تحميل رواية «بوديجارد» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنا شغال عند هانم أنيقة، جميلة، وغنية جدًا. ورغم الثروة اللي تملكها، إلا إن عمرها لا يتعدى الاثنين وثلاثين سنة على حد علمي، لأن المعلومات المتاحة عن الهانم محدودة جدًا جدًا. إن كنت محظوظ إني لقيت شغل في قصر الهانم. ياريت المقدمة دي متصورلكش إني كنت صديق شخصي ليها أو حتى مقرب وكل الهراء ده. أنا مجرد حارس، لازم أديها ضهري كل ما تمر من جنبي أو تعدي قدامي أو حتى تطلع صدفه في الشرفة. وده كان من ضمن شروط الشغل اللي أنا قبلت بيها، واللي سمحت لي إني اشتغل في الفيلا، لأن الحراس بيتغيروا بسرعة بسبب الشرط...
رواية بوديجارد الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
أنا شغال عند هانم أنيقة، جميلة، وغنية جدًا. ورغم الثروة اللي تملكها، إلا إن عمرها لا يتعدى الاثنين وثلاثين سنة على حد علمي، لأن المعلومات المتاحة عن الهانم محدودة جدًا جدًا. إن كنت محظوظ إني لقيت شغل في قصر الهانم.
ياريت المقدمة دي متصورلكش إني كنت صديق شخصي ليها أو حتى مقرب وكل الهراء ده. أنا مجرد حارس، لازم أديها ضهري كل ما تمر من جنبي أو تعدي قدامي أو حتى تطلع صدفه في الشرفة. وده كان من ضمن شروط الشغل اللي أنا قبلت بيها، واللي سمحت لي إني اشتغل في الفيلا، لأن الحراس بيتغيروا بسرعة بسبب الشرط ده.
ممنوع تبص للهانم، ممنوع تتكلم معاها، وحتى لو قالت لك صباح الخير متردش عليها. لأن في الحالة دي مستر عبد المعين، اللي ملتصق بيها زي ضلها، هيديك حسابك ويقول لك متشكرين مع السلامة ويجيب حارس غيرك.
تقول لي طيب، دا الهانم هي اللي قالت صباح الخير وأنا رديت عليها، ذنبي إيه؟
مفيش الكلام ده. لو فتحت بقك تاخد نفسك من سكات وتلم شنطتك وتمشي.
طيب فهمني، يعني مردش على الهانم دا ينفع؟
لا، ما أنت مش عارف، لو الهانم اتكلمت معاك، تقريبًا بتبقى مش عايزاك. لأنك مجبر ترد عليها. يعني في كل الحالات أنت مطرود، تاخد حسابك وتتكل على الله.
وأنا كنت محتاج الشغل ده جدًا، وكنت ملتزم بالتعليمات وبنفذها بالحرف الواحد.
لا أسمع، لا أرى. كنت أخرس وأعمى ومتكسح كمان.
وكنت بختار وردية ليلية عشان لا أشوفها ولا تشوفني، وكمان بختار نقطة حراسة بعيدة لو أمكن عشان متعديش عليّ.
وفي يوم لقيت الأستاذ عبد المعين بيديني مكافأة شهرين من غير سبب.
ولما سألته ليه؟ قال: "انت الحارس الوحيد، الأول من نوعه، اللي استمر معانا 19 يوم من غير ما تترفد. القانون اللي الهانم وضعته بينص إن ليك المكافأة البسيطة دي."
اليوم ده معرفتش أنام، ولا حسيت بطعم الأكل. مكنتش فرحان بالمكافأة، ولا عايزها من أصله، لأن ده معناه إنها واخده باله مني، وده شيء مكنتش أتوقعه. أو ده اللي كنت فاكره. إنها واخده باله مني. يعني أيامي بقيت معدودة، وفي أي لحظة هكون مرمي بره القصر.
وكان فيه امتيازات تانية اتمنحت لي تبعًا لقانون الهانم. كان مسمح لي أسيب دقني محلقهاش.
وقعدت أفكر أعمل إيه؟ لحد ما فكرت إني أغير شغل الحراسة وألتحق بالمطبخ. ولقيت إنها فكرة غبية، لأن ده معناه إنها هتشوف وشي كل يوم.
طيب بستاني؟ مكنش ممكن برضه. عم سعيد البستاني الوحيد اللي مش بيتغير في الفيلا مهما حصل.
ملقتش أي حل. نسيت أقول لكم، الهانم عصبية جدًا، وبتنتابها أحيان نوبات غضب تخليها تتعصب وترفد أي شخص ييجي في وشها. وحاجة سرية، دائمًا بتلبس نظارة، يعني عمرك ما تقدر تشوف عينيها أو وشها. وسلمت أمري لله لما ملقتش فايدة.
وبقيت لئيم جدًا ومكار، تقربت من خدم الفيلا وبقينا أصحاب. أصل الكل كان عارفني، أنا الحارس الوحيد اللي عدى عشرين يوم في القصر من غير ما يترفد.
وعن طريق الآنسة أروى، اللي حصل بينا استلطاف، كانت بتلمح لي من بعيد عن جدول أعمال الهانم، وإذا كانت هتخرج الصبح أو بالليل. قدرت أختار وردية حراسة بعيد عنها، عكس جدولها تمامًا. وده سمح لي مشوفش وشها لمدة أكتر من عشر أيام كمان.
لحد ما عرفت إن الهانم بتدور وراي، وبتسأل عن السر العجيب والصدفة اللي غير ممكنة، اللي بتخلي حارس يكمل شهر داخل القصر من غير ما يترفد.
ودا كان لما راجعت كشوف الموظفين، واتفاجأت لما لقيت قدامها حارس أمن ماضي حضور 30 يوم باستمرار.
متستغربش، أيوه الهانم بذاتها بتدور وراي، مش عشان سواد عيوني، لأ مطلقًا، دا عشان تخلص مني.
وعرفت إنها جابت عبد المعين ووقفته داخل مكتبها، وطرحت عليه أسئلة كتير عن الموظفين، وإزاي موظف يشتغل داخل القصر 30 يوم من غير ما تشوف وشه حتى صدفه.
عبد المعين اللي أكد للهانم إنه ملتزم بتعليمات والقوانين اللي هي بنفسها وضعتها داخل كتاب تشغيل الموظفين، وإنه ما يعرفش أي حاجة عن الموظف ده ولا تربطه به أي علاقة.
وإن الموضوع مجرد صدفه. وأن حضرتك، يقصد الهانم يعني، أكيد الموظف ده هيقع تحت إيدك وينطرد شر طرده غير مأسوف عليه.
أنا عرفت الكلام ده من الآنسة أروى، اللي بالصدفة كانت قريبة من المكتب وسمعت صراخ الهانم وغضبها وتحذيرها لعبد المعين إن الموظف ده لو كان بيتلقى مساعدة مش هيحصل خير.
لكن الهانم في النهاية ملتزمة بكتاب التعليمات اللي وضعت قوانينه بنفسها، واللي بيحكمها ويحكمني ويحكم كل الموظفين.
رواية بوديجارد الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
كانت سانتا هانم في غرفتها تفكر، الحارس هذا كيف يقدر يتحاشى لقائها؟
سانتا
الأمر شغلني جداً لحد ما شكيت إن سكرتيري عبد المعين له يد في الموضوع ده، لكن عبد المعين أقسم لي إنه ما يعرفش حاجة، وإنه ما شافش وش الحارس ده من يوم ما اداله المكافأة.
ما كانش ممكن أطرده من غير سبب، دي مش طبيعتي ولا ده اللي أنا عايزاه، لكن ابتعاده عن طريقي بالشكل ده ما كانش طبيعي. شهر كامل ما لمحتش وشه؟
ما فيش أي شخص في العالم ممكن يلوي دراعي. أنا دايماً اللي بختار وبقرر، أنا اللي بحدد مين يقعد ومين يمشي، لكن أنا مضطرة أمشي على القواعد اللي أنا وضعتها بنفسي، واللي للأسف كل ما الحارس ده هيستمر أكتر في الشغل امتيازاته هتكبر لحد ما نوصل.
وشعرت بالغضب. لا، مش ممكن ده يحصل، ولا اسمح له يوصل للمرحلة دي. إن شخص تافه زيه مقدرش أرفده.
القواعد؟
واللي الحارس بيستخدمها بذكاء باهر. مش ممكن أرفده تعسفي، مش هحترم نفسي. لقيت فجأة شعور جوايا بينادي باللحظة اللي أقل له فيها: "انت مطرود بره لأنك كسرت القواعد".
