في منزل الراوي .... ما إن دلفت فاطمة إلى المنزل حتى أطلقت لدموعها العنان، فهي تعلم أنه لا أحد موجود، حيث إن يارا هاتفتها وأخبرتها أنها ذاهبة مع أسماء للتسوق. دخلت حجرتها باكية، نزعت حجابها ووقفت أمام المرآة تتأمل ملامح وجهها المنهكة من أثر الصدمة، وتتذكر كلمات عمر عن ياسمين. "ملكة جمال أربع مرات"، هكذا همست فاطمة وهي تردد كلمات عمر. "طيب ليه عشمني من الأول؟ أما هي مناسبة وجميلة وكل ده، أما بيحبها بيعشمني ليه؟ ليييه؟
يا رب يااارب." وانطلقت إلى سريرها واستمرت في البكاء. عشر دقائق أو أكثر ظلت تبكي فيهم بكاء لا ينقطع، وهي تستغفر. ثم صمتت تمامًا ومسحت على وجهها، ثم توضأت وصَلّت ركعتين وظلت تناجي ربها. فاطمة: يا رب، أنا شايفه ما لا صبر لي عليه. يا رب اسكن قلبي واهدئ من روعي. ربي اسكن قلبي. اهدئ من روعي. ثم بكت وظلت تدعو ربها أن يخفف ما ألم بها. ثم أمسكت مصحفها لتقرأ لعلها تهدئ من روعها.
في الكافيتريا، ما إن رأى يوسف كلاً من يارا وأسماء مع رجل لا يعرفه حتى اندفع إليهم، واندفع ورائه علي وهو يحاول تهدئته. كانت أسماء ويارا تجلسان أمام حازم، وأمام كل منهم كوب من العصير. ما إن اقترب يوسف حتى رأته يارا، أما أسماء فقد كانت خافضة لوجهها، فهي لا تريد أن تطيل النظر لحازم. يارا: يا نهار أسود. نظرت أسماء ليارا فرأت نظرها يتجه نحو نقطة ما، فنظرت كرد فعل طبيعي، فإذا بأخيها أمامها.
بمجرد أن وصل يوسف إلى مائدتهم، فوجئ حازم به يتنزعه من مكانه انتزاعًا وهو يقول لأخته ولزوجته: يوسف: مين دا بأي؟ كان يوسف يتميز بالبنيان القوي، أما حازم فقد كان بنيانه ضعيفًا وأيضًا كان جبانًا جدًا، فقد خاف عندما انتزعه يوسف بهذه الطريقة، ولكنه حاول التماسك. حازم: انت اللي مين؟ أسماء وهي تقف: دا يوسف أخويا. ثم وجهت حديثها إلى يوسف وهي ترتجف: أسماء: يوسف، أنا هفهمك. دكتور حازم كان عا... قاطعها يوسف وهو يدفع حازم
بشدة إلى الكرسي هاتفا: يوسف: ااه، دا فيها حكاية بأي. ثم أشار إليها وإلى زوجته وهو يدفع أسماء بيديه بطريقة متها: يوسف: قصادي انتوا الاتنين. حازم: أنا هفهم حضرتك يا بشمهندس. يوسف بغل: بس يالا. كانت نظرة يوسف وأسلوبه كفيلة بأن تصمت كلاً من يارا وأسماء، ولكن يارا حاولت التحدث. يارا وهي ترتجف: يوسف، أنا هفهمك... يوسف بعنف: ششششش، مسمعش حسك. دفع يوسف كلاً من أسماء ويارا أمامه بعنف، ولم يستجب لمحاولات علي لتهدئته.
أما حازم، فقد كان مظهر يوسف كفيلاً بأن يصمت تمامًا من الخوف. دفعهما يوسف إلى سيارة علي، حيث إنه لا يملك سيارة، واستقل هو المقعد المجاور لعلي. يوسف: وصلني عالبيت. علي بتهدئة: ممكن تهدى. إحنا نوصلهم ونرجع نقعد في مكان لحد ما تهدى. يوسف بتحفز: لا. هتوصلنا وتروح انت. كانت أسماء ويارا قد انهمرتا في وصلة بكاء لا تنتهي. أسماء من بين دموعها: يا يوسف، والله أنا هفهمك.
يوسف دون أن ينظر لها: هتقولي كل حاجة. أنا هخليكي تقولي كل حاجة وهتشوفي وشي اللي عمرك ما شوفتيه. شهقت يارا وهي لا تكف أيضًا عن البكاء، ثم حادثته منادية: يارا: يوسف... نظر يوسف إليها من خلال مرآة السيارة، نظرة كانت كفيلة بأن تفقد الوعي، ثم صاح بها: يوسف: ششششششششش، انت تخرسي، مسمعش حسك. أنا هربيكِ النهارده. يارا وهي منهارة: والله معملتش حاجة. صرخ يوسف قائلا: انتي غبية مبتفهميش، اخرسي، مسمعش صوتك.
