الفصل 7 | من 9 فصل

رواية براءة العاشقين الفصل السابع 7 - بقلم هدى زايد

المشاهدات
19
كلمة
4,181
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

بعد أكثر من عشر دقائق، ولجت عليهما وهي ترفع هاتفها المحمول للأعلى قليلاً وقالت: _والله ما أنتوا مفترقين عن بعض، نصور بقى فيديو حلو كدا عشان لما يجي محروس أخويا يشوفه. وفجأة وبدون سابق إنذار، تلقت ضربة قوية على رأسها جعلتها تسقط أرضاً غارقة في دمائها. وقف عشيقها يرتعد وهو ينظر لها ثم ينظر لتلك المطروحة أرضاً وقال:

_الله يخربيتك، البت ما تتأنت لسه هتتصدم، إيدك بسرعة نلفها في السجادة ونرميها على الطريق وتبان إنها حادثة عربية قوام قبل ما حد ياخد باله. لملمت البساط على جسد "وصال" بسرعة فائقة، ثم جذبت جلباباً من اللون الأسود، بينما حمل عشيقها على كتفه تلك المسكينة. ما أن خرج من باب المنزل بها داخل عربته الصغيرة، خرج ولدها "شافعي" البالغ من العمر عشر أعوام وقال بتساؤل: _على فين يا أما؟ ردت وهي تربت على كتف بن خالتها:

_هروح أنا وعمك محسن نظبط السجادة للمغسلة وهروح أستك شوية، اطلع يا محسن. لم تُمهلهُ أي فرصة لحديثٍ آخر، غادرت ومعه تلك المسكينة. مجرد خروج السيارة من باب حارتهم، ولج زوجها "محروس" وهو يُغني وينفث لفافة التبغ الممزوجة بالمخدرات. دخل من باب بيته ليسأل ابنه قائلاً: _فين عمتك وصال يا شافعي؟ _عمتي! _إيه يا واد مالك في إيه؟ _أمي ضربت عمتي يابا. _ليه عملت إيه، أكيد مغسلتش المواعين؟ _لا. _اومال ليه؟ _عشان عشان.

_عشان إيه يا واد ما تنطق؟ _عشان شافت أمي مع ابن خالتها. _شافتهم إزاي يعني؟ _ما تنطق يا واد، هي القطة أكلت لسانك؟ شافتهم نايمين في سرير واحد وصورتهم، أنا شفت أمي بعيني يابا وهي بتجيبه كل يوم والتاني بس مكنتش بقدر أتكلم، والنهاردة عمتي كمان شافتهم ولما اتكلمت اتلموا عليها وضربوها ولفوها في سجادة عشان يرموها على الطريق.

دفع ابنه بعيداً عن باب المنزل، كاد أن يخرج لكن عاد سريعاً بعد ما تذكر سلاحه الأبيض. قفز من عتبة باب البيت ثم استقل خلف أحد أبناء جيرانه، لا يعرف أين يبدأ عملية البحث. وبعد مرور أكثر من نصف ساعة من السير على الطريق العام، وجد شقيقته تفترش الأرض بجسدها. ترجل من الدراجة النارية متجهاً نحوها، سقط أرضاً وجدها غارقة في دمائها. ظل يقبل يدها ويتوسلها بأن لا تتركه وهو يبكي وقال:

_قومي يا وصال، قومي يا بنت عمري، وربي ما هسيب حقك، قومي الله يرضى عليكي. حدثه صديقه وقال: _شيلها يا محروس خلينا نلحقها، دا لسه فيها الروح.

في مساء نفس اليوم، بعد ما تم إنقاذها، تقدم "محروس" ببلاغ رسمي يتهم فيه زوجته وعشيقها بما حدث لأخته، لكن لم يكن لديه أي دليل مادي ليُثبت ما حدث بسبب سرقتهم لهاتف أخته وتكسيره. فتقدمت زوجته بدورها، رفعت دعوى سب وقذف وتشهير ثم دعوى طلاق للضرر وطلبت بجميع مستحقاتها. لم يكن هذا فحسب، بل رفض الاعتراف بابنته التي تحملها في أحشائها، واكتفى بحرمانه لابنها البكر "شافعي" الذي كان شاهداً على خيانة أمه لأبيه.