لكن الحارس كأنه فص ملح وداب. موجود ومش موجود. أنا اتأكدت من دفتر الحضور والانصراف بنفسي، والموضوع بقى بايخ أوي، إني أحط نفسي في عناد مع شخص شغال عندي، مجرد حارس؟!
والخدم بدأوا ياخدوا بالهم.
الخدم اللي أنا بغيرهم زي شرابات قدامي. وفكرت إني آمر عبد المعين إنه يدي الحارس ورديات حراسة معينة بأمر مني، لكنها كانت فكرة خسيسة وكسر للقواعد، ودا مش ممكن يحصل.
ياه يا سانتا، هي وصلت للدرجة دي؟ انتي بتفكري في حتتة حارس؟ دا لسه في المنطقة الصفراء، فيه أخضر وأحمر وانتي حيلك مش بتخلص.
كنت مبسوط جداً، خطتي ماشية بنجاح كبير. شهر كامل ما شفتش وشها.
شهر كامل ما شعرتش بالتعاسة أو الخوف منها. القلق اللي كان راكبني راح بعيد عني، وبقيت سعيد وفرحان وواخد حذري كويس. وتمنيت إن الهانم تكبر دماغها وتسيبني آكل عيش، لكن كان واضح إنه حلم مستحيل.
هذه القصيرة الماكرة دماغها صغيرة جداً لدرجة مروعة، إنها تعمل عقلها بعقل موظف بسيط؟
وبدأت أقنع نفسي إني مكبر الموضوع وإن سانتا هانم خلاص نسيتني، لكن عبد المعين في لقاء عابر بيني وبينه كان ممتعض جداً، كأنه مضايق إني لسه ما اتطردتش لحد دلوقتي. حسيت بكده من كلامه، وإن ده مسبب له مشاكل كمان، لكن إيده مقيدة، ما يقدرش يعمل لي أي حاجة.
كلام عبد المعين خلاني أعيد تفكيري. لازم أجهز نفسي للقادم، أصله مش معقول هفضل عمري كله شغال في القصر من غير ما الهانم ما تشوفني.
كان عندي أكتر من فكرة. إني أستغل وقتي في تطوير ذاتي لحد ما أبقى صالح لسوق العمل بره في حال طردتني الهانم. لازم أتعلم لغة، اتنين، تلاتة.
وخدتني الأحلام لبعيد لحد إني اشتريت كتب تنمية بشرية وروايات تطوير الذات، وأخضعت نفسي لسيستم قاسي جداً من الدراسة العميقة في الفلسفة والمنطق والعلوم والتاريخ والأدب بشتى أنواعه.
وكان كل يوم بيعدي وأنا شغال في القصر من غير ما أطرد، جائزة ليا.
وقت إضافي.
وبدأت أدرس علم النفس عشان أعرف أتعامل مع شخصية مبهمة زي شخصية الهانم.
وقبل ما تسألني أو تسأل نفسك، يعني أنا شغال في الجنة، إيه المشكلة إني أترفد أو أطرد؟ أكيد هلاقي شغل تاني.
عايز أقولك سر، سر واحد صغير. كل شهر بقضيه في القصر، مرتبى بيزيد بصورة تضاعفية رهيبة. تصور من خمسة آلاف جنيه أنا داخل على 18 ألف جنيه، غير الحوافز الإضافية والمكافآت اللي بتزيد كل يوم تقريباً.
والله كل ما أروح أقبض المرتب ألاقي عليه زيادة.
وبعد ما أخضعت الموضوع للدراسة وقسمت المرتب على 30 يوم، لقيت زيادة مغرية مهولة.
أنا متأكد إن الموضوع بقى بالنسبة ليك ممل وإن قصتي ما فيهاش جديد.
عندك حق، لكن انت مضطر تمشي معايا ببطء السلحفاة.
بص يا سيدي، أنا بقالي منيو طعام خاص بيا، ما كنتش باكل من النوعية اللي بياكلها باقي الحراس أو الخدم.
وأصبح لي طاولة خاصة بيا، وغرفة عايش فيها بمفردي. عدد ساعات شغلي تقلصت لحد ما وصلت 8 ساعات، وسمح لي بأيام ما أخد عطلة مدفوعة الأجر.
وتركت لحيتي بعد ما زهقت من الحلاقة كل يوم، وبدأ حديث يدور بين الموظفين لما يشوفوني.
كانوا يبصوا لي بفخر. دا الحارس اللي قدر يقف في وش الهانم وصمد لحد دلوقتي من غير ما يطرد.
الموظفين اللي كانوا حانقين على سانتا وقوانينها المجحفة لقوا فيه أيقونة وأمل، وبقيت مثل أعلى ليهم. من غير ما أشعر تحولت لفارس، أمل ماشي على الأقدام داخل ربوع القصر. الموظف اللي كان عارف إنه هيترفد بعد أسبوع شاف بعينه إن ما فيش مستحيل، وإن فيه شخص لسه باقي من أكتر من شهر.
سمح لي بدخول مكتبة سانتا الخاصة يوم في الشهر، والتسكع في الحديقة براحتي.
لكن أنا ما كنتش بستمتع بالامتيازات دي، أنا كل اللي كان مهم بالنسبة لي مشوفش وش سانتا نهائياً أبداً.
عدى نص شهر كمان، وكان لازم أختلق حركة تشعر سانتا إني مش حويط، وإن كل حاجة ماشية معايا بالصدفة. كان لازم أبعد عن عقلها إن ليه جواسيس داخل الفيلا.
من أجل ذلك، في يوم جمعة، وده كان يوم الإجازة بتاعتي، طلعت من مخبئي، جحري، وظهرت للعلن، وسمحت لسانتا إنها تشوفني أكتر من مرة.
وقربت منها جداً، ما كانش بيفصلني عنها سوى متر واحد. كنت مذاكر الميثاق كويس جداً وعارف إنها ما تقدرش تتعرض لي أو تطردني يوم إجازتي. ولو اتكلمت معايا هتكلم معاها عادي، ما فيش أدنى مشكلة.
لكن سانتا ما عبرتنيش، مع إني خدت بالي من نظرة رميتها بها من طرف عينها، نظرة كلها حقد وغل وغيظ.
وكانت كل ما تلف وشها تلاقيني واقف قريب منها، بضحك، شارد.
بسماجة وتقال. دمّي لو كان شخص غبي هيفهم إني كنت بظهر نفسي إني كنت موجود.
وأول ما ساعات عملي بدأت، اختفيت زي فار المجاري. وبدأت أحب اللعبة.
طبعاً عندك فضول تعرف مرتب كام اللي يستدعي مني أعمل كل ده وأتحمل الغم ده كله.
لازم أقولك إن الميثاق العاشر يمنع منع بات إني أذكر مرتب لو المح به، وإني أي ذكر لقيمة المرتب معناه إني طردت نفسي من القصر.
وأنا عارف إنكم متتصبوش في بقكم فولة، عشان كده يكفي إنك تعرف إن مرتبى كان مجزي جداً جداً كأني شغال في الخارج.
وفي اليوم اللي تميت فيه شهرين عمل، سانتا هانم أعلنت عن اجتماع لكل الموظفين.
رواية بوديجارد الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
كان لازم أحضر الاجتماع ولقيت نفسي في ورطة، أنا كنت وصلت لمرحلة إن أي حاجة بتعملها سانتا هانم بتكون قصداني بيها.
راح الموظفين يجتمعون داخل حديقة القصر، وجوه مصفرة تفوح منها رائحة الخوف والترقب.
كنت أول شخص وصلت أرض الاجتماع، قعدت مع عمي سعيد البستاني ناخد وندي في أي كلام فارغ لأن علاقتي بيه مكنتش قوية، لكن الراجل استلطفني وقعد يحكي لي عن ذكرياته في القصر أيام زمان وحسسني إنه كان عايش من أيام الملك فاروق.
الصراحة مكنتش على بعضي ومش مركز مع عمي سعيد، لكن في لحظات شعرت إن عم سعيد فاقد الذاكرة أو عنده زهايمر لأنه كان بيغلط في اسم سانتا وهو بيحكي عن بعض المواقف ويقول "بيري" أو "سيليا". ورغم إن كلهم بالنسبة لي فتيات قصيرات متغطرسات حقيرات ولعينات، إلى إني عديت كل الهزي ده ولم أقاطع كلامه، فقد كان في نبرة عمي سعيد سجى يذكرني بجدّي المرحوم أحمد الذي كان يتوقع لي مستقبل باهر ولا أعرف من أين أتت تلك الفكرة الحمقاء.
