اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم وتقبل شهيدهم وأطعم جائعهم وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم واربط على قلوبهم وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين. "سعادة، حزن، وحزن، سعادة من هنا إلى هنا كل يوم، وكل ساعة، وكل لحظة، من سابع سماء سعادة، إلى سابع أرض حزن"
شهر كامل قد مر عليهم في منزله البعيد كامل البعد عن أهله وأهلها، عن الكلمات والثرثرة من الجميع، بعيد عن كل أفعالهم وأقوالهم، فقط هم الإثنين معًا وليس هناك أحد آخر، وماذا كان؟ لم يكن غير شهر السعادة بالنسبة إليهم، كلاهما أرادوا المكوث هنا إلى بقية الحياة.
شعر "يزيد" أنه أبتعد عن كل شيء يرهقه ويفكر به، كلمات أخيه، والدته، عمه، بعيد عن كل شيء يزعجه ليقابله بجلسته مع من أحبها قلبه، جلسة مليئة بالحب والمشاعر الجياشة، شعر وكأنه لمس السماء بيده وأخذ منها نجمة فريدة من نوعها، أراد لو بقى طوال العمر هنا في هذا المنزل بعيد عن كل شيء فقط يبقى بين يدها وفي الليل بعد يوم طويل به عمل مرهق يخبئ نفسه داخل أحضانها، فقط لو يتحقق ما يريد!
سيفعلها.. قريبًا سيفعلها رغمًا عن أنف الجميع فهو لن يستريح بحياته كما تفعل هي معه.
وهي أيضًا لم تقل عنه بشعور السعادة بل تفوقت عليه، أن يبقى معها شهر كامل دون أن يتحدث عن العودة هذا إنجاز عظيم، أن يذهب إلى عمله في الصباح ويعود جالسًا معها إلى اليوم التالي فهذا كَمّ من السعادة المتراكمة، أن يغدق عليها بحنانه وحبه هذا الفرح الذي دق قلبها، وأن يأخذها في كثير من الليالي للسير سويًا فهذا لا تريد بعده شيء، رأت أنه أحب المكوث معها بعيد عن الجميع، رأت الرغبة الملحة بعينيه على الإستقرار هنا ولكن لا تدري ما سبب رفضه، كثير من السعادة مرت عليها في هذا الشهر لنجاح ما كانت تريده وما مر به معها.
دلفت قبله إلى داخل بيتهم المليء بالحب والعطاء، بينما دلف هو خلفها مغلقًا الباب بهدوء، تقدمت إلى الداخل ثم جلست على الأريكة ورفعت قدمها اليمنى على اليسرى وأخذت تفك رباط حذائها ذو الكعب العالي والذي سبب الآلام لقدميها، بعد أن زالته عنها رفعت الأخرى وفعلت المثل ثم عادت بظهرها للخلف وهي تزفر براحة بعد أن جعلت قدميها تستريح من هذا الحذاء الغريب.
نظر إليها مبتسمًا بعد أن وضع مفاتيحه في مزهرية جوار الباب متقدمًا منها بهدوء شديد، جلس جوارها على الأريكة ثم أمسك قدميها الإثنين جاعلها تتمدد جواره واضعًا قدميها على فخذيه وأخذ يدلكهم إليها بهدوء وحنان ناظرًا لها والابتسامة لا تفارق شفتاه. أردف بهدوء وهو يعمل كما هو متسائلًا بجدية وهو ينظر إليها: -بتوجعك أوي؟ فتحت عينيها الذي كانت أغلقتهم منذ أن بدأ في تدليك قدميها، تحدثت مجيبة إياه بضيق:
-لأ ارتحت شوية، هو تقريبًا علشان أول مرة ألبسها. أجابها هو بتهكم وسخرية وهو يضغط على قدميها: -لأ وأنت الصادقة دا علشان لونها أحمر. زفرت بهدوء ضاحكة فحديثه ربما صحيح، هتفت وهي تنظر إليه بنصف عين بعد أن أزاحت خصلاتها خلف أذنها: -عندك حق جيت أفك العقدة بتاعتك قمت اتعقدت أنا.. خصوصًا أخر مرتين ولا لما نزلت بالقميص.
