مكنتش متأكدة من القرار اللي أخدته مرة واحدة إذا كان صح ولا غلط، بس اللي متأكدة منه إني مش عايزة أرجع في قراري أياً كانت نتيجته إيه. اللي مقتنعة بيه دلوقتي إني بجد عايزة أحاول أني أسامح. "متأكدة من الخطوة دي؟ "أكتر حاجة متأكدة منها هي الخطوة دي في الوقت ده بالذات." "أشمعنى؟ "لإني محتاجة أدور على علاجي بنفسي، مش هستنى حد يعالجني."
كنت بكلم نفسي قدام المرايا وبرد عليها، مكنتش لاقية حاجة أقولها لنفسي ولا أني أطمنها إزاي. بس كل اللي فهمته إن بعد كل الحروب اللي عديت بيها دي وبعد كل المعاناة اللي قطعت قلبي من الألم كده، فأنا شخص قوي، شخص مبيعرفش يستسلم بسرعة ولا بيحب الاستسلام. كنت فاكرة نفسي شخص ضعيف أوي على كونه إنه يصارع الحياة لوحده، بس طلع قلبي قائد لجيوش عظيمة مظهرتش غير لما وقعت وقامتني تاني. طب هقولهم روحت لوحدي ليه؟ عادي، المهم إني روحت.
سألت طقم التمريض اللي بره عنه وقالوا ليا: "الزيارة عنده بمعاد." اتضايقت، يعني مش هعرف أدخله! بعد كل الكلام اللي في دماغي ده مش هعرف!
لما كنت واقفة بسأل على حالته وهما مكنوش عارفين إيه هي بالظبط لأنهم مش اللي متابعين حالته، قابلني دكتور وجه سألني ليه بسأل عليه. فطلبت منه إني محتاجة أشوفه وأتكلم معاه. عرفني بنفسه وإنه الدكتور المشرف على حالته والمتابع ليها بشكل يومي. وأنا لسه كنت عنده في الأوضة وسمع الحوار اللي دار بيني وبين الممرضة، فجه علشان يشوف لأنه كان متأكد إنه أكيد حد من أهله اللي جاي يسأل عليه. "اتفضلي."
طلبت منه أفهم حالته ماشية إزاي، وأيه الحاجات اللي ممكن توصل لكده. فعزمني على كوباية قهوة في مكتبه. "مشفتكيش معاهم قبل كده! هزيت راسي بابتسامة. "آه... يعني... يعني مكنتش قادرة أشوفه كده بس." هقوله إني مش قادرة أشوفه عشان أذاني! هقوله إنه أذى قلبي وعقلي وروحي... مكنش ينفع! رغم إني كنت محتاجة أتكلم وأعبر عن اللي جوايا.
"الحالة اللي فيها أخوكِ حالة صعبة ومتأخرة، ولكن إحنا بنحاول نشتغل عليها بحيث أنها متوصلش للأسوأ من كده." "هو ممكن يكون في أسوأ؟ "العلاج النفسي صعب ومعقد ومش كل الحالات شبه بعض، أخوكِ مدمن مخدرات ودي مش حاجة سهلة يا أستاذة جميلة." "طب هو أنا ممكن أعرف إيه ممكن تكون أسبابه؟ "يعني إيه مش فاهم... وضحي قصدك! "قصدي يعني إيه اللي يوصل الإنسان إنه يعمل كده في نفسه."
"لأ ده سؤال منفتح أوي لأنه مش بيشمل حاجة معينة، دي حاجات كتير... يعني ساعات البيئة... ساعات ميول الإنسان نفسه، أحياناً مشاكل في الطفولة والمراهقة، وأحياناً الوضع بيوصل لحاجة أبسط من كده، إنه مش حاسس بنفسه! يعني مثلاً متلم على شوية أصحاب كل ما بيشوفه بيحيوه ببرشامة ولا بس...
