تحميل رواية براثن اليزيد بقلم ندا حسن pdf
بقلم ندا حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خرجت من الغرفة عازمة أمرها على ذلك القرار الذي اتخذته في ثوان معدودة بعد تلك المكالمة التي وردتها من زوجة عمها الجالس مع والدها بغرفة المعيشة الآن. لا تدري ما ذلك الهراء الذي يحدث من حولها ولكن ليس بيدها شيء آخر تفعله سوا ذلك. فهذا ابن عمها وخلاصه بيدها هي فقط وإن كان شخص آخر تستطيع إنقاذه لفعلتها دون تردد ولكن الأمر مريب والتفكير به مرهق كثيراً، لذا أخذت ذلك القرار على عجلة من أمرها حتى لا تعود به وتنهي حياة شخص بريء وبيدها نجاته. ولجت إلى داخل الغرفة لترى والدها وعمها يجلسان سويًا. نظروا إليها...
رواية براثن اليزيد الفصل الأول 1 - بقلم ندا حسن
خرجت من الغرفة عازمة أمرها على ذلك القرار الذي اتخذته في ثوان معدودة بعد تلك المكالمة التي وردتها من زوجة عمها الجالس مع والدها بغرفة المعيشة الآن. لا تدري ما ذلك الهراء الذي يحدث من حولها ولكن ليس بيدها شيء آخر تفعله سوا ذلك.
فهذا ابن عمها وخلاصه بيدها هي فقط وإن كان شخص آخر تستطيع إنقاذه لفعلتها دون تردد ولكن الأمر مريب والتفكير به مرهق كثيراً، لذا أخذت ذلك القرار على عجلة من أمرها حتى لا تعود به وتنهي حياة شخص بريء وبيدها نجاته.
ولجت إلى داخل الغرفة لترى والدها وعمها يجلسان سويًا. نظروا إليها بعد أن وجدوها تدلف إليهم كما لو أن الشياطين تلاحقها. وقد خاب أمل عمها كثيرًا من تلك النظرة بعينها وأدرك أنها ترفض تمامًا. أما والدها فخاف بشدة أن تقول ما توقعه منها وهو الذي كان سيرفض للتو للمرة التي لا يعلم عددها بسبب كثرة التفكير ويعتذر من شقيقه بأنه ليس له دخل هو وبناته بما يحدث بعيد عنهم.
أخذت نفس عميق ثم زفرته لتهتف بسرعة وكأنها تتخلص من عبء ثقيل على قلبها لو انتظرت ثواني لفتك بها:
- أنا موافقة يا عمي اتجوز ابن الراجحي.
وقف والدها على قدميه ينظر إليها بذهول بعد أن قالت ما توقعه ليتحدث بحدة قائلاً وقلبه ينتفض فزعًا على ابنته:
- أنت اتجننتي يا مروة؟ عايزة ترمي نفسك في نار العيلة دي ومع واحد منعرفش عنه حاجة؟
أجابته مضيقة ما بين حاجبيها باستغراب وقد عبث ضميرها بالقرار الذي اتخذته:
- مش أحسن ما حد مننا يروح فيها وبعدين أرجع أندم وأعاتب نفسي إني كان ممكن أنقذه!
جلس والدها خلفه على المقعد وأخفض رأسه للأرض. نعم هو يعلم أن ما تتحدث به صحيح لن يستطيعوا فقد أحدًا منهم وخصوصًا أنه الآن يعتبر وحيد والديه بعد ذهاب شقيقه الأكبر.
أقترب منها عمها بعد أن وقف على قدميه تترقرق الدموع بعينيه بعدما قدمت مستقبلها للمجهول مقابل روح ابنه. احتوى وجهها بين كفيه ثم تحدث قائلاً:
- أنا آسف والله يا بتي مكتش عايز ده يحصل بس ما باليد حيلة وده دلوقتي ابني الوحيد.
تحررت دمعة واحدة فقط من أسر عينيها لتزيلها سريعًا وهتفت مبتسمة بهدوء محاولة التخفيف عن نفسها والجميع حولها:
- متقولش كده يا عمي. محدش عارف نصيبه فين.
نظرت إلى والدها وجدته كما هو يسيطر الحزن عليه بسبب ما تتقدم على فعله. تركت عمها وذهبت إليه. جلست على عقبيها أمامه ثم تحدثت قائلة بهدوء مصتنع:
- بابا إحنا مفيش قدامنا حل غير كده. أنا عارفه أنك خايف عليا بس... بس كمان ده تامر مقدرش أتخلى عنه. أنت عارف هو ايه بالنسبة لينا كلنا. أنا هكون بخير متقلقش عليا.
نظر إليها والدها مبتسمًا بحزن ثم قبل جبينها بحنان دون أن يتفوه بحرف واحد فماذا سيقول من الأساس ولا يوجد حل آخر سوا ما أقدمت عليه ابنته. لتقف هي على قدميها متجهة إلى خارج الغرفة تاركة خلفها أفكار تقتل وتحيي.
***
دلفت إلى غرفتها وأوصدت الباب خلفها بهدوء حاولت جاهدة التحلي به أمام الجميع. وقفت أمام المرآة تنظر إلى مظهرها ثم مرة واحدة اجهشت في البكاء لما هي مقدمة عليه ولا تعلم عنه أي شيء وتتذكر مكالمة زوجة عمها لها منذ قليل والتي كانت تترجاها بها بأن توافق لتحافظ على سلامة ابنها الباقي لها.
"كانت تستمع إلى زوجة عمها الباكية ولا تدري بماذا تجيب عليها. فقد مزق حديثها قلبها الرقيق الأبيض النقي لتستمتع إليها مرة أخرى تقول بنحيب:
- علشان خاطري أنا يا مروة يا بتي. أنا مفاضليش غيره. طول عمري وأنا اللي مربياكي يا مروة من يوم موت أمك الله يرحمها روديلي الجميل في ابني. أنا عارفة أنه صعب يا بتي بس مش مستحيل واقنعي تامر يا مروة الله يخليكي. ده قالب الدنيا وبيقول مستحيل ده يحصل.
اختنق صوتها بالبكاء الحاد الذي بدأت به لتقول لها سريعًا حتى تتخلص من هذه المكالمة المرهقة لروحها:
- حاضر. حاضر يا مرات عمي.
ثم أغلقت الهاتف دون سماع أي إجابات منها فقد اكتفت بما استمعت إليه إلى الآن."
توجهت للفراش لتتمدد عليه بحزن والدموع جارية على وجنتيها فلم يكن هذا ما تحلم به. هي صاحبة الأربعة وعشرون عامًا. هي التي الحياة أمامها لا تريد الزواج وبهذه الطريقة أيضًا. لا تريد غلق المعرض الخاص بها فهذا أهم شيء عندها. لا تريد ترك الرسم. لا تريد ترك حياتها هذه. لتحتضن وسادتها والأفكار السيئة تزداد على عقلها بكثرة ولم تتوقف عن البكاء لمدة ليست بالقصيرة إلى أن غلبها النعاس لتذهب هاربة من واقعها المرير بالنوم المؤقت.
***
جلس على المقعد مقابل مكتبه ينظر إلى الفراغ أمامه وهو يفكر في تلك المعضلة التي وضعوه بها. يفكر كثيرًا في ما سيحدث لاحقًا من أشياء عدة يعلم جيدًا أنها لن تمر مرور الكرام على الجميع وهو على رأسهم.
هل حقًا سيفعل ذلك كما قال لهم؟ هل يستطيع استغلالها هكذا؟ زفر بضيق وهو يحدث نفسه مرة أخرى غير الأخرى والأخرى السابقة.
يا الله أنها أبشع الطرق لاسترداد الحق. أليس هناك طريقة أخرى؟ ما هذه التراهات التي أفكر بها ثانية؟ فكل ذلك مر على تفكيري ولم أرى له حل قد. ما ذنب تلك الفتاة في مخططهم؟ ما ذنبها؟ لماذا عليها أن تنقذ ابن عمها البريء أيضًا؟
عاد بذاكرته لحديثه مع عمه "سابت" وشقيقه "فاروق" ووالدته "نجية" منذ أسبوع مضى.
"وقف أمامهم والصدمة تعلو ملامحه من حديثهم الذي جعله يشعر بالدهشة:
- انتوا بتقولوا ايه؟ دا جنان وأنا مستحيل اتجوز بالطريقة الهبله دي.
صاح عمه سابت بحدة معتقدًا أنه يستطيع السيطرة عليه هكذا برفع صوته وجعله يرى أنه الكبير:
- مفيش غيرك هيعملها يا يزيد ودي مش صعبة عليك يعني.
نظر إلى عمه بحدة هو الآخر ثم تحدث صارخًا به وهو يرى تلك النظرة بعينه:
- صعب ايه وسهل ايه اللي بتتكلم بيه؟ دي أرواح ناس. آه شايف النظرة اللي في عنيك بتقول وأنت يعني يا يزيد يهمك ايه ما أنت طول عمرك مش بيهمك حد. بس دول ناس ملهاش ذنب في أي حاجة لا الشاب اللي بتهددوا بقتله ولا البنت اللي عايزين تجوزوهالي.
وقف شقيقه الأكبر صارخًا به لعله يرضخ للأمر ويفعل ما يريدون ليتحقق العدل بالنسبة لهم فقط:
- أنت هتعمل اللي بنقول عليه وأنت ساكت ومش هنسمعلك صوت دا حقنا. حق أبوك وأبويا وحق مرات عمي وزاهر الله يرحمهم اللي ماتوا مقهورين بسبب اللي حصل.
تقدم منه "يزيد" بعد أن فقد آخر ذرة هدوء داخله ليمسك به من تلابيب جلبابه الصعيدي:
- لو مش عاجبك اللي بقوله روح اتجوزها أنت.
وهنا وقفت والدتهم "نجية" التي ترتسم على ملامح وجهها القسوة كما عمهم بالضبط لتتحدث هي أيضًا بحدة وهي تجذب "يزيد" ليبتعد عن شقيقه الذي لم يعتبره الأكبر منذ أن تزوج:
- مش عايز تتجوزها وترجع حق أبوك يا يزيد؟ مش عايز تجيب حق ابن عمك اللي مات غدر ولا مرات عمك اللي ماتت من القهرة؟ فين يزيد الراجحي ابني الراجل اللي قال إنه هيرجع كل حاجه راحت حتى لو بالموت كنك مكنتش راجل في كلمتك يا ابن نجية والطار اللي قولت هتاخده كان لعبة من ألاعيبك.
أبتعد عنها وهو يتذكر تلك الأيام الذي مرت على عائلته قهرًا ثم قهرًا. تلك الأيام الذي توعد بها أنه سوف يعود بحقهم مهما كلف الأمر. هل كما تقول والدته أنه لم يكن رجلًا بحديثه؟
سيطرت القسوة على ملامحه وهو يتذكر فراق والده وابن عمه. قست ملامحه وهو يتذكر كل شيء مر عليهم بسبب عائلة "طوبار" وذلك الثأر الذي بينهم. والآن الخيار بين يديه إما أن ينهي الثأر وقتل نفس بريئة بزواجه منها وهنا يعود حق الجميع. إما أن يرفض ليفعلوا ما قالوا عليه وتضيع العائلة بأكملها.
استدار إليهم مرة أخرى ولكن وجهه لم يكن يحمل ملامحه السابقة وهو يدافع عنهم بل يحمل ملامح الانتقام والحقد والقسوة ليقول بهدوء مخيف:
- موافق.
خليهم يشوفوا مين هو يزيد الراجحي اللي عاش نص عمره في قهر على أهله.
سيطرت ملامح الفرحة على ثلاثتهم، وبالأخص عمه "سابت". تهللت أساريره وكادت أن تخرج الفرحة لتتجسد أمامه من عينيه.
"ما هذه التراهات جميعها؟ كيف لي أن أفكر هكذا؟" عاد مرة أخرى للقسوة، عاد لحدته وعنفوانه وهو يحدث نفسه.
"هل قلت ما ذنبها؟ وما ذنبي أنا؟ وما ذنب أمي أن تعيش أرملة؟ وما ذنب عمي أيضاً؟ ما ذنب الجميع؟ عليها أن تتحمل كل ما سيحدث، فلم يكن هناك سبب غير عائلتها فيما حدث لنا. إذاً لتتذوق "براثن اليزيد" وترى كيف تكون."
***
استمعت إلى طرقات على باب الغرفة، لتستفيق من حالة اللاوعي التي وقعت بها بعد أن استيقظت من نومها منذ ساعات وهي تفكر بمستقبلها المجهول. وقفت على قدميها متجهة إلى باب الغرفة لتفتحه بهدوء. وجدت شقيقتها الكبرى تقف أمامها، ويبدو أنها علمت ما حدث من والدها، لتدلف إلى الداخل مغلقة الباب خلفها بهدوء. بينما جلست "مروة" على الفراش مرة أخرى، ناظرة للفراغ محتضنة الوسادة الخاصة بها.
نظرت إليها شقيقتها ميار لترى أثر البكاء ظاهر بوجهها بوضوح. عينيها المنتفخة بشدة، وجنتيها الحمراء، أنفها الأحمر من شدة البكاء. جلست أمامها على الفراش القرفصاء، تنظر إليها باهتمام، ثم صاحت سائلة إياها باستغراب:
"ليه عملتي كده يا مروة؟"
نظرت إلى شقيقتها بذهول، ولم تكن متوقعة منها هي بالأخص أن تسألها مثل هذا السؤال. لتقف على قدميها بعد أن ألقت الوسادة بعيداً، هاتفة بحدة:
"حتى أنتِ يا ميار بتقولي كده؟ طب ما أنتِ عارفه كل حاجة. عايزاني أسيب الطار اللي بيقولوا عليه ده يموت تامر ويخلص على العيلتين؟.. ولا عايزاني أعمل إيه؟ أنا مش فاهمه."
وقفت "ميار" على قدميها لتواجهها، وهي أيضاً لا تدري حقاً ماذا عليها أن تقول:
"أنا عارفه شعورك والله، بس لو كنتِ استنيتي شوية وحاولنا نلاقي حل كان ممكن يحصل."
ابتسمت بمرارة وهي تجيب شقيقتها بسخرية، فقد حاول الجميع ولم يجدوا حل سوا ذلك، وكأنه كتب عليها أن تكون زوجة ابن عائلة "الراجحي":
"نلاقي حل؟ نلاقي حل إزاي دا دي تالت مرة عمي يجي فيها.. طب ماهو أول ما قال بابا رفض وقال لازم يشوفوا حل تاني يخلصوا بيه الحوار. وقال بعدها أهل البلد وعيلة الراجحي مش راجعين عن الجواز. مش فاهمه ليه بس أنا مكنش ينفع أفضل ساكتة، خصوصاً بعد ما مرات عمي كلمتني... دي كانت منهارة أوي وعندها حق، أنا لازم أردلها الجميل. ما هي اللي مربياني."
جلست "ميار" على الفراش وهي تفكر، ما هذه التراهات التي ظهرت من العدم لتقلب حياتهم هكذا؟ فهم يعيشون منذ تلك الحادثة ولم يتحدث أحد من هذه العائلة أو تأتي كلمات على اسم الثأر:
"أنا مش فاهمه ايه الجنان ده بجد! هما جايين بعد موت ابنهم بخمس سنين ياخدوا طاره؟ وبعدين كمال مقتلهوش أصلاً، دا كان غصب عنه وهو اتحبس وخد عقابه ومشي. دا كان صاحبه... أنا مش مطمنة للحوار ده أبداً."
نعم شقيقتها محقة، ولكن هل هناك حل؟ هل هناك ما تستطيع أن تفعله ليعودا عن قرار زواجها من رجل لا تعرف عنه شيء أبداً؟ الجميع يضغط عليها، هي تريد الرفض بكل قوتها، ولكن لا تستطيع. فهم يستطيعون أن يقتلوا ابن عمها الذي أعجبت به بيوم من الأيام. غير ذلك، عمها وزوجته، أنهم تعاملوا معها كما لو أنها ابنتهم، ما ذنبهم أن يموت ابنهم المتبقي لهم بعد رحيل "كمال" وهجرته عنهم؟ وما ذنب "تامر" أيضاً في أن يعاقب على شيء ليس له دخل به؟ إذاً وما ذنبها؟..
خرجت من شرودها على صوت شقيقتها وهي تقول بهدوء شديد، أو ربما برود:
"طب وتامر هو موافق على كده؟"
نظرت بعيداً، ثم أجابتها بهدوء تحاول أن تسيطر عليه ليبقى معها قليلاً:
"مرات عمي قالتلي أنه مش موافق وبتقولي اقنعيه، وأنا أصلاً عايزة اللي يقنعني."
ابتلعت شقيقتها غصة تكونت في حلقها بسبب ما أخفته عنها، وتذكرت حزنها المرير على كل شيء يحدث حولها. ولكن أردفت في النهاية بتردد وارتباك:
"مروة أنا عايزة أقولك حاجة."
استدعت انتباهها لتقول مستكملة حديثها بقلب فاتر من الحزن:
"تامر كلمني آخر مرة لما كنا عندهم من شهرين تقريباً، وقالي أنه... أنه بيحبك وعايز يخطبك ومستني لما تفتحي المعرض بتاعك، والمفروض أنه كان خلاص هيتكلم في الموضوع ده، وأنا عارفه أنك كنتِ معجبة بيه صح؟"
ابتسمت لها بمرارة، بينما تكونت الدموع بعينيها لتقول بصوت مختنق بالبكاء:
"أنا عارفه أنه كلمك."
نظرت إليها الأخرى باستغراب، لتكمل قائلة بجدية شديدة:
"سمعته وهو بيتكلم معاكي يومها لما طلعتوا الجنينة... أنا كنت معجبة بيه عادي، شخصيته كلامه رجولته وجدعنته، زيه زي أي حد، لكن خلاص يعني أعتقد كل ده مالوش داعي دلوقتي. وكمان لو كلمك مش عايزاه يعرف اني كنت عارفة ولا حتى إنك قولتيلي."
تممت جملتها بدموعها التي خرجت من عينيها تتسابق، وكأن بذلك سيكون الخلاص مما يحدث. لتتقدم منها شقيقتها بحزن بالغ عليها وعلى نفسها، وأخذتها باحضانها لتبكي هي بقهر ومرارة على أيامها القادمة الذي لا محال في الفرار منها.
***
وقف يصرخ بهم في بهو المنزل، وهو يشعر أن روحه سوف تزهق منه وتخرج إلى خالقها. يشعر أن كل الحب والعشق الذي كانه في قلبه لكي يحافظ عليها يذهب هدر الآن. اشتد الغضب به، وكيف لا وهو الذي تسلب منه معشوقته الصغيرة؟ كيف لا وهو معرض للموت في أي لحظة دون أسباب، وفي بلدتهم عائلة الراجحي معها كامل الحق للأخذ بالثأر؟ ما هذه الخرافات؟..
"أنتم إزاي تقولهم وإزاي تقولوا لمروة؟.. يعني قولتلها من أسبوع وكل شوية رايح مصر علشان تقنعها لحد ما وافقت؟ انتوا فاكرني عيل صغير علشان تعملوا كده؟ أنا مش هسمح أنكم تعملوا فيها كده، وحتى لو بموتي."
نحبت أمه وظلت تبكي، فهي منذ الصباح تحاول أن تجعله يهدأ ويلين، ولكن كيف وهو الأحق بابنة عمه الذي داب عشقاً بها منذ سنوات؟ بينما حاول والده التحدث قائلاً:
"يابني الله يرضى عليك مفضلش غيرك ليا أنا وأمك من يوم أخوك الكبير ما هاجر وسابنا.. صحيح هو مقتلش زاهر، بس هما شايفين كده وفقدوا حد غالي عليهم ومن بعديه حد تاني وعايزين طاره، ومفيش غيرك هياخدوا منه الطار ده."
تريث قليلاً ثم أكمل وهو يجلس على الأريكة خلفه، فقد هلك اليوم من هنا لهناك:
"والحل الوحيد اللي وصلوا ليه كبار البلد هو جواز حد من العيلة دي للعيلة دي ونخلص علشان يفضوا الأشكال ده."
أجابه سريعاً بعد أن استمع إلى ذلك الحكم الذي لم يسمعه من قبل، معتقداً أنه هكذا يستطيع أن يحظى بها، وحتى إن تزوج غيرها. صاح قائلاً بلهفة:
"يبقى أنا اتجوز من عندهم، أنا موافق على كده، لكن مروة لأ.. هما مش عندهم بنت بردو؟"
أخفض والده رأسه متحدثاً بارهاق شديد بعد أن تعب بشدة من ابنه وكل ما يحدث من حوله:
"الاختيار حصل خلاص يابني، ومروة هتتجوز يزيد الراجحي."
ابتعد عن والده كالثور الهائج، يطيح بكل ما وقعت عينيه عليه، وهو يصرخ بهم بقلب مجروح:
"يعني إيه؟.. لأ مش هيحصل، مستحيل ده يحصل، مستحيل."
ذهبت والدته إليه تحتضنه وهي تبكي قهراً على ما يحدث في منزلهم، ها هي كل الأحداث تتكرر أمامها:
"الله يخليك ما صدقنا عمك ومروة وافقوا، أنا ماليش غيرك، عايز تموتني مقهورة عليك؟..."
تفقدها بذهول ليقول مندهشاً بعد أن استمع إليها:
"يعني كمان غصبتوا عليها؟"
ابتعد عن والدته ليصعد إلى غرفته، وهو يفكر في حل ربما يجد ويجعل والده يسحب الموافقة الذي قدمها لعائلة "الراجحي" دون علمه. ولكنه كان في حالة اهتياج ربما له كل الحق بها.
"هكذا نحن دائماً نظل نخطط لشيء ما، ويأتي القدر ليطيح بكل ما أردنا فعله. ليطيح بأحلامنا بعرض الحائط."
دلف إلى غرفته، مغلقاً الباب خلفه بحدة، مما جعله يحدث صوتاً مزعجاً. أخرج هاتفه من جيب بنطاله ليعبث به قليلاً، ثم وضعه على أذنه منتظر الرد منها:
"مروة؟.."
حاولت قدر الإمكان أن تجعل نبرة صوتها طبيعية وإبعاد ذلك البكاء عنها، وهي تجيبه من على الطرف الآخر:
"أيوه يا تامر."
تحدث متوسلاً إياها وهو يجوب الغرفة ذهاباً وإياباً، ربما ترضخ هي لحديثه:
"أرجوكِ اسحبي الموافقة بتاعتك.. متخافيش، احنا ممكن نضغط عليهم واتجوز أنا من عندهم، أنا موافق بس أنتِ لأ، أرجوكي."
تحدثت بحزم قائلة له وهي تضغط على تلك الكرة التي تساعدها في تقليل التوتر:
"عمي قال ده كلام ناس كبيرة وقال إن قعدة كبار البلد مش هتتعاد، ولا هما هيرجعوا عن اللي في دماغهم، وأنا خلاص يا تامر وافقت، أتمنى تقفل الحوار بقى."
اختنق صوته بسبب تلك العاصفة التي اجتاحته من بعد سماع حديثها، الذي رأه غبي كثيراً، ولكنها أيضاً معها كامل الحق. استجمع شجاعته وحاول الإعتراف لها بما يكنه في قلبه من عشق وحب فياض لها:
"مروة أنتِ مش عارفه أنتِ ايه بالنسبة ليا.. ماينفعش تتجوزيه، ماينفعش... مروة أنا بح..."