تجمعت الناس كلها واضطريت أستأذن من عم سعيد عشان أقف في انتظار الهانم اللي كانت متعودة تتأخر عشر دقايق أو ربع ساعة على بال ما الموظفين الجداد يستووا على نار هادية.
اخترت أقف جنب عم سعيد في آخر صف. الراجل سنه كبير وكان محتاج حد يستند عليه أحيانًا.
وصلت سانتا هانم في كامل أناقتها وبهائها، ولاحظت إنها غيرت قصة شعرها، واعتمدت قصة شعر "بيكي" القصيرة المتمردة التي تعطي الإناث شعور بالقوة والتحرر. وحذاء ماركة شانيل لونه لبني. أعجبني. وساعة سواتش سوداء سويسرية الصنع، وسوار رفيع عليه نقش ورد في ساعدها الأيمن. وبالطبع لم تتخلى عن نظارتها اللي بتخفي بيها عيونها واللي أعتقد إنها عسلية.
يفوح منها عطر "سكاندل جولد".
وقفت سانتا هانم مستندة على ساق مع ارتعاشة طفيفة في كتفها الأيسر.
وقفت الهانم ذهاء دقيقة تنظر على الموظفين بشموخ ملكة نحل اعتادت أن تقتل ذكور الخلية.
رحبت بالموظفين الجدد، وهنأت الموظفين القدامى، الملتزمين بالتعليمات لحد الآن!
وقالت: "إن كل موظف مجتهد أكيد هياخد حقه وسيحظى بدعمها المطلق حتى النهاية. وإنها تتمنى من كل قلبها بصدق التوفيق لكل الموظفين وأن عمرها ما تمنت إنها تقطع عيش حد، لكن القواعد هي اللي بتفرض نفسها."
كنت مركز في كل كلمة بتقولها سانتا، وكانت العيون كلها مصوبة ناحيتي زي ما يكونوا منتظرين حدث هام. أو بالأحرى مصيبة هتحصل.
وركزت في معالم وش سانتا، وفي لحظات قدرت أحدد نواياها من حركات جسمها. سانتا ناوية تطردني قدام كل الموظفين عشان كده مكنتش بتبص ناحيتي. ولا مرة بصت ناحيتي.
تراجعت خطوتين لورا، تلاتة، بقيت آخر شخص في الاجتماع. وقبل ما سانتا هانم تخلص كلامها، تسللت ومشيت.
لاحظ عم سعيد رحيلي ورمقني بنظرة مطولة قبل أن يبتسم.
بصت سانتا لمكاني، أنا اختفيت من غير ما تلاحظ، مجرد لحظات كنت بعيد عن نظرها.
سانتا مقدرتش تمسك نفسها، أنهت الاجتماع بعصبية وطلبت دفتر حضور الاجتماع ومغادرته.
كل الناس كانت ماضية حضور وانصراف ما عدا أنا، حضور فقط.
طلبت سانتا هانم من عبد المعين وهي بتصرخ إنه يجبني على مكتبها من تحت الأرض.
اتصل بيا عبد المعين وهو بينهت: "انت فين يا أستاذ؟"
قلت له: "في غرفتي."
قال: "تعالى بسرعة الهانم عايزاك."
غيرت هدومي وطلعت على مكتب سانتا هانم، قابلني الأستاذ عبد المعين على السلم وعلى وشه ابتسامة سمجة بتقول: "أخيراً هخلص منك."
وخدني ودخلنا غرفة المكتب في الطابق التاني، وكانت أول مرة أشوف فيها عيون سانتا هانم. عيون عسلية واسعة نقية كما توقعت بعد ما تخلت عن نظارتها الشمسية.
حاولت تكون هادية لأنها مش مضطرة تتعصب أصلاً، كلمة واحدة منها تنهي كل حاجة.
فتحت الدفتر قدامها من غير ما تبص ناحيتي: "انت حضرت الاجتماع ومشيت قبل ما أنهي كلمتي، توقيع الانصراف مش موجود."
رفعت سانتا هانم وشها اللي بيضحك وهي مبتسمة وقالت: "انت مرفود، قذفت الكلمة من بين شفتيها كأنها ترمي حجر على سطح بحيرة ساكنة. عبد المعين أديه حسابه من فضلك وخليه يمشي."
رفعت يدي كعادتي عندما أكون متوتر: "ممكن أعرف حضرتك رفدتينى ليه؟"
بصت سانتا في وشي بتركيز: "هو أنا بتكلم أجنبي؟ انت موقعتش انصراف!"
قلت: "يا هانم أنا فعلاً موقعتش انصراف، لكن ميثاق العمل اللي حضرتك كتبتيته بنفسك بيقول إن الموظف اللي مر على شغله شهر وأربع أيام من حقه ينصرف من غير توقيع إذا كان اجتماع دوري غير خاص بالعمل. وبما إن حضرتك لم تحددي في عريضة الاجتماع إن كان خاص بالعمل أم مجرد اجتماع دوري للتعارف من موظفي القصر، فمن حقي إن أترك الاجتماع دون طلب إذن."
سانتا ارتبكت. هي فعلاً كتبت كده لأنها مكنتش متوقعة إن فيه موظف ممكن يستمر شهر في القصر.
وشها احمر وبصت على عبد المعين اللي كان بيفرك في إيديه مش عارف يعمل إيه.
ضيقت سانتا عينيها، وقتلت ابتسامة رأيت ولادتها على شفتيها اللذيذة: "الميثاق بيقول كده فعلاً، شكلك مذاكر كويس؟"
وبصت ناحيتي تنتظر ردي، ولما منطقتش قالت: "لكن الميثاق نفسه بيقول إن من حقي إني أنقلك لأي وظيفة أختارها في القصر؟ بيقول كمان إنك مضطر تقبل خدمتي في أي شغل أختاره ليك؟"
قلت: "وأنا معنديش أي اعتراض يا فندم، أنا طوع إيدك، أنا موظف عندك وبكن لك كل احترام. لكن... حضرتك بتعاقبني على التزامي الصارم بالتعليمات اللي حضرتك كتبتيها بيدك المباركة؟"
نهضت سانتا وحطت إيديها على وسطها وهزت دماغها: "أنت بقى هتبقى خادمي الشخصي، ملتصق بيا زي ضلي، ومش من حقك تعترض على أي أمر آمرك بيها. أي أمر فاهم؟"
قلت: "فاهم يا فندم، إحنا كلنا خدامين سيادتك."
همست سانتا: "ودلوقتي اتفضل، انصراف لحد ما أطلبك."
طلعت من عندها وأنا بتنفس بصعوبة وسمعت زعيقها وصراخها في عبد المعين.
وقلت: "ده هيكون وضعي من دلوقتي ورايح. أسمع صراخ وتهزيق وعصبية ويمكن حاجات تانية."
رواية بوديجارد الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
خرجت من عند سانتا هانم وأنا مش قادر أتخيل هتعمل فيا إيه. لو أنا كنت بعيد عنها وكنت خايف منها، دلوقتي هبقى في وشها كل دقيقة. أكبر مخاوفك تتحقق أسرع مما تتخيل بطريقة مخالفة لتوقعاتك الحالمة. وركبني الغم، الموضوع كان اتحول لمرض بالنسبة لي. تحدي إنها متنتصرش عليه، مبقاش موضوع شغل وفلوس كتير، لأ أكبر من كده، تحدي بيني وبين الهانم.
قعدت أهدّي في نفسي وأحط سيناريوهات ممكن تحصل وإزاي هتصرف. لازم أكون مطيع وهادي وحاطط أعصابي في الثلاجة.
وأنا طالع من الرواق لمحت عم سعيد كان بيقص الشجر في الجنينة. أول ما لمحني شاور لي.
روحتله. قالي: "أنا عازمك على كوباية شاي". خدني ودخلنا أوضته. قعد على السرير وقعد يديني الأوامر: "الكنكة هناك، السكر والشاي فوق، السخان مش عارف فين".
قولت له: "يا عم سعيد أنت عازمني على كوباية شاي ولا جايبني تبهدلني؟"
الراجل قعد يضحك وقال: "مش بقلك أنت عاجبني. سانتا كانت عايزة إيه؟"
رفعت حاجبي نصف مصدوم. العم سعيد طلع يعرف أكتر مما تصورت.
قولت له: "يا عم سعيد دي عايزة تفكير، بتورطني في حاجة جديدة عشان تطردني".