ترك قدميها بعد أن أردفت بهذه الكلمات جاعلة إياه يتذكر ما حدث في الليلتان، الأولى الذي تبعها رفضها له والثانية التي تبعها الإبتعاد عنها لمدة أسبوعين وهذا لم يكن كل شيء، تهجمت ملامحه وظهر الضيق عليه وهو يقول: -وايه اللي جاب السيرة دي دلوقتي؟ وقف على قدميه ليذهب إلى الداخل بعد أن عادت له ذكريات نظرة شقيقه إليها والذي قد قارب على الشفاء منها، أمسكت يده سريعًا متحدثة بلهفة بعد أن جلست على الأريكة: -في ايه أنت زعلت؟
أنا مش قصدي حاجه. سحب يده منها متحدثًا بجدية شديدة وهو يذهب إلى غرفته: -وهو فيه ايه يزعل.. أنا رايح أغير هدومي. نظرت إليه وهو يبتعد إلى الداخل، لم تكن تقصد ما تحدثت به فقط كانت بضع كلمات، تعلم أنه لا يريد تذكر تلك المرات وبالأخص عندما رآها شقيقه ولكنها حقًا لم تكن تقصد. لقد عادوا للتو من عشاء رومانسي كيف لهذا أن يحدث؟
وقفت على قدميها لتذهب خلفه حتى تجعله يلين قليلًا، دلفت إليه الغرفة ووجدته يبدل ملابسه بأخرى بيتية، وقفت خلفه ثم تحدثت بخفوت ونبرة هادئة: -أنت بجد زعلت؟ يزيد أنت عارف أنه مش قصدي. استدار إليها بعنف بعد أن استمع لصوتها الخافت البرئ من كل شيء سوى البراءة نفسها، تحدث بحدة وعصبية قائلًا: -مش قصدك ايه بالظبط أنت عارفه اني مبحبش السيرة دي بتفكرني بالمنظر الرخيص اللي شوفتك فيه.
نظرت إليه بدهشة وذهول، كلماته البغيضة عادت مرة أخرى فقط لقولها أشياء لم تقصدها؟ متى كانت على مظهر رخيص؟ دائمًا يضع الحق فوقها وحتى لو كانت معترفة به، وهو فقط من يحق له أن يخطئ ويعتذر.
نظرت إليه والدموع خلف جفنيها بفعل كلماته السامة التي يقولها دائمًا، استدارت وعادت لنخرج من الغرفة بعد أن وجدت نفسها ستختنق إذا بقيت أكثر من ذلك، بينما هو لعن بداخله فقد كانت كلماته قاسية يعلم ذلك ولكن أيضًا لم يقصد خرجت الكلمات منه سريعًا دون أن يتحقق في ماهيتها.
ألقى القميص على الفراش ثم ذهب خلفها سريعًا يستوقفها، أمسك بذراعها جاعلًا إياها تستدير إليه في منتصف الصالون حيث كانت متوجهة إلى الشرفة، أغمض عينيه بشدة ثم فتحها متحدثًا بآسف: -أنا آسف مقصدش اللي قولته. خرجت الدموع من عينيها فور استماعها لحديثه، سحبت يدها منه ثم قالت بحدة وهي ترفع إصبعها السبابة في وجهه: -أنا عمري ما كنت رخيصة يا أستاذ يا محترم ولا عمري ظهرت لأي حد بمنظر رخيص، دي كانت صدفة واظن الموضوع ده خلص.