لم تجعله يكمل ما بدأ به، حيث أن الدموع جرت على وجنتيها، ووجدت نفسها لا تستطيع السيطرة على تلك الدموع والشهقات اللعينة، ولا تستطيع أن تسمع منه هذه الكلمات، لتقول بحدة:
"خلاص بقى يا تامر، أنا وافقت وهتجوزه ومفيش رجوع، متتكلمش معايا في الحوار ده تاني أرجوك."
ثم أغلقت الهاتف دون أن تستمع منه ردًا، لتلقي بنفسها على الفراش مكملة حالة الانهيار الذي دلفت بها منذ الموافقة. فحتى إن كانت لا تريد "تامر"، فهي لا تريد ابن "الراجحي" أيضًا. لم تأخذ قصة إعجابها بـ "تامر" على محمل الجد، فهو كان كما أي شخص يكتمل به المواصفات التي تريدها.
بينما هو لم يستطع فعل أي شيء سوا أنه ألقى الهاتف بعرض الحائط ليقع مهشمًا إلى أشلاء، وذهب ثائرًا في الغرفة يهشم ما يقع تحت أنظاره. ولم يساوي ما يفعله حرقة قلبه عليها، ولن يساويه أيضًا مهما فعل.
رواية براثن اليزيد الفصل الثاني 2 - بقلم ندا حسن
خصلاتها ذهبية كـ لون قرص الشمس، عينيها بها زُرقة كـ زُرقة البحر في ساعة صفاء السماء، وبها خُضرة كـ لون أرض زراعية زُرعت بحب، متعددة الاختلافات وقد فُتن بتلك الاختلافات.
بعد أسبوع.
تجولت بين الأراضي الزراعية، سارت كثيراً بين الأراضي الخضراء وهي تحاول استنشاق هواء نقي من هذه البلد الذي لطالما وجدتها جميلة ونقية بها أحب الناس على قلبها، ولكن الآن اختلفت كثيراً فهي ستكون مكان أثرها، مكان حِرمانها من كل شيء أو ربما هي تعظم الأمور، لا تعلم ولكن لا تستطيع الصمود أمام كل هذه التراهات التي تراها كثيرة على عقلها.
أتت منذ ثلاثة أيام بصحبة والدها وشقيقتها بعدما قالوا أن الزفاف سيتم هنا في بلدتهم ولا مكان غير ذلك، سارت إلى مصيرها المحتوم وهي مغمضة العينين لا تستطيع الرفض بعد كل ما حدث، وإلى الآن لم ترى زوجها المستقبلي الذي فُرض عليها!
جلست أمام بحيرة صغيرة مياهها نقية، يتلاعب الهواء بخصلات شعرها المائل إلى اللون الذهبي الرائع، تداعب نسمات الهواء وجهها بلطف وهي تنظر إلى المياه شاردة في مستقبلها المجهول.
أزالت ذلك الوشاح الصغير من حول عنقها ثم وضعته جوارها لتأخذ أكبر قدر من الانتعاش ولكن لم تحذر أبداً، تسارعت الدموع على وجنتيها بلا توقف، لا تعلم لما الآن وهي بالكاد تحاول السيطرة على نفسها، دائماً لم تكن تستطيع السيطرة على تلك الدموع اللعينة.
وأخيراً.. تركتهم ربما تزيل هذه الدموع بعض من الآلام الذي بقلبها أو ربما تخفف من تفكيرها بمن سيصبح زوجها بعد أيام وهي لا تدري عنه شيئاً سوى اسمه "يزيد الراجحي".
______________________
هل هو الآن جالس في بيت من بيوت عائلة "طوبار"؟ لم يكن يعتقد أنه سيدلف إحدى هذه البيوت إلا بعدما تكون ملكه، هل هو الآن ضيف عندهم؟ لا لن يُعطي لهم الفرصة للتكبر عليه أنهم إلى الآن لا يعلمون من هو ابن عائلة "الراجحي".
دوامة تدور في عقله الآن وهو جالس بينهم ومعه عمه الذي رفع رأسه في شموخ وتكبر بل وغرور أيضاً وشقيقه يفعل المثل، وإنما هو جلس وحده وكأنه مُحاط بهالة فريدة من نوعها، جلسته فريدة من نوعها تحمل عنجهية وغرور لا يُوصف، ابتسامته خلفها مكائد وخبث لا يُحكى، نظرة الصقر الذي يمتاز بها تجعلك تنتفض بداخلك، أنه فريد من نوعه حقاً.
فكر فيما فعله الآن لقد أصبحت تلك الفتاة التي لم يراها ولو لمرة واحدة زوجته، عقد قرآنه على فتاة لم يراها من قبل، أيعقل ذلك؟ وقد كان هذا طلبه جعل والدها يذهب لها كي تمضي وتضع موافقتها على الزواج، هو من فعل ذلك، هو من جعل رؤيتها آخر شيء ولم يكن وراء ذلك إلا الملاك الذي شاهده في وسط الحقول الخضراء، لم تبتعد عن مخيلته ولو لثانية واحدة تلك العيون الزرقاء، لم ينسى ولو لدقيقة خصلاتها الحريرية ذهبية اللون، وإلى هنا أغمض عينيه بشدة معنفاً نفسه على ما يفكر به وما يفعله دون دراية منه فقد استحوذت هي على كامل تفكيره.
عاد من صراعه مع نفسه على صوت عمه وهو يتحدث بغرور قائلاً بعد أن وضع قدم فوق الأخرى:
- كده خلاص كل شيء تم إحنا هنعمل فرح على الضيق كده بعد بكره على طول عشان أهل البلد... هندبح كام عجل ونوكل الناس وخلصنا.
نظر إليه "نصر طوبار" والد "مروة" حانقاً ولكنه لم يظهر ذلك فقط من أجل ابنته:
- اللي تشوفوه ده في الأخر فرحكم.
أجابه "فاروق" مبتسماً بسخرية وهو يضع قدم فوق الأخرى كما فعل عمه قائلاً كلمات ذات مغزى:
- طبعاً فرحنا.. ولسه الفرح جاي ورا.
لم يفهم "نصر" وشقيقه مقصده ولكنه صمت ولم يعقب على كلماته حتى يمر اليوم بسلام فهو لا يتحمل هذه العائلة بغرورها وتكبرها ولا يدري كيف سيترك ابنته هنا بينهم!
- أنا بكره هعدي على العروسة علشان تجيب الفستان ولوازم الفرح.
ماذا قال؟ كيف تفوه بهذه الكلمات؟ ومن أين أتت؟ هل إلى هذه الدرجة لا يستطيع التحكم بنفسه؟ هل إلى هذه الدرجة تفكيره بـ ملاكه الخاص يفعل به ذلك؟ نظر إليه الجميع عندما وجدوا ملامح الاستغراب على وجهه بعد ما تفوه به ليتحدث هو قائلاً وهو يحاول تدارك الأمر:
- بكره الساعة اتناشر هكون موجود علشان منتأخرش.
ثم وقف على قدميه مقرراً المغادرة ومن بعده عمه وشقيقه ليقف أيضاً والد مروة وعمها، تقدم "يزيد" مبتسماً بغرور إلى والدها مقدماً يده له حتى يصافحه ثم هتف قائلاً:
- اتشرفت بيك يا نصر بيه.
أومأ له الآخر ليستعدوا للذهاب وقد شارف "يزيد" على الخروج من باب الغرفة ولكن أوقفه ذلك الجسد الصلب الذي اصطدم به، نظر إليه ليجده شاب بمثل عمره تجولت عينيه بالغرفة لتعود إليه مرة أخرى ناظراً له بحقد وكره شديد قد رآه "يزيد" ولكن لا يدري ما السبب له ليتحدث الآخر منتشله من قوقعة أفكاره:
- أنت بقى يزيد باشا الراجحي.
ابتسم هو بسخرية شديدة ثم أجابه وهو يضع يديه بجيب بنطاله ليقف أمامه بشموخ:
- آه أنا بقى يزيد باشا الراجحي، أنت بقى مين؟
ابتسم الآخر بسخرية مثله تماماً ثم قلده متهكماً وهو يضع يده بجيب بنطاله لينظر إليه بغرور مماثل:
- أنا بقى تامر إبراهيم طوبار اللي عيلتك كانت بتفكر تقتله لو مروة نصر طوبار بنت عمه رفضت تتجوزك.
ثم أكمل متهكماً وهو يبتسم بسخرية ليتشفى به:
- ولوني أشك في كده.
قبض "يزيد" على يده وهي بداخل جيبه، كاد أن يفتك به ذلك الطفل القابع أمامه من يظن نفسه كي يتحدث هكذا؟ هل يقول أن لا أحد يوافق على زواجه بي ولهذا تم بالغصب؟ لو فقط يستطيع أن يهشم وجهه ويحطم أسنانه البيضاء الذي تظهر وراء ابتسامته الساخرة ولكن لك يوم صبراً صبراً يا "تامر".
تدخل والد "تامر" سريعاً متحدثاً بتوتر وهو يشير بيده إلى الطريق:
- اتفضلوا... اتفضل يا يزيد يابني من هنا.
سار الجميع معه إلى باب المنزل بينما وقف "تامر" مكانه يبتسم بسخرية عليه محاولاً إخراج النيران من قلبه لما سرقه منه ذلك الحقير بنظره.
التفت إليه "يزيد" ليراه يبتسم وكأنه يقول له كانت لي الجولة الأولى يا غبي! ذهب ولكن كلمات ذلك الفتى الصغير بعقله لا يستطيع نسيانها وقد توعد له كما توعد لغيره من تلك العائلة فقط، صبراً.
_______________________
في اليوم التالي.
ترجل من سيارته التي صفها أمام منزل عائلة "طوبار"، وقف مستنداً عليها بغرور متنظراً ليأخذ من سميت زوجته حتى تأتي بفستان زفافها أو جنازتها أيهما أقرب، هذا ما تحدث به عقله وهو يمر بعينيه على المنزل من الخارج يرى كم هو كبير ولكن ليس بقدر منزلهم، تحاوطه الحديقة الخارجية بمساحة كبيرة، غاية في الجمال والروعة، ظل دقائق منتظراً وهو يتحدث بعقله متهكماً على هذه الزيجة منذ البداية إلى أن أختنق من انتظاره ليتوجه صوب الباب الداخلي والذي ما أن وقف أمامه حتى فتح.
وقف أمام الباب لا يُحرك ساكناً ينظر إلى ملاك خرج للتو من الجنة ولكن حزين، حزين للغاية عينيه الزرقاء رائعة الجمال بها خيوط حمراء غالباً من كثرة البكاء، أنفها أيضاً يحمل احمرار كما لو أنها تُعاني من حمى شديدة، شفتيها الوردية مضمومة بحدة، أخذ يمرر عينيه على وجهها، خصلاتها الحريرية، بكل بطء وكل ما تحمله الكلمة من معنى، لم يفق إلا عندما تحدثت إليه بحدة قائلة:
- ايه قلة الأدب دي أنت بتبص كده ليه وبعدين أنت مين وعايز مين هنا؟
خرج من شروده بها على صوتها الحاد وهو يفكر هل من الممكن أن تكون هي؟ أغمض عينيه بقوة ثم وضع يده بجيب بنطاله مستعيداً هدوءه وبروده المعتاد:
- لو أنتِ مروة يبقى اللي كنت بعمله ده مكنش قلة أدب ولا حاجة.
نظرت إليه بتوتر وهي تحاول فهم ما يرمي إليه لتخلص نفسها من التفكير مُجيبة إياه:
- أيوه أنا مروة أنت مين؟
ابتسم بسخرية ثم تحدث بتهكم قائلاً:
- معقولة مش عارفه جوزك يا حرمي المصون.. كان المفروض تحسي بردو أنه أنا زي ما أنا حسيت.
نظرت إليه بتوتر شديد كما أنها ودت لو انشقت الأرض وابتلعتها بسبب هذه السخرية المميتة بنبرته وملامحه المتهكمة عليها ولم تُجبه على حديثه، ظلت تنظر إليه بتوتر تمرر عينيها على ملامحه شديدة الوسامة ليخرجها من تفكيرها قائلاً بود وابتسامة مشرقة ارتسمت على شفتيه كان يود إظهارها منذ وقت طويل ثم قدم يده لها ليصافحها:
- يزيد الراجحي.. جوزك إن شاء الله ده طبعاً لو رديتي عليا بدل ما أنتِ ساكتة كده.
قدمت يدها له تبادله المصافحة وحاولت أن ترسم ابتسامة هادئة على شفتيها:
- مروة.
سحبت يدها منه سريعاً حيث أنها شعرت بتيار كهربي يسير بكامل جسدها حين تلامست أيديهم ليبتسم هو بهدوء بعدما لاحظ ما فعلته ثم ابتعد عن طريقها مقدماً يديه أمامها لتتقدم هي بالسير أمامه ثم فتح لها باب السيارة الأمامي لتجلس بجواره وقد فعلها كحركة لباقة منه.
سار طوال الطريق صامتاً لم يتحدث ولو بكلمة واحدة فقط ينظر للطريق أمامه ولكنه شارد بها، أيعقل أن تكون هي تلك الفتاة التي لازمته منذ أن رآها؟ يالا سخرية القدر، هل هي حقاً؟ مازال عقله لم يستوعب ذلك وهو الذي أبعدها عن ناظريه بيوم عقد القرآن حتى تظل الأخرى بمخيلته وفي النهاية تكون هي؟
يتذكر في ذلك اليوم عندما رآها بين الحقول الخضراء وعقله تتضارب بداخله الأفكار اللعينة.
"أخذ حصانه منذ وقت ليس بالقصير وذهب ليستنشق الهواء الحر، هواء غير مقيد مثله بالانتقام. ذهب يتجول هنا وهناك وهو يفكر بتلك الأفعال الدنيئة التي يريد أن يفعلها بمن ستصبح زوجته المستقبلية، بمن ستحمل اسمه.
طوال تلك الأيام المنصرمة وهو يفكر بها، كيف تبدو؟ كيف تتعامل؟ هل هي قوية ولديها شخصية؟ أم ضعيفة يسهل اللعب بها والسيطرة عليها؟ عقله كاد أن يصرخ من كثرة التفكير بها وبعائلته اللعينة، بل هو أيضاً كاد أن يفقد عقله بسبب كل ما حدث وما يحدث. إلى هنا وكفى!
وقف بحصانه بعيداً نسبياً، رأى فتاة، لا ليس بفتاة هذه إنها ملاك، وجهها أبيض ملائكي، شفتاها وردية اللون، عينيها تشبه زُرقة البحر، خصلاتها ذهبية في ساعة تعامد الشمس عليها. ولكن مهلاً، لما تبكي؟ ترتعش شفتاها وجسدها ينتفض، تخرج منها شهقات مباغتة لتشكل لوحة فنية رائعة ولكن حزينة للغاية.
لا يدري هل رآها من قبل؟ لا يعتقد ذلك، فهذا مكانه المفضل كلما كثرت الأفكار على عقله أتى ليزيلها هنا ولم يسبق له أن يراها من قبل. تجذبه إليها بطريقة غريبة، لا يريد إبعاد نظرة عن تلك اللوحة التي لم يرى مثلها من قبل، ولكن ماذا إذا أزال هذا اللؤلؤ الخارج من عينيها؟ هل ستكون نفس اللوحة؟ نعم بالطبع، ولكن ستكون مبتهجة.
صرخ به عقله يبعده عن هذه الخرافات التي يفكر بها ليبعد ناظريه عنها. هل أنا أحمق أم ماذا؟ زواجي سيكون بعد أيام وأنا هنا غارق في عيون زرقاء اللون؟
نظر إليها مرة أخرى قبل أن يغادر المكان، ولكنه وجدها تنظر إلى هاتفها الذي صدح صوته في المكان لتغلقه على الفور وقامت على عجلة من أمرها ذاهبة بعيداً عنه وهي تزيل بقايا دموعها وتحاول ضبط أنفاسها المتسارعة من كثرة البكاء.
جذبه شيء ما إلى مكان جلوسها أزرق اللون مثل عينيها الساحرة. ترجل من على حصانه ذاهباً نحوه ليرى ما هو. وقف أمامه ليراه وشاح أزرق صغير أنثوي للغاية. دون دراية منه أخذته يده إلى أنفه ليستنشق رائحة لم يستنشق مثلها من قبل. رائحة تحمل عطر الياسمين ورائحة أنوثتها أيضاً لتفعل له مزيج يأخذ العقول إلى مكان بعيداً، ربما لا يذهب إليه إلا قليل من قلة البشر. ولم يدري بنفسه وما يفعله، فتلك الرائحة حركت كثير من المشاعر بداخله.
لف الوشاح على يده بينما يظهر شبح ابتسامة على وجهه ليعود مرة أخرى إلى حصانه صاعداً عليه ليذهب متناسياً أمر زيجته اللعينة فقط متذكراً ملاكاً ذات خصلات ذهبية وعيون مثل زرقة البحر.
عاد بتفكيره إليها مرة أخرى، إلى القابعة جواره في السيارة، يتسائل هل ذلك الجمال الأخاذ أصبح له؟ تلك العيون الساحرة وتلك النظرة البريئة التي لطالما أبعدت النوم عنه لليالي له وحده؟ ولكنها حزينة للغاية، في كل مرة يراها تكون تبكي. هل هي غُصبت على الزواج منه كما قال ذلك المعتوه "تامر"؟ ولكن على كل حال هذا ليس من شأنه، عليه أن يسيطر على نفسه من الآن، فهي تحتل كل تفكيره وتركيزه بها وهذا لن يأتي بأي نفع بتاتاً.
"بسم الله ما شاء الله قمر يا مدام الفستان جميل أوي عليكي"
هذا ما قالته العاملة بإنبهار بعد أن اختارت مروة أحد الفساتين المحتشمة وقاسته ليكن في غاية الروعة والجمال عليها.
ابتسمت لها مروة بود قائلة بهدوء:
"شكرًا لزوقك"
ابتسمت العاملة لها مرة أخرى ثم تحدثت بينما تشير إلى الخارج مكان جلوس "يزيد" الذي استمع إليهم جيداً:
"مش هتخلي جوزك يشوف الفستان القمر ده عليكي؟"
نظرت إليها مروة بارتباك، هي حقاً لا تدري ماذا عليها أن تفعل. تريه ماذا وهو لم يتحدث معها طوال الطريق وظل صامتاً.
"لا بيقولوا فال وحش"
لا تعلم من أين اخترعت هذه الكلمات، ولكن على كل حال قد فعلت لتخرج من ذلك المأزق. ابتسمت إليها العاملة ثم خرجت لتتركها مع نفسها ترى إذا كان مناسباً أم لا ثم تبدل ثيابها.
بينما الآخر يجلس خارج غرفة القياس منتظراً إياها تنتهي وقد ود وبشدة أن يرى ذلك الفستان عليها والذي أبهر تلك العاملة، لكنه زفر بحنق، فلا يستطيع التفكير بهدوء من هاتفها اللعين الذي منذ أن دلفت إلى الداخل وهو يحدث أصوات وصول رسائل عدة قد أزعجته حقاً.
حاول أن يتغاضى عن الأمر، ولكنها حقاً رسائل كثيرة تحدث أصوات مزعجة، فمد يده إلى الهاتف الذي تركته بجانبه ليخمد فضوله عن هوية هذه الرسائل الكثيرة وقد سهلت مهمته حيث أنها لا تضع كلمة مرور لهاتفها.
ولكن ما أن فتح هذه الرسائل حتى اسودت عينيه وأصبحت قاتمة السواد من شدة الغضب الذي يواجهه الآن. قبض على يده بشدة في محاولة منه أن يهدأ من نفسه، ولكن لم يستطيع، فقد كان غضبه يستطيع أن يحرق أي شيء يتواجد أمامه بسبب مضمون هذه الرسائل اللعينة.
وقف على قدميه ممسكاً بالهاتف بيده والذي كان على وشك أن يهشمه، ليتوجه إلى غرفة القياس كالصاعقة دالفاً إليها مغلقاً الباب خلفه بحدة. قد شارفت على ارتداء باقي ملابسها، ولكن شهقت من الفزع عندما وجدت من يقبض على يدها بحدة وعصبية شديدة كادت أن تكسرها. نظرت إليه والهلع ينصب من عينيها المتسائلة لتحاول السيطرة على نفسها قائلة بشفتين ترتجف:
"أخرج بره لو سمحت ماينفعش كده"
ضغط على أسنانه بحدة وقد زاد ضغطه على يدها لتطلق صرخة خافتة من بين شفتيها. بينما هو رفع الهاتف أمامها متسائلاً بغضب ظهر جلياً على ملامحه:
"ايه ده؟"
نظرت إلى ما يضعه أمامها وهي لا تدري من ذلك وما هذه الكلمات التي أول مرة تراها، لتعود بنظرها له مرة أخرى وقد تكونت الدموع بعينيها ألماً من قبضته على يدها وخوفاً من مظهره ذلك والغضب الذي ربما يحرق الأخضر واليابس بسبب ما رآه.
رواية براثن اليزيد الفصل الثالث 3 - بقلم ندا حسن
"نظرة الشك بعينيك تقتل بدلًا من المرة ألف"
تطالع هيئته الغريبة عليها بخوف يكاد يوقف قلبها عن النبض، عيناه يخرج منها لهيب، يضغط على فكه السفلي بشدة ظاهرة، قبضته تشتد على يدها، تؤلمها بشدة، كم أن المظهر لا يروقها، تكاد تفقد وعيها بسبب نظرته فقط.. وعيها!.. لا تكاد تفقد حياتها، تمنت في تلك اللحظة أن تنشق الأرض من تحت قدميها وتبتلعها دون رجعة.. ولكن هذا لن يحدث.
استفاقت على يده الذي اشتدت على معصمها مطالبًا بإجابة على سؤاله لتصرخ به والألم يحتل ملامح وجهها النقي:
- معرفش إيه ده، قولتلك معرفش.
تصاعد غضبه بسبب كذبها عليه، تظن أنها تستطيع الاستخفاف به؟ هو يكره بشدة الكذب والمراوغة من أحد يقف أمامه، لوى ذراعها خلف ظهرها مشددًا عليه لتستدير إليه بظهرها عنوة، اقترب من أذنها ليهتف بغضب جلي:
- انت مفكرة إنك ممكن تستغفليني؟.. لا فوقي مش أنا، الرقم متسجل على موبايلك حبيبي موبايلك ده ولا مش موبايلك؟
أجابته بخفوت احتل نبرتها بسبب تلك الدموع الجارية على وجهها بفعل قبضته على يدها:
- موبايلي، بس والله ما أعرف حتى رقم مين ده، والله مش أنا اللي سجلته، مش أنا صدقني.
ارهقته تلك النبرة الخافتة الحزينة، تمادى في غضبه وسؤالها تمادى كثيرًا، تركها وعاد بنظرة للهاتف الذي بين يديه إلى الآن، مسح على وجهه وأخذ نفسًا عميقًا محاولًا العثور على بعض الهدوء بداخله ثم هتف مرة أخرى بصوت جعله هادئ قدر الإمكان وهو يضع الهاتف أمام وجهها بعد أن فتحه مرة أخرى:
- شوفي.. الرقم متسجل حبيبي وده موبايلك أنت، ده غير الكلام اللي باعته إزاي أصدق أنك متعرفيش عنه حاجة؟
نظرت إليه والدموع تأخذ مسارها على وجنتيها، لم تكن هذه الإهانة سهلة إلى هذا الحد الذي يعتقده حتى تقف تتناقش معه، نظرت إلى عينيه القاتمة بتردد ولكن حسمت أمرها في النهاية قائلة بثبات:
- أنا قولتلك معرفش عنه حاجة، كفاية بقى واتفضل أخرج، عايزة ألبس هدومي.