عم سعيد مص شفايفه، وقال: "سانتا دي ما كنتش كده، كانت حنينة وطيبة، لكن الزمن بيغير كل حاجة. لكن بيرى دي حتة سكرة تتحط على الجرح يطيب، وسيليا القراءة لحست عقلها، وحبت العزلة والأنطوائية. سانتا فاكرة إن أسلوبها الفظ ده مش هيخلي الناس تطمع فيها. بيرى؟ وسيليا تاني؟"
نام يا عم سعيد، نام.
سبته وخرجت. مكنش ناقص لخبطة أكتر من ما أنا متلخبط. حلقت دقني، ولبست بدلة جديدة وقعدت أنتظر الهانم تطلبني. كنت عارف إنها مش هتتأخر وإن انتقامها هيكون سريع.
أصل إلى ذي سانتا هانم وصل بيها الملل إنها تحط قانون لمرازية الموظفين.
لقيت أروى بتخبط على غرفتي وبتقولي: "كلم الهانم". وده كان غريب، عبد المعين هو اللي بيتولى الحاجات دي. لكن مجرد رؤية أروى حركت مشاعري، إنها المرأة الوحيدة اللي أشعر اللهفة لرؤيتها.
مشيت مع أروى. إلى قعدت تهمس لي: "الهانم متوعدة لك، هتعمل إيه؟"
قلت لها: "مش عارف".
"خليك هادي، اصبر شوية على غضبها وهي تتغير". أروى كانت بتمنحني الأمل لما لاحظت يأسي.
"حاضر".
وظهرت سانتا هانم على السلم. أروى اختفت، وصرخت: "تعالى هنا".
طلعت السلم. اديتني ضهرها، ولا أقولك، "هاتلي قهوة على المكتب".
نزلت تاني على المطبخ، خدت فنجان القهوة اللي عملته أروى وطلعت على المكتب. خبطت ودخلت. سانتا كانت قاعدة على المكتب وشها ناحيتي. قربت منها.
"خدت فنجان القهوة".
"إيه الزفت ده؟" زعقت وهي بتدلق القهوة على هدومي. "اعملي فنجان قهوة تاني!"
نزلت المطبخ هدومي متوسخة. أروى قعدت تضحك. "إيه القهوة معجبتش الهانم؟"
قلتلها: "لأ".
"اعملي فنجان قهوة تاني".
خدت فنجان القهوة وطلعت على المكتب. "اتفضلي يا هانم". قلت لها بلهجة رسمية حادة.
أديتها القهوة وبعدت بسرعة. وصلت الباب قبل ما تدوقها.
"قرب؟"
قلتلها: "لأ".
قالت: "بتقول إيه؟" بصراخ.
قلتلها: "بقول لحضرتك لأ، خايف مظهري وريحتي يقرفو حضرتك وميخلوكيش تستمتعي بالقهوة. لو عايزة تدلقي القهوة أنا ممكن آخدها ودلقها بعيد عن المكتب".
"شغلي هنا إني أحرص إن مزاج حضرتك يكون معتدل".
"وانت؟" وشاورت بصباعها الصغير. "هتعرف؟"
قلتلها: "أحاول يا هانم، أحاول".
"حضرتك عايزة تدلقي القهوة في وشي تاني؟"
"لو كان ده هيحسن مزاجك أنا مستعد".
"متتكلمش غير لما أطلب منك، فاهم؟ متنساش نفسك".
"حاضر يا فندم، حاضر".
"مين اللي عمل القهوة؟"
"أروى يا فندم".
"أنا، وأنا أمرتك أروى تعملي القهوة؟"
"لأ يا فندم، أنا أخدت القرار ده على مسؤوليتي الشخصية ونلت عقابي. أكيد حضرتك شايفة هدومي. مكنتش متخيل إن أروى قهوتها وحشة بالطريقة دي، وحشة جداً وبشعة بصورة لا تطاق. أنا بستأذنك أوبخ أروى".
"توبخيها بصفتك إيه يا زفت أنت؟"
"بصفتي حارسك الشخصي الحريص على مزاجيتك المتغيرة".
رواية بوديجارد الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
لاحظت ابتسامة على وجه سانتا، وكانت أول مرة أراها مبتسمة. وكنت حتى هذه اللحظة لم أصادف ذلك الجمال النقي وتلك الابتسامة الوارفة المشرقة التي تشبه صياح ديك في فجر ممطر.
وضعت سانتا قدمًا على قدم. ورغم أنني أكره الفتيات المتغطرسات، إلا أنني ما رأيت سوى جمال خالص. وقلت في نفسي: "يحق لها أن تغتر".
حاولت بكل خبرتي توقع حركتها التالية، وجعلتني بكل تركيز أستبر دواخلها الغامضة.
لكن سانتا صدمتني. لم تعقب على كلامي، ولا حتى زعقت. طلبت مني الانصراف. قالت: "تقدر تتفضل لحد ما أطلبك".
تذوقت ذلك الأدب الذي هب على سانتا فجأة. تلك الوقحة التي لا يكف لسانها القذر عن صب اللعنات. كنت أعرف أنها حالة مؤقتة، لكنه على الأقل يوجد داخلها إنسانة.
خرجت وأغلقت باب المكتب خلفي. وسمعت ضحكة كبيرة. لا، ما كانت ضحكة واحدة. كان ضحك أكثر من شخص داخل المكتب.
جسمي كان مش على بعضه، وكان لازم أنصرف. أول مرة أتعامل مع سانتا هانم من القرب ده. وقلبي كان مخضوضًا مرتجفًا. لكن تعلمت حاجة جديدة. عرفت أن سانتا جواها إنسانة ومش وحش زي ما كنت متخيل.
وأن الحجة والتصرف الأنيق ممكن ينقذني منها. وقعدت أصبر نفسي. "شوية هدوء وبرود وحسن سلوك هتنجيك يا واد من جحيم الهانم."
وعشان الوضع ما يختلطش عليك، الموضوع كان بعيد عن الحب والعواطف والمشاعر وكل الحاجات اللي بتدور في عقلك. أنا إنسان لا يعترف بالحب ويجد متعته في أشياء أخرى. أنا أعرف حدودي جيدًا، وأعرف أن حكاية علي والأميرة إنجي لا تتكرر سوى في الروايات.
المهم، وأنا نازل قابلني عبد المعين. تفحصني بنظرة طويلة وكان مندهشًا أني لسه في القصر. كان متوقع سانتا تطردني. ومقدرش يخفي اندهاشه.
"انت لسه هنا؟"
قلت: "كنت متوقع أكون موجود فين يعني!؟"
سبته ودخلت المطبخ، طلبت فنجان قهوة. شربته مع سيجارة، مع أن التدخين ممنوع. لكن بالنسبة لي مزاجيتي لا تعتدل إلا بخرق القواعد والقوانين. وبوجود أروى في صفي، يمكن للحماقات الصغيرة أن تمر دون ملاحظة من أي شخص.
أروى تستلطفني. لا تحبني بالطبع، فلا فتاة قادرة على تقبلي. ربما وجدت في شخص يمكنها أن تتحدث إليه بعد عصور قضتها في الوحدة داخل جدران القصر.
وفضلت قاعد قدام الموظفين، شارد بفكر. ممكن يحصل إيه تاني. متناسي نظرات الخدم المتوجسة المتفحصة.
وارتأيت أني أفضل قريب من مكتب سانتا، لأنني مقتنع جدًا أن مزاجية المرأة متغيرة ولا يمكن فهمها. وأنها ممكن في أي لحظة تطلبني تتمسخر علي شوية.
عبد المعين دخل مكتب سانتا. قعد شوية وخرج. وشه كان أصفر، وعرفت أن سانتا ظبطته. وقعدت أفكر إيه السبب اللي يخلي سانتا تتعصب على عبد المعين.
وأخيرًا لما تعبت، قلت: "وأنا مالي".
وافتكرت ضحكة سانتا. قصدي الضحك اللي سمعته في مكتب سانتا. مين كان موجود معاها؟
ويا ترى فيه باب داخلي للمكتب ممكن حد يدخل منه؟ ومكنش قدامي غير أروى. اللي لما سألتها وشها ضرب ألوان وبعدت عني من غير ما ترد. وكانت أول مرة أروى تتجنبني فيها أو ترفض مساعدتي.
تثبت لي الأيام دائمًا أنه لا يمكنك إطلاقًا الاعتماد على أنثى عندما تتورط في حماقة أو خناقة.
وخدت بعضي وقعدت أتمشى شوية. لقيت المكتبة في وشي. وفكرت أدخل المكتبة أضيع وقتي. نزلت سلم حلزوني خدني لقبو فسيح موجود فيه مكتبة سانتا العملاقة.
