الفصل 24 | من 24 فصل

رواية بوديجارد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
22
كلمة
1,600
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

حاول سعيد البستاني أن يفتح فمه، أن يحذرني مثل المرة السابقة. قلت له: "توقف من فضلك، أعرف ما مررت به، ويمكنني أن أشعر كيف تألمت، لكنني لست الشخص الذي يمكنه أن ينفذ أمنيتك ويقف أمام بيرى. قد أبدو لك بالغ القوة، لكنني أفضل السلام النفسي، أن أريح عقلي وأرضي مزاجيتي بالابتعاد عن إشكاليات أنا في غنى عنها." قال: "قلت لك بيرى لن تسمح لك بالرحيل. تفضل غادر الفيلا وارتكب نفس الخطأ الذي ارتكبته."

وأدار ظهره لي وبدا أن عمره زاد عشرة سنوات دفعة واحدة. قدمت استقالتي لعبد المعين ولم أستمع لثرثرته. قصدت غرفتي وجمعت ملابسي، سأرحل ولن يعرف لي طريق. جرى عبد المعين تجاه غرفتي: "رفضت بيرى هانم استقالتك." قالت: "تقول عليك أن تقدمها بنفسك." ألقيت بحقيبتي على الأرض، إذا كان ذلك سيرضي غرورها فسوف أفعله. وقفت على باب مكتب بيرى بتردد، أكره المواجهات المباشرة، تعصبني. ثم طرقت الباب. صرخت بيرى: "ادخل."

قلت: "لقد قدمت استقالتي مرفقة بشيك الشرط الجزائي." لمست بيرى استقالتك مرفوضة، أنا التي أحدد متى يمكنك الرحيل. قلت: "أوه بيرى، اسمعي من فضلك، أن رحيلي من هنا بمثابة فوزك." وقبل أن تعترض قلت: "عدم وجودي هنا يسمح لك بإعادة السيطرة على سانتا." قالت: "السيطرة على الفيلا والأعمال؟ قلت: "أتقايضين كل ذلك نظير بعض الشخط واللوم؟ سأرحل الآن ويمكنك أن تختلقي القصة التي تحبين."

قالت: "قولي طردته، رفضته، رميته خارج الفيلا، لن يشكك أحد في قصتك." ارتسمت نظرة غائمة على وجه بيرى: "ارحل قبل أن أبدل رأيي." خرجت من الفيلا وأنا أشعر أنني نلت حريتي بعد طول غياب. استأجرت شقة متوسطة لكنها مريحة. وبعد شهر من رحيلي بدأت أعطي دروساً خصوصية. كان الأمر شاقاً في البداية لكنني اعتدت صراخ الطلبة ورعونتهم. وبدأ حالي يستقر وأنسى الماضي الذي كان يلاحقني. العار الذي كنت أشعر به في أول لحظات رحيلي عن الفيلا.

عار التخلي عن سانتا. الذي كان بيني وبين سانتا لم يكن حب بل تمرد. تمردي على قوانين الفيلا. وتمرد سانتا على سيطرة أختها بيرى. الصداقة التي جمعتنا وجدنا فيها متنفس ضد الظلم والقمع الذي عشّش داخل جدران الفيلا. لقد قطعت كل السبل التي من الممكن أن تصلني بالفيلا، مع بيرى أو سانتا أو حتى سيليا. نعم، أنهيت كل شيء وأغلقت عليه بالضبة والمفتاح.

ولكن ذلك لم يمنع أن تصلني بعض الأخبار عن طريق العمال الذين يتم طردهم من الفيلا قبل أن يكملوا شهرين أو ثلاثة. لكنها كانت أخبار متضاربة، لأنهم كانوا يصرون أن التي تقوم بطردهم سانتا. وكنت أسخر من نفسي، كيف لهم أن يعرفوا أن بيرى هي التي تقوم بطردهم وأنني الوحيد الذي استطعت أن أحل لغز الفيلا، أنا الذي وقفت في وجهها، أنا الذي صفعت سيليا، أنا أنا أنا. من حقهم أن ينصبوا لي تمثالاً.

وكان الحنين يطاردني أحياناً، فاتسكع قرب الفيلا على مرأى بيرى في شرفتها من بعيد أو حتى سانتا. لقد ظللت أسابيع أفعل ذلك حتى أنني شككت بفكرة تحرري من الفيلا. إلا أن جاء اليوم الذي لمحت العم سعيد في الشارع وأنا جالس في المقهى أدخن الشيشة. صرخت: "عم سعيد، عم سعيد؟ التفت الرجل تجاهي ولم يبدو متحمسًا لرؤيتي، فقد كنت بالنسبة له خائنًا. لكني أحضرته وأجلسته جواري وطلبت له فنجان قهوة. وتحدث الرجل،

قال بحزن: "إن سانتا تغيرت بعد رحيلي وأصبحت أكثرهم قسوة. لمحت في الأيام الأولى شارده، لكنها بعد ذلك أصرت أن تتولى الإدارة وهناك سمحت لغضبها أن يلتهم كل من يقف في طريقه." "لقد استقر لديها أن الرجال خائنين مثلما كانت تخبرها بيرى دومًا." شعرت بغصة داخل صدري رغم أن قصتي هناك انتهت ولا مجال للرجوع إليها. فلتعتبرني سانتا خائن، جبان، هارب، لكنني لست مستعد لدفن نفسي داخل أسوار فيلا تنضح بالأمراض النفسية.