أخفض بصره إلى جسدها بعد انتهاء حديثها ليراه ظاهرًا أمامه بسخاء فقد دلف إليها قبل أن ترتدي كامل ملابسها، رفع بصره إلى عينيها التي تنظر إليه بحزن ليتحدث قائلًا بثبات هو الآخر عازمًا أمره على معرفة الحقيقة:
- مكتوب في الرسايل دي:
"مروة حبيبتي روحتي؟"
"مروة ردي، البق اللي معاكي عملك حاجة؟"
"هستناكي تكلميني عايز أطمن عليكي يا حبيبتي"
"متتأخريش مع الحيوان ده"
عاد إليها بنظرة بعد أن انتهى من قراءة بعض الرسائل التي أغضبته بشدة ليقول متسائلًا وهو يشير إلى صدره بسبابته:
- أنا ببقى حيوان؟
لم تعد تتحمل ما يفعله، ألم تقل أنها لا تعلم شيئًا؟ ماذا يريد بعد؟ هتفت بنفاذ صبر ونبرة مرهقة:
- قولتلك والله معرفش يا أخي، حتى خد الرقم شوفه أنت بمعرفتك بس والله أنا معرفش أعمل إيه عشان تصدق.
تقدم منها ووقف أمامها لا يفصل بينهم سوى إنشات بسيطة محاصرًا إياها في هذا المكان الضيق، وضع يده على وجهها ممررًا إياها على وجنتها ثم أبعد خصلة من شعرها إلى خلف أذنها لتشعر بقشعريرة تسير في كامل جسدها بسبب لمسته لها في حين أقترب أكثر ثم تحدث بجانب أذنها بنبرة خبيثة:
- أنا عارف إن جوازنا جه فجأة، أكيد كان عندك علاقات، لو مكسوفة أو خايفة متخافيش، ده أكيد طبيعي وأنا مقدرش أحكم على اللي قبل كده... ها جاوبيني لآخر مرة تعرفيه؟
ارهقتها نبرته الرجولية، أخذت كامل حواسها لتشعر أنها ضائعة بين كلماته وازداد صمتها عن حدة ليهمهم بجانب أذنها مرة أخرى فتحدثت سريعًا قائلة بنفي:
- لأ.. لأ معرفوش.
ابتسم باتساع على تشتتها بجانبه وعاد مرة أخرى لخبثه وهو يرفع يده اليسرى يمررها على جانب عنقها الأيمن بينما هتف قائلًا بجانب أذنها اليسرى ضاغطًا على أحرف آخر كلماته:
- تمام يا مروتي، أنا هدور ورا الموضوع ده بنفسي، بس افتكري لو طلعتي بتكذبي مش هرحمك.
قال آخر كلمتين من جملته بتمهل شديد جعلها تشعر بالزعر وهي غير مذنبة ثم عاد استكمال حديثه وهو يبتعد عنها للخارج بدون أي مشاعر:
- كملي لبس يا مروتي عشان نمشي.
مروتي؟.. هل قال مروتي للمرة الثانية أم فقط أتخيل ذلك؟ أبعد كل تلك المعاناة في النقاش معه يقول مروتي؟.. وهل كان ذلك نقاش؟ لا لم يكن غير شك وإهانة ضربت في قلبي بخنجر محارب يعلم ما الذي يفعله جيدًا.. هل ستكون حياتي معه بهذه الهمجية؟.. لن أوافق على هذه التراهات بتاتًا.
"غريبة هذه الحياة تجعلك تشعر أنك تملك كل شيء، حتى أنه في بعض الأوقات تنسى أن هناك من يحاسب الجميع وتعتقد أنك الوحيد الذي له كامل الحق في أخذ ما يريد ومحاسبة من يريد ولكن ستفعل ما يحلو لك وكما شئت وهناك من ينتظر عودتك إليه أما تائبًا أما راجيًا"
صرخت بهم وهي واقفة في بهو المنزل الكبير، منزل عائلة "الراجحي" تحمل قماشة سوداء اللون على يدها وتشرف على الجميع في المنزل من أول كبيرهم إلى صغيرهم، صاحت بصوت عالٍ ليستمع إليه الجميع بحدة وقد ظهرت تجاعيد وجهها بين صياحها:
- عايزة البيت يبقى بينور وميكونش فيه ولو نقطة مش نضيفة، هو إحنا جايلنا بكرة أي حد، دي بت عيلة طوبار بذات نفسها.
أجابتها "إيمان" مبتسمة بسخرية جلية ظهرت على ملامحها وهي تقف أمامها:
- متقلقيش يا مرات عمي، الناس شغالة على آخرها.
نظرت لها لتبتسم الأخرى بعنجهية وتعالي قائلة:
- اومال يا إيمان، لازم تشوفي بيتنا إيه وبيتهم إيه.. لازم تشوفي العز اللي إحنا فيه، لازم أوريها بت عيلة طوبار دي مين إحنا.
أتت من خلفهم "يسرى"، وقفت معهم تنظر إلى والدتها بهدوء ثم قالت موجهة حديثها إليها باهتمام:
- الأوضة عايزة تتفرش يا ماما، بقى كده كده أصلًا يزيد مش هيبات فيها النهاردة.
نظرت إلى "إيمان" نظرة ذات مغزى ثم ناولتها قطعة القماش الذي كانت بين يديها لتقول بحزم وقوة:
- افرشي الملاية دي يا إيمان ووضبي الأوضة زين.
نظرت إليهم "يسرى" بذهول غير مصدقة حديثها الذي هتفت به منذ قليل لتتحدث هي باستغراب جلي:
- إنت هتفرشي لعريس وعروسة فرحهم بكرة ملاية سودة؟ نهار أسود يا ماما.
نظرت إليها والدتها بحدة وعنجهية تسيطر عليها ثم اجابتها قائلة:
- مالكيش صالح إنت بالحكاية دي.
ثم تركتها وذهبت وهي تفكر في كم الأشياء الذي ستفعله في "مروة" ابنة عائلة "طوبار" ومن خلفها سارت "إيمان" لتلبي طلبها وهي تفكر كما الأخرى ماذا سيحدث بضيفة البيت الجديدة؟.. بينما تركوا خلفهم "يسرى" تشفق على عقولهم وما يحدث بداخلها وتتساءل ألهذا الحد أعينهم مغشية أم نفوسهم مريضة؟.. كيف تكون هذه بداية عروس باللون الأسود؟.. هكذا يجعلونها ترى حياتها القادمة بدلًا من السعادة والفرح تدلف إلى سواد قاتم.
"مشتت هذا القلب النقي، أم العقل هو المشتت؟.. الاثنين هذا وذاك، الاثنين وقعوا في براثن اليزيد، من يرسم الابتسامة على محياه؟، من يقترب ليشّتت العقل والقلب وجميع الحواس؟، من يعمل على الاقتراب ليكون أقرب من الوريد؟، ألم ترى جروح لم تلتئم بعد؟، ألم ترى الانتقام بعينيه؟"
خرجت من سيارته أمام باب منزلهم الداخلي وخرج هو الآخر خلفها ثابتة تعابير وجهه، تحمل الهدوء الشديد أو البرود الشديد أيهما أقرب، تحرك نحوها إلى جانب السيارة الآخر واضعًا يديه بجيوب بنطاله ذو اللون الأسود وقميص كما اللون الآخر أسود.
نظرت إليه وهو يتحرك، لم يجذبها غروره ولا عنجهيته بل بغضتهم بشدة ولكن ملامح وجهه جذبتها كما السحر تنظر إلى خصلات شعره الأسود اللامع أم هو بني؟، عينيه ذات اللون الزيتوني أم الأزرق أو هي خضراء؟، أنفه الحاد، شفتيه البارزة، لحيته النامية، ما هذا الاختلاف بملامحه؟ ولكن تروقها بشدة، الآن نظرت إلى جسده الرياضي كم كان متناسق، منكبيه العريضين، خصره المنحوت، الآن نظرت إلى وسامته عن حق.
خرجت من شرودها في وسامته على صوته وهو يقول بعنجهية تسيطر على نبرته وتراها بوقفته أيضًا وهو واضعًا يديه بجيب بنطاله وتحمل إليها شفتيه ابتسامة غرور قائلًا:
- هتبصيلي كده كتير..
لقتيني حلو ولا ايه؟
نظرت إليه ببلاهه وعيون مُشتته من نبرته الرجولية ذات الطابع الساحر على حواسها، قالت بتوتر وهي تحاول إخفاء عينيها عنه كي لا يشعر بتوترها:
-لا أبدًا أنا بس سرحت شويه
لوى شفتيه عابسًا معها ثم ابتسم بتهكم مجيبًا إياها:
-يمكن بردو
ذهب إلى باب السيارة الخلفي، فتحه وأخرج منه الأكياس الخاصة بها، فستان الزفاف والحذاء الخاص به، خاتم الزواج الذي جلبه لها عنوة لتضعه بإصبعها، حملهم ثم تقدم إلى باب منزلها الذي تقدمت هي الأخرى لفتحه بمفتاحها الخاص بعد أن أشار لها برأسه كدليل على فتحه، أخذتهم منه لتضعهم بالداخل ثم خرجت له مرة أخرى..
نظر إليها مبتسمًا بودٍ لا يدري هل هو زائف أم حقيقي ليقول مُشيرًا إلى أذنه:
-هبقى أكلمك متناميش علش.....
بتر جملته عندما وجد من يتقدم منهم آتي من خلفها داخل المنزل وقد بغض وجوده الآن ذلك الطفل الصغير بنظره، رآه ينظر إليه مبتسمًا بسخرية كما السابق وكأنه يدعيه قائلًا تقدم واقتلني!..
-مروة حبيبتي كويس أنك رجعتي كنت مستنيكي
قالها "تامر" بعدما وضع يديه حول أكتاف "مروة" محاوطًا إياها وكانت هذه أول مرة يفعلها ويتلمسها وجعلتها هذه الفعلة المباغتة ترتعش كرد فعل غير مرحب به، نظرت إليه باستغراب بينما هو مبتسمًا بسماجة واضحة..
قبض يزيد على يديه داخل جيبه وكاد أن يهشم وجه ذلك البغيض ولكنه تقدم منه متحكمًا في تفاعلات وجهه مبتسمًا بهدوء، جذبها من يدها بعدما أخرج يده من جيبه لتقف بجانبه مقابلًا "تامر" ثم قال بهدوء عكس ما بداخله:
-لا دلوقتي مروة بقت ست متجوزة.. ايدك دي متلمسهاش تاني، ده مش علشاني ولا حاجه بالعكس
ثم استكمل حديثه مبتسمًا بسخرية لاذعة:
-أنا خايف ايدك توحشك
سارت ضحكات "تامر" في أرجاء المكان لتعمل على استفزاز "يزيد" بشدة ثم ربت على كتفه بعد أن هدأت ضحكاته وقال بسخرية كما الآخر فعل:
-عيوني يا أبو نسب
نظر إليه بهدوء وقد احتل الغضب داخله، جذبها من يدها ليقف بعيد نسبيًا عن أعين ومسامع "تامر" ثم هتف من بين أسنانه بحدة:
-هاتي موبايلك
قد شعرت بنظرات النيران التي يتبادلها كلًا من "تامر" و "يزيد" ولكن لم تدري ماذا حدث بينهم ليتحدث معه هكذا ولما ينظرون لبعضهم هكذا، ولم تفهم الآن لما يطالب بهاتفها ألم يصدق حديثها هذا الأبله صاحب المزاج العكر، أجابته باستغراب كان مُرتسم على ملامحها:
-ليه؟
شكه يجب أن يكون بمحله، عاد بنظرة إلى "تامر" ليراه ينظر باتجاههم وعندما رأى "يزيد" يتطلع عليه نظر بعينيه ثم أمال رأسه غامزًا له بسخرية فعاد هو بنظره إليها ليتحدث بعصبية:
-قولتلك هاتي الزفت
-الله ما براحه
زفرت بحدة ثم أخرجته من جيب بنطالها وناولته إياه، أخذه منها ثم فتحه وبجانبه هاتفه نقل إليه بعض الأرقام ثم ناولها إياه قبل أن يوليها ظهره وصعد إلى سيارته ذاهبًا من ذلك المكان الذي بغضه بشدة أكثر من زي قبل بسبب ذلك الطفل الصغير..
نظرت في أسره باستغراب لتبديل حاله هكذا فقد كان يتحدث بهدوء ولين قبل مجئ "تامر" هل كلماته هي التي أغضبته؟، أمْ فعلته عندما تلمس جسدها؟، تنهدت بضيق من ذلك "اليزيد" الغريب عليها ثم عادت إلى داخل المنزل دون أن تتحدث مع "تامر" الذي ابتسم بسخرية بعدما رحل "يزيد".
____________________
"بعد منتصف الليل"
عقله لا يرحمه من التفكير ولو قليلًا، بدايةً من "مروة" إلى الطفل "تامر" وذلك الرقم الذي وجده غير مسجل، هل عليه تصديقها؟، ملامحها حقًا كانت تحمل المصداقية الكافية ليغلق ذلك الموضوع ولكن هو مُعلق بداخل عقله كلمات تلك الرسائل التي ازعجت رجولته بشدة، يود معرفة ذلك البغيض الذي هي حتى لا تعرفه، حقًا الأمر صعب ولا يروقه أبدًا، عقله حتى لا يسعفه في التفكير بشكل صحيح ولا يدري أيضًا إلى الآن كيف ستسير حياته معها هل ستكون زوجته وحبيبته أم سيخدعها ليحصل على ما أراد منذ زمن هو وعائلته!..
هي كـ الملاك لا تستحق إلا المعاملة الطيبة الكريمة، وجهها أبيض بشدة، عينيها تماثل زرقة البحر تمامًا هي حقًا تجعله يضل الطريق بها، شفتيها وردية بارزة تستفزه بشدة، وخصلاتها!.. خصلاتها ذهبية اللون التي تجذبه إليها بطريقة السحر تجعله يود إخفائه عن الجميع، هو لم يخطأ عندما قال إنها ملاك، ولا يستطيع أن يكون سبب تعاسته..
نظر إلى الهاتف الذي كان جانبه على أرضية الإسطبل مترددًا قليلًا ولكن حسم أمرة في النهاية، أخذه بين يديه ثم ضغط بعض المرات ووضعه على أذنه بينما أخرج سيجارة واشعلها واضعًا إياها بفمه يستنشقها بشراهة..
أتاه الرد من على الناحية الأخرى بعدما عاود الرنين للمرة الثانية ليتحدث بانزعاج طفيف:
-مش قولتلك استنيني هكلمك؟
أخذت نفسٍ عميقٍ لترد عليه بهدوء عكس ما بداخلها بسبب نبرته تلك وكل ما يحدث من حولها:
-مكنتش أعرف أنك هتكلمني متأخر كده وكنت لسه هنام
استنشق من سيجارته ثم سألها بهدوء غريب مضيق ما بين حاجبيه بدون داعي:
-ممم.. عامله ايه
أجابته بخفوت بعد أن أراحت ظهرها على ظهر الفراش خلفها قائلة بجدية:
-الحمد لله بخير
صمت بعض الوقت بدون حديث وهي تفعل المثل فقط تستمع لأنفاسه الصادرة عبر الهاتف فحملت قليل من الشجاعة بداخلها لتبدأ معه نقاش ربما يُفيد وتعلم ما لا تعلمه عن زوجها:
-هو أنا ممكن أسألك سؤال؟
ابتسم نصف ابتسامة لم تصل إلى عينيه ثم أجابها قائلًا بهدوء وهو يدعس سيجارته بقدمه وهو جالس:
-أكيد اسألي
اعتدلت في جلستها ثم نقلت الهاتف إلى الأذن الأخرى وهتفت قائلة بجدية متسائلة عن سبب منعهم إقامة زفاف:
-عادات وتقاليد البلد هنا بتقول أن بيكون في فرح وحنة والحاجات دي يعني وأنا من ساعة ما جيت اسمع أن عيلتكم عيلة غنية وكبيرة ليه بقى عمك قال لبابا أنكم هتعملوا حاجه كده أي كلام علشان خاطر الناس بس؟
ابتسم بداخله بسخرية شديدة على ما تفكر به، ألا تعلم لما الزواج هذه؟، تشدق ثم هتف متسائلًا هو الآخر بجدية وربما نبرته تحمل بعض الحنان:
-عايزه تعملي فرح يا مروتي؟
مروتي!.. يجعلها هذا الإسم منه بهذه النبرة تفقد نفسها، تفقد كل ذرة تركيز تتحلى بها، وما هذا السؤال يُجيب سؤال بسؤالٍ آخر؟:
-هاا.. لأ أنا بسأل بس عن السبب
ظهر البرود الشديد على وجهه بعد أن أغمض عينيه يعتصرهما ليهتف مُجيب إياها بفتور:
-هو هو نفس سبب جوازنا
لما لا ينتقي حديثه؟، لما يذكرها بذلك السبب البغيض؟، ألا يرى أنه فظ الحديث كثيرًا؟.. هل يريد أن يسبب لها الحزن مثلًا؟.. أم أنه لا يريد من الأساس كل ذلك؟..
كادت أن تتحدث مرة أخرى ولكن قطع ذلك فتح الباب على مصراعيه مرةٍ واحدة لتشهق "مروة" بسبب هذه الفعلة المباغتة، وجدته "تامر" يتقدم إلى داخل الغرفة مبتسمًا فصاحت بحدة بسبب فعلته متناسية أمر ذلك الذي على الطرف الآخر من الهاتف:
-ايه يا تامر مش اللي بيدخل على حد بيخبط الأول خضتني ياخي حرام عليك
ابتسم باتساع على مظهرها ثم صاح وهو يذهب بعيد عنها إلى آخر ركن بالغرفة ليتحدث بخفوت أيضًا:
-معلش بس محتاج شاحن الـ Laptop بتاعك
-تمام ثواني
تركت الهاتف على الفراش قبل أن تقف على قدميها ثم تقدمت لتحضره له من الدولاب الصغير الذي بالغرفة، أعطته له ليشكرها ثم خرج من الغرفة مبتسمًا باتساع وسخرية بذات الوقت..
أمسكت بالهاتف مرة أخرى لتتحدث معه ولكن لم تكن تدري بالنيران الذي تشتغل داخله الآن، لم تكن تعلم أن هناك حمم بركانية على وشك الإنفجار، غضبه لا يستطيع أحد السيطرة عليه، هناك بداخل عقله شكوك من الأساس لم تمحى ليتكون غيرها الآن، جز على أسنانه بغضب جلي، ممسكًا بالهاتف يكاد أن يهشمه بين يديه واضعًا إياه على أذنه بعدما وقف على قدميه، سألها بهدوء شديد وتروي في الحديث وقد كان هذا الهدوء ما يسبق العاصفة:
-الحقير ده بيعمل ايه في اوضتك في نص الليل يا محترمة؟
___________________
"يُتبع"
•
رواية براثن اليزيد الفصل الرابع 4 - بقلم ندا حسن
"لا يكفي حديثه الفظ وأفعاله البغيضة ليكن
هناك عائلة ترجمها بالحجارة وكأنها إبليس!"
تتساءل هل استمعت لحديثه جيدًا؟ هل كانت كلماته هكذا حقًا؟ ينعت ابن عمها بالحقير! إذا ماذا عنه هو وعائلته؟ يسخر من أخلاقها؟ يتهكم في نطقه لكلمة "محترمة" كدليل على العكس.
استمعت لصوته الحاد بعدما طال صمتها وهو يطالب مرة أخرى بإجابة على أسئلته لتأخذ نفسًا عميقًا محاولة أن تنتقي الحديث جيدًا وتبث الثبات في نفسها قبل أي شيء:
- أولاً تامر مش حقير ده ابن عمي وزي أخويا بالظبط ومش هسمحلك تقول عليه حاجة وحشة أبدًا. ثانيًا أنا آه محترمة غصب عن أي حد. أما ثالثًا فهو كان جاي ياخد شاحن الـ laptop تحب تسأل عن حاجة تانية؟
تجادل! ظهرت مخالب الملاك. تحولت عند نعته بالحقير إذا وهو يستحق أكثر من أن يكون حقير. لا تعلم أنه لا يبغض شيء مثل ذلك الطفل الصغير، كما فعلت هي فعل.
أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرج سيجارة أخرى أشعلها بهدوء وأخذ يستنشقها بشراهة وكأنه يتسابق مع أحدهم. كم كانت تصرفاته تعاكس بعضها؟ ابتسم ببرود وتحدث بسخرية جلية:
- الساعة اتناشر بالليل بيدخل أوضتك علشان ياخد شاحن. وانتوا بقى متعودين على كده؟ طب ما تنامي في أوضته أحسن. يعني التواصل هيكون أسهل.
وغد حقًا وغد لا يفقه شيء. كلماته بغيضة مثله الآن تمامًا. تلميحاته كريهة كعائلته. كل شيء جميل يحوله هو إلى آخر تأكله النيران ليصبح رماد لا يساوي شيء. لا يصلح للرؤية ولا الاستخدام.
تسارعت أنفاسها غضبًا بفعل كلماته التي جعلتها تشعر بالاشمئزاز. ماذا لو لم يكن زوجها ماذا سيقول أكثر من هذا؟ أغمضت عينيها بقوة ثم هتفت قائلة له بحدة:
- يزيد أنا مش هسمحلك تتكلم بالأسلوب الزبالة ده أكتر من كده. ياريت تحاول نخلينا متفاهمين لأن كده مش أنا اللي هتعب لوحدي.
كلماتها صحيحة. عليه أن يكون أفضل من هذا لا يجب أن يجعلها تشتعل نيران من الآن. عليه أن يكون رجل حكيم ليفعل ما يحلو له فقط. صبرًا صبرًا يا مروتي.
- معاكي حق. كلها سواد الليل وهتبقي ملكي بجد. هتنوري بيتي.
استكمل حديثه متسائلاً بهدوء محاولاً إلهاء عقلها عن كلماته الغامضة بعد أن أخفض السيجارة من على فمه:
- عملتي تجهيزات لبكرة؟ يعني مش زي ما بيقولوا يوم بتتمناه كل بنت.
لم يستطيع إلهاء عقلها فهي لم تكن بهذا الغباء يومًا. نعم هو خبيث ماكر. ولكن هي لم تكن الغبية. تغاضت عن كلماته بإرادتها ثم أجابته متهكمة:
- بس أنا متمنتش اليوم ده معاك يا يزيد!
تحاول أن ترد له ما يفعله معها ولكن لم تكن تعلم أنها طعنته بخنجر بارد دُفن داخل صدره بالمنطقة اليسرى منه داخل قلبه تمامًا. خنجر بارد لم يقتله ولن يُشفى من آثاره. بعثرت رجولته بالأرض وهي تسرد رفضها له. ازدادت دقات قلبه وتسارعت أنفاسه بفعل جملة مكونه من ثماني كلمات! يا لها من خبيثة هي الأخرى فقد أهلكته كلماتها ولكنه على دراية تامة بأن تلك النبرة المتهكمة لا يوجد خلفها إلا حزن عميق تحاول أن تجعله يُمحى رغمًا عن أنف الجميع.