لم تكن يارا تتوقع رد الفعل العنيف من يوسف، فوضعت يدها على فمها في محاولة لتهدئة نفسها. في المنزل: هدأت فاطمة تمامًا بعد أن قرأت بضع صفحات من مصحفها، وابتسمت وحدثت نفسها قائلة: فاطمة: اللهم لك الحمد على نعمة القرآن. ونعم الملجأ في الكربات. الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله. وصل علي إلى منزل يوسف، فقال له يوسف: يوسف: اتوكل على الله انت. علي: يوسف، تعالى معايا. يوسف بحزم وهو يربت على كتف علي: اتوكل على الله انت.
علي: ومها متعرفش حاجة. علي بعتاب: عيب يا يوسف. نزل يوسف، وكانت كلاً من أسماء ويارا ترتجفان، وفوجئت أسماء به يفتح الباب المجاور لها ويشدها من يدها. يوسف: هتحايل عليكِ يا أختي، منك ليها. مسحت فاطمة على وجهها بهدوء، ثم قامت متجهة إلى المطبخ. فاطمة وهي تحدث نفسها: أعمل الأكل على ما البنات ييجوا. أكيد هييجوا مجهدين.
تناولت الراديو الخاص بها وتهيأت لتشغل إذاعة القرآن الكريم كي تهدئ، ولكن قطع عليها كل ذلك صوت الباب وهو يفتح وصوت أسماء ويارا وهما تبكيان بصوت مرتفع. يوسف وهو يصيح: مسمعش نفس، مفهوم. خرجت فاطمة مسرعة، وما إن رأتهم على هذه الحال حتى قالت: فاطمة: في إيه؟ نظر لها يوسف نظرة ذات مغزى يحاول أن يعرف هل كانت تعلم أم لا. يوسف: الهوانم كانوا فين؟ فاطمة: كانوا بيشتروا حاجات. لبس وكده. يوسف بغيظ: مين قال لكِ كده فيهم؟
فاطمة بعفوية: يارا. يوسف وهو يقف أمام يارا: انتوا كنتم رايحين تشتروا حاجات؟ هزت يارا رأسها بالنفي وهي تبكي خوفًا منه. مسح يوسف بيده على وجهه، ثم سألها: يوسف: كنتِ عارفة إنكِ بتكذبي؟ قاصدها يعني؟ نظرت يارا إليه وهي تبكي، ثم أومأت بالإيجاب. فكان رده صفعة مدوية على وجهها. فاطمة بانزعاج: بسم الله، إيه دا؟ يارا وهي تبكي: آه، آه. أنا معملتش، هي أسماء وأنا... كانت كمن يتعلم الكلام، وهي تضع يدها على وجهها من شدة الألم.
أما يوسف، فلم يعطها فرصة للحديث، فسحبها وراءه كمن يسوق الأنعام، هاتفا بفاطمة: يوسف: دخلي الحيوانة التانية أوضتها على ما ييجي دورها. فتح باب حجرته، وكان فعلاً من أسوأ أيام يارا، فقد أوسعها يوسف ضربًا بأحد أحزمته، ثم تركها وذهب لتنال أسماء الباقي الوفير من غضبه. كانت فاطمة لا تفهم ماذا يحدث، وكلما حاولت التدخل صاح بها يوسف: يوسف: بلاش انت يا فاطمة. في شركة الحسينى... دخلت سالي كالافعى تتهادى في مكتب عمر
وافتعلت الانزعاج قائلة: سالي: بشمهندس، بابا تعبان أوي ولازم أروح. كان عمر يعلم أن سالي تعيش مع والدها فقط، وأن والدها رجل مريض مستحق للعناية، لذا فهو قد وافق على الفور. عمر: مش محتاجة استئذان طالما بابا تعبان يا سالي. سالي بمكر: أصل مفيش حد بره. عمر باستفهام: وفاطمة؟ سالي بتمثيل: بصراحة، روحت. عمر: روحت إزاي؟ دي مستأذنتش.