كنت ماشي بهدوء جدًا، متسلل زي اللص. وهناك في آخر المكتبة لمحت شخص قاعد على طاولة بيقرأ كتاب.
وقفت في مكاني وحطيت إيدي على قلبي. "سانتا؟ لو شفتني هنا مش هترحمني."
وكانت سانتا فعلاً. اتسحبت ورجعت بخطواتي لورا بشويش لحد ما وصلت السلم. طلعته وأنا بلهث من الرعب. لقيت أروى في وشي.
"انت فين؟"
"كلم الهانم بسرعة في المكتب يا خفيف."
قلت باندهاش: "سانتا هانم؟"
قالت: "أيوه، أمال هيكون مين يعني؟"
قلت في نفسي: "أومال مين اللي كان في المكتبة ده؟ مستحيل سانتا تكون طالعة بنسختين. وأشك إن لديها اللياقة والسرعة والسحر إن تتواجد في مكانين في نفس الوقت."
رواية بوديجارد الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
طرقت باب مكتب سانتا هانم تلت طرقات، ولما ملقيتش رد انتظرت لحظة وعاودت الطرق.
"ادخل!" جاء صوتها الناعم.
دخلت برجلي اليمين وإيدي ورا ضهري وتأملتها. سانتا أنا فاكر هدوم سانتا هانم كويس، ومتذكر إنها مغيرتهاش. مين اللي كانت في المكتبة؟
لاحظت سانتا إني شارد ووشي أصفر وباصص عليها وأنا مبلم.
قالت: "متخافش، أنا مش هطردك النهاردة."
"أوامرك يا هانم؟"
سانتا: "تبسمت في داخلي، يعجبني في هذا الوغد سرعة استجابته وتأقلمه. أنت اسمك إيه؟"
"إسماعيل يا فندم!!"
"ياه، أنت قديم أوي، لسه فيه حد بيسمي الأسماء دي!"
"تورطت يا هانم وأنا في معدة والدتي ومكنش ممكن أغير قدري. وحضرتك عارفة إن مفيش حد بيختار اسمه، لكن لو مش عاجبك أغيره."
"أنت بتسخر مني صح؟"
"العفو سانتا هانم، أنا عارف المزاح معاكي مكلف جدا، باهظ الثمن على حارس أمن."
سانتا: "كويس إنك عارف كده. عارف يا هانم، حضرتك أمرتي بحضوري، كيف أستطيع خدمتك؟"
"سانتا، بتتكلم بالطريقة دي ليه؟" ولاحظت انزعاجها، وكان عليّ أن أتصرف قبل أن ينالني غضبها.
"آسف يا هانم أصلي كنت في المكتبة ولسه راجع من هناك فورًا، النص اللي قرأته مأثر فيا، بكرر اعتذاري."
استنيتها ترتبك، تتلخبط، عينها الشمال ترف، خدودها تحمر، تضم صباع إيدها اليمين، أي إشارة أقرأها، لكن محصلش حاجة.
سانتا كان عندها ثبات انفعالي بيقول إنها صادقة ومش بتكدب أو بتحاول تخبي حاجة.
وقلبي دق من الرعب، أنا شفتها في المكتبة، عنيا مش ممكن تكدبني.
"بكرة الساعة ٦ الصبح تكون لابس ومنتظرني قدام باب الفيلا. أي دقيقة تأخير أنت عارف عقابك هيكون إيه؟"
"عارف يا هانم، هكون جاهز من النجمة." قلتها وأنا شارد.
خرجت من مكتب سانتا تايه وروحت على غرفتي.
الساعة ٦ الصبح كنت لازق في العربية منتظر سانتا هانم، اللي خرجت الساعة ٨ من الفيلا. ساعتين كاملين وأنا واقف على رجليه على بال الهانم ما تظهر.
ركبت جنب السواق وروحنا الشركة، وعايز أقول إن سانتا متكلمتش معايا ولا كلمة.
طلعت الشركة وأنا قعدت مع السواق لحد ما خلصت شغل ورجعنا على الفيلا.
بالنسبة ليا ده كان أمر رائع، أنا بكره الحديث الممل وبكره لما أضطر للنفاق. وبكره سانتا أصلًا. وبكره الستات. وبكره الصيف. وبكره الغباء.
خرجت سانتا هانم من العربية على مكتبها فورًا، بإشارة من إيدها صرفتني.
أنا حريّ. أقدر أدخن سيجارة مع أغنية وأفكر في استراتيجية جديدة لوضعي.
وكان لازم أنزل المكتبة، عشان أعرف السر اللي نفسي أكشفه. وكنت حذر جدًا، خطوة خطوة نزلت المكتبة، اللي للأسف كانت فاضية، ودي كانت حاجة متوقعة.
الصدفة بتحصل مرة واحدة وعشان تتكرر محتاجة شغل وتخطيط، وحظ. وأنا حظي زي دكر البط.
فتحت كتاب وقعدت على ترابيزة أتصفحه بهدوء وشرود. نص ساعة غارق في أفكاري لحد ما سمعت صوت انفتاح باب. ثم خطوات عشوائية ثم خطوات سريعة وصوت انغلاق باب مرة تانية.
قمت من مكاني، لو كان فيه عفريت في المكتبة لازم يعرف إني مش خايف منهم.
مشيت لأخر المكتبة، كان فيه باب صغير داخلي متصل بيها. الصوت كان جاي من هنا أنا متأكد، فيه شخص خرج ودخل تاني.
لمحني من غير ما ألحق أشوفه.
حطيت إيدي على الباب عشان أفتحه وسمعت صوت أروى:
"إسماعيييييييييل!"
زي صافرة الإسعاف. قلبي وقع، فيه مصيبة حصلت.
جريت على باب المكتبة، "الهانم عايزاك بسرعة."
كملت جرى على مكتب سانتا، من أول خبطة قالت: "ادخل."
دخلت، استرها يارب، وشها كان مليان غضب.
"أنت قريت الميثاق كويس صح؟"
"صح يا هانم."
"وعارف إن من حقك تدخل المكتبة مرة واحدة في الأسبوع؟"
"صح يا هانم."
"لكن أنت دخلت المكتبة مرتين، وده معناه إنك أخلّيت بالميثاق."
"صح يا فندم."
سكتت سانتا، "أنت محاولتش تكدب ليه يا إسماعيل؟"
"لأني عارف الكدب مش هينجح معاكي وإنك أكبر من إني أكدب عليكي."
"ماشي. مخصوص منك نص شهر، وده مع الرأفة المفروض تكون مطرود. بس ده عشان حاجة واحدة بس!"
"إيه يا هانم؟"
"لو بقك جاب سيرة الميثاق مرة تانية هطردك بره القصر."
"حاضر يا هانم."
"المكتبة رجلك مش هتعتبها تاني غير لما تديني أنا علم شخصي."
"حاضر يا هانم."
"اتفضل انصراف."
خرجت من عند سانتا وأنا بلعن غبائي، أنا مالي ومال المكتبة؟ ما كنت في حالي.
على آخر درجة في السلم سمعت سانتا بتقول: "أنا عملت كده عشانك، المفروض يكون مطرود دلوقتي."
وسمعت صوت بيرد عليها: "ده عشان كل موظفينك مستنقعين وده أول واحد يفكر يقرأ كتاب."
رواية بوديجارد الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
أحيانًا كثيرًا ألعن تهوري الذي يدخلني في مصائب كنت في غنى عنها.
مش طيبة قلبي، لا فضولي الكلبي الذي يدفعني لارتكاب الحماقات.
مشيت على غرفتي أحمل جميل سانتا الذي طالما رغبت فيه رغم أني أكرهه.
وأنا أتذكر كلام سانتا: "لو بقك انفتح ثاني بأي كلمة عن الميثاق، هطردك".
إهانة ضخمة، محيطية، حقيرة لشخصيتي المزاجية من فتاة مدللة لا تعرف كيف تصنع الحساء.
ما عندي أدنى مشكلة إني أخدم امرأة عشان الفلوس، الشغل مش عيب.
لكن بعض الإهانات لا أغفرها أبدًا، فأنا أمتلك قلب أسود مثل الفحم.
ودائمًا ينتابني شعور أنني سأقوم بقتل كل نساء مدينتي، ثم أرقص تحت المطر وأنا أدخن لفافة تبغ يغطي وجهي وشعري المبتل وشاح أسود.
أسير خلال شوارع المدينة المهجورة وأحفر القبور بمجرفة خربة لكل امرأة تقابلني.
حياة مستنقعية، وأدافع عن كبريائي زي جون ويك.
اترميت على السرير وأنا أدخن سيجارة ووجهي للسقف الغرفة.