ابتسم بسخرية لم يستطيع مداراتها وهو يعود بظهره للخلف مستندًا إلى الحائط وتحدث بحزن دفين داخل أعماق قلبه من الليلة الأولى التي قرر بها أن يتزوجها ليقول بصوت خافت:
- ولا أنا اتمنيته بالطريقة دي يا مروة. إحنا اتحطينا في طريق مش بتاعنا ومجبورين نكمله ومش هنحدد النهاية غير لما نوصلها. سوا نوصلها سوا يا مروة.
أغمض عينيه وقد عاد مرة أخرى ضميره يعمل. هل من بضع كلمات عاود من جديد؟ تحدث مرة أخرى بخفوت غير منتظر إجابتها:
- تصبحي على خير. بكرة يوم طويل أوي ارتاحي شوية أنتِ. متعرفيش إيه اللي جاي.
أغلق الهاتف وتركها في دوامة تدور بها وحدها. تركها تفكر بحديثه الغامض تارة تكون ملكة وتارة عدم معرفة القادم. هل يراها ساذجة؟ هل يراها طفلة؟ هي فتاة ناضجة تعلم ما الصواب وما الخطأ. تعلم كيف يكون الكذب وكيف يكون الصدق. وهو يمارس ذكائه عليها. يتركها مُشتتة الفكر. يلعب بـ خبثه ومكره معها. يعتقد أنها لن تفهمه مثله؟ يعتقد أنها ستتركه يفعل ما يحلو له؟
لا لم يحذر أبدًا. فهو الذي فرض عليها. هنا هي لم تختار شيء هو الذي اختار كل شيء. لا يحق له الحديث بهذه الطريقة ولا يحق له أن يفعل أي شيء تبغضه هي. هو من اختار ذلك الطريق الذي يتحدث عنه لذلك يجب أن تسير هي كما تريد. ذلك العدل بالنسبة لها.
ولكن هناك ما يأخذ فكرها الآن بعيدًا كل البعد عن ما جال بخاطرها منذ ثوانٍ. غدًا ستكون بمنزله! ستكون زوجته حقًا! ستعيش مع عائلته الذي تبغضها بسبب ما فعلوه بمصيرها. ستعيش مع أشخاص لا تعرف منهم أحدًا سوا ابنهم! هي حتى لا تعرف ابنهم. فقط اسمه وبعض العادات مثل العصبية والهدوء والغرور والعنجهية لا تعرف إلا تقلباته المزاجية. يُكاد عقلها يتوقف بسبب كثرة التفكير وقلبها النابض بشدة خائف مما هو مقدم عليه.
أغلق هو الهاتف ووضعه بجيب بنطاله الأمامي. ألقى بقايا السيجارة على الأرضية ودهسها بقدمه وأخرج غيرها. كانت الثالثة له منذ بداية الحديث معها. أشعلها وسار يستنشقها كما فعل في المرات السابقة بشراهة. يضغط على كف يده الأيسر بشدة وكأنه المذنب بحقه! جلس على الأرضية من جديد. اتكأ على ركبتيه بساعدي يديه وهو ينظر إلى الأرضية بغضب. حزن. إرهاق. لا يدري ما الذي حدث له من كلمتين فقط. بداية المحادثة وهو لم يستطيع أخذ حقه بدخول ذلك الحقير غرفتها ولكن تلك الكلمات التي أتت مؤخرًا جعلت قلبه ينشق إلى نصفين. حديثها بأنها لم تكن تريده. لم تتمنى يوم زفافها معه. حزنها الدفين الظاهر في كل كلماتها دون دراية منها. جعله كل ذلك مُعذب. قلبه يحترق كالبركان. يتألم بسبب طعنة خنجر. أو أن نبضه توقف عن العمل! لا يدري أيهما ولكنه لا يستطيع الصمود أمام كل ذلك.
غدًا ستكون زوجته. ستحمل اسمه. ستعيش معه بنفس المنزل بل والغرفة. هو لا يستطيع أن يخذل أحدًا. هو ليس قاسي كما أُطلق عليه. هو خائف بشدة ويشعر بالعجز من مصيرها معه.
وقف على قدميه وأخذ يسير بحركات غير مدروسة داخل الإسطبل بجوار حصانه. تحدث ضميره الآن إليه بعدما لم يستطع مقاومة نبرتها وحديثها. حدثه بأنها ليس لها ذنب في ذلك. لم تكن هي الجاني. لم تقتل جده ولا والده. حتى لم تتعرف على زاهر الذي قُتل على يد ابن عمها بالخطأ. لم تقتل زوجة عمه. فقط كان عمرهم قد انتهى وكل ما حدث ما كان إلا سبب. هي بريئة كالملاك حقًا دون مبالغة.
يحاول إقناع ضميره وقلبه أنه لم يكن أمامه خيار آخر ليفعله. يحاول أن يقول بأنه سيعيد الحق لأصحابه فقط. ليس بالخداع أو الكذب أو المراوغة بل بالحب وقد كان هذا الأسوأ على الإطلاق.
ذهب ووقف أمام حصانه الذي أطلق عليه اسم على مسمى حقًا "ليل". كان أسود اللون. سواده حالك لا يوجد به ولا نقطة من لون آخر. كما كانت عينيه الأخرى قاتمة السواد. شكله مُخيف. مُهيب. تخاف الإقتراب منه ولا تستطيع النظر إليه لبضع ثوانٍ. ولكنه كان صاحبه يعلم ما يريده. ومتى يجب ترويضه. كان من أغلى الأشياء على قلبه. وقف أمامه وهو يشعر بالعجز ليقول بصوت خافت خائف:
- تفتكر هحبها يا ليل؟ ولا ده علشان هي ملهاش ذنب؟
يصارح نفسه أم يصارح "ليل". زجره عقله سريعًا محاولاً محو هذه الفكرة الغبية من رأسه ليعود لما كان يريده سريعًا قائلًا بأن قلبه قد أصبح رقيقًا كثيرًا ليتفوه بمثل تلك الكلمات.
"في صباح اليوم التالي"
"عندما تضع أملًا لشيء أعتقدت أنك تستطيع فعله ولا تستطيع لا يضيع أملك فقط. بل يضيع شغفك معه."
جلست بـ إرهاق على الفراش أمام شقيقتها بعدما تحدثت معها بشأن ذلك الرقم الذي أرسل لها تلك الرسائل في وجود زوجها. هي لم تغفل عنه بل سبب لها الإزعاج بسبب ما حدث وودت أن تعلم من فعل ذلك ولكن لم تحصل على معلومة واحدة مفيدة.
نظرت إلى شقيقتها "ميار" بقلة حيلة متسائلة مرة أخرى وكأنها ستجاوب بشيء آخر غير الذي قالته:
- يعني طلع مش متسجل فعلًا؟
جلست الأخرى أمامها ثم تحدثت بهدوء مُجيبة إياها مرة أخرى:
- آه والله يا مروة طلع مش متسجل. بس هو أنتِ يعني تعرفي حد ممكن يعمل كده مهو مش معقولة يعني ده.
زفرت "مروة" بضيق شديد ثم اعتدلت في جلستها واضعة يدها الاثنين على ركبتيها تستند عليهم ووجهها لا يخلو من تعابير الانزعاج:
- مهو المشكلة أن مفيش حد أعرفه يعمل كده.
نظرت إليها "ميار" مترددة. تود أن تقول شيء ولكن تعود مرة أخرى لتصمت فـ الذي تريد أن تقوله يصعب عليها وعلى قلبها التفوه به. فنظرت إليها شقيقتها مشجعة إياها على الحديث:
- أنا شاكه فـ..
وقفت "مروة" على قدميها ثم هتفت قائلة بعد تفكير:
- لأ لأ معتقدش، هو بيعاملني كويس واعتقد أنه نسي الموضوع ده أصلًا.
لوت "ميار" شفتيها ثم هتفت قائلة بهدوء:
- خلاص يا مروة، متفكريش في الحوار بقى واستني شوفي إيه اللي هيحصل، ممكن يصرف نظر عن الهبل اللي عمله ده. المهم قوليلي عاملة إيه مع يزيد.
ابتسمت "مروة" بسخرية وهي تدير إليها ظهرها تطالع ما خلف النافذة، ثم استدارت قائلة بجدية:
- يعني.. كويسين، أنا شوفته مرة واحدة، بس هو ظاهريًا شخص كويس.
وقفت "ميار" على قدميها ثم تقدمت من شقيقتها تضع يديها الاثنين على كتفيها تمدها بالدعم قائلة:
- النهاردة أنتِ هتروحي بيته، أنا واثقة أنك هتنجحي معاه لأنك قوية وناجحة. عارفة أنك كان المفروض تظبطي نفسك دلوقتي ونكون كلنا حواليكي، بس أنتِ عارفة اللي فيها ومع ذلك هتكوني أحسن عروسة أنا شوفتها في حياتي كلها.
أدمعت عيني "مروة" بعد حديث شقيقتها، هل ستتركهم حقًا وتتوجه للعيش مع أشخاص لا تعرفهم أبدًا؟ هل ستبتعد عن عائلتها لأجله؟ يا لسخرية القدر، ستبتعد عن موطنها وأهلها لأجل شخص لم تكن تريده يومًا.
ارتمت في أحضان شقيقتها، تخرج دموع عينيها كالـ لؤلؤ بصمت. احتوتها شقيقتها مربتة على ظهرها فتحدثت الأخرى قائلة:
- أنا خايفة أوي يا ميار.
أبعدتها "ميار" عنها ثم تحدثت بحزم وجدية شديدة:
- متخافيش، أنتِ طول عمرك قوية. إن شاء الله هتنجحي معاه وحياتكم هتكون جميلة. بس اوعديني لو مقدرتيش والجواز ده كان ضغط عليكي قولي على طول وابعدي يا مروة.
- أوعدك.
احتضنتها مرة أخرى تحاول أن تمدها بالقوة اللازمة لمواجهة القادم، بينما الأخرى ارتمت مرة أخرى تتشبث بأحضانها وكأنها هي الملاذ الأخير لنصرتها وابتعادها عنه.
***
مرت الساعات الأولى من اليوم سريعًا وكأنها تُعاكس ما تريد، دائمًا يحدث ذلك، كل ما تريده ينعكس ليصبح أسوأ مما تتخيل.
ذهب إلى منزلها "يزيد" للمرة الثالثة ليأخذ ما ستحتاج إليه ويضعه في بيته، في عش الزوجية الذي ستنتقل إليه معه بعد أن رفضت زوجة عمها الذهاب إلى منزله معترضة بسبب تعامل والدته مع جميع من هم من عائلة "طوبار". فقد رفضت الذهاب لبضع ساعات بسبب تعامل والدته ولم تخاف على من قالت أنها ابنتها لتضعها هناك لبقية عمرها! ألم تكن أنانية في ذلك؟ أم أن الأمومة تفعل ذلك وأكثر؟
لم يتحدث معها عن أي شيء، فقد اكتفى بأخذ أشياءها، فحديث أمس لم يكن هيّنًا عليه سواء كان حديثها أو حديث ضميره، فهذا وذاك أصعب من أن يتذكرهم.
عندما نظر إلى عينيها شعر بالعجز والضعف الشديد، حديثها وحزنها، نبرة صوتها تتردد في أذنه وكأنها تحدثه الآن. يشعر بالذنب لما يفعله، يراها ملاك لا تدري ما يدور من حولها، لا تدري أنه يأخذها سُلمًا ليحصل على ما يريد. هل هناك شيء أصعب من عذاب الضمير؟ هل هناك أصعب من العجز والضعف وأنت الذي لم تعرفه يومًا؟ وهل هناك أصعب من أن تخدع من تحب دون دراية منك بمحبتك له؟
توقعت ألا يحادثها كما فعل بالضبط، فحديث أمس بالنسبة إليها لم يكن هينًا عليها مثله تمامًا، كما أن مخاوف اليوم تسيطر على كل ذرة تركيز تتحلى بها. الخوف يجعلها تشعر بالبرودة تسري في أنحاء جسدها. تعلم أنه لن يكون هناك زفاف تتحاكى به ولن يكون هناك أي شيء يجعلها تشعر بالتوتر كما يحدث في مثل هذه الحالات، ولكن كل الخوف والتوتر يتكون في وجودها معه، في وجودها مع عائلته التي لا تعرف للرحمة طريق.
تنتظر أن تُزف إليه لتكن معه بقية حياتها. مهلًا مهلًا، هل حقًا سأنجح في هذا الزواج لاستكمال بقية حياتي معه؟
راودها السؤال أكثر من مرة، تعلم أن هناك حالات مثلما يقولون عنها "جوازة صالونات"، ولكن يكن هناك فترة خطوبة غير أن الطرفين راضيين تمامًا والأهل متحابين لذلك يستمر الزواج، ولكن هي.. هي ليست راضية كما أنه كذلك والأهل غير متحابين، بل كانت هذه الزيجة تحت الضغط أما هذا أما ذاك. وليست هناك فترة تعارف، بل تقابلا مرة ولم يفشل في إخافتها وإهانتها، وحادثته مرة لم يفشل بها بأن يزرع الخوف بقلبها ويجعل الحزن يتخللها من حديثه. ولكن هي عزمت أمرها واتخذت القرار الذي وجدته مناسبًا لتسير عليه.
***
ترتيبات، تجهيزات، كل ما كان يحدث ما هو إلا لحديث عامة المنطقة كما قال عم "سابت". حدث ما قاله بالضبط في اتفاقه مع والدها. الناس تتوالى لتأكل وتقوم بتهنئة كبير العائلة "سابت" وابن أخيه "فاروق" والذين يرسمون الابتسامة على وجوههم كما لو أنهم ملائكة تسير على الأرض سيرًا هادئًا. لا يعلم أحد نواياهم ولا يعلم أحد ما يفعلونه، فقط يظهرون بمظهر الرجال الأغنياء ذو الحكمة والعدل، ولكن..
ليس كل شيء تراه جميل من الخارج يكون كذلك من الداخل، فربما يكون أسوأ.
وأين هو مالك تلك الليلة؟ يجلس مع حصانه "ليل" يدخن سيجارته بهدوء شديد كما هو في بعض الأوقات. هو إما غاضب، إما هادئ. يجلس على أرضية الإسطبل وينظر أمامه بعيون الصقر خاصته، يفكر في القادم عليه، كيف سيتعامل معها؟ هو لم يشفَ من حديث ضميره معه. يفكر الآن ماذا سيفعل؟ ماذا سيقول لها ولعائلته؟ ماذا سيحدث للجميع وله أيضًا؟ هو مشتت، وهذه أول مرة، دائمًا يحسم أمره على ما يريد، ولكن الآن هو لا يدري شيئًا. كثيرًا من الأشياء في رأسه ولكنه لا يستطيع ترتيبها للتفكير بشكل سليم. لا يستطيع الآن.
عليه أن ينهي هذه السيجارة ثم يذهب لجلب عروسه من منزل أهلها. لجلبها لحظها العاثر معه، مع شخص لا يستطيع التفكير حتى!
وقف على قدميه بعد أن أنهى السيجارة وألقاها تحت قدمه ثم قام بدعسها. عدل ياقة قميصه الأبيض. مهلًا، فقد كان يرتدي يوم زفافه بنطال أسود اللون يعلوه قميص أبيض! يا له من وغد، إلى هذه الدرجة لا يهتم لمشاعرها؟ فقط كان عليه ارتداء حلة ليريها أنه يوم زفاف! ولكن حتى في أتفه الأشياء لم يستطع فعلها.
وقف أمام باب المنزل ومعه عمه وشقيقه وبعض من الأقارب ليأخذ عروسه المنتظرة. يرى الحركة التي تعج المكان من الخارج والداخل، استقبله الجميع بالتهاني. استمع إلى أصوات الأغاني الشعبية كما يحدث في منزله الآن. يفكر بها، هل هي سعيدة معهم بالداخل لكونها ستتزوج؟ يا له من سؤال غبي، وكأنه لا يعلم الإجابة.
دلف إلى الداخل ونساء العائلة تطلق الزغاريد وتعبر عن فرحتها بكل شيء يحدث من حولهم. ولا يدرون أن أصحاب الزفاف يريدون الانتهاء من كل شيء.
وقف على أعتاب الغرفة التي تجلس هي بها مع النساء اللواتي يهنئون بصدر رحب. تجلس معها زوجة عمها وشقيقتها في وسط الجميع، وعندما علموا حضوره، وقفت على قدميها مع شقيقتها التي ساعدتها في ذلك، فهي لا تريد الآن. حقًا لا تريد. ماذا إذا صرخت في الجميع وقالت أنها لا تريد الزواج منه والدخول بداخل عائلته؟ هل سيستمع إليها أحد؟ ماذا إذا تصنعت الإغماء؟ أو إذا هربت؟ الآن علمت أن الأمر برمته كان صعبًا. كانت غبية عندما قالت إنها ستضحي من أجل ابن عمها. فليذهب الجميع إلى الجحيم.
دعمتها "ميار" بالنظرات وأخذتها من مكانها عندما وجدتها لا تريد ذلك. حاولت التخفيف عنها بالابتسام في وجهها وحثها أن الأفضل قادم، ولكنها لم تكن تعلم المخاوف الذي تمر بها هي الآن. تقدم والدها ثم أمسك بيدها بعد أن قبل جبينها بحنان بالغ وسار معها إلى حيث يقف "يزيد".
وقفت أمامه، رأته بلحيته النامية كما كان. لما لم يزلها؟ اليوم زفافه. يرتدي بنطال وقميص! يا لها من غبية، لما ارتدت ذلك الفستان الذي اشتراه لها؟ كان عليها أن تفعل مثله، ولكنها لم تكن تتوقع ذلك. لما ينظر إليها هكذا؟ رأته مثبت نظره على وجهها وكأنه شرد به، ينظر إلى عينيها مباشرة. ماذا به؟ اخفضت نظرها عندما وجدته مسلط تركيزه ونظره عليها هكذا لتشعر ببعض الخوف من نظرته التي لم تفهم لها معنى.
ألم يقل قبل ذلك أنها ملاك ليست بفتاة؟ أو سيدة؟ أو أي شيء، هي ملاك فقط. لا يبالغ حقًا، لا يبالغ. ولكن هي جميلة من دون شيء، تضع مستحضرات تجميل رقيقة للغاية فقط تبرز ملامح وجهها الجميل الذي زادته فتنة بها. ترتدي فستان زفاف مما جعلها ملاك حقًا، أليس هم يرتدون الأبيض؟
فستان زفاف رقيق للغاية مثلها تمامًا، محتشم ورائع بذات الوقت. فقد كان بداية من الرقبة وإلى معصم يدها طبقة من الشيفون التي أتت باتساع على ذراعيها، ومن أعلى الصدر إلى بداية الخصر يصف شكلها ببراعة. ومن ثم ينزلق باتساع، لم يكن به أي شيء سوى أنه سادة خالص من أي إضافات، بل هي كانت الإضافات.
لم يخرج من شروده إلا على صوت شقيقتها "ميار" التي تحدثت بمرح معه:
- إيه يا عريس، تهت في زراق البحر ولا إيه؟
نظر لها وتصنع الابتسامة التي رسمها ببراعة على وجهه، ومن ثم تقدم من "مروة" ممسكًا يدها من والدها الذي قدمها له، رافعًا إياها إلى فمه ليقبلها بحنان وود شديد لم تعتاده هي معه.
تحدثت "ميار" مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت أكثر جدية في الحديث الذي وجهته له هو وحده:
- إحنا بنسلمك أمانة غالية أوي عندنا يا يزيد، أرجوك حافظ عليها.
ابتسم بلباقة مصطنعة كما السابقة ونظر إليها ليتحدث بهدوء خالص وهو يقول كلمات تحثها على الاطمئنان:
- متقلقيش، مروة مراتي أنا، هحطها جوا عيوني.
تحدث والدها هذه المرة قائلًا بنبرة أشبه بالتوسل إليه:
- مروة بنتي غالية أوي علينا، دي وردة حياتنا، وأنت خدتها، اوعى تدبل منك.
نظر إليها هذه المرة، رأى الدموع تتكون داخل مقلتيها، ليعيد نظره إلى والدها متحدثًا كما السابق:
- وردتك خلاص بقت تخصني، وأنا لازم أحافظ عليها علشان تفضل على طول كده وردة زاهية وجميلة.
***
تثاقلت الأفكار على عقلها في وسط تلك الضجة المحيطة بها، الجميع من حولها لا يشعرون، وهو أقربهم، هو لا يشعر بها أو بأي شيء يخصها، لماذا تتعجب؟ أنه حتى لم يقدر يوم مثل يوم زفافه.
وقفت في ردهة المنزل، الذي جابته بنظرها سريعًا، وقد وجدته رائع بكل شيء، من نظرة عين ومساحته كبيرة للغاية، ثم عادت إلى تفكيرها المحض في مخاوفها، دقات قلبها تتسارع وكأنها تتسابق على جائزة ما، لا ترى أي شخص أمامها، أين الجميع؟ أين الضجة التي استمعت عنها أنها متواجدة هنا كما منزلها؟ لا يهم كل ذلك، ولكن أين عائلته البغيضة التي لا تعرفهم إلى الآن؟ كل شيء مخيف وغير مرتب إلى الآن، تتساءل هل تستطيع ترتيب أمورها بعد اليوم؟
هو يقف خلفها من بعد دخولها للمنزل، تشعر به وبأنفاسه، رائحته الرجولية تداعب أنفها، لماذا لم يتقدم منها؟ هل عليها اكتشاف المنزل بنفسها؟ يا له من وغد، ستظل تلقبه بالوغد إلى أن يكف عن التصرف مثله.
استدارت إليه بهدوء، محاولة جعله حقيقيًا، بينما هو بعينين الصقر خاصته، ميزه وعلم أنها تتصنع ذلك. سألته بشفتين ترتجف وعينين تجوب المكان من حولها:
- هما.. هما فين أهلك؟ ده البيت فاضي تقريبًا.
يا ليتها لم تتساءل عنهم، هو لم يجب، فقد كان يقف واضعًا يديه في جيوب بنطاله، يقف بشموخ أمامها، ولم يستطع الرد عليها، فقد قامت والدته بتلك المهمة عندما خرجت من إحدى الغرف ومن خلفها الجميع، لتقول بتعالي ونبرة تحمل قساوة وعنجهية لم ترهم من قبل:
- موجودين يا بت طوبار.
استغربت كثيرًا من طريقتها الفظة، الغير مريحة أبدًا، عادت بظهرها للخلف بعدما استدارت لرؤيتها، تراجعت بضع خطوات إلى أن اصطدمت بجسده الواقف خلفها، نظرت إليه والخوف ينهال من عينيها، وكأن الجحيم بانتظارها وهو المنجي لها، تناجيه بعينيها وكأن الواقفون ليس أهله، قلبها يقرع كالطبول خوفًا من خذلانه لها، وكأنه قرأ كل شيء تشعر به، ولأول مرة شعرت هي بأنه سند لها بعد تلك النظرة التي أشعرتها بالأمان، ومن ثم احتضن كف يدها ونظر إليهم نظرات عادية خالية من أي شيء سوى التحذير:
- إحنا تعبانين، هنرتاح وبكرة ابقوا اتعرفوا على بعض براحتكم.
جذبها من كف يدها إلى الدرج في وسط نظرات الجميع المنزعجة، ومن ثم صعد إلى غرفته التي كانت كالشقة الصغيرة في مدخلها غرفة صغيرة بها اثنين من كنبات الانتريه وتلفاز.