وضع يده الإثنين على كتفيها متقدمًا منها وأردف بندم واضح: -خلاص يا ستي أنا آسف والله متزعليش، بس أنا السيرة دي بتعصبني يا مروة. أبعدت يده مرة أخرى عنها وتحدثت بجدية شديدة: -هو أنت كل ما تتعصب تقول أي حاجه مش بتحسب كلامك خالص، وبعدين لما تقول على مراتك كده الغريب يقول ايه. ظهر الحنان الذي بداخله مخرجًا إياه وهو يمسح دموعها عن وجنتيها:
-قطع لسان أي حد يقول كلمة عليكي وقطع لساني أنا كمان.. خلاص بقى أنا آسف وأدي راسك أبوسها. أنهى كلماته جاذبًا رأسها إليه ليقبله بحب وهدوء معتذرًا عما بدر منه ثم تحدث مرة أخرى وهو ينظر إليها غامزًا بعينيه ومقصده وقح: -خلاص بقى يعني بقالنا شهر مفيش خناقات هنتخانق دلوقتي.. أنا آسف يا حياتي ورحمة أبويا الحج في تربته ما كنت أقصد. نظرت إليه بهدوء تدقق في ملامحه ثم هتفت بجدية وحزن مرة أخرى مقررة أن تقول ما في داخلها:
-يزيد أنت على طول كده في وقت عصبيتك بتقول أي كلام وأي هبل ومتعرفش تأثيره عليا. رفع كف يدها الأيمن إلى فمه يقبله بحب والآخر مثله بحنان، قبل وجنتها اليمنى ثم اليسرى ومرة أخرى قبل أعلى رأسها متحدثًا بندم: -أنا آسف قولت. يارب ينقطع لساني لو قولت حاجة زعلتك تاني. وبعدين مش كفاية سيباني واقف في البرد ده من غير هدوم! نظرت إليه وجدته يقف أمامها بسرواله الداخلي فقط فتحدثت سريعًا قائلة بلهفة وجدية: -إيه ده أنت مجنون!
البلكونة مفتوحة هتاخد برد كده. غمز إليها متحدثًا معها بمرح حتى تنسى كلماته: -أنت بتستعبطي، ما أنت اللي موقفاني وفرحانة بمنظري. جعلته يستدير ودفعته متقدمة معه إلى الداخل وهي تحرك رأسها يمينًا ويسارًا دلالة على ضيقها منه، فلو تركته أكثر لبرد حقًا فالجو رطب وقد بدأت ليالي الشتاء.
بعد كثير من الوقت الذي استغرقه في تبديل ملابسه بمساعدتها، وعدم جعلها تبدل ملابسها وحدها، فعل كل ذلك فقط حتى يمحي تلك الكلمات التي ألقى بها على مسامعها، ولكن هي لن تمحى بهذه السهولة. استلقى جوارها على الفراش محتضنًا إياها أسفل الغطاء الثقيل يبث الدفء إليها. تحدث وهو يمرر يده بين خصلات شعرها الحريرية سائلًا إياها باستغراب: -صحيح نسيت أسألك، هو الكتب اللي اشتريتيها النهاردة دي هتقريها؟
رفعت رأسها تنظر إليه بتركيز، فهذا السؤال غبي للغاية ولما قد نبتاع الكتب إلى لقرائتها؟ أجابته بتهكم وسخرية قائلة: -وهو المفروض يتعمل بيهم إيه؟ ما أكيد هقرأهم. ضغط على أنفها بأصابعه بسبب تهكمها عليه وتحدث وهو يعبث بخصلاتها كما كان: -قصدي أنهم كتير يا حبيبتي. أعادت رأسها كما كان في أحضانه وتحدثت بحماس قائلة: -عادي، أنا بحب الكتب جدًا والروايات. -طب بتقري لمين؟ ارتفعت بجسدها لتكن مقابلة له ثم تحدثت
بجدية شديدة وهي تسرد له: -أحمد خالد توفيق وطه حسين ونجيب محفوظ وغيرهم كتير، بس الفترة اللي فاتت عرفت كتاب إلكتروني حلوين أوي زي مروة محمد و... استمعت إلى ضحكاته الذي افزعتها فقد أتت دون مناسبة لتراه يتحدث قائلًا بسخرية قبل أن تكمل حديثها: -وبتقري لمروة علشان على اسمك ولا إيه؟ تحدثت بفخر قائلة له:
-منكرش أن ليا الشرف أكون على اسمها، بس أنا بقرأ لها علشان هي كاتبة ممتازة، وعلى فكرة جبت بين الكتب رواية ليها اسمها يكفيك بعادها حلوة أوي نقرأها سوا بقى. ابتسم بسعادة وهو يراها تتحدث بشغف وحب شديد فتحدث هو قائلًا بابتسامة: -عيوني ليكي يا حياتي.. يلا بقى ننام علشان أنا فاصل شحن. ابتسمت بوجهه فاقترب هو منها مقبلًا جبينها محتضنًا إياها دالفًا بها أسفل الغطاء ليذهبوا سويًا في ثبات عميق. *** بعد مرور شهر آخر.