المعروف لا يمحوه إلا معروف مثله.
ورعى الشيطان الخبيث جوه عقلي: "مش أنت كنت عايز كده؟ تفضل في الشغل مهما تلقيت من إهانات؟"
القهوة انسكبت على وجهك؟
كنت تختفي زي الفأر من قدام سانتا تتلصص على تحركاتها.
زعلان ليه؟ أنت إنسان عندك شيزوفرينيا.
وحسيت بالتقزم، وفار دمي، وشعرت أني لو فضلت في مكاني هانفجر.
طلعت أمشي في براح الليل.
قصر كبير ومصنع تقوده بنت مدللة شابة يدوبك 30 سنة، حازمة وصارمة عشان تخفي ضعفها.
أكيد فيه سر، بل أسرار.
وحرقت لفافة تبغ، وسحقتها بحذائي.
دهستها وأنا أتخيل وجه سانتا تحت قدمي، أدعسه بحذائي القديم.
وسرت النشوة داخلي، نشوة الانتقام لكرامتي المهدرة.
الأنثى تحب أن ترغم أحيانًا على بعض الأمور التي تكرهها.
تتمنع، لكن داخلها مستمتع، يتلذذ بضعفه، مستمتع بالقيادة.
كيف تتأتى لي القوة أن أهزم سانتا وأخضع كبرياءها اللعين؟
ولعت سيجارة ثانية والأفكار تتصارع جوه عقلي.
ثلاث شهور وعشرة أيام.
فاضل أربع شهور وسانتا متقدرش تطردني.
هي اللي حددت كده، هي اللي كتبت الميثاق بإيدها.
عبد المعين خير مثال على كلامي، صبر، اتبهدل.
لكن في الأخير حقق اللي هو عايزه.
لكن يا ترى تخلى عن إيه مقابل النصر ده؟
وهل الإنسان لو رحلت كرامته ممكن يقدر يرجعها؟
أكيد لا.
الحب اللعين خير مثال على كده، ينساق الإنسان خلفه ويتخلى عن أشياء ما كان يتصور أن يفعلها يومًا ما.
ثم يعاني من الحسرة طول عمره.
أنت لست فأرًا يا إسماعيل، صرصور حقل.
الكل يراك متمرد، غامض، سلطوي.
حافظ على صورتك في عين نفسك.
من غير ما أشعر بعدت عن القصر.
ونزل المطر يرخ فوق دماغي من غيمات رمادية تمخر السماء مثل أشرعة الفلايك.
ودوى صوت الرعد يهز أركاني.
مشيت تحت المطر اللي نزلت عشان تطفى ناري المشتعلة وشعرت ببعض الحماسة.
جريت في الشارع ولفيت ودورت ورجعت على القصر غرقان.
الكل كان محتمي من المطر جوه القصر أو داخل الغرف.
قعدت في الحديقة، اتربعت على الأرض وسبت المطر تغرقني.
خرجت سيجارة أولعها لكن معرفتش، المطر كانت بتطفى الكبريت.
حتى المطر يعاندني، وبدأت أشعر بالبرد.
سمحت له يتخللني وشردت في مصيري القريب العاجل.
وقلت: "مرحباً".
انفتحت شرفة سانتا، لكن كنت غير مهتم.
"شان الله".
تولع سانتا والقصر وكل اللي فيه.
سانتا طلعت في الشرفة الكبيرة تحت المطر وشافتني.
قاعد متربع زي تمثال الكاتب الفرعوني.
وفضلت مثبتة عيني عليه مدة طويلة من الزمن.
لا أنا اتحركت ولا هي اتحركت.
ودخلت سانتا وشعرت إني كسبت رهان حتى لو كان صغير، بسيط.
لكنها طلعت ثاني بصت علي ودخلت.
شوية وخرجت ثاني بصت وضحكت.
"موتي بغيظك يا لعينة، يا روث الدببة. لن أتزحزح من مكاني".
بدأ جسمي يرتجف من البرد، الليل انتصف وأنا قاعد.
الساعة بقت اتنين الصبح وأنا قاعد.
المطر توقف وأنا قاعد.
أخيرًا الشرفة انغلقت ولم تفتح مرة ثانية.
بعدها روحت غرفتي، قعدت أحرق سجاير لحد الصبح.
غيرت هدومي وروحت وقفت جنب العربية.
الساعة 8 نزلت سانتا، بصتلي من تحت لفوق وركبت العربية.
ركبت جنب السواق بصمت.
"أنت كنت قاعد في الحديقة امبارح؟"
"أيوه حضرتك، أظن الجلوس داخل الحديقة غير محظور في قوانين سيادتك؟"
"كنت بتعمل إيه؟"
"بستمتع بالمطر".
"بس أنت فضلت وقت طويل، أنت كنت داخل تحدي موسوعة جينس؟"
"قلت لا".
"مزاجيتي كانت محتاجة كده".
"يعني لو مزاجيتك قالتلك اقتل نفسك، تقتلها؟"
"معتقدش مزاجيتي ممكن توصلني لكده، لأنها ببساطة بتخدم شخصي، بتحسن نفسيتي".
همست سانتا بنبرة طحلبية مستعلية قذرة:
"لكن أنت بتخدمني؟"
"طبعاً سانتا هانم".
"كل العالم بيخدمك وأنا واحد من العالم".
تمادت سانتا:
"يعني لو طلبت منك حاجة هتعملها؟"
"أكيد يا هانم".
ثم بنبرة دحلابية مقيته توغلت مستغلة الطرق المفتوحة:
"يعني أنا ممكن أتحكم في مزاجيتك؟"
بلا أدنى مبالاة قلت:
"طبعًا لا يا هانم، مش ممكن".
زعقت:
"تقصد إيه؟"
قلت:
"أقصد إن مزاجيتي ملكي وحدي".
وكأنها لا ترى غيرها، بتحدي خاطبتني:
"أنا هثبتلك إني أقدر أملك مزاجيتك، انزل هنا وتعالى على الشركة مشي".
رفعت إيدي، ووقف السواق ونزلت من العربية والعربية سابتني ومشيت.
أشعلت سيجارة، ولا يمكنك تخيل كيف كان حالي في تلك اللحظة.
أنهيت السيجارة.
وخدت تاكسي وروحت الشغل وأنا بفكر: "دا لعب عيال".
"سانتا هانم دي دماغها ضرباها".
ولما وصلت لقيتها سايبالي رسالة أروح لها على المكتب.
استنيت شوية، ربع ساعة وطلعت على المكتب.
خبطت ودخلت عليها، كانت قاعدة على كرسي الإدارة.
"إيه أخبار مزاجيتك اللي مصدعاني بيها؟ طبعًا أكيد متعكننة؟"
قلت ببرود:
"ليه يا هانم توقعتي كده؟"
بابتسامة سحلابية قالت:
"لأني أجبرتك تمشي".
"الحقيقة يا هانم أنا كنت محتاج أتمشى شوية لأن كان عندي شوية أفكار تافهة حابب أناقشها مع نفسي".
شفتها ممتعضة وفكرت: "معقول عقلها صغير للدرجة دي؟"
ضمّت سانتا شفايفها:
"اتفضل روح، أنا هرجع القصر مع السواق".
كنت سعيد لأني قدرت أقهرها حتى لو كانت حاجة بسيطة.
لكن بالنسبة لي كان تاني انتصار في يوم واحد.
رواية بوديجارد الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
وصلت القصر بسرعة وكنت عارف نفسي هعمل إيه.
سانتا في الشركة.
دخلت الفيلا وقصدت المكتبة. نزلت درجات السلم بهدوء.
المكتبة كبيرة عشان كده كنت متأكد إن مفيش حد شعر بيا.
اتسحبت بين أرفف الكتب، وهناك لمحتها في آخر المكتبة، الخالق الناطق سانتا.
لولا إني لسه سايب سانتا في الشركة كنت هربت من المكتبة. وقفت في مكاني أتأمل ملامحها وافتكرت كلام عمي سعيد عن بيرى وسيليا.
الراجل مكنش بيخرف ولا حاجة، دي أخت سانتا التوأم. لكن ليه الحرص الزايد إنها متظهرش خالص في الفيلا؟
بحترم دايماً خصوصيات الناس ومش بحب أتدخل فيها. تراجعت لورا وأنا لسه مندهش.
وصلت غرفتي وأنا معتقد تماماً إن أيامي في الفيلا بقيت معدودة.
"كثير من المعرفة يعني كثير من المشاكل."
"إن الذين يسعون خلف الحقيقة ينتهي بهم المطاف في سجن على عمق ٩ متر."