ترك كف يدها ودلف إلى مكان آخر لا تعرف ما هو داخل الغرفة، ربما هو حمام، تفكر بطريقته معها منذ يومين، وبالأمس واليوم أيضًا، والآن، هل هو مختل أم هي المختلة؟
نهرت نفسها على تفكيرها الآن، فهي لا تريد غير تبديل ذلك الفستان وأن تنال قسطًا من الراحة، ولكن مهلًا، ليس كل ما نريده نلقاه.
فور أن ولجت إلى الغرفة المجاورة، شهقت بفزع وجحظت عينيها على ما رأته، لم تكن تتوقع ذلك أبدًا، فهي عروس وليست جثة، انسابت الدموع من عينيها سريعًا من دون مجهود، ثم استندت بيدها على إطار باب الغرفة، فلم تستطع أن تتحمل تلك الصدمة، وكأنهم يقولون لها أهلًا بك في الجحيم.
رواية براثن اليزيد الفصل الخامس 5 - بقلم ندا حسن
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم وتقبل شهيدهم وأطعم جائعهم وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم واربط على قلوبهم وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
"لو كانت كثرة التفكير تقتل لصعدت روحها إلى السماء منذ أول وهلة رأته بها"
ألم تنهي عقلها عن التفكير منذ أيام؟ ها هي الآن منذ تلك اللحظة تفكر وتفكر ولم يتوقف عقلها عن التفكير ولو لحظة واحدة، تلك العائلة التي انتقلت إليها لتصبح عائلتها كما يحدث مع أي فتاة ولكن هي لم تكن أي فتاة فقد كانت تحمل كامل الاختلاف.
ترى معاملة والدته لها، يا لها من امرأة حادة الطباع أو ربما قاسية أو تحمل صفات دنيئة لا تدري ولكنها امرأة سيئة للغاية معها، تعاملها كما لو كانت خادمة أتت لتخدم في بيتها، لا والله فالخادمة عندها تتلقى معاملة أفضل بكثير منها ولا تدري لما تفعل ذلك، إن لم تكن موافقة على تلك الزيجة فهي أيضًا لم تكن موافقة مثلها.
وتلك المسماة بـ "إيمان" وهي لا تعلم عنه شيء تأخذ صفات حماتها كما لو كانت ابنتها، وهناك المزيد والكثير فوقها، لا داعي لتذكر تلك المواقف الغبية والكريهة منها ومن حماتها البغيضة، عقلها لا يتوقف عن التفكير في هذه العائلة وأيضًا كبيرهم ذو الصفات الخفية لا ترى منه إلا نظرات مخيفة ويماثله "فاروق" تشعر من نظرته لها كما لو كانت آخذة دمائه، الوحيدة التي شعرت باختلافها عنهم هي "يسرى" فقد كانت فتاة مرحة، واستشعرت طيبتها ولكن مع ذلك توخت الحذر.
أما عنه فقد أخذ كل ما بعقلها إليه، سلبه بذكاء ودهاء لم تجربه من قبل، تفكر في طريقته منذ أول يوم رأته به فقد كان بارد، قاسي، متعجرف إلى أبعد حد، مغرور بنفسه وبكونه "يزيد الراجحي" ومن ثم كان وغد لا ينتقي كلماته يسمم مسامعها بأبشع الألفاظ عنها وعن عائلتها وكأنه لا يدري من هي عائلته وكأنه لا يدري من هي أيضًا!
يبغض ابن عمها لأبعد حد ولا تعرف ما هو السبب وراء ذلك فهو لم يفعل له شيء ولم يدري أيضًا أنها كانت معجبة به بيوم من الأيام، تذكرت أنه من بعد هذه المرحلة وكأنه بسباق مراحل متناقضة تغير ليضع نفسه على وضع الصمت، فلم يحدثها ولو بكلمة واحدة فقط ينظر إليها بعينه ذات اللون الأخضر أو الزيتوني تعتقد أنها زرقاء.
لا تدري ولكن نظراته تربكها، تخجلها وربما في بعض الأحيان تهابها، نظراته بها الكثير والكثير من الكلمات التي لا تفهم معانيها والآن المعاملة بينهما لا تفهم ماهيتها وكأنهم عصافير تغرد ولا تدري ما هي التغريدات التي يلقونها على بعضهم فمنذ ذلك اليوم وهي لا تفهمه حقًا وها قد مضى خمسة أيام على يوم الزفاف، يوم اعتبروها جثة وليست عروس.
"قبل أسبوع"
"وقفت على أعتاب الغرفة وعينيها كشلال المياة، تتسابق دموعها على وجنتيها بلا توقف فقد كانت الصدمة حقًا كبيرة للغاية عليها، لم تكن تتوقع ذلك أبدًا لا منه ولا من عائلته وهي التي ارتدت فستان زفاف، تعتقد أنها ستأخذ أبسط حقوقها ولكن هو لم يفعل وعائلته لم تفعل، فقد سلبوا منها ذكرى السعادة التي من المفترض أن تحيا بها طيلة حياتها ليستبدلون غيرها ذكرى سوداء تحمل اللون الحقيقي دون أي تغيرات لتحيا بها إلى أن تصعد روحها إلى بارئها."
خرج من المرحاض بعد أن بدل ملابسه بأخرى مريحة منزلية، وجدها تقف على أعتاب باب الغرفة تستند بيدها على الإطار وتنحني إلى الأمام، لم يطمئن من هذه الحالة التي هي عليها ليذهب إليها بحذر عاقد ما بين حاجبيه باستغراب لحالتها تلك، ناداها بخفوت بعد أن وقف خلفها ليراها وهي تستدير إليه ووجهها ملطخ بدموعها الممزوجة بكحل عينيها، ولم يكن ذلك فقط فكانت ملامحها تحمل السخرية الكاملة وهي تنظر إليه.
اعتراه الاندهاش فور رؤية وجهها وملامحها وهو لم يفعل شيء بعد ولم يتحدث أحد من عائلته معها لما ذلك؟ سألها بهدوء محاولًا أن يجعله حقيقي فقد كان في الحقيقة برود وليس هدوء:
- مالك في إيه؟ بتعيطي ليه كده؟
ابتسمت بسخرية لاذعة استشعرها بوضوح بينما هي هزت رأسها يمينًا ويسارًا باستنكار ثم تحدثت قائلة:
- لدرجة دي موضوع الجواز رخيص عندك؟ أنا لو كنت أعرف كده حقيقي مكنتش وافقت حتى لو هتولعوا في البلد كلها، أنت مفكر أنك هتقلل مني وهسكت؟ لأ ده مش هيحصل.
لم يفعل شيء ولن يفعل سيظل هادئ حتى يفهم ما ترمي إليه وقد كان هذا ما حدث نفسه به حتى يظل هادئًا ولا يجعل غضبه يتحكم به:
- هو كان حد داسلك على طرف دلوقتي ولا حد كلمك؟ أنت اتهبلتي.
ضحكت عاليًا بعد أن استمعت لكلماته، كما يقولون يضرب ثم يلوم، أحقًا لا يدري ماذا فعل؟
- حد داسلي على طرف؟ هو أنت مش عارف إني من يوم ما عرفتك وأنا مش عايشة حياتي أصلًا، جبتلي فستان وقولت عادي مش مهم مع أن مفيش فرح زي أنت وعمك ما قولتوا شوية ظيطة وزمبليطة علشان سمعتكم وسط الناس وبردو قولت عادي ولبست الفستان وأنت عملت إيه؟ جايلي بقميص وبنطلون! كده مقللتش مني؟ في حد يعمل كده وأنا اللي قدرتك! طب بلاش دي أنا المفروض زي ما بيقولوا يعني عروسة تستقبلني في بيتك بالطريقة دي؟ هي دي رجولة منك؟
قالت آخر كلماتها وهي تشير إلى الغرفة التي كانت تحتوي على الفراش الذي فرش بمفرش لونه أسود فقط ولا يتداخل به أي لون آخر وفي ظهر الفراش من الأعلى ورقة كتب عليها بخط اليد "نورتي قبرك".
هو لم يرى كل ذلك إلا الآن، يقسم أنه ليس من فعل ذلك ويعلم من فعلها ومن غيرها والدته، ولكن ليس هو، وهي معها كامل الحق فيما تقول ولكنه لم يفعل شيء، كيف سيبرر ذلك الآن وكيف سيتحدث معها، لا يعلم هل هو يشفق عليها أم!
وقف أمامها ثم وضع يده في جيب بنطاله البيتي ومن ثم أخذ نفس عميق لينظر إليها من بعدها وتحدث بجدية شديدة:
- مش أنا اللي عملت كده، عايزة تصدقي أو لا بس مش أنا اللي عملت كده وآه متسأليش مين علشان مش هقولك.
أخذت خطوة إلى داخل الغرفة دون أن تتحدث بحرف بعد أن استمعت له وكأنها طردت الأمر من رأسها ثم أمسكت بمقبض الباب لتغلقه عليها ولكنه أعاق غلقها للباب ووقف متسائلًا باستغراب مضيقًا ما بين حاجبيه:
- بتعملي إيه؟
زفرت بحدة ثم أجابته متهكمة:
- هغير ولا تحب أنام كده؟
دفع الباب بيده وتقدم منها وعلى محياه ابتسامة لعوب ترجمتها سريعًا وحاولت الهرب منه عندما وجدته يتقدم منها ولكنه حاصرها لتعود إلى الخلف بظهرها ولم تجد خلفها إلا الحائط ليقف هو أمامها مبتسم بمكر وهي محاصرة بين يديه الاثنين:
- تحبي أساعدك؟
نظرت إلى عينيه التي تاهت بخيوطها متعددة الألوان، غابت في وجهه وملامحه، شردت في تفاصيله، استفاقت عليه وهو يقترب من شفتيها لتبعد وجهها للناحية الأخرى سريعًا وهتفت بحدة قائلة بعدما استعادت السيطرة على نفسها من حضوره الطاغي عليها:
- أبعد لو سمحت ماينفعش كده.
عاد إلى الخلف سريعًا يحك مؤخرة رأسه نظر إليها ثم خرج من الغرفة ليترك لها المساحة الخاصة بها، ولكن لم يستطيع أن يفكر بشيء غيرها فقد كانت بين يديه مستسلمة للغاية، عينيها تجذبه إليها كما لو أنها بها سحر ما، شفتيها التي جذبته بسرعة البرق فقد أشعلت ما بداخله ولم يستطيع السيطرة على نفسه ليقترب منها لينال ما يريد ولكنها لم تجعله يتمادى ليعود إلى رشده سريعًا.
دق باب الغرفة عندما وجدها قد أخذت ما يقارب الساعة لتبديل ثيابها، فتحت الباب منزعجة من حضوره إليها وقد لاحظ ذلك على ملامحها الصارخة بالانزعاج ليهتف وهو يتقدم إلى الداخل:
- كل ده بتعملي إيه؟ مش في واحد عايز ينام.
استدارت إليه غاضبة من دخوله الغرفة وحديثه البارد مثله لتقول بتهكم:
- وأنا مالي ما تنام.
جلس على الفراش ثم تمدد وأجابها قائلًا ببرود وهو يراها تشتعل أمامه:
- إزاي وأنت قافلة الباب؟
- أنت بتعمل إيه؟
ابتسم بهدوء وهو يراها تتقدم منه بعصبية ليهتف ببرود وسخرية:
- هنام يا مروتي.
تغاضت هي عن مناداته لها بهذا الاسم، وقفت أمامه تهتف بحدة قائلة:
- اومال أنا هنام فين؟ يلا أطلع نام بره.
نظر إليها بمكر وتلك النظرة اللعوب والابتسامة الخبيثة ترتسم على محياه ثم دون سابق إنذار جذب يدها بشدة لتقع فوقه ومن ثم قلبها لتكن أسفله وهو يعتليها ليتحدث وهو بالقرب من وجهها الذي لا يفصله عنه سوا نسمات الهواء:
- أنا هنام هنا وأنت هتنامي هنا.. دي أوضتي وده سريري وأنت مراتي.
وآه أي اعتراض ممكن اعمل حاجات تانية غير أنك تنامي جنبي وبس ويعني في الآخر الاختيار ليكي.
ألقى بقية جملته وهو يجوب بعينيه على كامل وجهها بنظرته الماكرة.
خفق قلبها بشدة من تصرفه الغير مرحب به.
عقلها وقف عن التفكير لوهلة وهي تستمع إلى حديثه.
فقط تنظر إلى ملامح وجهه التي تغيب فيه كل مرة تنظر إليه.
استمعت إلى بقية حديثه وعملت ما يرمي إليه لتقول بحدة وهي تبعده عنها:
- طب أبعد خليني أعرف أنام.
ابتسم الآخر بمكر وعاد إلى مكانه بالفراش ينام عليه بظهره واضعًا يديه أسفل رأسه ونظر إليها وجدها تنام بآخر ركن به تدير إليه ظهرها وهي تتمتم بكلمات لا يعلم ماهيتها ليبتسم مرة أخرى ولكن كانت ابتسامة حقيقية هذه المرة.
***
- بس هو انتوا إزاي جيتوا هنا يعني أنا مش فاهمه مش بتقولي كنتوا في الصعيد تقريبًا؟
تلك الكلمات قالتها "مروة" متسائلة باستغراب وهي تجلس مع "يسرى" التي استشعرت مدى طيبتها.
- أيوه وحتى جدك. بصي ياستي اللي أنا أعرفه إن هما كانوا عايشين في نواحي الصعيد حتى تلاقي ماما وعمي وفاروق لهجتهم مختلفة شويه مش كتير بردو لأن إحنا هنا من زمان. جدي وجدك كانوا شركا جم هنا وكل واحد أخد بيت لعيلته وكان بابا معاه وعمي سابت وبعدين كبروا في الشغل وفجأة سمعنا أن جدي أفلس إحنا منعرفش السبب ولا ايه اللي حصل بس عمي سابت قال إن جدك آسفة يعني نصب عليه وبعدين جدي مات وبعديها بكام شهر بابا مات كل ده طبعًا أنا مفتكرش منه حاجة لأني كنت صغيرة بس سمعت الكلام ده أكتر من مرة.
نظرت أمامها في الفراغ المتواجد حولها من الأراضي الخضراء وهي لا تصدق ما استمعت له.
هي لم تستمع إلى هذه القصة من قبل.
هل من الممكن أن يفعل جدها هذا؟
لقد مات شخصين بسببه؟
لا مستحيل فهو كان طيب، حنون، رجل وقور، عادل، مؤكد لم يفعل ذلك هناك خطأ هي حتى لا تتذكر جيدًا.
خرجت من شرودها على صوت شقيقة زوجها المتسائلة باستغراب:
- ايه يا بنتي روحتي فين؟
ابتسمت بود ثم اجابتها وهي تعتدل في جلستها لتواجهها من جديد:
- هنا. هو يزيد بيشتغل ايه وفاروق؟ أنا هنا بقالي أسبوعين ومش شايفه حد فيهم بيشتغل خالص.
جلست "يسرى" القرفصاء ثم تحدثت بحماس قائلة:
- لأ إزاي بيشتغلوا طبعًا. شغلهم كله في الخشب فاروق أخويا وعمي ليهم هنا مغلق داخل نواحي البلد وكده أما يزيد ماسك المصنع اللي في القاهرة ودايمًا قاعد هناك.
استغربت لسماعها لتلك الكلمات البسيطة التي لأول مرة تعلمها عن زوجها وقد جال بخاطرها فكرة. فسألتها قائلة بجدية:
- بجد أنا أول مرة أعرف كل ده ظروف جوازنا كانت صعبة أنت أكيد عارفه. بس هو معقول بيروح ويجي ده سفر من هنا للقاهرة.
ابتسمت "يسرى" بحزن هادئ ملائم للموقف وللحديث الذي قالته زوجة أخيها:
- عارفة للأسف بس إن شاء الله كل شيء يتحل. بس يزيد أصلًا ليه بيت هناك. أقصد إن حياته هناك أصلًا وبيجي هنا إجازات بس.
ابتسمت مروة باتساع وكأنها كانت تغرق ووجدت وسيلة النجاة التي ستأخذها للشاطئ مما جعل "يسرى" تندهش لابتسامتها تلك ولكنها لم تكن تعلم ما الذي يدور بخلدها.
- صدعتك برغي يا يسرى صح؟
ابتسمت "يسرى" ثم هتفت قائلة بحماس وهي تعتدل على مقعدها:
- بالعكس ده أنا كنت خلاص هطق والله يا مروة أنا أغلب الوقت لوحدي. الكميا بيني وبين إيمان بايظه خالص ولا حتى ماما ومن يوم ما خلصت كلية وأنا زي ما أنا كده لحد ما أنت جيتي بقى.
سألتها "مروة" مرة أخرى باستغراب:
- ليه محاولتيش تكوني صاحبة إيمان مثلًا؟
زفرت "يسرى" بضيق شديد قد ظهر على تعابيرها ثم اجابتها قائلة بجدية:
- بصي صحيح إيمان من هنا يعني أقصد فاروق خطبها من هنا مش من الصعيد الجواني ولا حاجة. بس دماغها قفل أوي وزي ماما كده ساعات بحس أنها بتاكل بعقل فاروق حلاوة بجد خبيثة أوي وعمري ما ارتحت معاها. من يوم ما خلصت تجارة وأنا قاعدة زي ما أنت شايفه.
صمتت لبرهة ومن ثم تحدثت قائلة:
- طب عارفة لما جيت أدخل كلية التجارة وقفت لفاروق وقالتله جوزها بلا علام بلا بتاع وقعدت تقول الست ملهاش غير جوزها وماما وافقتها وحتى عمي سابت بس يزيد وقف معايا وخلاني أكمل تعليم غصب عن الكل. أنا ويزيد مش زي الباقي خالص.
اومأت لها "مروة" برأسها ثم قالت بخفوت وهي تقترب منها برأسها بحركة مضحكة لتفعل الأخرى المثل:
- أنا كمان بحسها مش سالكة وبصراحة وقفالي زي اللقمة في الزور وبتعمل معايا حركات بايخة تتصنف بيها حرباية.
ارتفعت ضحكات "يسرى" بعد حركات "مروة" العفوية وهي تتحدث وتصف "إيمان" زوجة أخيها ولكنها صمتت عندما تحدثت "مروة" مرة أخرى سائلة إياها بجدية بعد طرأ السؤال عقلها لتعلم الإجابة الصحيحة منها دون كذب من شخص آخر:
- بس هو ليه بعد خمس سنين فتحتوا موضوع التار يا يسرى؟ وبعدين أصلًا ابن عمي اتحاكم ومشي وكان من غير قصده. ليه عملوا كده؟
صمتت "يسرى" قليلًا ثم نظرت إليها بجدية وتحدثت بعد أن تنهدت بهدوء:
- إحنا مكناش نعرف حاجة يا مروة ولا حتى يزيد. يزيد اعترض وحصل خناق وسمعنا صوته وهو بيقول إنك ملكيش ذنب في حاجة زي دي بس عمي سابت وماما وفاروق كلموه وبعدين غير رأيه ووافق.
صمتت "يسرى" عن الحديث عندما وجدت "إيمان" تخرج من باب المنزل مقبلة عليهم في الحديقة تبتسم ببرود.
اقتربت منهم ثم وقفت أمامهم متحدثة بضجر:
- ايه هتفضلوا قاعدين هنا طول النهار؟ قوموا ساعدونا يزيد عازم ضيوف عنده النهاردة.
نظرت إليها "مروة" باستغراب فهو لم يقل إليها شيء كهذا. غبية ولماذا سيقول لها؟ هو يتعامل معها كما لو أنها ليست موجودة من الأساس. ابتسمت "إيمان" باستفزاز عندما رأت تعابير وجه "مروة" هكذا لتسألها بتهكم:
- هو يزيد مقالكيش؟
أجابتها وقد أحمرت وجنتيها من الخجل:
- لأ ممكن يكون نسي.
ابتسمت "إيمان" بسخرية لاذعة ثم تحدثت بتهكم وهي تتجه للداخل مرة أخرى:
- نسي آه. طب يلا يا ماما أنت وهي تعالوا ساعدوا.
وقفت "مروة" و "يسرى" مثلها يسيرون للداخل فتحدثت "يسرى" إليها بجدية:
- متبقيش هبلة وضعيفة معاها ولا تكشفي ورقك ليها لتفكرك بتخدمي عندها وتستغل طيبتك.
نظرت إليها "مروة" نظرة ممتنة فهي حقًا في تلك الأيام كانت ونعم الصديق لها في ذلك المنزل البغيض.
***
لقد طفح الكيل حقًا من هذه المرأة وزوجة ابنها.
هي لا تكف عن ازعاجها.
تستغل كل فرصة، ولو كانت حتى من اللاشيء لتحزن قلبها.
تتذكر منذ أن دلفت هذا المنزل وهي تعاملها باحترام ولم تغلط معها ولو بحرف صغير ولكنها تفعل العكس تمامًا.
لا تناديها إلا بابنة عائلة "طوبار" وهل هذا شيء مشين؟
أنها غريبة الأطوار حقًا.
لقد تفاوتت المرات السابقة ولم تتحدث.
ازعجتها كثيرًا.
تساندها "إيمان" تلك البغيضة مثل حماتها.
تكاد تجن من أسلوبهم وتلك الطريقة الرخيصة التي يتبعونها.
لو لم تكن "يسرى" معها وتحاول الدفاع عنها بكل الطرق وتحاول التهوين عليها لما بقيت هنا معهم.
استدارت والدة زوجها "نجية" إليها لتنظر إليها بحقد وكراهية ومن ثم هتفت قائلة بتهكم:
- هاتي الخضار اللي هناك ده يابت عيلة طوبار.
تركت "مروة" السكين من يدها والذي كان تقطع به قطع اللحم لتتجه إلى الطاولة التي بالمطبخ موضوع عليها طبق الخضار الكبير أخذته واتجهت إليها وهي تعد بداخلها من واحد إلى عشرة حتى تهدأ ولا تثور على هذه المرأة العجوز.
تعثرت في طريقها بسبب حبة من البصل واقعة على الأرضية ولم تراها ليقع منها الطبق محطم وتناثرت محتوياته على الأرضية وقد جاهدت حتى لا تفقد توازنها ونجحت في ذلك.
شهقت "يسرى" بفزع واتجهت إليها على الفور مسانده إياها ثم هتفت قائلة بقلق واهتمام:
- أنت كويسه؟ حصلك حاجه؟
لم تستطع "مروة" أن تجيبها حيث أن والدتها قد تحدثت بحدة وعصبية لا مبرر لهما فقد كان من الممكن تفاوت الأمر:
- مهي قدامك أهي كيف القرد تمام محصلهاش حاجة. كسرت الصحن ووقعت الخضار على الأرض هو ده اللي عملته بت طوبار. عيلة جايه من عيلة غم بصحيح.
وقفت "مروة" مدهوشة من حديثها الفظ.
بدلًا من أن تتسائل إن كان حدث لها شيء.
سألت نفسها لماذا وافقت على هذا العذاب؟
ما ذنبها لتتحمل كل هذه الإهانة من سيدة مثلها؟
تربيتها لا تسمح لها أن تعاملها بالمثل ولكن أن اضطرت ستفعل.
هي لا تحتمل بكل الأوضاع.
لم تتحدث معها بل انحنت على الأرضية تلملم ما تناثر عليها وتساعدها شقيقة زوجها بينما وقفت "إيمان" ووالدة زوجها بعيد نسبيًا.