سالي بأسف ظاهري: بصراحة، دا كل يوم بيحصل، بس أنا بسكت. وهي كانت بتروح وتيجي، لكن النهارده اتأخرت. عمر بغضب شديد: كماااان؟ سالي: بشمهندس، ارجوك متعرفهاش إني قلت حاجة. عمر: متقلقيش يا سالي، أنا هتصرف بس بعيد عنك. كانت تنتفض على سريرها وتحاول احتواء جسدها بيديها من الألم بعد أن أوسعها زوجها الحبيب ضربًا، عندما دخلت فاطمة عليها. فاطمة وهي تنظر لجسدها الذي تحول للون يشبه اللون الأحمر المائل للزرقة:
فاطمة: الله المستعان. يوسف عمل فيكي كده؟ يارا وهي تغمض عينيها بشدة وتنتحب: بالحزااام. ضربني بالحزام يا فاطمة. كانت فاطمة تتألم من مظهر يارا، فاحتوتها بين يديها. فاطمة: اهدى. إيه اللي حصل؟ يارا بارتجاف ونحيب: ضربني، شلحني بالحزام، هنت عليه يا فاطمة. فاطمة: عملتوا إيه؟ ابتعدت يارا قليلاً ناظرة إلى فاطمة، ثم قالت: يارا: قابلنا حازم. في حجرة أسماء... أسماء وهي منتحبة خائفة من يوسف: بس وفوجئت بيه جاب رقمي وعاوز يخطبني.
يوسف وهو ينظر إليها دون أن يحيد نظره عنها: ومكلمتنيش ليه زي أي واحدة محترمة؟ أسماء باضطراب: مهو هو طلب بس يقابلني، ومقالش إنه عاوز يتقدم، ومكانش ينفع إني أروح لوحدي، فاخدت يارا معايا عشان كده. يوسف وهو يفقد أعصابه: يا حيوانة، متخلنيش أتغابى عليكِ أكتر من كده. جسمك معادش فيه حتة سليمة. بتروحي ليه يا غبية؟ أسماء وقد ألجمتها الصدمة والضرب: مهو عشان أعرف هو عاوز إيه؟ يوسف: استغفر الله العظيم. شكلك عاوزة تتضربي أكتر.
أسماء وهي تنتفض: لا، أبوس إيدك. والله ما قادرة. جسمي كله واجعني. ثم اقتربت منه تقبل يديه وترجوه أن يتركها. بعد ما يقرب من ساعة، دخلت فاطمة على يوسف الذي التزم حجرتها، وقامت بتقديم مشروب عصير الليمون له. فاطمة: أحلى كوباية لمون لأحلى جو. يوسف: مش قادر يا فاطمة. فاطمة وهي تقترب منه وتربت على كتفه: اهدى يا يوسف. أنت لازم تهدى عن كده. أنا عمري ما شفتك بالعصبية دي.
يوسف: حاسس إني مش راجل. أما أختي ومراتي يعملوا كده، يبقي شايفيني مش راجل. فاطمة بانزعاج: لا يا يوسف، متقولش كده بالله عليك. أنت سيد الرجالة كلهم. يوسف: انت تعرفي حازم دا؟ أسماء كلمتك عليه؟ صمتت فاطمة، ثم ردت متماسكة: هعرفه إزاي؟ أنا عمري ما رحت معاها كليتها، وانت عارف. يوسف بألم: أنا قلقان يكون كان بينهم كلام ومكالمات ولا حاجة.
اضطربت فاطمة بشدة وانقبض قلبها عندما تخيلت أن يعرف يوسف ما كان من أمر أسماء مع حازم، ولكنها تماسكت للمرة الثانية قائلة: فاطمة: أنت بتتفرج على أفلام كتير بأي. ثم غيرت الموضوع قائلة: المهم يعني، لا كلنا ولا شربنا، وأنا جعانة ومعملتش أكل. وانت بتصلي العشا، هات أكل معاك. نظر يوسف لها بتردد، ثم أضفى على صوته أكبر قدر من اللامبالاة وهو يسألها: يوسف: هم كلوا حاجة؟ ردت فاطمة بمكر: لا، لا كلوا ولا شربوا. بيعيطوا وبس.
يوسف: استغفر الله العظيم. يا الله. طيب مشربوش لمون ليه؟ فاطمة بحيلة: أنا معملتلهمش. لازم يتربوا ويحسوا بالكارثة. نظر يوسف إلى فاطمة، التي تعلم طبع أخاها جيدًا، وفعلاً بدر منه ما كانت تتوقعه. يوسف: طيب اعمليلهم لمون يا فاطمة. فاطمة بشدة ظاهرة رغم سعادتها بطيبة أخوها: على جثتي. خليهم يتربوا ودمهم يتحرق. يوسف بألم: عشان خاطري. قامت فاطمة في استسلام ظاهري، وقد أخفت سعادتها: عشان خاطرك أنت بس يا جو. في منزل حازم:
والد حازم: تسافر فين يا ابني دلوقتي بس؟ حازم بتوتر: أسافر أريح أعصابي. والده: هو إيه أصلًا اللي حصل؟ حازم: مفيش، بس محتاج أبعد. هو شهر وأرجع. والده: أقولك إيه؟ سافر بس متكترش عن شهر. كان حازم متوتر جدًا من جراء لقاء يوسف به، وجعله ذلك يريد الابتعاد قدر الإمكان. فاتخذ قرار السفر. في منزل الراوي وتحديدًا بعد صلاة العشاء، دخل يوسف محملاً بطعام من أحد المطاعم القريبة.