ورجعت تاني مطعم الفيلا وقت الغداء وكانت سانتا وصلت لمكتبها.
وبعد ما خلصت أكل انتظرت سانتا تطلبني لكن محصلش.
قلت أروح أريح في غرفتي شوية. خدت دوش ونمت على السرير.
وكان النوم بدأ يداعب جفوني، ووصلني الخبر: "عايزينك في المكتب."
غيرت هدومي بسرعة وروحت على مكتب سانتا.
خبطت وسمعت: "اتفضل."
دخلت المكتب. تفحصتني سانتا كعادتها، لكن نظرتها كانت مختلفة. نظرة شخص بيشوفك لأول مرة.
بيتأمل ملامحك الغريبة عنه، أو يمكن عقلي هو اللي صورلي كده.
"كنت فين؟"
"كنت بتجول في القصر، بنتظر إن حضرتك تطلبيني."
"ده أمر شاق"، قالت سانتا، "إنك تنتظر شخص يطلبك في أي وقت. ده كفيل يبوظ يومك، صح؟"
صمت دقيقة، مش عارف أرد، خايف أقول الحقيقة.
"الشغل ليه أحكامه يا هانم."
"صح"، قالت سانتا، "لكن متنكرش إن دي حاجة تعكر الدم إنك تكون تحت الطلب في أي وقت؟"
"أنا وقعت عقد يا هانم ومدرك لطبيعة عملي وملتزم بيه."
"انت حانق كده ليه؟ أنا بشعر إنك بتعمل كل حاجة بالعافية، حتى الكلام."
"مش حانق ولا حاجة يا سانتا هانم، أنا مبسوط جداً، طاير من الفرحة."
"انت بتهزر، صح؟ قول الحقيقة، متخافش!"
"قول إنّي تقيلة ولا أُطاق، مجرد بنت مدللة معاها فلوس بتتحكم في خلق الله وتتعمد إذلالهم!؟"
للحظة كنت هضحك. أنا وصفت سانتا بالكلام ده قبل كده. تكونش بتقرأ أفكاري؟
"العفو يا هانم، ده كلام مش ممكن أفكر فيه."
"انت شخص جبان"، صدمتني سانتا، "حتى لما جتلك الفرصة تقول رأيك رفضت، تختار إنك تكون شجاع؟"
"الفرصة أنا اللي بختارها يا هانم، ولما أكون عايز أقول حاجة أنا اللي بحدد الوقت."
"لكن؟"
وسابت سانتا الكلمة معلقة في الهواء.
"ممكن الفرصة متجيش تاني."
"وقتها هتكون مضطر تحتفظ برأيك لنفسك زي أي شخص معندوش شجاعة؟"
وفكرت، هي عايزة إيه بالظبط؟ عايزاني أتهور عشان تتخلص مني؟
بصيت في عنيها، كان ليها نظرة خجولة، غير نظرة سانتا خالص. وحاولت ألاقي فرق.
أنا بكلم مين؟
رغم كده كنت عارف إن المغامرة محفوفة بالمخاطر.
عم سعيد قال: سيليا عزلت نفسها للقراءة والكتب، يعني مثقفة.
كل الأشخاص الشجعان اللي عبروا عن رأيهم ظلموا في الحياة.
ديستوفيسكي مكنش لاقي ياكل، كافكا محدش فهمه غير بعد ما مات بسنين.
مايكل أنجلو اتهم بالزندقة لأنه حرر عقله ورسم ملايكة وقديسين.
جوخ انتحر لأنه عرف حقيقة العالم القبيح.
"إحنا بنعيش في عالم بشع."
"لكن كل واحد من دول ترك أثر وراه يخلده يا إسماعيلي."
"يكفي الاسم نفسه وزنه وقيمته. ديستوفيسكي، هاتلي واحد في العالم مثقف ميعرفوش."
الحقيقة كنت بختلق أي كلام عشان أعرف أنا بحاور مين.
قلتلها على فكرة إني شجاع بس لازم أعرف أنا بكلم مين.
"إنتي مش سانتا هانم."
رواية بوديجارد الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
بصتلي بنظرة مضطربة وشفايف بتحاول تخفي ابتسامة.
"انت بتقول إيه؟ وعارف كلامك ده ممكن يكلفك إيه؟"
"عارف يا فندم، انتي مش سانتا هانم، ممكن تكوني توأمها، لكن مش سانتا."
قعدت على الكرسي وهزت رجليها.
"أنا ممكن أديلك فرصة عشان تتراجع عن كلامك، لأنه كلام مجنون."
"فتحت عنيه، مين قاعدة قدامي؟"
"فتحت، بيرى، سيليا مش متأكد، لكن أعتقد سيليا لأنها أكتر واحدة مثقفة بينهم."
"انت، انت! جبت الكلام ده منين؟ مين بيرى وسيليا دول؟ انت شارب حاجة؟ مخدر لعنة؟ بودرة؟ ترامادول؟"
"مش بشرب حضرتك، ولازم تعرفي إنك انتي اللي طلبتي مني أفتح عينيه وأكون شجاع، وأنا مش ندمان على أي كلمة قلتها."
"انتي مش سانتا هانم، وعلى فكرة انتي مش هتطرديني مهما كان كلامي، لأنك مش زيها، سانتا الوجه المكشوف اللي حضرتك هربتي منه."
"كفاية!" رفعت إيدها. "ولا كلمة زيادة، انت اتجننت خالص، روح نام لحد ما أشوف بكرة هعمل فيك إيه!"
طلعت وقفلت الباب ورايا.
الزمن مش بيمشي لورا.
ولا يمكن التراجع عن أي حماقة اقترفناها في الماضي.
مر نهاري وليلي وأنا في غرفتي أفكر بوجه شاحب وأنتظر بين لحظة وأخرى عبد المعين بيطلب مني أغادر الفيلا.
الصبح كنت واقف جنب العربية منتظر سانتا هانم.
ولما وصلت دخلت العربية من غير ما تصبح عليّ ولا تناقشني.
روحنا على الشركة.
توقعي كان صح، اللي كانت معايا مبارح مش سانتا.
سانتا مكنتش هتصبر عليّ، كانت هتطردني فوراً.
إرتفعت روحي المعنوية جداً جداً لحد ما سانتا سألتني.
"انت مبتسم ليه كده؟"
"مفيش يا هانم، مبسوط شوية."
هي دي سانتا بغرورها وتزمتها.
وعدى اليوم على خير وبدأت أطمئن إن مفيش مشاكل هتحصل من حوار البارحة.
وإن تلك الفتاة مهما كان اسمها مش سانتا ولن تفشي سري.
ورجعت على القصر وكان شغلي خلص وعندي وقت راحة يوم ونص أقضيه براحتي.
***
داخل مكتب سانتا.
سانتا دخلت لقيت أختها في المكتب قاعدة بتفكر شارده مش حاسة بحاجة.
"سانتا، ياه أخيراً يا سيليا قررتي تخرجي من عزلتك وتشاركينى الشغل شوية؟"
"أنا تعبت يا أختي ومحتاجة أرتاح، أعتقد الشهر خلص وده وقتك تتولي مسئولية الشغل."
"سيليا بابتسامة، تمام يا سانتا أنا هستلم الشغل."
"سانتا، لكن مش غريبة تغيري رأيك فجأة كده؟ امبارح كنتي رافضة الفكرة وبتقولي محتاجة شهر كمان."
"سيليا، أصل حصلت حاجة خلتني أغير قراري!"
"سانتا، حصل إيه؟"
"سيليا، الموظف الجديد، الحارس بتاعك!"
"سانتا، ماله يا ستي عمل إيه تاني؟"
"سيليا __ اكتشف الحقيقة."
"سانتا بعصبية، حقيقة إيه؟"
"سيليا - - - إننا أخوات تؤام."
"سانتا بنرفزة، مستحيل ده يحصل، إحنا شكل واحد إزاي إنسان ممكن يفكر إن شخص واحد شخصين؟"
"سيليا - - مش عارفة، ده اللي هحاول أكتشفه."
"سانتا، لا الموضوع وراه سر، مش هنكتشف حاجة، أنا لازم أطرده، أنا مش ممكن أصدق إن إنسان ممكن يكتشف الفرق ما بينا إلا إذا كان جاسوس أو بيجمع معلومات أو شخص لمح له عننا."
"سيليا، ما هو ده اللي خلاني أغير قراري، أنا لازم أكتشف السر وأعرف إزاي قدر يكتشف إننا توأم، ده مهم جداً."
"سانتا بحزم، الموضوع خلص، أنا هطرده."