ابتسمت "إيمان" بوجهها ثم تحدثت قائلة بحماس:
- والله براوة عليكِ يا مرات عمي. البصلة اللي وقعتيها كانت هتجيب أجلها.
ابتسمت "نجية" وقد ظهرت تجاعيد وجهها وهي تقول والحقد يملئ قلبها:
- ولسه.
لسه مش شافت حاجة، بت عيلة النصابين.
تريثت قليلاً ثم هتفت ببرود وسخرية في ذات الوقت وهي تنظر إليها عندما كانت تجمع ما وقع على الأرضية:
- أمها ماتت وهي عيلة، والله تلاقيها طفشت من همها، ولا حد رباها بعد المرحومة اللي سبتها من غير ترباية.
وقع ما كان بيدها ليستقر على الأرضية مجدداً. وقفت على قدميها وتركت كل شيء وهي تنظر إليها بصدمة، فقد كانت كلماتها واضحة كوضوح الشمس. ترقرق الدموع في عينيها ومن ثم تسلقوا جفنيها ليسيروا على بشرتها الناعمة. نظرت إليها وهي تبكي قهراً على ما تفعله بها وعلى هذا الحديث الجارح. فهي تتحدث عن والدتها وعن تربيتها التي لو لم تكن موجودة لما تركتها تفعل ما يحلو لها. ولكن يكفي حقاً.
رفعت سبابتها في وجهها وتحدثت بحزم وجدية شديدة والدموع تنهمر على وجنتيها بلا توقف:
- اسمعي يا ست، أنا من يوم ما جيت هنا وأنا سايباكي تعملي اللي عايزاه براحتك ومعترضتش، لكن عند أمي وتقفي دي ميتة عند ربنا مش معانا هنا، وأنا مش هسمحلك تغلطي فيها.
تركتها وذهبت سريعاً لتخرج من هذا المكان الذي ضاق فيه صدرها لينطبق على قلبها، وكأنها ستلقى حتفها به. كلماتها لم تكن هينة أبداً، فقد ذكرتها بوالدتها الراحلة والتي لم تحظ بالوقت معها.
اصطدمت بجسده الواقف أمامها، ولم تكن تراه بسبب محاولتها إزالة الدموع من عينيها وهي تسير في ردهة المنزل لتصعد إلى غرفتها. عادت للخلف بجسدها ونظرت إليه والدموع تنهمر من عينيها بكثرة بعد أن رأته وتذكرت خيبتها.
نظر إليها باستغراب وهو يراها تبكي وعيونها منتفخة. تبكي وتنتحب أمامه ولا يدري لما. بكائها هكذا يقطع أنياط قلبه أشلاء. رؤيتها هكذا كما لو أن هناك نصل حاد يأتي بقلبه نصفين. حاولت أن تذهب ولكنه أمسك بيدها متسائلاً باستغراب وقلق جلي:
- مروة، اهدي. مالك، فيه إيه؟
نظرت إليه بحزن خالص ونظرة عتاب لم يراها منها من قبل، وكأنها تلومه على كل شيء. ومن ثم سحبت يدها وصعدت على الدرج دون أن تتحدث أو تجيبه على سؤاله. فقد زاد بكائها الذي جعله يندهش ويتساءل ما الذي حدث لكل ذلك. ولكن هو الآن يعلم أن ضعفه يكمن في بكائها. كلما رآها تبكي شعر بضعف وعجز شديد لم يشعر به في حياته.
رواية براثن اليزيد الفصل السادس 6 - بقلم ندا حسن
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم، وتقبل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيداً نصيراً وقائداً وظهيراً. سبحانك إنك على كل شيء قدير، فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
"رؤية الخيوط الحمراء وسط زُرقة البحر
تجعل قلبه يقفز قفزة حزينًا وكأنه
يلقي نفسه بين قدميه موتًا"
رؤيتها هكذا تجعله ضعيفًا أمام نفسه وربما أمام الجميع، وجهها الملائكي لا يستحق إرهاقه بكثرة البكاء، قلبها الرقيق لا يستحق أن يحمل كم الحزن هذا. هو يعلم أنه منذ أن ولج حياتها وقد انقلبت رأسًا على عقب، ولكن هو الآن يشعر بالاختلاف ناحيتها، يشعر وكأن حديثه مع "ليل" في السابق سيصبح حقيقة.
نظر بحزن إلى درجات السلم الذي صعدت عليه وهي تحمل بكاءها معها، وعاد نظره إلى المطبخ الذي كانت خارجه منه بهذه الحالة المزرية. عزم أمره على التقدم ناحيته ليعلم ما الذي حدث وجعلها في هذه الحالة.
وقفت "يسرى" أمام والدتها تهتف بغضب وحدة: "لقد توصلت إليهم بسبب لا مبالاتك وقسوتك على تلك الفتاة، حرام عليكي يا ماما بقى البنت والدتها ميتة وأنتِ قاعدة تعايريها، هو يعني كان بإيدها؟ حرام عليكي اعتبريها زيي."
صاحت والدتها بحدة هي الأخرى، غير مبالية بكلماتها في حق "مروة" والوقوف بجانبها، وقد كان الحقد والانتقام يعمي عينيها: "اخرسي يا بت أنتِ! بت عيلة طوبار عمرها ما تبقى زيك، دول عار ودي واحدة منهم هتتحاسب على كل اللي عملوه."
كادت أن ترد عليها ابنتها مرة أخرى، ولكن دخول "يزيد" أعاق كلماتها من الخروج، وقد رُسم على وجهه كل علامات الاستفهام.
وقف أمامهم واضعًا يديه في جيوب بنطاله أسود اللون، ونظر إلى "يسرى" التي استمع حديثها مع والدته، لينظر إليها باستغراب ويتساءل بهدوء: "إيه اللي سمعته ده؟ إيه اللي حصل مع مروة؟"
سريعًا أجابته "إيمان" بنظرة لعوب ونبرة تحمل الجدية في ذات الوقت، لتدافع عن والدة زوجها وتجعل من ارتكب الجريمة بأكملها هي "مروة": "ولا حاجة يا يزيد، الموضوع كله أننا طلبنا من مراتك أنها تيجي تساعد معانا في المطبخ عشان ضيوفك، معجبهاش الحال، ولما مرات عمي فهمتها أنها لازم تشتغل، فكرت أنها كده بتهزقها وقامت عيطة وماشية، قال يعني بتهرب من الشغل."
نظرت إليها "يسرى" بذهول، فقد كانت تكذب بكل صدق! تجعلك تشعر وكأن حديثها ليس بعده حديث. نظرت إلى والدتها وجدتها تبتسم بهدوء مستفز. إنهم حقًا لا يشعرون بكونهم بشر. "مروة" فتاة طيبة لا تستحق هذا.
استفاقت على صوت يزيد الذي وجدته ينظر إليها، وقد علمت أنه لا يصدقها. قال بهدوء كما هو معتاد في حديثه: "بس مروة من يوم ما جت وأنا بشوفها معاكم في المطبخ."
تحدثت سريعًا بصدق وجدية هي الأخرى، مجيبة على كلماته، وقد وجدت أن "مروة" لا تستحق منهم هذا، فإذا صدق "يزيد" حديثهم ربما تحدث بينهم مشكلة، وبالكاد هم يتحدثون: "لا يا يزيد محصلش، مروة كانت شغالة معانا عادي وماما هي اللي هزقتها بدون سبب وعايرتها بأمها الميتة."
لو كانت نظرات البشر تحرق، لوقعت في حريق وسط نار مشتعلة من نظرة والدتها إليها. نظرت إليها بقسوة شديدة، ربما لو استطاعت دفنها حية لفعلتها. ولكن "يسرى" لم تبالي بها، فقد أشْفَقَت على حال "مروة" وما يحدث معها.
اعتلت شفتي "يزيد" ابتسامة باردة، وكأنه لا يبالي بما قالته شقيقته. يظهر عليه هذا بوضوح، ولكن ما قاله بجدية وحدة شديدة لوالدته و"إيمان" خالف جميع نظراته وتعابيره الذي تظهر بوضوح: "مش معنى إن في بينا اتفاق يبقى انتوا تعملوا اللي انتوا عايزينه، لأ أنا وافقت آه بس أنا اللي هكمله ولوحدي. غير إن دي مراتي واللي يمسها يمسني، وأظن الكل عارف زعلي عامل إزاي."
تريث قليلاً ثم أكمل حديثه موجهًا إلى والدته: "بلاش... بلاش اللي بتعمليه، كلنا عارفين أنها ملهاش ذنب في حاجة، اعتبريها زي يسرى."
ومن ثم استدار وخرج من المطبخ بدون أن يتحدث أو يضيف حرفًا آخر، فقد كان يعلم ما تريد أن تفعله والدته. هي بداخلها نيران تشتعل بسبب ما حدث في الماضي. يعلم أن قلبها فتر صغيرًا، ولكن لما نحمل الغير ذنب ليس له علاقة به؟ "مروة" بريئة، فتاة نقية، ولكن حظها العثر هو من جعلها من عائلة "طوبار" لتقع مع عائلته ومع براثنه الذي لا تهدأ. لقد وقعت مع "براثن اليزيد".
لم تكن تظن أنه سيفعل هذا لأجلها، لم تتخيل قط! خيب ظنها به للمرة الثانية. هي اعتادت على بروده، عُجرفته، قساوته المسيطرة على ملامحه. لم تكن تتخيل أن يقف بجانبها هكذا وبهذه الطريقة. لقد أنقذها في المرة الأولى عندما نادته بعينيها، وها هي المرة الثانية يقف إلى جوارها أمام الجميع.
سردت لها "يسرى" ما حدث بالحرف لتجعلها سعيدة بحديثه مع والدته، ولكن لم يسيطر عليها سوى الاندهاش من فعلته تلك. تتساءل لما فعلها؟ وقد أتى إليها يطمئن قلبها من ناحية الجميع! يبث الأمان داخل روحها بوجوده ببعض الكلمات. يحاول مداواة جرحها من حديث والدتها الفظ. لم تكن تظن أنه سيفعل كل ذلك لأجلها. لم تكن تظن أيضًا أنه سيذهب إليها بعدما حدث ليطيب خاطرها.
"قبل ذلك الوقت"
ولج إلى غرفته يبحث عنها. لم يجدها بغرفة الصالون ولا حتى بغرفة النوم. ربما بالمرحاض؟ ولكن أيضًا لم تكن به. وقف في منتصف الغرفة واضعًا يده خلف رأسه وهو يدور بعينيه في كل اتجاه، يفكر أين ذهبت وقد رآها تصعد للأعلى. كاد أن يخرج من الغرفة ليبحث عنها، ولكن قد استدعى انتباهه صوت شهقات مكتومة، وبكاء خافت.
وقع قلبه بين قدميه وهي ليست أمامه، إذًا أين هي؟ توجه خلف الصوت الذي تتبعه ليعلم أين هي متواجدة، وقد أخذته قدميه إلى شرفة غرفة نومهم. وجدها تجلس خلف باب الشرفة على الأرضية الرخامية تعطي ظهرها إليه، منحنية على نفسها في جلستها وهي تضم إلى صدرها صورة والدتها إليها وتبكي بشدة محاولة كتم صوت بكائها بيدها.
قلبه بات منكسرًا من رؤية ملاكه هكذا. تملكه الضعف مرة أخرى وباتت ملامحه حزينة للغاية. يشعر وكأن قلبه ينقسم نصفين بسببها، بسبب دموعها ومظهرها هذا.
ذهب ليقف إلى جوارها ومن ثم جلس على عقبيه لينظر إليها بهدوء وحنان هذه المرة، بينما هي رفعت نظرها إليه لترى نظرة داعمة منه. رفعت كف يدها لتزيل دموعها، ولكنه كان الأسرع ليمد يده إلى وجهها يزيل دموع عينيها برقة من أعلى وجنيها. شددت هي بيدها على الصورة التي بين يديها في محاولة منها لمداراة الرعشة التي اعترتها، وقد شعر هو برجفتها ليبتسم بهدوء.
جلس أمامها واعتدل في جلسته ليواجهها. أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه مرة أخرى. نظر إليها بهدوء والحنان يفيض من عينيه، لا تدري كيف! ثم تحدث بهمس: "ممكن متعيطيش كده تاني.. مبحبش أشوفك كده."
اعترتها الصدمة من حديثه غير المتوقع! هل هذا هو "يزيد الراجحي" الذي كان يلقي أي حديث حتى وإن لم يكن يعرف معناه؟ مؤكد استمعت إليه خطأ، هو ليس بهذه الرقة.
استمعت إليه يكمل باقي حديثه بعدما تنحنح وقال بجدية هذه المرة: "أنا عارف أن أمي ضايقتك، أنا آسف بالنيابة عنها.. بس هي ست كبيرة وده طبعها هي كده دايمًا.. أنا اتكلمت معاها ومش هضايقك تاني."
تحدثت هذه المرة ولم تصمت. ستتحدث من الآن وصاعدًا، يكفي ما مر ولم تجنِ منه شيء غير الحزن والقهر. قالت له بصوت ضعيف من كثرة البكاء: "لأ هي مش كده.. هي معايا أنا بس كده، مع إيمان كويسة وزي الفل، أنا بس اللي كده. أنا من يوم ما جيت هنا ومعترضتش على أي حاجة هي عايزاها، بس هي بتتعمد تعمل كده والله."
نكس رأسه بحزن، هو يعلم أن حديثها صحيح، والدته تتعمد أن تفعل ما يزعجها. رفع وجهه إليها مرة أخرى ينظر إلى عينيها التي تحمل خيوط حمراء مع لونها، ثم تحدث بجدية قائلاً: "خلاص يا مروة أنا اتكلمت معاها وهي مش هتعملك حاجة تاني.. ولو عملت أنا هتصرف، المهم أنا مش عايز أشوفك كده تاني، ماشي؟"
نظرت إليه باستغراب شديد، لا تعلم ما هذا التحول الذي طرأ عليه. دعمها بعينيه لتجيبه بالموافقة وهي تفكر في هذا التغير الشديد الذي ربما يصحبها معه.
ضعف غريب يعتريه عندما يراها تبكي. وكأن صدره ينطبق على قلبه ليسحقه، أو كأن خنجر قدر ضربه بالمنتصف. لا يعلم ولكن لا يريد رؤيتها هكذا أبدًا. هو إلى الآن لا يدري كيف ستسير حياته معها. لم يضع مخططًا إلى الآن. كيف ستكون زوجته وبينهم حيلة؟ كيف سيحدث وهو لا ينام بسبب ما يقوله إليه ضميره؟ إنه معذب بسببها، بسبب عائلته، حتى لا يدري كيفية التفكير بشكل صحيح. إنه يأتي من هنا إلى هناك وبدون فائدة. ماذا لو كانت الملاك الخاص به وحده؟ الملاك الذي رآه في وسط الحقول الخضراء ومن ثم تقدم لخطبتها والزواج منها! ألم يكن أسهل من كل ذلك؟
منذ يوم الزفاف وهو يتحدث معها كما الغربيون عن بعضهم. ربما الصمت هو المسيطر بينهم. منذ ذلك اليوم وقد علم ما فعلته والدته بمساعدة "إيمان". هو لم يكن يدري أنها ستفعل ذلك ولكنه أيضًا عاتبها وبشدة. جعلها تشعر بما فعلته، ولكن والدته كما هي وربما تسوء أكثر.
يعلم أن زوجته ليس لها يد بكل ما حدث في الماضي أو حتى الحاضر، ولكن قد وقع الاختيار عليها لتكن هي الضحية بينهم. قد عزم أمره من البداية على جلب حق الجميع ولو على نهايته، ولكن هي!
هي تستحوذ على تفكيره ببراءة وطيبة. لم يراها قد تستغيث به في أوقات حاجتها وكأنها تتناسى حديثها معه عن أن حياتها دمرت بسببه. لا يعلم هل هي عفوية للغاية أم مثله تفكر وتفكر وتفكر به كما يفعل.
نظر إلى السماء الذي يحتل مظهرها الغروب. وضع يد في جيب بنطاله والأخرى على فمه ممسكًا بها سيجارة مشتعلة يدخنها. ومن ثم فكر مرة أخرى وهو يحاول ترتيب أفكاره هذه المرة ليتوصل إلى شيء كان يريده من أول لقاء بينهم. لم يريد غير ذلك وقد ألقاه عليه صوت قلبه الذي يريد قربها أكثر من أي شيء آخر. ليقرر بالنهاية أنه سيأخذ هدنة ليرى ما الذي سيحدث بينهم.
كان الجميع في منزل عائلة "طوبار" يجلسون على طاولة الطعام. "نصر طوبار" وابنته، أخيه وزوجته وابنه. كل منهم يأكل بصمت وهدوء وهو شارد فيما يخصه إلى أن تحدث "نصر" بجدية بعد أن رفع وجهه مقابلًا لأخيه:
- عايزين نروح لمروة بإذن الله علشان أسافر أنا وميار.
تحدث أخيه بجدية هو الآخر مجيبًا إياه وهو يترك الملعقة على طاولة الطعام:
- ما تخليكم هنا بقى يا نصر، هتروحوا هناك لمين؟
أجابته "ميار" بابتسامة مصتنعة وهي تنظر إليه بهدوء:
- لأ معلش يا عمي، إحنا حياتنا هناك والصيدلية بتاعتي بردو.
تنفس بعمق ثم أجابهم بهدوء:
- طيب زي ما تحبوا، نبقى نروح نطمن على مروة بكرة في بيت الراجحي.
استمع إلى تلك الكلمات التي هبطت على مسامعه كالقنابل المتفجرة. تذكر ابن "الراجحي" فور نطق والده لاسم العائلة تلك. هو لا يبغض بحياته غيرهم. ولما لا، فقد دمروا سعادته وسعادة حبيبته التي من المفترض أن تكن له هو وحده. سلبوا منه حب حياته في لحظة واحدة ليبقى مشتتًا هكذا تأكله النيران من الداخل لمجرد التذكر.
ألقى الملعقة بعصبية ثم دفع المقعد من خلفه ووقف ليذهب إلى خارج المنزل منفعلًا بشدة وقد علم الجميع ما يمر به. نكس والده رأسه بحزن عليه بينما وقفت "ميار" سريعًا وخرجت خلفه.
ذهبت خلفه تناديه إلى أن وقف بجنينة المنزل الكبيرة يوليها ظهره. وقفت هي خلفه. أخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته وتحدثت بهدوء مصتنع قائلة:
- قمت كده ليه؟
وضع يديه بجيب بنطاله وزفر بضيق شديد يحتل كل خلايا جسده وهتف بضيق قائلًا:
- عايز اشم هوا نضيف.
ابتسمت بسخرية جلية ثم جذبته من ذراع يده الأيمن ليستدير إليها ويكن في مقابلتها. وضعت يدها أمام صدرها وتحدثت بحزم وجدية وهي تعلم ما الذي يمر به ويجعلها تحزن لحظها العثر أيضًا:
- لأ أنت قمت علشان اضايقت لما جت سيرة مروة وعيلة الراجحي صح؟ أكيد صح.
تغيرت ملامح وجهه من الضيق إلى الغضب. فقد كان في قمة غضبه وهو لم يفعل شيء لها. لم يوقفهم، لم يدافع عنها ولم يستطيع فعل شيء. الغضب بداخله من نفسه ومن الجميع.
تريثت "ميار" ثم عادت الحديث مرة أخرى بجدية شديدة حتى يفهم ما الذي يحدث من حوله:
- تامر..! مروة خلاص اتجوزت. خلاص بح مفيش مروة هنا. أرجوك أبعد عنها وانساها ومتعملهاش مشاكل، كفاية اللي هي فيه أرجوك.
ابتسم بسخرية بعدما استمع لحديثها، هي تظن أنه يؤذيها! غبية هذه "الفتاة". تحدث بهدوء وابتسامة تزين ثغره:
- أنا أقدر أؤذي مروة؟ أنت عارفه أنت بتقولي ايه؟ ده طبعًا مستحيل إني أعمله... هو خلاص زي ما قولتي ربنا يسعدها في حياتها.
ابتسمت إليه بائتمان وقد صدقت حديثه وهناك آمل طفيف داخلها كي يشعر هو بمن حوله. استدارت وعادت إلى الداخل مرة أخرى بينما تركته هو يقف مبتسمًا على تلك الساذجة التي صدقته على الفور. إلى الآن لم يستطيع أحد أن يعلم ما فعله. لم يستطيعوا أن يجدوا صاحب الرقم الغير مسجل. ومن غيره فقد كان دهائه هو الذي جعله يفعل ذلك.
وقف شاردًا يتذكر ذلك اليوم الذي كانت حرقة قلبه تكاد تقتله فيه. عندما أخذها "يزيد" ليأتي بفستان زفاف لها. قد وجدها الفرصة المناسبة لتنفيذ خطته التي لم تنجح بنظره فقد كان في وقت سابق ابتاع خط غير مسجل حتى لا يعلم أحد إلى من هو وقد سجل رقم الخط على هاتف "مروة" بإسم "حبيبي" وهي لم تلحظ ذلك ففي وقتها تحجج بأنه يريد رؤية شيء في إعدادات هاتفها وقد فعلها ومن ثم عندما ذهبت مع "يزيد" قام بإرسال رسائل كثيرة لتزعجها وتزعجه وحتى يلاحظ أن هناك شيء غير طبيعي بينهم ولم يكن يعلم أن "يزيد" هو من رأها أولًا فقد اعتقد أنه لم يرى شيئًا.
عاد من شروده وهو يفكر مرة أخرى. عليه أن يفعل شيئًا ليفعل ما يحلو له.
لقد عبرت الساعة بعد منتصف الليل بقليل ولم يعد إلى الآن. لقد ودع أصدقائه منذ ساعات إذًا أين هو؟ لم تستطع النوم فقد كانت تتململ كل ثانية والنوم قد ذهب من عينيها لتبقى هكذا. ذهبت إلى شاشة التلفاز وجلست أمامها. حاولت أن تركز بما يعرض أمامها ولكن دون جدوى عقلها يذهب إلى ذلك الشخص الذي لم يأتي إلى الآن.
وقفت على قدميها فجأة ونظرت إلى ملابسها المكونة من بنطال بيتي لونه أسود يعلوه قميص من نفس اللون وبه بعض النقاط باللون الأبيض. توجهت إلى دولاب الملابس وفتحت دلفتها لتأخذ وشاح كبير من اللون الأخضر كما لون عينيها الآن.
لفت الوشاح حول كتفيها فقد كان الجو بارد قليلًا. خرجت من الغرفة بهدوء وهبطت الدرج بحذر حتى لا تصادف أحد من الذين تبغضهم في ذلك المنزل. إلى أن خرجت حيث الحديقة الكبيرة. أخذت تسير بها وهي واضعة يدها أمام صدرها. ربما يساعدها هذا الهدوء في التفكير بحياتها!
إذًا لتفكر.. ولكن قد استمعت إلى صوت يأتي من بعيد نسبيًا. ذهبت على حذر إلى مكان الصوت وهي تفكر ربما أن يكون "يزيد". سارت بحذر إلى هناك ولم ترى أحدًا. حاولت أن تبحث بعينيها ولكن لم يكن هناك أحد حقًا. استدارت لتعود مرة أخرى ولكن خرجت منها صرخة مدوية قد يكون استمع إليها كل من في المنزل ولكن وضع "يزيد" يده سريعًا على فمها ساحبًا إياها من الخلف لتستند بظهرها على صدره.