جاره متبرشمة فهو بياخدها تحية كده أو قبول منهم، ومرة في مرة وصل للشم والبودرة وبقى مدمن للحاجات دي، وإنه يوصل إنه يعمل حاجات مش حاسس بنفسه بيها عشان بس يمتع نفسه بالإدمان... إنه يشرب يعني أو غيره." سرحت في كلام الدكتور، كنت محتاجة أتكلم عنه أكتر، أحكي إنه عاش رفاهية في الطفولة، فبرضه ليه يوصل لكده! "بس سليم عاش طفولة كويسة أوي، سليم كان متدلع! قولتها بشكل يخليه يرجع يرد نفس رده من تاني وكأني مكنتش سامعة.
"ما أنا قولت لحضرتك إنه مش شرط طفولة! "عموماً إحنا بدأنا معاه مراحل العلاج ويعني هتاخد شوية وقت، ولكن إن شاء الله يتم الشفاء العاجل." "طب هو أنا ممكن أشوفه! "آه... طبعًا، بس حاليًا ممنوع عنه الزيارة، ممكن تيجي له النهاردة الأسبوع الجاي." "متشكرة." شكرته وخرجت، كنت حاسة بقبضة قلب، ودلوقتي هديت. مكنتش عارفة أحكي مع مين! ولا أخرج غضبي على مين، مكنتش عارفة ولا قادرة أشوف صورة أهلي أكتر من كده، بس مكنتش قادرة إني متكلمش.
فكلمت روان وحكيت لها اللي حصل ليا وحكيت لها عن كلام الدكتور. أصل من وقتها وهي مسألتنيش مالي ولا فيا إيه من وقت ما جت تاخدني من المستشفى، وكأنها عارفة كل حاجة من طريقتي وأسلوبي، بس مش عايزة تقولي، مش عايزة تجرحني ولا تضايقني بكلامها. مكنتش لاقية أي تحليل ولا مبرر لأنه يوصل للمرحلة دي. "مش كل التربية بتوصل لنفسية صح يا جميلة! "يعني إيه مش فاهمة."
"يعني آآآه سليم معاش اللي إنتِ عيشتيه، آآآه متعذبش زيك، آآآه معملش أي حاجة ولا حس بألم زيك، لكن جايز يكون أسلوب التربية نفسه مكنش مرتاح له، مكنش راضي عنه... مكنش عايزه، يعني أنا معرفش الصراحة إيه اللي يوصله لكده، بس أكيد كل حاجة ليها سبب، حتى لو مفيش سبب فـ دلوقتي إنتِ عايزاه إيه؟ هو ذنبه إيه في العُقد دي! سكت ومعرفتش أرد عليها، ولما شافتني ساكتة حاولت تغير الموضوع. "طايب ياستي بصي استعدي خلاص لأن الندوة بكرة."
"هحاول." البيت كان غام أوي، البيت كان زي ما يكون فيه ميت، كله صامت مش بيتكلم، كله سكوت... حتى بعد اعتراف أمي ليا، مفيش حاجة اتغيرت لسه زي ما هي ولسه بتحبه أكتر مني وبتفرق مني. معتقدتش تكون اعترفت ليا عشان هي اتغيرت، هي اعترفت ليا عشان الموقف اللي عملته معاها، عشان إحساسها بالذنب ناحية التربية واللي وصلنا له بسببها! جهزت نفسي لليوم. نزلت عادي زي أي يوم كالعادة، معايا روان... لقيت آدم بيبعت لي الصبح وبيصبح عليا.
شافتني روان فغمزت ليا. "ياسيدي." "هو إنتِ على طول كده؟ "كده إزاي يعني؟ "على طول رخمة كده." "آآآه على طول رخمة كده." شدت الشنطة الكبيرة اللي فيها الأكل واحنا واقفين مستنيين الأتوبيس. "صحيح عملتي حسابي في مربى؟ "روان محدش في الدنيا بياكل مربى غيرك بجد! ضحكت. "ممكن آدم يكون بيحبها." "لأ آدم بيحب السمك." غمزت تاني. "وأنتِ عرفتي إزاي بقى إنه بيحب السمك؟ "ها! لأ عادي يعني لقيته منزل بوست... "وأنتِ جبتي له سمك بقى؟
"لأ جبت له سلطة تونة." "الله وأنا؟ ضربتها. "هتخلصي كل الأكل بطلي! "إنت حبيبي وأكيد عملت حسابي في بطاطس محمرة صح؟ شدت الشنطة على كتفي. "في حياتي ياشيخة ماشوفتش حد بيغمز البطاطس في المربى! ضحكت. "مش أنا عملت كده؟ يبقى فيه! الأتوبيس وصل وركبنا. رنيت عليه قالي لي إنه وصل الكلية وفي ناس كتير حاضرين!