"سيليا، مش دلوقتي يا سانتا، الأول نكتشف السر بعد كده هسيبه ليكي تعملي فيه اللي انتي عايزاه."
"سانتا، بس ده خطر يا أختي، انتي مش متعودة على ألأعيب الموظفين."
"سيليا بضحك، متنسيش إن السنين اللي فاتت رفدت ضعف عدد الموظفين اللي انتي قمتي بطردهم. محدش يعرف إن أنا اللي بطرد الموظفين، والتهمة ملتصقة بيكي، انتي الشكل الوحش، انتي الواجهة، محدش يعرف طيبتك غيرنا، هو كمان فاكر كده، ميعرفش إن أنا العمل اللي حضره ومش هيعرف يصرفه."
"سانتا، طيب لكن خليكي حذرة."
"سيليا، متقلقيش، استمتعي بإجازتك يا سانتا وسيي الباقي عليّ، أنا هفرمه، هفرمه لدرجة مش هيعرف نفسه!"
وأنا أعرف ما تفكر به الآن، واثق أن خيالك التعس يحلق في آفاق القصر، أنك تنتظر بلا شك كيف سأفرمه، رغم تحفظاتي على تلك الكلمة المستنقعية. الغريب الذي أدركه رغم انحيازك تجاهي إلا أنك تنتظر كيف أفرمه.
إن الإنسان لا يمكن استيعاب تلطخاته العقلية والعاطفية، وإذ أنك الآن ربما تنتظر أن أطمئنك لأن هناك صداقة خفية بين الكاتب والمتابع على الصفحة، لكن هذا لن يحدث حتى في أحلامك.
رواية بوديجارد الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
قضيت وقت ممتع مع نفسي من غير ما أتكلم أو أسمع صوت أي إنسان قريب مني، متطفل أو صديق، ودي أسعد أوقات حياتي.
يمكن انتصاري الوحيد في الفيلا الغريبة دي إلى الآن هو نجاحي بالحصول على سكن خاص. أنا مش بطيق أشارك السكن مع شخص تاني حتى لو كان جاليليلو ذات نفسه.
وكنت نايم السرير مستغرق في أفكاري، منشكح بانتصاري الأخير.
أنى قدرت أفرق بين سانتا وسيليا.
واصل لأعتقاد يقيني إن سيليا معاملتها راقية وطيبة أكتر من سانتا.
تذكرت الحوار اللي دار بينا امبارح وتمنيت إن تكون سيليا مديري.
مش سانتا العصبية المغرورة.
وقتها نقدر أنا وهي نستغرق في حوارات هادفة بعيد عن الميثاق وقرفه.
وتخيلت سيليا صديقة، مجرد صديقة عشان دماغكم متروحش لبعيد.
وتحطوا تصورات لقصة حب بين حارس شخصي ومديرته.
ونرجع من تاني قصة على ابن الجنايني.
أنا عارف إن فيه ناس متقدرش تعيش من غير الحب، الوقوع فيه أو انتظاره والمشاكل والمواقف اللي بتحصل خلال التعارف.
عارف كمان حدودي كويس. أنا مجرد فرد آمن يطمح إن يكون حارس شخصي محترم، بودي جارد ودى أقصى أحلامي حتى لو كانت صغيرة بالنسبة ليكم.
وكنت خلاص محلق في تصورات معقدة لحد ما باب غرفتي خبط.
بصيت في الساعة.
اليوم لسه مقلبش، إجازتي لسه مخلصتش.
مين الشخص الوقح اللي عايز يقتحم خصوصياتي؟
مين؟
صرخت وأنا نايم على السرير.
"الهانم عايزاك."
كان صوت أروى اللي أنا عارفه كويس وبدأت أربط بينه وبين كل مصيبة بتوقع فوق دماغي.
قلت: "لكن أنا في إجازة، سانتا عايزاني ليه؟"
"معرفش، تقدر تروح تسألها، متتأخرش."
"حاضر!"
بكل قرف الدنيا غيرت هدومي. دي عايزة إيه دلوقتي؟ أنا كنت أقلمت نفسي على يوم من غير مهام جديدة أو إهانات مستجدة.
زي أي موظف جاد خايف على لقمة عيشه، وصلت مكتب سانتا بسرعة.
خبطت وانتظرت دقيقة لحد ما سمحت لي بالدخول.
فتحت الباب ولقيتها قاعدة على الكرسي بطلتها اللي تسد النفس.
"يا تل، يا له من فارق بين سانتا وسيليا. واحدة مشرقة مرغوبة والتانية منفّرة طاردة."
"أؤمري يا هانم."
"انت وصلت؟"
كان نفسي أرد وأقول: "لأ ده خيالي." مضطر قلت: "أيوه يا هانم."
"أنا عارفة إن اليوم إجازة ليك، لكن زي ما أنت عارف، الشغل بيحكم. وأنت حارسي الشخصي، مقدرش أروح مكان من غيرك."
وكانت سانتا بتحرك إيديها بطريقة مسرحية.
وعرفت إن ورا كلامها مصيبة قريبة. النبرة كلها دهاء.
"انت روحت المكتبة تاني؟" سألتني سانتا بنبرة غير مهتمة.
"مطلقاً يا هانم، أنا مش ممكن اسمح لرجلي تلمس بلاط المكتبة غير لما حضرتك تأمري بكده."
ابتسمت سانتا ابتسامة كريهة.
"إنك تكون مطيع دا أمر حسن."
"طبعاً يا هانم، طبعاً."
صمتت سانتا قريب خمس دقايق وأنا واقف بفكر هتعمل فيه إيه.
"انت بتعتقد نفسك شخص ذكي يا إسماعيل؟"
سؤال معقد جداً. تلعثمت.
"أنا أقدر أقول إني مش غبي يا هانم."
سانتا بصت في عيني بتركيز وثبتت عينيها عليه.
"ماشي، تقدر تتفضل دلوقتي."
"وخليك مستعد، ممكن أطلبك في أي وقت."
"حاضر يا فندم."
خرجت من عند سانتا وأنا بسأل نفسي إيه لعب العيال ده؟
أنا مش عارف نفسي جيت في إيه ومشيت ليه.
لكن سؤالها الأخير كان عالق في دماغي. ليه سانتا تسأل سؤال قابل للاحتمالات زي ده؟
"انت تعتقد نفسك شخص ذكي!" دي مش عادتها أصلاً.
***
دخلت سانتا المكتب على سيليا الميتة من الضحك.
"شوفتي إزاي معرفش يفرق ما بينا؟"
"ودا يؤكد إن فيه شخص حدفله معلومة طياري، ودا اللي خلاه يرمي احتمال إننا توأم؟"
"طلع شخص غبي زي الأخرين."
"سانتا، انتي كنتي فكراه مختلف يعني؟"
سيليا بملل: "كنت فاكرة اللعبة هتطول أكتر من كده. كان لازم أعرف هو توصل لفكرة إننا أختين توأم منين."
"دلوقتي كل حاجة واضحة قدامي. معلومة طياري وصلتله وهو عرف يستخدمها كويس."
"سانتا، وناوية تعملي إيه يا سيليا؟"
"سيليا، بالنسبة لي القصة بقت مملة خلاص. وكمان لازم ألحق أتخلص من المصيبة اللي انتي وقعتينا فيها. متنسيش إنه ماشي في الشهر التاسع ولو كمل سنة مش هنقدر نطرده."
"دي القوانين اللي إحنا وضعناها بنفسنا."
"سانتا، هتطرديه يعني خلاص؟"
"مش تعسفي، دي مش طريقتي. المهم إنه مجرد شخص عادي."
"يوم ولا يومين هنتظر أي غلطة منه وأطرده."
"سيليا، لكن انتي مش ملاحظة إن عنده برودة أعصاب فظيعة، وسريع الرد مش بينفعل بسهولة؟"
"في الغالب هو كده، لكن من أسبوع كده أنا قدرت أعصبه واستمتعت بإذلاله بطريقة غير مباشرة."
"خليته يعتقد إنه ببقائه ليلة كاملة قاعد تحت المطر قدر ينتصر عليه وينفذ رغبته."
"سيليا، وأنا اللي كنت فاكراكي سهلة يا سانتا؟"
سانتا: "أصل أحيانًا بيعجبني، أقصد يعني ردوده وحركاته وكلامه."
سيليا: "لأ كده غلط وخطر يا سانتا، الموضوع تعدى كونه شغل، وأنا مش ممكن هسمح بكده."
"انتي مش هترجعي للإدارة غير لما أتخلص منه وأقضي عليه."
يتبع