تحدث في أذنها بخفوت وهو يضع يده على فمها مانعًا إياها من الصراخ:
- اهدي مفيش حاجه تخوف، ده ليل.
كان جسدها بأكمله يرتجف من هول المظهر الذي رأته. فقد استدارت لتعود مرة أخرى ولكن قد رأت كائن أسود اللون. لا ليس بأسود أنه حالك السواد. قاتم بشدة وقد اخافها بل كانت مذعورة منه. جسدها يرتجف بسبب الصدمة التي تعرضت إليها.
تحدث "يزيد" مرة أخرى بعد أن أخفض يده عن فمها وجعلها تستدير إليه ليواجهها قائلًا بابتسامة تعتلي شفتيه:
- أنت جبانه أوي كده؟ ده ليل حصاني خايفه من ايه؟
نظرت إلى ابتسامته التي لا تعلم من أين أتت. لتتحدث بخفوت وهي تقترب منه عندما وجدت أن الحصان يقترب منها:
- أنا... أنا بس
عاد بنظرة إلى عينيها ومن ثم تحدث بهدوء وصوت أجش يبعث القشعريرة داخل أنحاء جسدها:
- هو أنت؟ لون عينيكي إيه؟ شوية أشوفها لون البحر وشوية تكون لون الزيتون وشوية لون الخضرة.
نكست رأسها للأسفل تبتسم بخفوت وخجل، ثم رفعت رأسها تنظر إليه وتحدثت قائلة بهمس يكاد أن يُسمع:
- ودلوقتي لونها إيه؟
- لونها أخضر، زي خضرة الأرض بالظبط بتخلي الواحد يتوه جواها.
سعدت كثيرًا بحديثه ومصارحته هذه، فقد كانت تحتاج إلى ذلك وبشدة، تريد شيئًا يخرجها من قوقعة أفكارها. ابتسمت إليه وقالت بهدوء خجل:
- على فكرة أنت كمان عيونك كده، شوية زرقا وشوية خضرا.
نظر إلى شفتيها التي تتحدث بخفوت، تجذبه إليها بملامحها وجمالها الرقيق. اقترب أكثر منها حتى قطع جميع المسافات بينهم وأصبح ملتصقًا بها، يده تذهب ناحية شفتيها يمررها عليها ببطء. تحدث بخفوت أمام وجهها متسائلًا:
- ولونها إيه دلوقتي؟
نظرت إلى الأرض من تحت قدمها، وجهها سينفجر من الخجل وما يفعله، ولكنها سعيدة بقربه وحديثه، سعيدة بتواجده جوارها. تحدثت قائلة وهي تنظر إلى الأرض:
- لونها أزرق.
سألها مرة أخرى وهو على وضعه قائلًا:
- طب تفتكري ليه بيتغير لونها؟
أجابته دون أن تأخذ وقت للتفكير قائلة بهدوء شديد وابتسامة تزين شفتيها وهي تنظر إلى الأسفل كما كانت:
- ممكن علشان أنت لابس تيشرت أزرق، أحيانًا لون العيون بيتغير مع اللبس وكمان أنا لابسه الشال أخضر ولونهم أخضر زي أنت ما قلت.
صمتت لبرهة ووجدته لم يتحدث بعد. رفعت وجهها لتنظر إليه وقد رأت بعينيه رغبة شديدة، تظهر كوضوح الشمس في النهار. لم يمهلها الفرصة للتحدث مرة أخرى فقد كان قد أخذ شفتيها في قبلة رقيقة تحمل بين طياتها الحب والحنان، الحب الخفي بين قلبين واحد منه يكابر والآخر لم يعلم بعد أن هناك حب وشغف يعتريه.
رواية براثن اليزيد الفصل السابع 7 - بقلم ندا حسن
"بعد أسبوع"
نظرت خلفها لتجذب ملابسها ولكنها اكتشفت أنها لم تدخلها المرحاض معها. تذكرت أنها وضعتهم على الفراش بالخارج بعد أن أخرجتهم من الدولاب. أخذت رداء المرحاض ذو اللون الأبيض الطويل ارتدته وأحكمت إغلاقه حول جسدها، ثم خرجت من المرحاض متجهة إلى داخل غرفة النوم لتبدل ثيابها الذي تركتها بالداخل. دلفت إلى الغرفة وذهبت إلى المرآة المتواجدة بها لتقف أمامها ومن ثم التقطت مجفف الشعر من عليها لتبدأ في تجفيف خصلاتها ولكن وجدت من اقتحم الغرفة دون إنذار.
استدارت سريعًا لتراه يقف أمامها بعد أن ولج الغرفة. يرى وجهها نقي أبيض، عيناها زرقاء، شفتاها الوردية التي لا تفشل في جذبه إليها. يرى خصلاتها ينسدل منها بعض قطرات الماء تنحدر على عنقها المرمري لتستقر أعلى صدرها أو تختفي خلف الرداء الطويل هذا. تظهر ساقيها من الأسفل ليراها أمامه بسخاء واضح. نظر إليها من الأعلى إلى الأسفل وكأن عيناه لا تشبع من رؤيتها، أو كأنها لوحة غالية الثمن لا يستطيع شرائها ولكن مباح له النظر إليها والتمتع بها من بعيد.
نظرت هي إليه وقد وجدت نظراته تحمل تلك الرغبة التي رأتها من قبل. ينظر إليها وكأنها آخر نساء الأرض. ألم تقل قبل أن نظراته تعمل على خجلها وارتباكها؟ إذا الآن تقول إنها تقتلها خجلًا. لا تستطيع النظر إلى عينيه مباشرة، فنظراته تجعلها تود أن تفتح الأرض بابها وتأخذها للداخل دون عودة.
ذهبت فجأة من أمامه متجهة إلى المرحاض مرة أخرى بعد أن وجدت أنه يقترب منها ولكنها لم تستطع فعلها. أعاق "يزيد" طريقها إلى المرحاض ووقف أمامها مبتسمًا ببلاهة وقد تجرأت يده مرة أخرى ووضعها خلف خصرها ليقربها منه. بينما شهقت هي وأحمرت وجنتيها أكثر من السابق ثم حاولت أن تبتعد عنه دافعه إياه بيدها ولكنه أحكم قبضة يده اليمنى على يدها ويده اليسرى كانت خلف ظهرها توضع على خصرها مقربها منه إلى أبعد حد.
أقترب بوجهه منها ثم تحدث جوار أذنها بخفوت وصوت رجولي أجش:
- بتبعدي ليه؟ البعد وحش أوي يا مروتي.
وجدت نفسها تجيبه بخفوت وصوت رقيق يحمل الأنوثة بين طياته:
- أنا مش ببعد يا يزيد.
صوتها، ضعفها في قربه يجعلها أسعد رجال العالم. إذا هي لا تريد البعد بل القرب. القرب الشديد ليكون لها ما تريد وهو الآخر لا يريد غير ذلك. استنشق الرائحة التي بجسدها وخصلاتها. هي رائحة الياسمين نفس تلك الرائحة التي وجدها بشالها الأزرق مثل عينيها. ابتسم باتساع وقد شعرت بابتسامته لتتساءل بداخلها على سبب الابتسامة هذه ولكنه لم يجعلها تنتظر كثيرًا وتحدث قائلًا بهدوء:
- ريحة الياسمين دي جميلة ورقيقة زيك.
إذا لتبتسم هي الأخرى ولما لا فـ ابن عائلة "الراجحي" تغير ويوم بعد يوم يقترب منها ويغازلها لتبتسم وتسعد ربما تكن هذه بداية السعادة معه.
تريث "يزيد" ثم عاد إلى الخلف قليلًا ويده خلف ظهرها كما هي ولكن اليد الآخرى حررت ذراعيها لتستقر فوق وجنتها. قال بهدوء شديد وابتسامة تزين ثغره:
- بالليل هتركبي الخيل زي ما اتفقنا! ولا رجعتي في كلامك؟
- لأ مرجعتش في كلامي.
ابتسم بهدوء وهو ينظر لشفتيها. كان على وشك تقبيلها ولكنها فرت منه في لمح البصر متوجهة إلى داخل المرحاض مغلقة بابه عليها تحتمي من نظراته وكلماته التي تزيدها خجلًا. لا تدري هل هكذا ستبدأ حياتها معه، أم هو يريد شيء آخر؟ سريعًا محت ذلك التفكير من رأسها فهو إلى الآن لم يفعل ما يدل على ذلك ولم يطالب بأي شيء لتعيش معه هذه الأيام بسعادة وتحاول تقبل الأمور وتغيرها. فهو يجذبها إليه بكل تفاصيله، يجذبها إليه منذ اليوم الأول برجولته وحديثه وملامحه وكل شيء فيه يجعلها تود أن تصرخ وتقول إنه "يزيد الراجحي" بكل ما فيه زوجي دون عنجهيته وقساوته التي رأتها في مقتبل تعرفهم على بعض دون غروره الذي اختفى منذ أيام.
تواجد ثلاثة مدبرين لخراب علاقة، وهدم حب، وخلق كره، مع بعضهم البعض. كل منهم يفكر فيما يريد هو وكيف سيكون انتقامه.
تحدث كبير عائلتهم "سابت" قائلًا بجدية شديدة وهو يعتدل في جلسته على مقعد مكتبه:
- لازم تتكلم مع أخوك يا فاروق علشان يعجل ويخلصنا. إحنا مش عايزين مماطلة عايزين الناهية.
أجابه ابن أخيه الأكبر وهو يومأ برأسه مؤكدًا على كلماته:
- عندك حق يا عمي خلينا نخلص.
نظرت "نجية" إلى شقيق زوجها الراحل وتحدثت قائلة وهي تتساءل باستغراب:
- بس تفتكروا يعني بت طوبار هتعملها كده بالساهل؟
نظر إليها "سابت" ثم ابتسم بسخرية جلية وواضحة ليقول بتهكم مجيبًا إياها:
- اومال إحنا اختارنا يزيد ليه يا نجية؟ يزيد هو اللي يقدر عليها وهيعرف يعمل كده.
تهكمت هي الأخرى في حديثها وقالت وهي تنهض من على المقعد:
- ده لو مضحكتش عليه يا أبو زاهر.
استغرب من حديثها عن "يزيد" فهو ماكر، ذكي، يعلم كيف يفعل ما يريد دون خسائر. تحدث متسائلًا:
- كيف يعني؟
عندما طال صمتها تسأل ابنها الأكبر أيضًا متوجسًا من حديثها القادم:
- ما تقولي يا حجه كيف.
ضيقت ما بين حاجبيها وقد لاحت القسوة في نبرتها وهي تقول مشيرة بيدها:
- البنت بتتمسكن، عامله مكسورة الجناح مهما عملنا فيها أنا ولا إيمان ساكتة مبتردش معملتهاش غير مرة لما جبت سيرة أمها.
استغرب "فاروق" من حديثها الذي لا يمت بصلة إلى ما يتحدثون به الآن ليقول دون صبر زافرًا:
- وده داخله ايه فينا دلوقت.
ابتسمت بسخرية إليه وإلى عمه لتقول بحدة وهي تتقدم منهم:
- يزيد طيب ومايجيش على مظلوم وإذا كان اللي بيعمله دلوقت علشان يرد حقنا فهو وافق غصب لما ضغطنا عليه. هي لما تتمسكن وتتغنج عليه هيقف مع مين وقتيها مع مراته ولا معانا إحنا وهي قدامه ضعيفة ومكسورة.
ابتسم "سابت" على حديثها وما قالته فقد أتت بنقطة لم يراها من قبل ولم يفكر بها ليتحدث بشرود قائلًا:
- سيبكم انتوا منها دلوقت.
نظر أمامه بشرود وهو يفكر ما الذي سيحدث عندما يجلب له يزيد ما يريد.
جلست في صالون المنزل مع "يسرى" كما اعتادت أن تفعل، تتحدث معها في أمور عدة، تقوي رابط الصداقة بينهم، محاولة أيضًا أن تبتعد كل البعد عن والدة زوجها وزوجة ابنها لتسلم من حديثهم الغير مرغوب ونظراتهم الغير مريحة.
استمعوا إلى صوت ضوضاء في ردهة المنزل لتخرج "يسرى" و "مروة" معها ليروا ما الذي يحدث في الخارج.
عندما خرجت "مروة" من باب الغرفة شهقت عاليًا مبتسمة بسعادة غامرة وركضت سريعًا تجاه والدها الذي استقبلها داخل أحضانه.
شعرت بالدفء والحنان داخل أحضان والدها من جديد لتخرج دموعها تجري على وجنتيها بهدوء. ابتعد عنها والدها متسائلًا بابتسامة:
- ليه الدموع دلوقتي يا بنتي؟
أجابته وهي تزيلهم من على وجنتيها مبتسمة بهدوء:
- دموع الفرح يا بابا.
تقدمت من شقيقتها لتحتضنها هي الأخرى باشتياق جارف. فهي فقدت جو الأمان مع هذه العائلة ولم تشعر به قد إلا مع "يزيد" و "يسرى". ابتعدت عنها وسلمت أيضًا على زوجة عمها التي كانت لها بمثابة الأم بعد رحيل والدتها.
جلس الجميع بعد أن سلمت عليهم "يسرى" وأتى إليهم "يزيد" ليرحب بهم في منزله. لو كان أتى إليه أحد وأخبره أنه سيفعل ذلك مع عائلة "طوبار" لدعاه بالجنون ولكنه فعلها حقًا. كل ذلك من أجلها، من أجلها هي فقط.
لحظات جميلة مرت عليهم سويًا ولكن كانت فقط بضع لحظات!
ودلف إلى الغرفة.
ابتسمت والدته بسخرية واضحة وهي تدلف إلى الغرفة وتحدثت بتهكم وعنجهية:
- والله عشت وشوفت عيلة طوبار في بيت الراجحي.
نظرت "مروة" إلى "يزيد" تستغيث به، وهو فهم طلبها. لا تود أن تعكر الأجواء بين أهلها أو تشعرهم بالإهانة لتواجدهم في منزل زوجها، ولكن والدته لا تفوت أي فرصة إلا وعملت بها.
قدمتها إليهم "مروة" بتوتر وتردد كبير سيطر على ملامحها، وقد لاحظه البعض:
- والدة يزيد وإيمان مرات أخوه الكبير.
ابتسم إليها الجميع باقتضاب، فقد ظهرت نواياها حتى وإن لم تتحدث كثيراً، فيكفي نظرتها.
نظر "يزيد" إلى والدته بتحذير، وقد فهمت ما يرمي إليه لتصمت بعد أن كانت هذه الفرصة لا تفوت بالنسبة إليها. فقد كانت عائلة "طوبار" في منزلها تحت يديها، كانت ستتفن في اهانتهم، ولكن لا تستطيع ردع "يزيد" عن ما في رأسه ولا تستطيع مخالفته في هذه الأوقات بالتحديد.
بعد أن جلسوا مع بعضهم وقضوا وقت ممتع وتبادلت كل من "ميار" و"يسرى" أرقام الهواتف، تحدثت زوجة عم "مروة" أمام الجميع بعد أن أوشكوا على الرحيل. قدمت إليها يدها التي كانت تحمل علبة هدايا متوسطة الحجم بهدوء قائلة:
- دي يا حبيبتي هدية تامر علشان مقدرش يجي معانا.
من تلقاء نفسها نظرت إلى يزيد الذي وجدته يقبض على كف يده بعصبية فور أن استمع إلى تلك الكلمات. فهذا الذي يدعى "تامر" يريد أن يلقنه درساً، ولكنه لم يحذر.
أخذت مروة العلبة من زوجة عمها ووضعتها جانباً، بينما قاموا ليغادرون، وقد حجبت عيني مروة غمامة من الدموع الحبيسة متسائلة:
- خلاص هترجعوا القاهرة وتسيبوني لوحدي؟
تقدم منها والدها الذي تحدث بجدية وحنان:
- لوحدك إيه بس يا حبيبتي، معاكِ يزيد وأهله وكمان عمك وابن عمك هنا.
تقدمت منها شقيقتها أيضاً محتضنة إياها لتودعها، ثم قالت مبتسمة بهدوء:
- وبعدين يا مروة، ده أنتِ عندك أخت تانية هنا أهو، ولا إيه يا يسرى؟
ابتسمت "يسرى" واجابتها بحماس كبير قائلة:
- أكيد طبعاً، مرة أكتر من أختي.
ابتسمت "مروة" بهدوء بعد أن نظرت إلى "يزيد" لتراه منشغلاً بالحديث مع والدها. تدعي في نفسها بأن لا يسأل عن أي شيء يخص "تامر"، فقد رأت الغضب بعينيه وهي قد تعرفت عليه به منذ اليوم الأول.
***
شعرت بالخوف كلما رأته يتقدم منها وهو معه. حقاً دون مبالغة تخاف منه، هو مخيف للغاية. غير أنها لم تتعامل معهم من قبل ولا تعلم كيف ستفعلها. هي فقط ستعتذر وتذهب إلى غرفتها وتتركه مع حصانه يفعل ما يحلو له.
انتزعها من أفكارها وهو يقول بابتسامة مشرقة تعتلي وجهه بينما يمسك بيده لجام حصانه:
- إيه خوفتي تاني؟
عادت للخلف خطوة وهي تنظر إلى الحصان تارة وإلى زوجها تارة أخرى لتقول أخيراً بخفوت وصوت هادئ متردد:
- أنا رجعت في كلامي، بجد شكله يخوف أوي، أنت إزاي بتتعامل معاه؟
اقترب هو منها خطوة ثم أمسك بيدها وتحدث قائلاً بجدية:
- هو بعيد عن إنك خايفة، وأنتِ معايا بس ليل ده حصاني من زمان أوي وبصراحة كمان بحسه صاحبي وأحياناً بشكيله همي.
نظرت إليه بهدوء وهي تستمع إلى كلماته وتشعر بصخب في داخلها من تقلباته وكم المعلومات التي إلى الآن لا تعرفها عنه. جذبها لتتقدم منه وجعلها تقف أمام جسده لتكن في مواجهة "ليل" الذي يقف هو الآخر أمامهم. استدارت سريعاً بجسدها لتخفي وجهها في صدر "يزيد" عندما شعرت أنها قريبة للغاية من ذلك الحصان غريب الأطوار الذي خافت من نظراته عن قرب وكأنه يتوعد لها.
شعور غريب احتل كيانه عندما دفنت وجهها في صدره متمسكة بملابسه وتحتمي به. هل هذا شعور الفرح والسعادة أم الشغف والحب أم ماذا؟ شعور لا يستطيع وصفه ولن يستطيع.
أبعدها عنه بخفة وهو ينظر إلى وجهها الذي تزينه حمرة الخجل وهتف قائلاً بحنان وهدوء:
- متخافيش، أنا معاكِ وهو أصلاً مش هيعملك حاجة... يلا هاتي إيدك كده.
أمسك بكف يدها وتقدم من حصانه ليضعها بهدوء على رأسه تمسد عليها ويده هو الآخر تعتلي يدها ليمدها بالأمان. ثم جذب يدها مرة أخرى ووضع بها ثمرة من الجزر لتنظر إلى كف يدها ومن ثم تنظر إلى وجه "يزيد" الذي رأته يحمل هدوء العالم أجمع.
هتفت بتوتر ويدها ترتجف أعلى يده بينما تنظر إليه بخوف لتجعله يعود عن ما في رأسه:
- لأ مش هعمل كده، مستحيل.
ابتسم بمرح وهو يرى خوفها من اللاشيء ليقول وهو يربت على كتفها محاولاً بث الأمان والاطمئنان بداخلها:
- متخافيش، قولتلك وبعدين أنا معاكِ.
ثم جذب يدها ليضعها أسفل فم "ليل" حتى تطعمه، ولكنها صاحت بتعلثم وعصبية وهتفت بكلمات غير مترابطة:
- لأ بص استنى، علشان خاطري لأ... أنا بس هقولك... خايفة منه... أنا أصلاً غلطانة إني جيت معاك.
أغمضت عين وفتحت الأخرى تنظر إلى يدها الذي يأكل منها الحصان لتهدأ قليلاً عندما وجدته هادئ لا يفعل شيء. انتهى "ليل" لينظر إليها "يزيد" بهدوء قائلاً:
- أهو ولا أكل إيدك ولا حاجة.
نظرت إلى الأرض بخجل فهي لا تستطيع التحكم بخوفها منه. أنه مخيف لأي شخص سواه لأنه صاحبه.
رفع وجهها إليه بعد أن وضع سبابته أسفل ذقنها ليقول بصوت خافت وهو ينظر إلى عينيها تارة وشفتيها تارة أخرى:
- نركب عليه بقى؟ من غير خوف.
اومأت إليه بهدوء ليصعد هو عليه سريعاً ثم مد إليها يده مساعداً إياها على الصعود إليه. أجلسها أمامه ولم يكن هناك فاصل بينهم فقد كانت تشعر بجسده خلفها مباشرة. لم تكن تعتقد أنه سيصعد عليه أيضاً معها. توترت كثيراً من قربه هذا ومرت قشعريرة خفيفة في جسدها.
بينما هو يشعر بحرارة تندلع بداخله من ذلك القرب اللعين من لوحته الفنية التي لا يستطيع الاقتراب منها أكثر من ذلك. أحاط بيده جسدها ليمسك لجام الحصان الذي بدأ في السير بهدوء ثم هتف بأذنها بهدوء وهو يستنشق رائحة الياسمين الممزوج بأنوثتها:
- شدي ضهرك ومتتوتريش.
فعلت كما قال لها بهدوء ثم وضعت يدها على يده الموضوعة أمامها ملتفة على جسدها. شعرت به يضع ذقنه أعلى كتفها محاولاً إلهاء عقلها عن الخوف ولكنه لم يكن يعرف أنه هكذا يجعلها تشعر بالتوتر كما يحدث في قربه دوماً. استمعت إليه يهتف أمراً:
- متلبسيش البلوزة دي تاني.
استغربت حديثه ثم استدارت قليلاً بوجهها لتواجهه سائلة إياه عن السبب لقول ذلك. أجابها هو وهو ينظر إلى مقدمة فتحتها دون خجل:
- فتحة صدرها واسعة أوي.
استدارت لتنظر أمامها سريعاً دون أن تتحدث مرة أخرى وقد رأته وهو ينظر عليها ليأكد حديثه. صمت بعض الوقت وهم يسيرون بحصانه بين الأراضي ليقول متسائلاً بابتسامة:
- كان عندك معرض في القاهرة؟
ابتسمت بهدوء متذكرة معرضها الذي اضطرت بإغلاقه لتأتي إلى هنا. وتذكرت موهبتها ومهنتها التي تركتها منذ أن وضعت قدمها في هذه البلدة:
- أيوه.
تسائل من جديد قائلاً بحماس وهو يشدد يده من حولها:
- كنتي بتحبي الرسم؟
ابتسمت مرة أخرى باتساع وأجابته قائلة بجدية وشغف وهي تتحدث:
- أكيد كنت بحبه أوي، كان كل وقتي ضايع على الرسم والمعرض كان شغال كويس جداً.
تريثت قليلاً بعد أن صمتت وتذكرت حديثها مع "يسرى" لتأخذ نفس ثم أخرجته وعاودت الحديث قائلة بجدية متسائلة باستغراب:
- هو أنت فعلاً كل شغلك في مصر؟
تحدث قائلاً بهدوء وهو يستند بذقنه على كتفها بشكل مثير له:
- شغلي وبيتي وكل حياتي هناك، أنا كنت باجي هنا إجازات بس.