كانت فاطمة قد انتهت للتو من أداء صلاتها ودعت ربها بصلاح الحال. فاطمة: الله، أكل. أنا جعانة. يوسف: آه. ثم بعد تردد قال: خدي الأكل دا وادخلي كلي معاهم جوا. فاطمة: لا، أنا عاوزة آكل معاك انت. يوسف: معلش، عشان خاطري هتلاقيهم جاعوا. سعدت فاطمة في قرارة نفسها، وإن لم تبد ذلك له، وأذعنت لأمره. في حجرة يارا، كانت تجلس كل من يارا وفاطمة وأسماء. فاطمة: يوووه، أنا هتحايل عليكم طول الليل مثلًا.
يارا بإنهاك: مش هاكل لو إيه بعد اللي حصل. أسماء بهمس: ولا أنا، ريحي قلبك. قامت فاطمة، ثم فتحت باب الحجرة ونادت يوسف. جاء يوسف بثبات، فوجلت كلاً من أسماء ويارا. يوسف: في إيه يا بطة؟ فاطمة: مش راضيين يأكلوا. يوسف بعصبية: مش إيه؟؟؟ ثم وجه أنظاره الحارقة لأسماء ويارا قائلاً: يوسف: في إيه؟ لم ترد أيهما، وإن كان الخوف قد سيطر عليهم. يوسف بثبات: هعد من واحد لتلاتة، واللي بعدها هلاقيها مش بتاكل، هكرر معاها اللي عملته الصبح.
وقبل أن يبدأ، كانت كلاهما قد تناولت إحدى الشطائر لأكلها. رن هاتف فاطمة وهاتف يوسف في نفس التوقيت. قامت فاطمة ونظرت على اسم المتصل، فوجدتها سالي. فاطمة بهمس: غريبة يعني. ثم فتحت الخط: فاطمة: السلام عليكم. أيوة يا سالي، ازيك. أما عند يوسف، فقد كان المتصل هو دكتور آدم. يوسف: السلام عليكم. يوسف: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. آدم: بشمهندس يوسف؟ يوسف: أيوه، مع حضرتك.
آدم: مع حضرتك دكتور آدم بيومي، مدرس مساعد بكلية الصيدلة، مع دكتور أسماء أخت حضرتك. يوسف باهتمام: أهلًا وسهلًا يا فندم. آدم باطمئنان لطريقة يوسف المهذبة: أهلًا بحضرتك يا بشمهندس. يوسف: خير. أنهت فاطمة المكالمة مع سالي، ودخلت إلى يارا وأسماء وبها من الهم ما بها. فاطمة: تقريبًا دا أسوأ يوم مر عليا. يارا: أنا مش قادرة أصدق إنها هنت على يوسف كده. ثم انفجرت في البكاء. فوجئت يارا وأسماء بفاطمة تنهمر في البكاء.
أسماء: انت يا فاطمة بتعيطي؟ فاطمة من بين دموعها: غصب عني. يارا وهي تبكي أيضًا: حصل إيه؟ فاطمة بقهر: مشيت من الشغل بدري، وقلت لسالى تستأذن الباشا. دخلت أستأذن، زعق وقالها هي فاكرة روحها في قهوة، وخصملي تلت أيام. يارا بتنبه: إيه؟ عمر خصملك انتي؟ وعادي كده؟ أومال مفاجأة إيه؟ فاطمة بضحكة مغتصبة بين دموعها: لالالا، دا المفاجأة أروع من كده بكتير. الباشا رجع لياسمين. يارا وقد ألغتها جملة فاطمة تمامًا: يا نهار أسود.
فاطمة بعتاب: قلتلك بلاش الكلمة دي بتوترني. يارا: منه لله. فاطمة: متدعيش على حد. يارا: دا عاوز الحرق. دا... لم تكمل جملتها، حيث دخل يوسف، فصمت الجميع. يوسف موجها حديثه لأسماء: في واحد اتقدم لكِ، وأنا قلت له يشرف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!