بعد مرور عدة أشهر، كانت "وصال" جالسة في بهو المنزل تنظف الخضراوات لصنع وجبة الغداء لأخيها، الذي تعافى من تناوله المخدرات بأنواعها منذ ذلك اللحظة، تغير كل شيء في نظره. كاد أن يفقد أخته التي تحبه وهو يعشقها حقاً. سمع كلامها وتنازل عن تناول تلك المواد السامة. لن تُنكر أنها كانت رحلة شاقة، لكن مكافأة الله لهم بتماثله الشفاء التام جعلتهم لا يتذكرون سوى الجزء الإيجابي من الرحلة. قررت أن تزوجه بأخرى لتطمئن عليه، ووافق هو أيضاً، ترك لها حرية الاختيار، فاختارت له فتاة هادئة طيبة تمتلك من الجمال قدراً عالياً. تزوج في عدة أسابيع، وسرعان ما زفت له الخبر السعيد بحملها، فرح وكأنه لم يُنجب من قبل.

كانت جميلة تساعد "وصال" في البيت وتهتم أيضاً بولد زوجها، لكن وصال تحاول جاهدة بأن لا تُثقل عليها. فجاءت باب الغرفة وهي تشتم رائحة الطعام ثم قالت: _ريحتك الحلوة طلعت يا لولو. ابتسمت دون أن ترفع بصرها عن الفرن الصغيرة الموضوع في ركن البهو وقالت: _خمس دقايق والأكل يتحط. _متزعليش مني يا وصال. _على إيه؟ _عشان يا أختي يعني نمت وصحيت قرب العصر. ابتسمت "وصال" وقالت: _يابت أنتِ عبيطة؟

ما عملت الأكل وخلصته خلاص، ماخدتش مني وقت وأديني بسلي نفسي بدل قعدة البيت دي. ردت بتذكر قائلة: _صحيح هو محروس قالكِ موافقة إني أروح الصعيد ولا لأ؟ _أيوه صحيح كلمته وقلت له وتسيت أقولكم، بيقولي خليها تروح وتيجي في نفس اليوم وتاخد معاها شافعي. فرحت "وصال" وقالت: _بجد صحيح يا وردة؟ سألتها "وردة" بابتسامة ذات مغزى وقالت: _إيه الحكاية بالظبط؟ _لا حكاية ولا رواية، عادي يعني.

_طيب خبي براحتك، بكرة هتيجي وترمي في حجري زي العادة. نفضت يدها عن ما تفعله وهبت واقفة متجهة حيث غرفتها ترتب ملابسها التي ستذهب بها إلى محافظة الأقصر. ظلت تنتقي بين هذا وذاك حتى وقع الاختيار أخيراً على ثوب جديد لم يرها به أحد. بعد مرور يومين، كانت تسير مع بن أخيها جنباً إلى جنب حيث الممر الطويل المؤدي لمنزل عائلة القصاص. سألها بفضول وقال: _هما عاوزينك ليه يا عمتي؟

_مش عارفة والله يا شافعي، الراجل الكبير بيقول إن عاوز يشتري الأرض مني، ورجع قال من الشرق على كلام من الغرب ومفهمتش منه حاجة. على الجانب الآخر من نفس المكان، _إنتوا التلاتة محتاجين حتة الأرض اللي كان واخدها حسين ولد عمكم الله يرحمه، وهو كان كاتبها لمرته بيع وشرا، وتمن الأرض دلوقتي يساوي فوق الخمسة مليون جنيه. كانت هذه عبارة الجد الذي قالها وهو يترأس مجلس الجلسة العرفية بين أحفاده لفض النزاع القائم بينهما. تابع

حديثه وقال بهدوء وحكمة: _أنا لو آخر يوم في عمري ما هدفعش مليم لبت الأبالسة دي. رد "غيث" وقال بضيقٍ مكتوم: _وإيه العمل يا جدي؟ حتة الأرض دي جار أرضي يعني حقي. قاطعه "راشد" وقال بتساؤل: _وليه ما تكونش حقي أنا، ماهي في وش أرضي؟ فتدخل "نصار" وقال بهدوء اعتاد عليه في مثل هذه المواقف: _لو على الحق يبقى الأرض دي تخصني أنا، عشان أنا اللي راعتها وحطيت فيها دمي وقلبي لأجل ما تبقى كيف الأراضي.