همست طفلة صغيرة اسمها تالا وكنت عدت للتو من المطبخ أحمل كوب شاي: "اسمع يا أستاذ." "الميس سارة تقول عنك أنك لا تفقه شيء، لست متخصص وأن الدرجات التي نحصل عليها في مادتك ضربة حظ ولا تعني مطلقاً أنك أفضل منها." "سارة؟ الاستاذة التي تنافسني في تدريس مادتي، عندما شاع داخل العمارة التي أسكنها أن هناك مدرس جديد يدرس الطلبة، وصلتني أخبار سخرية المس سارة من قدراتي.

أقسمت أن كل طالب يأخذ درس عندي سيسقط وأنها لن تسمح لطالب غادرها أن يعود مرة أخرى للدرس عندها. قابلت كل ذلك بهدوء، لم يكن هناك فائدة من إلقاء اللوم والصراخ. حسنت من نفسي بصورة مريعة ورغم أنني غادرت الجامعة من سنين طويلة إلا أنني عدت للمذاكرة واكتشاف طرق جديدة للتدريس. ولم يمر عام واحد حتى زاد عدد الطلبة عندي بمقدار النصف. وللصدفة كان كلهم يدرسون عند المس سارة. قلت لتالا: "أنت تقولين ذلك لأنك في الحقيقة لم تنهي واجبك!؟

"رغم ذلك ولأن مزاجيتي جيدة اليوم لن أخبر والدتك." "ها، هل تفهمين؟ جلست أدخن سيجارة، موضوع سارة بقى بايخ أوي. بدأت أشعر أنها تعطي طلبتها درس في كراهيتي ولا تدرسهم المادة. وارتأيت أن أواجهها فأنا لن أسمح لها بتشويه سمعتي. كانت خارجة للتو من المدرسة عندما لوحت لها. "أنت؟ اقتربي من فضلك." وكانت المرة الأولى التي أشاهدها عن قرب، وكان وجهها لا يخلو من الجمال. "اسمح لي بخمس دقائق من وقتك."

ولاحظت ارتعاشة أطرافها واحمرار وجهها. قلت: "يصلني منك كلام أكرهه وأنا لم أتسبب لك في أي أذى." وانتظرتها ترفع يدها وتعترض أو أن ترفع صوتها وتقول: "ما حصلش" أو "إنت مالك". لكنها همست: "أنا آسفة، قلت ذلك منذ زمن مضى ولا أعرف لما وصلك الآن بالذات." "أنت مدرس جيد جداً وكان بودي أن أعتذر لك منذ زمن طويل." وللأسف عندما سمعت صوتها وتأملت ملامحها شعرت أن هذه الفتاة أسرتني.

كان داخلها شيء يجذبني نحوها، شيء غير مفهوم يشبه المغناطيس. وهَمست سارة: "اسمح لي بالرحيل بعد إذنك." ولم يمر يومين وكنت أضغط على طلبتي بأسئلة معقدة لرغبتي في ضربهم وتوبيخهم. حتى سمعت جنى تقول: "ليه القسوة دي يا أستاذ؟ "دا حتى المس سارة بتقول عنك لطيف." وجنى تقطن الشقة المجاورة لشقة عائلة سارة وكانت تدرس عندها. قلت: "متى حدث ذلك؟ قالت: "أمس، التقيته على السلم وقالت أنت تدرسين عند الأستاذ إسماعيل، إنه شخص جيد."

ربت على شعر جنى: "حسنًا، إنه يوم سعدكم، براءة، اتركو هذه الأسئلة التافهة اللعينة." بعد أسبوع كنت في شقة سارة بعد أن تقدمت لخطبتها. وكنت أشرح لها طباعي ومزاجيتي وشخصيتي المعقدة. والفتاة تحني رأسها وتهمس أنها متفهمة. لم أخفي شيئاً عنها، ولكني لم أر أي داع لذكر الماضي. تمت خطبتنا، وأستطيع أن أقول أنني وجدت في سارة راحتي، فأنه من الصعب أن تجد شخص يتقبلك كما أنت بعيوبك ومشاكلك ولا يطلب منك أن تتغير.

أن تقبلها لكينونتي كما هي جعلني أحترمها أكثر، جعلني أفني نفسي في محاولة إسعادها. وكان والدها الوغد لا يسمح لنا باللقاء خارج الشقة. من أجل ذلك كنا نسرق بعض الوقت داخل مقهى أو حديقة نتناول فيها فنجان قهوة أو كوب عصير لأن سارة لم تكن تحب الأكل خارج المنزل. ومضت الشهور مسرعة وتحدد موعد عرسنا في منتصف شهر فبراير بعد أسبوع بالضبط.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...