-يوه يا أخي هات السمنة دي أحط على الصينية. قالت كلماتها بضيق وهي تطلب منه منذ ربع ساعة أن يأتي إليها بالسمن الموجود في رف مرتفع لا تستطيع أن تصل إليه. تحدث مجيبًا إياها وهو يبتسم باتساع على ما تفعله: -مش لما تعملي العجينة الأول يا مجنونة أنتِ. زفرت بضيق وهي تنظر إليه وإلى ذلك الرف فقد كانت تريد أن تفعل ما يأتي برأسها هي وليس هو. -يا أخي وأنت مالك؟
جعلها تغضب أكثر عندما رأته يبتسم بسخرية عليها وعلى ثقتها بما تفعل أمامه الآن. -يا حبيبتي أنا أعرف أن المفروض العجينة تتعمل الأول ونسيبها شوية وبعدين نفردها لما ندهن الصينية، ولا تكونيش بتعملي حاجة غير البيتزا؟ نظرت إليه مرة أخرى بضيق، لقد طفح الكيل منه. نظرت إلى الدقيق أمامها بجدية ثم عادت نظرها إلى زوجها مرة أخرى. ابتسمت بهدوء قائلة: -طيب خلاص، أنا مكنتش عايزة أعرفك سر الخلطة بس أمري لله هقولك.. تعالى بقى لما أقولك.
تقدم منها وهو مندهش هل هناك سر للبيتزا أيضًا؟ وقف أمامها دون أن يُخوّنها وعندما وقف في ثانيتها كان قد اصطدم الدقيق كله بوجهه. عادت هي للخلف وهي تضحك بصوتها كله، فقد أهلكها مظهره الذي بدا كالمهرج. ضحكاتها لم تهدأ حيث وضعت يدها على بطنها وخرجت الدموع من عينيها. بينما هو لم يتخيل أن تفعل به ذلك. احتل الغضب ملامحه ونظر إليها بحدة وعصبية متحدثًا بجدية: -أنا يتعمل فيا كده يا مروة؟
وضع يده على وجهه يزيل بقايا الدقيق عنه وهو ينظر إليها وهي مازالت تضحك. نظر إليها بخبث بعد رأى واستمع إلى ضحكاتها: -طيب أنا هعرفك. تقدم راكضًا منها ليمسك بها ولكنها لم تمهله الفرصة حتى ذهبت راكضة هي الأخرى من أمامه خارجة من المطبخ تركض في أنحاء البيت. وقفت خلف مقاعد السفرة تتحدث إليه بتوتر وهو على الجانب الآخر: -اهدى يا مجنون عيلة وغلطت، هتعمل عقلك بعقلها؟ ضحك بصوته كله أمامها ثم نظر إليها غامزًا بعينيه متحدثًا
بوقاحة: -عيلة مين يا أم عيلة، أومال امبارح بالليل كنتِ إيه؟ أحمر وجهها وتحدثت بغضب فهو دائمًا يتعمد أن يخجلها وهي تحاول أن تبتعد عن هذه العادة. -يزيد بطل بقى. تقدم منها بهدوء وتروي متحدثًا فيما لا يروقها حتى يشتت تفكيرها فيما كان يحدث منذ قليل: -أعمل إيه بقى ما أصل أنا مراتي قمر. -يوه. زفرت بضيق شديد متناسية أنه يقترب منها إلى أن حاوط خصرها رافعًا إياها عن الأرض متحدثًا بانتصار: -تعالي هنا رايحة فين؟
