها بين أحضانه. يوسف وهو يربت على ظهرها برفق: "مالك يا قلب أخوكي." لم تجبه فاطمة، وإنما استمرت في البكاء.
يوسف: "بسس بسس اهدى اهدى يا بطة." مرت عشر دقائق سكنت فيه فاطمة في أحضان أخيها، ثم ابتعدت عنه قائلة: "الحمد لله." أمسك يوسف ذقنها قائلاً: "الف حمد وشكر لله. ها، الجميل زعلان ليه! نظرت له فاطمة ثم بدأت تتحدث. فاطمة: "عارف يا يوسف، أنا دايماً بحمد ربنا على أي أمر وبقول يا رب أنا راضية بأي حاجة من عندك. عمري ما حاولت حتى أسخط، لأني عارفة إن ربنا دايماً بيختار لنا الخير." ثم حاولت استدعاء أكبر قدر
من القوة وهي تستطرد قائلة: "حتى مشاعري في قلبي محدش داري بيها. عمري ما اتكلمت بصراحة مع حد عني وعن أحلامي ورغباتي. عمري ما اشتكيت وقلت أشمعنى، لأني مش عايزة أكون جاهلة وأشتكي ربي اللي معاه رزقي ورحمتي للمخلوق اللي معندوش لا رحمة ولا يملكلي رزق." ثم صمتت لبضع ثوانٍ وارتمت في أحضانه تبكي وهي تقول: "بس فعلاً حالياً أنا شايفة اللي مليش صبر عليه. اللي مليش صبر عليه خالص. ااه. اللهم لا اعتراض، ادعيلي يا أخويا. ااه."
صمت يوسف وقد انقبض قلبه، فقد ظن أن الأمر متعلق بعريس أختها الصغرى، فأغمض عينيه بشدة وفتحهما، ثم تحدث بهدوء قائلاً: "فاطمة يعلم ربنا إني عاوز أشوفك دلوقتي حالا في إيد راجل شهم وتقي يحافظ عليكي، وإنتي اللي ليكي نصيب الأسد في دعايا. حبيبتي وأختي بدعي ربنا في كل وقت أشوفك متهنية في حضن راجل بجد شاريكي بدمه. لكن يا فاطمة أنا يبقى حرام عليا أما عريس بمواصفات آدم يتقدم لأسماء وأرفضه." أدركت فاطمة على الفور مقصد يوسف، فنظرت
إليه معاتبة وهي تقول: "كده يا جو؟ بأي أنت تظن فيا كده؟ بأي أنا هتضايق عشان أسماء متقدملها حد. بالعكس قسماً بربي دي حاجة تهون عليا ضيقتي ووجعي." يوسف بشفقة: "طيب إيه وجعك يا قلب أخوكي! فاطمة بابتسامة هادئة: "مفيش خلاص. أنا ارتحت أما عيطت في حضنك شوية." يوسف بمزاح: "هه تعالى كل يوم." فاطمة: "يوسف جزاك الله خيرا." يوسف وهو يمسك ذقنها: "وإيه كمان؟ فاطمة وهي تبتعد
عنه ضاحكة باتجاه الباب: "لا كفاية كده، خلي شوية للي طحنتها امبارح بالحزام عشان تصالحها." ضحك يوسف عالياً ثم قال لها: "مين دي! "دا هي اللي هتكلمني أول ما أدخل من باب البيت." فاطمة وهي تبتسم: "طيب يا متواضع، سلام." يوسف بهمس: "ربنا يطمني عليكي يا فاطمة ويرزقك اللي يهنيكي." صعدت فاطمة إلى مكتبها فوجدت أن سالي قد انصرفت. فاطمة: "أحسن أنا مش متحملة أي ضغط."
جلست فاطمة على مكتبها، ففوجئت بياسمين تخرج من مكتب عمر، ويتبعها عمر بنظرة مغتاظة. ولم يغب التغيير الذي حدث على عمر فور رؤيته لفاطمة، فقد أحست ببصيرتها أن عمر ما يريد إلا إغاظتها فقط. ياسمين بلهجة خاصة حاولت أن تتصنع أكبر قدر من الدلال: "منتظراك بالليل." عمر بتماسك: "ربك يسهلها." نظرت ياسمين لفاطمة شزراً ثم انصرفت. أما عمر فقد وقف أمام مكتب فاطمة، التي تجاهلت وجوده وانكبت على عملها.
وقف عمر أمامها ثم لم يجد بد من التحدث. عمر: "بعتذر عن الموقف اللي حصل جوا." فاطمة بهمس: "حصل خير." عمر بلهجة ذات مغزى: "أنت عارفة بأي متعلقين ببعض وكده وقصادنا شوية على التجهيزات متخلص." فاطمة بثبات: "بس دا مش مبرر." عمر بلهجة غريبة: "عندك حق. مهما كانت البنت لازم تحافظ على نفسها." فاطمة: "بالظبط." عمر وهو يقترب: "ودا ينطبق عالكل ولا انت استثناء يا فاطمة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!