رغم قلقي من اليوم بس كنت عاملة حسابي إن مفيش حد كتير هيكون موجود يعني عشان محدش ليه في الحاجات دي أصلًا في السن ده، وفعلاً كل اهتماماتهم زي ما المعيد قال. بس لما وصلت ودخلت لقيت فعلاً في عدد كبير من الطلاب وناس كتير منهم بتيجي تتصور معايا وتتكلم معايا في مشاكلها. مكنتش متوقعة إن ممكن في يوم يجي حد يحكي ليا مشكلته وأسمعه لأني كنت مستحملة نفسي بالعافية أصلًا!
مكنتش متوقعة إن هيجي اليوم اللي أشتاق فيه إني أسمع كل حد عنده مشكلة وأطبطب عليه كده.
خلص الجزء الأول من الندوة. كانت لطيفة ومفيدة وكان في حاجات كتير بكتبها ناوية أعمل عليها دراسة. كان في كاميرات كتير وواضح إنه كان بث مباشر لبعض القنوات عشان يتكلموا عن تأثير الحياة النفسية في الحياة الجامعية، وإن مش لازم كل اهتمام الجامعة أو المدارس يكون على الدرجات والدراسة وبس، والأصح إنهم يهتموا بيهم بحياتهم بعد التخرج أكتر عشان يعرفوا يواكبوا الحياة بره، لأن حياة الشغل، الحياة العملية عموماً أو الزوجية مختلفة اختلاف تام عن اللي درسناه طول السنين اللي فاتت دي.
اليوم كان لطيف قوي وسلس وأخدت شهادة تكريم من الكلية نفسها بإيد المعيد اللي قدمني لكل أصحاب الندوة بشكل حلو أوي استغربته. دخلني جوه دايرة مكنتش أتوقع يوم إني هكون موجودة فيها ولا أتكلم فيها. وطبعاً خلاني أختم أنا عشان يبقى ختامها مسك.
مسكت المايك والمرة دي كان توتري أكبر من الأول بكتير، يعني وسط هالة من الجمهور الكبير اللي فاتح كاميرات موبايله وبيصور غير الكاميرات اللي قدامي وموتراني بشكل كبير، قلبي بيدق أوي مش عارفة أحدد إذا كنت مبسوطة ولا مش مبسوطة، كل اللي بفكر فيه دلوقتي إني مكنتش مستعدة إن ده يحصل، وإني عايزة أغمض عيني وأفتحها ألاقي إني خرجت بره وروحت على سريري ونمت! "أولاً...
أنا بشكر كل الحاضرين معانا النهارده، وبشكل كل الأساتذة اللي أخدوا من وقتهم ومجهودهم إنهم يجوا عندنا النهارده وينورونا ويفتحوا عقولنا عن حاجات كتير أوي إحنا مغميين عنينا عليها ومش عارفين نشوفها بشكل صح، أو جايز تكون قصادنا بس عاملين نفسنا مش شايفين." سكت شوية. "من أكتر الصور المرعبة اللي بتواجه الإنسان... هو الخوف! أعتقد إن سواء راجل أو ست... ولد أو بنت يعني آسفة...
بيخافوا، عندهم مشاعر الخوف دي أمر مريب وغير سطحي بالنسبة لهم عشان يعدوا كده كأنه أمر بسيط أو بيحصل في الحياة اليومية." "هو طبيعي يحصل في الحياة اليومية، بس أنا قصدي إزاي بنعديه؟ وإيه اللي مفروض نعمله." سكت ومكنتش عارفة أجمع الكلام، كنت ببص على روان وأنا مش عارفة أجمع كلمتين على بعض، فبصت ليا وبدأت تصقف، فكله عمل زيها كانو نوع من أنواع التشجيع ليا. هديت وبدأت أجمع أقول إيه.