حاولت الإبتعاد عنه ولكنها لم تستطع. تقدم من الأريكة ثم وضعها عليها معتليها وهو يتحدث بمكر: -كنا بنقول إيه بقى؟ أجابته وهي تحاول دفعه عنها بقبضة يدها حتى تذهب سريعًا ولكن دون جدوى: -مكناش بنقول حاجة. -بذمتك أنا يتعمل فيا كده؟ ضحكت مرة أخرى كما السابق متذكرة مظهره منذ لحظات. أردفت قائلة: -منظرك كان يهلك من الضحك.
نظر إلى شفتيها التي تسرقه إليها في كل مرة تتحدث أو تبتسم أو أيًا كان ما تفعله. انخفض إليها يقبلها بجنون وكأنه على وشك الموت وهي المنجي له. يقبلها بشغف كبير وكأنها آخر ما تبقى على وجه الأرض. ولم ترفض ذلك هي بل بادلته جنونه الغير طبيعي بصدر رحب متناسية أي شيء آخر. *** مرة أخرى وأخرى يجتمعون مع بعضهم. من يريدون تدمير كل شيء جميل لأسباب واهية لم يتحققوا منها. جلست "نجية" أمام ابنها الكبير ثم قالت متسائلة: -وبعدين؟
أجابها ولدها وهو لا يدري أيضًا ما الذي يجب أن يفعلوه: -مش عارف.. أنتِ رأيك إيه يا عمي؟ تقدم للأمام وتحدث بعد تفكير قائلًا بجدية شديدة: -كلمة.. قوله بيقولك عمك لو مرجعتش أعتبر مرتك عرفت بكل حاجة يا ابن الراجحي ويمكن زيادة حبتين. ظهرت تجاعيد وجه "نجية" وهي تتحدث بكل هذه القسوة: -اخترنا غلط من الأول.. قولنا يزيد هو اللي هيخلص كل حاجة وأهو داب في عشقها ومش شايف غيرها. أجابها "فاروق" متحدثًا بجدية:
-البت حلوة يا حجة وأي حد يدوب فيها. تحدث عمه بصرامة واضحة قائلًا: -ماهي مرته دلوقتي يعمل اللي هو عايزه مقولناش حاجة، لكن أنه يحبها لا وألف لا. وقف "فاروق على قدميه متقدمًا إلى الخارج وهو يهتف بجدية: -أنا هكلمه وهو هيرجع متخافوش حتى لو أتأخر شوية. وقف الآخر بعده متقدمًا إلى الخارج مثله قائلًا بهدوء اصطنعه: -هروح أريح شوية.
ثم دلف إلى الخارج وسار في رواق المنزل ليصعد على الدرج متوجهًا إلى غرفته في ذلك المنزل. دلف إلى الغرفة وأغلق الباب من خلفه. أزال عنه جلبابه ووضعه على المقعد بجوار الباب ثم تقدم للداخل بخطوات ثابتة وهادئة. نظراته لا تعبر عن أي شيء فقط نظرة عادية. جلس على الفراش وهو ينظر إلى صور زوجته وابنه المعلقة على الحائط. لطالما كان هادئ وغامض مثل بعض الحروف في الكلمات لا تظهر ولكن متواجدة وتغير المعنى الحرفي لها. هو كان كذلك منذ أن بدأنا بسرد ما حدث من البداية إلى الآن وظهوره قليل. حديثه قليل. كل ما يفعله قليل ولكن أثره كبير للغاية.