كاد أن يتحدث أخيه ويعترض توأمه، لكن دب الجد عكازه أرضاً وقال بحدة وصرامة: _بس منك لي، بكفاية لحد كده واسمعوني زين. تنفس بعمق ثم قال: _اللي رايد ياخد الأرض هيمضي عقدين، عقد الأرض. تابع حديثه وهو ينظر لثلاثتهم وقال: _وعقد جوازه من صاحبة الأرض. صاح ثلاثتهم في اعتراض تام، رافضين الأمر شكلاً وموضوعاً. تحدث الجد ليتم الصمت في المكان وهو يقول:

_اللي عندي قلته خلاص، واللي عندكم اعملوه. أنا بعت اجيبها وعرضت عليها الموضوع بس مجبتش سيرة جواز، مستني أشوف آخرها إيه، وبعدها هحط قراري، وعليكم يا ولاد القصاصين تجبلوا أو ترفضوا، ولو رفضتوا انتوا التلاتة متلوموش غير حالكم وبس. خرج من غرفة الضيوف الخارجية للمنزل في انتظار وصولها. بين نظرة الثلاثة لبعضهم البعض في صمتٍ تام، ليتحدث "نصار" فجأة:

_ما هو اسمعوا بقى لما أقولكم، جواز منها مش هيتم، أنا مكتفي بمرتي وبس وراضي والحمد لله ومش عاوز خراب بيوت، أنا يا أبويا. رد "راشد" بضيق قائلاً: _ياسلام يا خوي، وهو أنا اللي مش متجوز؟ _لا، ناوي تخطب يعني، لسه في كلام تاني. ابتسم "غيث" لهم وقال: _وأنا بقى الصايع اللي فيكم، يعني رايحين تلبسوا في مصيبة؟ تنفس "راشد" وقال: _إحنا نشوفها بقرشين وهي كلبة فلوس، يعني هترضى بأي قرشين نرميهم لها. سأله "نصار" وقال:

_طب وجدك هنجوله إيه؟ أجابه "غيث" وقال: _إحنا نميلوا دماغها هي بكلمتين الأول ونظبطوا وياها، ولما دماغها تلين نجوله تجول لجدك إنها عاوزة جواز وحابة فلوس، وجتها هيوافق ومش هيقول لأ. بعد مرور ساعة تقريباً، وصلت الصعيد برفقة بن أخيها. طلبت منه البقاء في الخارج لحين الانتهاء من تلك الجلسة. نظرت لهم بشماتة ثم قالت: _آه يا زمن، خليت ولاد القصاص مترصصين قدامي في عرض كلمة مني تنجدهم. رد الجد وقال بحدة:

_بت، اخلصي روحك وجولي طلباتك بدل رط الحريم اللي ملوش عازة دي. تنفست بعمق وهي تنظر له ثم قالت: _حاضر يا جدي، أوامرك. تابعت حديثها وهي تنظر لثلاثتهم ثم قالت: _أنا سألت على تمن الأرض. سألها "نصار" وقال: _طلباتك يا ست وصال، خلينا نخلصوا. أجابته باختصار شديد: _ستين مليون جنيه. رد "راشد" بصدمة وصراخ قائلاً: _كام؟ بينما مال "غيث" ليخلع حذائه، كاد أن يقوم من مكانه لكن منعه أخويه محاولين تهدئته. بعد هدوء الجميع،

تابعت حديثها قائلة: _أنا واحدة آخر همها الفلوس، وبما إن أنا آخر همي الفلوس، أنا إن شاء الله كده نويت والنية لله، أتجوز واحد منكم يسترني ويستتني في بيته. رد "راشد" وقال بخفوت: _واجع مربربة دي هي اللي طلبتها يا أبويا. ابتسم لها "نصار" وقال: _بس أنا متجوز ووداد الحمد لله سدت نفسي عن الحريم بأنواعه. ردت "وصال" قائلة: _أنا أكذب أه، لكن آخد راجل من على مراته ويتقال عليا خطافة رجالة ليه؟ قالوا لك عليا خرابة بيوت؟

ثم أنت أكبر مني بعشر سنين وأنا مباخدش حد كبير أوي كده، فرق السن مش حلو، لا يا كبير أنت براءة. تهللت أساريره وهي تنطق بحكم البراءة من زواجه منها. بينما تابعت وهي تنظر لراشد وقالت: _شوف، أنا كنت بعزك وبحترمك، بس من آخر مرة جيت في عندنا وأنا نفسي شايلة منك، بس برضه عجبني خفة دمك وجدعنتك معايا. عبس وجهه وهو ينتظر عرض زواجها منه، لكن ابتسم حين قالت:

_بس برضه قلبي شايل منك وأنا مبتجوزش حد قلبي شايل منه، ثم إن أنت حالك من حال نصار، خاطب وعلى وش جواز. كاد "غيث" أن يعرض عليها مبلغ مالي، لكنها فاجأته بحديثها قائلة: _أنا نويت والنية لله وحده، أتجوز غيث. _أنت مش قلت إنك مش هتتجوزيش حد أكبر منكِ بعشر سنين؟ يا حزينة أنتِ؟ _أيوه. _طب ما أنا توأم نصار، يعني نفس فرق السن اللي رفضتيه عشانه. ردت باعتراض وقالت:

_لا، أنت أصغر منه بخمس دقايق، يعني فرق السن كده مناسب ليا، ثم إنك أنت الوحيد اللي مش متجوز. _مين قال كده؟ أنا مش خالي ولا حاجة، أنا حداية بهيمة بجري عليها معقول بقى أفرك فيها وأبص لك؟ ردت بنبرة مغتاظة وقالت: _الجاموسة اللي رفضت تأكل من إيدي، وفي نفس الوقت أكلوا من إيدك من يومها وأنا حلفت ما أنت معدي من تحت إيدي، ولازم ولا بد أبقى ضرتها. نظر لأخيه وقال: _جوز بهايم بيعندوا على بعض، دخلي أنا إيه في الحوار ده؟

تجاوزت إهانته لها، ثم نظرت للجد وقالت: _اللي عاوز الأرض هما التلاتة، وأنا هتجوز غيث، كده لو موافقش تحضروا لي خمسة مليون جنيه تمن الأرض. رد "غيث" وقال: _مين المصادية دي اللي قاعدة تبيع وتشتري فينا؟ ابتسم "نصار" وسخر "راشد"، أما هي حاولت تجاهل إهانته للوصول لحلٍ يرضي جميع الأطراف. عرضت عرضها ثم غادرت المكان. ولكن قبل أن تغادر، نظرت للجد وقالت:

_اللي عاوز الأرض يتجوزني، أو تحضروا خمسة مليون جنيه تمن الأرض، الحلين معاكم، شاوروا بعض وأنتم عارفين طريق بيتي، سلام عليكم. بعد أن غادرت، نظر الجد لثلاثتهم وقال بجدية: _هي رمت الكرة في ملعبكم، وبقى الدور عليكم. اللي رايد الأرض يتجوزها وياخدها منها، وتبقى حلال عليه الأرض. تابع بنبرة تغلفها المكر والدهاء: _لو عجبتك كمل، ولو ما عجبتكش، يبقى خدت الأرض وجضيت لك كام يوم وياها. رد "غيث" بنبرة غاضبة محاولاً

التحكم فيها قدر المستطاع: _أنت تقصد مين بالحديث ده يا جدي؟ أجابه الجد بنبرة لا تقبل النقاش وقال: _مافيش غيرك أقصده. خواتك فاتحين بيوت، عاوزينش نجفلها. _بس. _من غير بس، اللي عندي قلته خلاص. زياد فرصة لحد الخميس الجاي تفكر وترد عليا، وأوعاك ردك يكون غير كلمتي. ساد الصمت لعدة دقائق بعد مغادرة الجد ديوان العائلة الداخلي. حاول أخيه أن يحدثه ويعرف ما بداخله، لكنه لم يقبل أي سؤال من أي شخص في الوقت الحالي.

في مساء يوم الخميس، كانت "وصال" جالسة على حافة الفراش شاردة في اللاشيء، حتى ولجت زوجة أخيه وبيدها حامل الشاي، وضعته جنباً ثم قالت: _يا أختي، كنتي طلبتي الفلوس وريحتِ دماغك من كل وجع القلب ده. _لو كنت طلبت فلوس كانوا هيقولوا عليا بتاعة فلوس وبستغل المواقف، أنا عملت اللي عملته عشان واثقة ومتأكدة إن مافيش حد منهم هيقبل يتجوزني. ارتشفت زوجة أخيه الشاي الساخن وقالت بتساؤل:

_وافرض بقى يا حلوة قالوا ماشي موافقين وواحد منهم اتجوزك؟ ردت "وصال" قائلة بابتسامتها المعهودة: _اطمني، محدش هيوافق. نصار وراشد اللي متجوز واللي على وش جواز، وغيث مستحيل يفكر يعملها. سألتها بإصرار: _وافرض عملها؟ تنهدت "وصال" وهي تعود للخلف وقالت بتمني: _طب يا ريت يوافق. _الله الله، دا إحنا واقعين بقى؟ نظرت لها وقالت بحزنٍ شديد: _ولا واقعين ولا نيلة، أهي أحلام. ضغطت على فخذها برفق ثم قالت بفضول:

_احكي لي، احكي لي، حلو يا بت؟ بيشتغل إيه؟ _حلو؟ حلو دي كلمة قليلة عليه، دا هو اللي قلبي حبه قبل عيني ما تشوفه. اتسعت ابتسامة زوجة أخيها وهي تتعدل في جلستها وقالت: _لا، دا أنتِ تحكي لي بقى، وقعتي على بوزك كده إزاي؟ تنفست بعمق وهي تتذكر حديث "وداد" عنه وقالت: _من كتر ما كانت بتكلمني عنه، خدني فضولي أشوف أوضته، صورته، شكله، كل حاجة في اسمه. أول ما شفت أوضته في المزرعة قلبي ارتاح، كان حاطط لنفسه صورة بطول الحيطة،

لقيت نفسي بقول: "ما كنت أنت وقعت في طريقي بدل حسين". بعدها استغفرت ربنا وقلت: "عيب، مينفعش أفكر في راجل تاني وأنا ست متجوزة حتى لو مبحبش جوزي". في نفس اليوم حصل اللي حصل وجوزي مات. حسيت للحظة إن الدنيا هتبدأ تفتح لي أبوابها وأعيش حياتي، لقيت جده مش قابل مني كلمة، مع الست مراته عذرتني، وهو لأن... نظرت لزوجة أخيها وقالت: _معاه حق برضه، دا راح منه اتنين ابنه وحفيده، وأنا السبب. لولا اللي حصل كان زمانهم عايشين.

تابعت بنبرة صادقة: _والله العظيم ما كان في ضميري إن يحصل اللي حصل ده كله. أنا مبقولش إني ملاك، بس أنا برضه بشر وبغلط وهغلط. _سيبك من اللي راح، وخلينا في دلوقتي، فكري وشوفي هتعملي إيه في حياتك واللي جاي. فرغت فاها لترد على حديثها، لكن قاطعها صوت طرقات الباب ثم دخول أخيها وهو يقول: _جد حسين وولاد عمه التلاتة برا وعاوزينك، حضري نفسك على ما أشوف إيه الحكاية. بعد مرور ساعة تقريباً، خرجت "وصال" وصافحت الجميع. جلست جوار

أخيها تستمع له وهو يقول: _أيوه بس وصال أختي جوزها ميت، مكملش سبع تمن شهور، إزاي عاوزينها تتجوز ابن عمه؟ تفاجأت برفض لطلب زواجها من "غيث"، بلعت لعابها بصعوبة وهي توزع نظراتها بين الجد وأخيها. تجاهل الجد الرد تماماً على "محروس" أخيها وقال لها بهدوء شديد: _غيث جاي وطلب يدك يا وصال، جلت إيه؟ موافقة.

قالتها دون أدنى تفكير، لم تستأذن أخيها في الرد أو تخبرهم أن الرأي أولاً وأخيراً لأخيها كما تفعل الفتيات، لكنها مختلفة عنهن في كل شيء، فمن المؤكد أنها ستختلف في هذه أيضاً. نظر أخيها لها وقال بهدوء شديد: _الناس دي مش جايه تشتريكي، دي جايه تشتري أرضك، وفي أقرب محطة هيرموكي. وقاطعه الجد بنبرة حادة وقال: _الزم أدبك، إحنا لا ناقصنا أرض ولا بيوت، ثم الأرض دي مش الأصل في الأساس بتاعتنا، وإحنا اللي كتبناها بطيب خاطر ليها.

_رأيك إيه في كلامهم يا بنت أبويا؟ رفعت ذقنها للأعلى قليلاً ثم قالت: _دي حياتي وأنا حرة فيها يا محروس، وجدي معاه حق. وقف الجد وقال بهدوء: _الخميس الجاي كتب الكتاب، وكلها ست شهور وتبقى أختك في دارها في الصعيد. حضر حالك. وقف "محروس" وقال بمرارة في حلقه: _حالي إيه بقى؟ لما العروسة موافقة والعريس اللي متكلمش كلمة واحدة من ساعة ما جه، باين عليه موافق، يبقى أنا كده تمام أوي. نظر لأخته وقال بنبرة حزينة:

_مبروك عليكي، ليلتك شيلها لوحدك يا أختي يا بنت أمي وأبويا. بعد مرور يومين، سافرت "وصال" لعقد قرانها دون حضور أي فرد من عائلتها. حاول أخيها منعها، لكنها رفضت بشدة الانصياع له، وكأن قلبها يأبى الاعتراف بأي شيء سوى حب "غيث" الذي يراه أحد. _غلط اللي عملتوه ده يا محروس، أكبر غلط، إزاي تسيب أختك لوحدها وأنت واثق ومتأكد إن الناس دي نيتهم مش خير زي ما بتقول؟

أردفت زوجة محروس عبارتها محاولة تغيير رأي زوجها ليقف جوار أخته ويزيل الغشاوة من على عينيها. كان ينفث سحابة دخان كثيفة وهو يستمع لحديثها في صمتٍ تام. نظر لها وقال بهدوء: _هي اللي اختارت، يبقى تتحمل نتيجة اختيارها. بكرة تيجي تبكي بدل الدموع دم. ****** داخل غرفتها بمنزل الجد في الصعيد، كانت تمشط خصلات شعرها الطويل والسعادة تجعلها تكاد تحلق في السماء. أما "وداد" واقفة خلفها تعاتبها قائلة:

_مليكيش حق أبداً، أخوكي إزاي تجفي قصاده؟ _أعمل إيه بس؟ ماهو مش مصدق إن غيث بيحبني وعاوز يتجوزني فعلاً عشاني مش عشان أرضي. طالعتها في صمتٍ تام، بينما ردت "وصال" بتوتر: _بتبصي لي كده ليه؟ _مفيش. _لا، شكلك زي ما يكون عاوزة تقولي حاجة؟ _بصراحة بقى ومن غير زعل، مجدرش اقتنع إنك فاهمة إنه عاجبك صح. _يعني إيه؟ _يعني الحب ده مش بيجي له مقدمات. _مقدمات إزاي يعني؟ _فوتك من الحديث ده وافرحي بيومك وفوتك من كل ده. ختمت "وداد"

قائلة وتربت على كتفها: _ربنا يخلف الظنون يا حبيبتي ويكتبه لك عريس العمر.

بعد مرور عدة ساعات، تم عقد القران بناءً على رغبتها بعد ما كشفت لهم عدم رضا أخيها بهذه الزيجة. أما "غيث" فكان لا يبدي رأيه بأي شيء سوى بالموافقة التامة. كانت تتجاهل حديث قلبها وقلقها بأن القادم سيكون أسوأ بكثير. تقربت منه خلال فترة الخطبة التي تجاوزت الستة أشهر بأيام قليلة، كانت هذه المدة كافية بأن يتعرف كلاهما على الآخر أكثر من ذي قبل. اكتشفت فيها "وصال" الحقيقة، تلك الفتاة المرحة الشغوفة لكل شيء يتحدث عنه، تستمع له

بقلبها قبل أذنها. لم يقترب منها كما كانت تسمع صديقاتها، هي تضع له الحدود وهو يضع فوق حدودها حدوداً أكثر صرامة، مما جعل الحياة بينهما أقل من عادية. لكن بمحاولاتها المستمرة تجعلها جميلة مقبولة في عينيها، بدأ ينجذب لها، يسأل عنها إن غابت عن عينيه، يشتاق حقاً، يشتاق، يا لها من لعنة. ظلت تحاول حتى نجحت محاولاتها بأن يعشقها، تظهر عليه. مهلاً، هل سيترك الشيطان الوضع يمر هكذا مرور الكرام؟

بالطبع لا. قبل الزفاف بيومين، كانت السماء تمطر كأنها تستجيب أخيراً لصرخة قلبين أنهكهما الصمت. الريح تلفح وجهيهما، لكنها لا تبردهما... فما من بردٍ أشدُّ من فراقِ الروحِ عن روحها. وقف غيث أمام وصال، كمن يتهيأ لدفن جزءٍ من قلبه، يعرف أن ما سيُقال لن يُمحى، وأن ما سيُكسر الآن، لن يُرمّم أبداً. نظر إليها طويلاً...

كأنه يحاول أن يختزن ملامحها في صدره للأبد. اقترب منها، اختطف شفتاها في قُبلة ناعمة بالكاد تشعر بها. بادلته تلك القبلة، وليتها لم تفعلها وتجاوبت معه بهذا الشكل. تعمق في قبلاته لها، استندت إلى الجدار لتنظم أنفاسها وعلى وجهها ابتسامة بشوشة. اختفت ابتسامتها حين قال بدون أدنى مقدمات: _أنتِ طالق يا وصال.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...