"يعني حاجة بسيطة حصلت مثلاً من فترة وأعتقد حصلت لبنات كتير، وأسفة لو بخص بالذكر دلوقتي البنات يعني، بس ده موضوع قايم بشكل كبير على الخوف! الابتزاز... الابتزاز اللي بيتعرض له البنات، سواء كان صح ولا غلط. البنت حتى لو معملتش حاجة فمرة واحدة بتلاقي نفسها ضحية سهلة الافتراس بسبب الخوف! سواء بقى الخوف من الفضيحة، أو الخوف من إن كل الناس تبعد عنها لأنها متستحقش وجود حد فيهم... أو... أو... الخوف من الأهل!
حسيت إن صوتي على وبدأت أقوى في كلامي. "الخوف من الأهل مشكلة، مشكلة ولازم ليها حل في أقرب وقت ممكن. لازم كل الأهالي تفهم إنهم جايبين عيالهم للدنيا عشان يحموهم، مش عشان يرعبوهم بالتربية الغلط اللي بيزرعوها فيهم من وهما صغيرين! "طب عارفين! إن فيه دراسات كتير علمية أثبتت إن كتير من الانحراف في الوقت الحالي هما شباب في سن المراهقة؟ تفتكروا ده سببه إيه؟ لقيتهم بدأوا يتكلموا ويتناقشوا بعض، فبدأت الأصوات تعلى في القاعة.
"ممكن اللي حابب يتكلم يرفع إيده." الغريب إن رغم إني من سنهم، لكنهم كانوا شايفيني حاجة واو، وبيتناقشوا معايا بجد. وعشان مكنش عنصرية فكنت بخلي ولاد وبنات يردوا عليا. اللي استغربته ولد منهم لما عرض مشكلة ما، معرفش تبعُه ولا إيه بس كانت غريبة أوي. "أنا في حد أعرفه ولد...
وكان بيتعرض للابتزاز من ولد زيه عادي. الولد ده كان متجوز ويعني جه في فترة كده مشي مش كويس مع بنات يعني، بس ربنا تاب عليه. جه بقى ولد تاني يبتزه بصور إنه يوديها لمراته وإلا ياخد فلوس وكتيرة أوي... فعلاً الولد ده كان عايش في رعب وبيسأل نفسه أما أنا تبت... ليه الناس مش عايزة تنسى وتسامح بس."
وعلى هذا الموال ولد تاني برضه اتعرض لابتزاز من بنت في مكان شغله إنه يتجوزها وإلا هتفضحه وتقول إنه بيتحرش بيها وهو معملش كده. ومسكتش غير لما استقال من شغله ولغاية دلوقتي مش لاقي شغل وقاعد في البيت! وكثير قوي اتعرض من قصص سواء بنات ولا ولاد، الموضوع كبر ووسع مني وكنت مبسوطة بمناقشتهم، بس للأسف كان لازم أختم عشان الوقت. بعد ما ختمت وللأسف سبت الموضوع برضه مفتوح ومسمعتش باقي المشاكل. جه المعيد وشكرني.
"استعدي عشان احتمال أحتاج لك تاني." ابتسمت ومشيت. "يالهوي بجد قمر." "هو مين يا روان؟ "المعيد الحلو أبو غمازاه." "اسكتي شكله متجوز." "لأ سنجل وصغير عايش مع أمه وأخته بس، وحاسة كده إنه بيبحث عن عروسة، وإن شاء الله أكون هي." "يا بنتي عيب عليكي بقى، ثقي في قدراتي." كنا بنتكلم أنا وهي لغاية ما جه آدم وقف جنبي. ولقيتها بتستأذن وتمشي. "أنا مبسوط بيكي أوي." ابتسمت. "متشكرة." ميلت عشان أشيل باقي الشنط. "بس لقيته بينادي عليا."
"جميلة." بصيت ليه بعنيا. "إيه؟ "أنا بحبك." "إيه!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!