وقف على قدميه ثم تقدم من الحائط وأزال الصور المعلقة من عليه. أمسك بصورة ابنه الراحل "زاهر" ثم جلس على الفراش مرة أخرى وهو ينظر إلى الصورة متحدثًا بحزن وكأنه يتحدث مع شخص ما حقيقي: -إيه رأيك في أبوك؟
فاضل قليل وهاخد حقك وحق أمك.. هاخد حقكم من أي حد شارك في موتكم ولو بالقليل. جدك وأهو مات وعمك مكنش ليه ذنب بس مات هو كمان النصيب الكبير بقى لعيلة طوبار هموتهم واحد ورا التاني.. ويزيد وفاروق اللي بيتمتعوا بتعبي وشقايا اللي أنت كنت أولى بيه يا ابن عمري.. بس متقلقش كله بأوانه... كله بأوانه.
نظر أمامه بعد أن ألقى نظرة سريعة على صورة زوجته الراحلة. نظر إلى الفراغ وقد كانت عينيه مليئة بالحقد والشر الذي لو حاولوا توزيعه على العالم أجمع لفاض منهم وقد كان هذا سببه الحزن المفرط على شريكة حياته وابنه الوحيد. يستحقوا الحزن عليهم إلى بقية حياته ولكن الحزن ليس بتخريب حياة البشر وتدبير المكائد لهم! وكان بالنسبة إليهم عمهم هو والدهم وكبيرهم. كان هو الباقي من عائلتهم الكبيرة ولكن يالا الصدمة عند معرفة ما يفعله بهم!
*** في المساء. وقف في شرفة بيته ينظر على المارة والسيارات أسفل البناية. يدخن سيجارته بهدوء شديد. ذهنه ليس صافي بل كان شاردًا فيما حدث اليوم.
كلمات شقيقه إليه وتلك القرارات الذي اتخذوها، إن لم يعد ستكون صعبة عليه وحده. ستكون بالموت إليه إن فعلوا ما قاله حقًا. حدة ذكائه ومكره لا تسعفه في حل تلك المعضلة، أو أنه يخاف أن يفشل. كلماته أخيرة وحادة على عقله. عمه وشقيقه لن يتنازلوا، ويعلم أيضًا أنهم يفعلون أي شيء للحصول على ما يريدون. يخاف خسارة من دق قلبه لها بسبب أشياء كالهواء بالنسبة إليه. يخاف خسارة من أصبحت كل شيء له في هذه الحياة. يخاف خسارة حبها. ومن هنا لن يفعل هو أي شيء. يخاف أن يخطئ فتضيع منه إلى الأبد.
دلفت إلى الشرفة منذ لحظات ولم يحرك ساكنًا، فلم يراها من الأساس. هو عقله في مكان آخر منشغل بما وقع على رأسه من انتقام مقيد به. وضعت يدها على ظهره بعد أن وقفت جواره وتحدثت متسائلة باستغراب: -إيه ده سرحان في إيه؟ نظر إليها بعدما أخرجته من شروده. نظر إلى صفاء عينيها متنهدًا بإرهاق شديد، وقد كان عقله قارب على الشكوى منه. تحدث بهدوء قائلًا: -مفيش يا حبيبتي.
نظرت إلى السيجارة بيده وكم كانت تبغض هذه السجائر. تخاف وبشدة على صحته، تعلم أن تأثيرها لن يظهر الآن بل سيظهر في المستقبل. قدمت يدها لتأخذها من بين يده، ولكنها سريعًا وضعها في اليد الأخرى متحدثًا بجدية: -أرجوكي بلاش تاخدي مني السجاير بعد كده وهي في إيدي. ويا ريت لو متخديهاش خالص. أردفت بانزعاج وضيق منه ومن أفعاله الغير محسوبة: -قولتلك قبل كده إنها غلط ومش بحب أشوفك بتدخن.
زفر بضيق هو الآخر، وقد كان يتمسك بآخر ذرة هدوء يتحلى بها، فهو لا يستطيع أن يتحدث أو أن يفعل أي شيء بصورة طبيعية. تحدث بغضب قائلًا وهو يشير إلى الداخل بيده: -مش بتحبي تشوفيني وأنا بدخن، يبقى ادخلي جوا وسيبيني بقى. اقتربت منه بهدوء وقد علمت أنه منزعج من شيء ما، فلم يكن هكذا أبدًا دون أسباب. وضعت يدها الإثنين على وجنتيه وتحدثت بهدوء متسائلة: -مالك يا حبيبي في إيه؟
ألقى السيجارة على الأرضية ودعسها بقدمه، ثم وضع يديه الإثنين فوق يدي "مروة" وتحدث بجدية قائلًا: -مروة، إحنا لازم نرجع. سحبت يديها من أسفل يده وعادت إلى الخلف خطوة، وقد هوى قلبها بين أقدامها فلا تريد العودة أبدًا. هل ستعود بعد أن اعتادت على هذه الحياة؟ ستذهب إلى الضوضاء بقدميها وهي في يدها أن تستقر في الهدوء. تحدثت متسائلة بجدية: -ليه؟ ما إحنا كده كويسين.
أقترب هو منها بعد أن علم ما جال بخاطرها، وضع يديه على أكتافها متحدثًا برجاء: -أرجوكي يا مروة بلاش كلام في الموضوع ده، أنا مش ناقص. إحنا لازم نرجع البلد ومن غير نقاش، أظن عملت اللي أنتِ عايزاه وأزيد كمان. استغربت حديثه، ومن قبل استغربت أفعاله، فسألته مرة أخرى غير السابقة: -مالك في إيه؟ حاسة إن فيه حاجة. أبتعد عن مرمى عينيها متحدثًا وهو يراوغ:
-عندي مشكلة في الشغل شغلاني شوية.. متشغليش بالك أنتِ، هتتحل. المهم حضري نفسك علشان نرجع. جعلته ينظر إليها مرة أخرى وتحدثت بهدوء ولين مترجية إياه حتى يرضخ لها: -طب أسبوع واحد بس. أبتعد تاركًا إياها وتحدث هو الآخر بجدية رافضًا طلبها: -مروة لأ، كده كتير أوي. لحقته تنظر إليه بحب ولين قائلة: -علشان خاطري.. أسبوع واحد بس، هو ده كتير عليا؟ تركها ودلف إلى الداخل متحدثًا بجدية: -ماشي يا مروة، هو أسبوع واحد. بعد أسبوع
فكر كثيرًا وكثيرًا ثم توصل إلى حل يعتقد أنه سينجح في فعله. نعم سينجح. هو لن يتحدث مع أي منهم ولن يفعل أي شيء يؤذي زوجته. لن يستغلها. ولن يعطي لهم شيئًا من أمواله. سيصمت ولن يتحدث إلى أن يبدأ أحد منهم معه الحديث، حينها سيرفض واضعًا إياهم أمام الأمر الواقع وسيخرج كل ما كنه قلبه وسيفعل كما يفعلون معه من تهديد وغيره. كل ما يستطيع فعله سيفعله. وبعدها يصارح زوجته بكل شيء ويبدأ مرة أخرى غير الأولى على وضوح تام. سيقول لها سبب الزواج الحقيقي الذي تساءلت عنه مسبقًا. وسيحاول أن يجعلها تلين له وتستمع إلى قلبه الذي يصرخ حبًا بها.
حاولت دفعه بيدها ولكن هو ثابت أمامها، محاصرًا إياها بيده الموضوعة على الحائط خلفها. يبتسم بزهو وغرور بينما هي الغضب يجتاحها، ولكن تحدثت بهدوء قائلة: -يزيد بطل بقى الله. ابتسم بسعادة وهو يجيبها قائلًا بمرح: -أبطل إيه، مش لما تتعاقبي الأول. وضعت يدها على وجنته وتحدثت بهدوء ولين ماكر يخرج من امرأة: -طب أنا عندي فكرة أحسن. بما إننا هنرجع بكرة، تعالى نشغل فيلم حلو كده ونسمعه سوا مع شوية فشار ونودع البيت.
أقترب منها ليتحدث بجانب أذنها بنبرة خبيثة وماكرة: -فشار إيه وفيلم إيه، مش بتقولي هنودع يبقى نودع بذمة وحاجة تليق بيا. دفعته بقبضة يدها في صدره ثم تحدثت بجدية وهي تبتعد عنه إلى الخارج: -بقولك إيه، هنسمع فيلم يعني هنسمع فيلم، بس كده. يلا حضر الدنيا وأنا هعمل فشار.
خرجت من الغرفة وتركته يضحك خلفها. يضحك على هذه السعادة التي كُتبت لا عليه منذ وجودها. تقدم من الكومود بجوار الفراش ثم فتح أحد أدرجه ليأخذ منه فلاشه كان بها بعض الأفلام الجيدة. بحث عنها بين محتويات الدرج ولم يجدها. أغلقه ثم فتح آخر وبالفعل وجدها، التقطها منه ثم أغلقه ووقف على قدميه ليذهب يفعل كما قالت له. ولكن جذبه شيء داخل محتويات هذا الدرج!
استدار مرة أخرى ومن ثم فتحه ليخرج ما وقعت عليه عينيه بالخطأ. نظر إليه بين يديه بذهول تام بعد أن علم ما هو وتأكد من الذي مدون عليه. احتلت الصدمة كيانه وجمدت أطرافه. هل حقًا هذا لها؟ ماذا تفعل به؟ لما لم تتحدث عنه قبلًا أو تأخذ رأيه فيما تريد فعله؟ ألا يحق له أن يعلم؟
يعلم ماذا، فهو لو يعلم لم يكن يتركها تفعل ذلك رغمًا عنها وعن الجميع. نظر إليه مرة أخرى ولكن قد تحولت الصدمة إلى غضب عارم وحزن شديد. غضب لو تركه سيحرق الأخضر واليابس وحزن تلبسه منذ أن جال بخاطره أنها لا تريد الآن، أو ربما لا تريد أبدًا. ولكن في كل الحالات أخطأت وعليها أن تعلم ذلك على طريقته. دلت إلى الغرفة ووجدته يعطيها ظهره ينظر إلى شيء ما في يده ربما. تحدثت متسائلة بجدية ومرح: -ما يلا ياعم زيزو، الله دا أنا خلصت.
استدار إليها وقد علمت من تلك النظرة القاتمة بعينيه أن هناك شيئًا قد حدث. تحدثت مرة أخرى متسائلة وهي تقترب منه: -مالك في إيه؟ رفع ما بيده ثم سألها بنبرة خالية من أي شيء سوى البرود: -بتاع مين ده؟ نظرت إلى ما بيده ثم أجابته بجدية شديدة ولم يأتي بخلدها ما دار داخل عقله من كلمات وخطط وأفعال: -بتاعي. أخذ نفس بعد أن استمع لإجابتها الصريحة وزفره بصوت مسموع. ثم تحدث مرة أخرى متسائلًا وعينيه تزداد قتامه:
-أنتِ عارفه إيه اللي في إيدي ده؟ -حبوب. وضعت البنزين جوار النيران ولا تريد أن تشتعل إلى السماء! أكمل هو ما لم تقوله بغضب وعصبية وهو يلقي الشريط الذي بيده بوجهها بحدة شديدة: -منع الحمل!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!