سألته سريعاً قائلة بجدية وتمنت بداخلها أن ينصاع إلى حديثها لتبتعد عن هنا إلى الأبد:
- طب إحنا ليه هنا دلوقتي؟ يعني ليه منمشيش من هنا ونقعد في بيتك اللي هناك.. أنا هفرح أوي لو ده حصل.. أنا أصلاً مش مرتاحة هنا يا يزيد.. هناك هكون جنب أهلي وهكون أنا وأنت بس لوحدنا.
استمع إلى جملتها صحيح! قالت هما الإثنان فقط! هي تريده فقط!.. شعر بروحه تغمرها السعادة من جديد. كلماتها بسيطة ولكن لها تأثير عليه كما السحر. تحدث بمكر وهو يشدد يده من حولها مبتسماً ببلاهة:
- يعني أنتِ عايزة نكون أنا وأنتِ لوحدنا؟
صدمت من سؤاله هي فقط كانت تشرح له مدى السعادة التي ستكون بها وأنه سيكون معها ولكن قد حدث وهتف لسانها بتلك الكلمات. وجدها صامتة كما هي لم ترد عليه وجسدها بدأ بالارتجاف ليقول مرة أخرى متسائلاً بصوت خافت وهو يقترب من أذنها:
- جاوبيني يا مروة، عايزة أننا نكون سوا لوحدنا.
تريثت قليلاً وهي تنظر أمامها في الفراغ بعد أن أوقف حصانه عن السير ليستمع إلى حديثها الذي ربما يكن هو بداية السعادة لهما معاً. استدارت إليه بكامل وجهها لتكن قريبة منه تستطيع استنشاق أنفاسه تقول بخفوت ونظرة راجية:
- لما نكون بعيد عن إيمان وفاروق و..و.. ووالدتك هيكون أحسن لينا.
هنقدر نبني بيت سوا وهنحاول عشان منفشلش. أنت يوم قولتلي إننا اتحطينا في طريق مش بتاعنا، لكن مجبورين نكمله سوا لحد ما نوصل للنهاية. بس إحنا ممكن نختار، يا يزيد يا نكون مجبرين نكمل الطريق سوا، يا نكمله بود وحب واحترام.
***
ترك اللجام بعد أن انتهت من حديثها، ليتمسك بخصرها بيد واليد الأخرى اندست في خصلاتها، يقربها منه حتى التقط شفتيها بين شفتيه، ليأخذ أكسجين الحياة، والذي أباح إليه الآن فقط بموافقة كبرى منها. فهو لم يرى طريقة أخرى للرد على حديثها إلا هذه. بينما هي لم تجعله يشعر بأي شيء سوى السعادة عندما لفت يدها حول عنقه، مستقبلة عاصفته بكل شغف وتصميم على التكملة معه دون الفشل.
تركها بعد عدة لحظات، تأخذ أكبر قدر من الهواء لرئتيها، فقد انقطعت أنفاسها أثناء تلك القبلة. وضعت وجهها بالأرض بسبب خجلها منه ومن الذي يفعله بها. بينما هو تحدث بانزعاج وضيق من كثرة رنات رسائل هاتفها الذي بجيب بنطالها، ليقول بضيق وهو يهبط من على الحصان بعد أن عاد به إلى المنزل:
- موبايلك ده فصيل أوي.
ساعدها في النزول من أعلى الحصان، ثم تحدث بهدوء وجدية وهو يشير إلى المنزل:
- روحي اطلعي، أنا هدخل ليل وجاي.
اومأت إليه بالإيجاب، وذهبت من أمامه، بينما هو أخذ "ليل" ليذهب به إلى مكانه في الإسطبل.
***
وقفت خلف باب الغرفة وقلبها يدق بعنف من هول ما تعرضت إليه على يده. رفعت يدها إلى شفتيها تتحسسها بابتسامة عزبة، وكأن كل ما يفعله بات يروقها. لقد شعرت بشيء غريب وهي بين يديه. مشاعر مختلفة جميلة، أول مرة لها أن تجربها. سعادة غامرة تجعل قلبها يرفرف من فرطها عليه. كلماتها التي هتفت بها كانت من داخل قلبها. هي تريد التكملة معه، لا تريد الفشل. غير أن "يزيد" تغير وأصبح شخص آخر يروقها وتنجذب نحوه بما فيه الآن.
خرجت من شرودها على صوت رسائل هاتفها المزعج كما قال "يزيد". تقدمت للأمام خطوة، ثم أخرجت الهاتف من جيب بنطالها لتفتح الرسائل، وقد وجدت ما خافت منه منذ أيام.
لقد عاد مرة أخرى وهي لا تعلم من هو حتى. أنها أيضًا لم تحذف الرقم أو حتى الاسم المسجل به "حبيبي". احتوت الرسائل على كلمات غرامية كثيرة، وبعض منها به لحظات تعيشها لا يعرفها أحد غريب عنها. لتذهب بتفكيرها إلى "تامر"، ولكن "ميار" طمأنتها وأبعدت الشك عنه تمامًا. إذًا من يفعل ذلك؟
شعرت به خلفها وأنفاسه عالية للغاية، دليل على غضبه وعصبيته. استدارت إليه سريعًا ووجهها يحمل كل معاني الخوف من ردة فعله إن كان رأى شيء بالهاتف، لتراه يضغط على فكه السفلي بشدة. يغلق كفه ويضغط عليه هو الآخر، كما لو كان سيلكم أحد بوجهه الآن.
تحدث من بين أسنانه وهو يقترب منها متسائلًا بصوت غاضب:
- إيه ده؟
عادت للخلف بجسدها ونظرت إليه، وهناك غمامة خلف جفنيها من الدموع تهدد بالفرار إلى الخارج. وقد تذكرت أول مرة عندما وجد هذه الرسائل وقال لها بأنها لو كذبت لن يرحمها. هي الآن ليس لها ذنب في شيء، ولكن تخاف من عدم تصديقه إليها.
- اهدى بس وأنا هفهمك كل حاجة.
شرارات الغضب بعينيه واضحة. فكه الذي يضغط عليه بعصبية. يده الذي ربما تتأذى بسبب ضغطه عليها هكذا. هو بحالة لا يحسد عليها أبدًا. عصبيته وغضبه دائمًا يكونوا الأقوى منه. حاول ألا يفعل شيء، ولكنه لم يستطع، فلم يدري بنفسه إلا وهو يجذبها من خصلاتها الذهبية إليه، لتفر دموعها هاربة. خائفة من موجة غضبه القادمة، وهي لم ترتكب أي شيء خاطئ لتحاسب عليه.
رواية براثن اليزيد الفصل الثامن 8 - بقلم ندا حسن
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم وتقبل شهيدهم وأطعم جائعهم وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم واربط على قلوبهم وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
"قلبها الخائن يسامحه في كل مرة وكأن خطأه لم يكن هو الذي ارتكبه"
شرارات الغضب بعينيه واضحة، فكة الذي يضغط عليه بعصبية، يده الذي ربما تتأذى بسبب ضغطه عليها هكذا، هو بحالة لا يحسد عليها أبدا، عصبيته وغضبه دائما يكونوا الأقوى منه. حاول ألا يفعل شيء ولكنه لم يستطع فلم يدري بنفسه إلا وهو يجذبها من خصلاتها ذهبية اللون إليه لتفر دموعها هاربة، خائفة من موجة غضبه القادمة وهي لم ترتكب أي شيء خاطئ لتحاسب عليه.
اقترب من وجهها الذي لا يفصل بينهم سوا انشات بسيطة ويده تشتد على خصلاتها لتتأوه من الألم الذي يعصف بها، تحدث من بين أسنانه بغضب قائلا:
- عايزه تفهميني ايه؟ هااا عايزه تستغفليني زي المرة اللي فاتت. اللي صدقتك فيها وقولت أكيد أنا ظالمها. بس المرة دي مش هرحمك مش يزيد اللي يتعمل معاه كده. بتكلمي واحد عليا وعامله فيها شريفة.
صدمات تليها صدمات مكونه من كلمات بها فقط بعض الحروف! قلبها يكاد أن يتوقف فـ الغرفة الآن بالنسبة لها تنطبق جدرانها من حولها لينطبق صدرها على قلبها جاعلة يتوقف عن النبض لتفقد الحياة. كلماته بها إهانة وازلال لها، يطعنها بشرفها وهي بريئة كـ براءة أنقى النساء. تحدثت بقهر والدموع منسدلة على وجنتيها وتحاول أن تجذب خصلاتها من بين يده القوية:
- أقسملك بالله أنا ما أعرف مين صاحب الرقم ولا عمري كلمته. والله. والله العظيم أنت ظالمني أنا عمري ما كلمت حد ولا ليا علاقات مع حد صدقني.
اشتدت يده أكثر ثم أكثر وهو يلعن بقسوة شديدة فهو منذ لحظات كان في غاية السعادة معها. لو استمر الوضع يومان أكثر لأصبحت زوجته شرعا وقانونا ولكن دائما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. الآن هي متهمة بقضية شرف أمامه وعليها أن تحاسب:
- عايزه تفهميني إنك متعرفيش صاحب الرقم اللي حتى مفكرتيش تمسحي اسمه ده؟ مفكرتيش تعملي بلوك للرقم حتى. ايه شيفاني أهبل للدرجة دي؟
شهقت متوجعة من قبضته. هو لا يصدقها يحق له ولكنها ليست مذنبة. لما تعاقب لما؟ صرخت بوجهه وهي تضربه في صدره بكف يدها عدة مرات متتالية ليترك خصلات شعرها:
- هتبقى أهبل فعلا لو صدقت إني أعمل كده. والله أنا خليت ميار بنفسها تشوف الرقم لمين ومعرفتش ولو عايز تسألها كمان. أنا أصلا والله مجاش في بالي أمسح ولا أعمل وأقسم بالله دي الحقيقة.
ابتسم بسخرية وقد رأت الشر بعينيه وهو يتحدث من بين أسنانه بعصبية بعد أن ترك خصلات شعرها:
- اه لأ أنا لازم أصدق. ابن الك** بيقول عليا بقف! بيقولك إني همجي وحيوان. لأ صح صح أنا لازم أصدق. عرف منين أن أهلك كانوا هنا؟ عرف منين أن أختي خريجة تجارة؟ ها منين وعرف منين أن أمي ست محدش يستحملها؟ ما تردي.
نظرت له دون الإجابة هي حقا لا تعرف من أين علم كل هذا. حتى تامر لا يعلم غير أن عائلتها زارتها. من الذي يفعل بها هكذا؟ صرخ بها بصوت عالي جعلها تنتفض عائدة إلى الخلف لتسقط جالسة على الفراش خلفها. نظرت إليه بحزن خالص والدموع منهمرة على وجنتيها بلا توقف فقد كان حزن قلبها وخوفها منه لا يضاهي شيء.
أجاب عن الأسئلة قائلا ببرود وسخرية وهو يقترب منها ناظر إليها بقسوة:
- عرف من واحدة خاينة وحقيرة. باعت نفسها وشرفها. بس تفتكري أنا هسكت عن وساختك دي؟ صحيح ما أنت من عيلة طوبار هتعملي ايه غير كده.
هبت واقفة على قدميها أمامه بعد أن مزقتها إهانته لتقول بحدة وقسوة حملتها كلماتها وهي تشير ناحيته بإصبع يدها السبابة:
- لو أنت شايف نفسك مش راجل ومش واثق في إني ممكن أحبك وأعيش معاك دي مش مشكلتي لكن أنا أشرف من عيلتك كلها أنا بنت عيلة طوبار اللي مش عجباك لا أنت ولا حد في بيتك أحسن مليون مرة منك ومن والدتك اللي.
هل تظن أنها تستطيع إتمام ما بدأت به؟ لو أحد غير "يزيد" لفعلت ولكن صفعته التي أطاحت بها على الفراش جعلتها تبتلع باقي حديثها داخل جوفها دون التفوه بحرف آخر. استلقت على جانبها واضعة يدها على مكان صفعته وكأنها لا تصدق ما فعل. تندب حظها العثر وتلك الرسائل وذلك الشخص الذي لو عرفته لقامت بقتله على الفور.
استند بقدمه اليمنى على الفراش ليجذبها من كلتا ذراعها جاعلا إياها مستلقية على ظهرها مواجهة له تنظر إلى عينيه بقهر ولا تتوقف عن البكاء. بينما هو تحكم به الغضب واستفاق على الانتقام من عائلتها. ترى عائلته دنيئة وهم شرفاء. لترى الشرف على حق:
- عليتي مالها؟ مش عجباكي؟ أنت شريفة آه أنا ناسي وأنا مش راجل؟ تحبي اوريكي الرجولة بتاعتي عاملة إزاي. أنا لو عليا كنت عايز ده بس قبل ما أعرف اللي بتعمليه يا. يا شريفة هانم.
رأته في حالة اللاوعي. غضبه يعمي عينيه. ينظر إلى مقدمة صدرها وتلتمع الرغبة بعينيه ليتحدث كـ المغيب.
تحدثت وهي تحاول أن تبعد يديه عنها الذي تقيد حركتها:
- أبعد عني يا يزيد.
ابتسم بسخرية لاذعة ثم تحولت تلك الابتسامة إلى ضحكات ساخرة عالية وهتف قائلا ببرود وهو ينظر إليها بقهر:
- ليه؟ مش كنتي عايزه القرب؟ مش كنتي بتقولي أنا مش ببعد.
- أبعد عني بقولك.
قهره منها ومن ذلك الرجل جعله يود أن يفعل أي شيء ليحرق روحها كما حرقت روحه وقلبه. لقد كان سعيدا كثير ا بقربها. لقد كان على وشك الوقوع في عشقها. قتلته بخنجر بارد. قتلته بأبشع طرق القتل ليبقى هنا ينظر إلى عينيها التي تحمل زرقة البحر ويتألم بداخله على ما فعلته.
- مش لازم اثبتلك إني راجل؟
اقترب منها أكثر وهو ينظر إليها بسخرية ثم حاول أن يمزق مقدمة بلوزتها ويده تعبث بملابسها. ثم التهم عنقها الذي انقض عليه بهمجية شديدة جعلتها تصرخ من الألم.
ضربته بيدها عدة مرات قبل أن يحاصرها لتصرخ به بهلع وخوف يكاد أن يوقف قلبها. حاولت أن تبتعد بجسدها ولكن لا فائدة. صرخت به كثير ا وهو لا يستمع إليها وكأنه مغيب عن الواقع.
- أرجوك بلاش هتندم والله. بلاش والنبي يا يزيد علشان خاطري. أبعد عني يا يزيد الله يخليك.
صرخت عاليا عندما وجدته لا يستمع إليها فرفع وجهه إليها واضعا يديه على فمها ليكتم صرخاتها حتى لا يستمع من في المنزل. ولكن يا ليته لم يفعل! فقد رأى القهر والحزن والخذلان ينبصقوا من عينيها التي تحمل خيوط حمراء من شدة البكاء. لقد رأى كل معاني العتاب ولبرهة رأى الكره بعينيها.
ابتعد للخلف والصدمة تحتل كيانه فقد كان مقدم ا على فعل مشين بزوجته. كاد أن يتخلى عن رجولته بهذه الطريقة الرخيصة. هذا ليس فعل من "يزيد" لقد كان شيطانه يتحكم به وبتصرفاته. ولقد ساهمت هي بدورها في ذلك.
ابتعدت هي إلى آخر الفراش تبكي بقهر واضعة يدها الاثنين أعلى صدرها. انكمشت على نفسها تضدم قدميها إلى صدرها وتحتضنهم بيدها. تفكر في فعلته لقد قارب على ارتكاب جريمة في حقها. لقد قارب على أن ينتهك برائتها بتلك الطريقة الهمجية. عصف بها تفكيرها في كثير من الأمور وهي جالسة تبكي وهو عاد إلى الأريكة التي بالغرفة وجلس عليها واضع ا رأسه بين يديه بعد أن انحنى على نفسه قليلا وكل منهم يفكر بما حدث منذ قليل وما كانوا عليه منذ دقائق.
ظلوا على هذا الوضع بضع دقائق إلى أن استمع يزيد فجأة صوت شقيقتها يأتي من عبر الهاتف بلهفة وقلق:
- ألو مروة مالك يا حبيبتي؟ بترني متأخر كده ليه؟
رفع يزيد بصره إليها باستغراب ليراها ممسكة بالهاتف بيدها جاعلة إياه على وضع مكبر الصوت حتى يستمع إليه. رآها تزيل دمعة فرت من عينها بعد أن استمعت إلى صوت شقيقتها لتتحدث بخفوت وصوت ضعيف من كثرة البكاء:
- أبد ا يا ميار بس كنت عايزه أسألك على الرقم اللي كان باعتلي رسايل أصل.
قاطعتها شقيقتها سريعا بلهفة وهي تتسائل باستغراب:
- اوعي يكون بعتلك تاني. أنا بجد مش عارفه مين الحيوان ده. مروة يزيد لازم يعرف لأنه لو عرف من غيرك ممكن يفهم غلط. مروة سمعاني؟
رفعت وجهها إليه تبتسم بسخرية وبرود فقد ظن بها السوء دون محاولة منه لمعرفة الحقيقة. عادت إلى شقيقتها قائلة بجدية:
- لأ خلاص أنا هعمله بلوك.
بقولك هو انتوا مشيتوا؟
أجابتها الأخرى بصوت مستغرب من تقلبها على الأمر برمته:
- لأ هنمشي بكره علشان اتأخرنا النهاردة.
- طيب تصبحي على خير.
ثم أغلقت الهاتف سريعًا ووضعته جوارها على الفراش دون التفوه بحرف. ليقف هو على قدميه مشوش الفكر. استدار موليها ظهره واضعًا يده خلف رأسه يفرك عنقه وهو يفكر كيف ذلك؟ وما الذي فعله؟
استدار إليها مرة أخرى يهتف باستغراب وتساءل مندهشًا:
- يعني إيه الكلام ده؟
عندما وجدها لا ترد عليه وتنظر فقط إليه بعتاب وحزن ظاهر في كامل ملامحها ودموعها لم تجف ولو لدقيقة واحدة، تحدث وهو يقترب من الفراش يقول بخفوت وندم لتسرعه:
- مروة أنا.....
قاطعته عندما هبت واقفة على قدميها بعد أن وجدته يقترب منها لتقول بحدة وهي تشير ناحيته بيدها ألا يقترب:
- أنا همشي بكرة الصبح وهرجع مع أهلي القاهرة. مستحيل أقعد معاك دقيقة واحدة بعد اللي عملته فيا ظلم.
لم تعطيه فرصة للرد فقد ذهبت سريعًا إلى غرفة الصالون الصغيرة وأغلقت الباب خلفها. ليستمع من بعدها إلى صوت بكائها وشهقاتها المكتومة الذي تسبب هو بها. بينما هو من فرط عصبيته أطاح بكل ما كان موجود على المرآة ليحدث ضجة عالية استمعت إليها وعلمت ما يفعله. فقد كان في ذلك الوقت يكاد أن يموت من تأنيب ضميره. روحه تتعذب وكأنها في وسط نيران مشتعلة. كلمات شقيقتها تدل على برائتها. إذا هي حقًا لا تعلم لمن الرقم!
يكاد يفقد عقله من التفكير فيما حدث فهو لم يكن يريد أبدًا أن يصل إلى تلك النقطة معها. كيف سيجعلها تسامحه وتغفر إليه الآن؟ نظر إلى باب الغرفة المختبئة خلفه بحسرة وحقد على ذلك الشخص الذي حتمًا سيعلم من هو وحينها سيجعله يتمنى الموت ولن يناله.
جلست خلف الباب تبكي وتكتم شهقاتها حتى لا يستمع إليها. لقد وضع في قلبها خناجر مسمومة واحدًا تلو الآخر حتى أتى بقلبها نصفين. لقد كانت كلماته تسبب جروح لا تشفى. كيف يفعل كل ذلك؟ فهي منذ قليل كانت تفكر به وبتلك اللحظات الجميلة التي قضوها معًا! وقفت على قدميها سريعًا متوجهة ناحية الأريكة التي بالغرفة ثم استلقت عليها جاعلة عقلها يتوقف عن التفكير متخذة قرار أنها ستعود غدًا مع أهلها.
فتحت عينيها ببطء شديد تستفيق من النوم الذي لما يأتيها إلا عند شروق الشمس بسبب كثرة التفكير الذي لم تستطع منع نفسها منه. وضعت يدها على رأسها تلقائيًا بسبب ذلك الصداع الذي داهمها منذ الصباح الباكر. جلست نصف جلسة على الأريكة التي كانت غير مريحة لجسدها بالمرة. فركت فروة رأسها عدة مرات وهي تغمغم بكلمات غير واضحة منزعجة من ذلك الألم البغيض.
تذكرت أنها سوف تذهب مع عائلتها إلى القاهرة اليوم وتعود إلى منزلها من جديد وإلى حياتها التي فقدتها منذ أن أتت إلى هنا. ولكن هل ستبتعد عن زوجها؟ ستترك "يزيد" الذي اعترفت لنفسها بأنه يجذبها بكامل تفاصيله؟
عنفت نفسها على ذلك التفكير فهو لم يفكر بها أو بمشاعرها عندما تطاولت يده عليها وسبها بألفاظ بشعة. ربما لو كان فعل شيئًا آخر تستطيع أن تغفره لفعلت ولكن هذا لا يغفر فكرامتها وعائلتها لا يستحقون هذه الإهانة.
وقفت على قدميها متوجهة صوب باب الغرفة لتفتحه وتخرج ترتب أشيائها وتذهب دون رجعة وليحدث ما يحدث ولكن هيهات فقد كان هذا مخططها أما هو فقد كان له رأي آخر.
حاولت فتح الباب عدة مرات ولكن دون جدوى. أمسكت بالمقبض بحدة محاولة فتحه ولكن دون فائدة. نظرت إلى الباب ثم علمت أنه من فعل ذلك ليمنعها من الذهاب ومن دونه سيفعلها فلا أحد يحبها بهذا المنزل من الأساس سواه هو وأخته. مهلًا هل هو حقًا يحبها؟ تفكر بتراهات وتركت الأمر اللازم.
نظرت إلى ساعة الحائط وجدتها لم تتعدى الثامنة صباحًا فعلمت أنه لم يذهب بعد. وقفت خلف باب الغرفة ثم صاحت بصوت عالٍ بعض الشيء:
- يزيد أفتح الباب.
لم تتلق إجابة منه فوضعت أذنها على الباب تسترق السمع ولكن لم تستمع لشيء بالخارج فطرقت بكلتا يديها وصاحت بحدة:
- أنت كمان جايلك نوم؟ قوم أفتح الباب يا يزيد وإلا هعملك فضيحة هنا.
نهض من على الفراش جالسًا مرتعدًا بسبب ذلك الصوت المزعج الذي استمع إليه. نظر حوله ليرى إن كان هناك شيء حقًا ولكن لا يوجد فعاود النوم مرة أخرى ولكن صوتها الصارخ اخترق أذنه ليجعله يهب واقفًا على أرضية الغرفة مقتربًا من باب الغرفة قائلًا بهدوء متسائلًا:
- في إيه بتزعقي كده ليه؟
اغتاظت من هدوئه وبروده في المعاملة وكأنه لم يفعل شيئًا أبدًا فصاحت بعصبية وهي تضرب الباب بقدمها:
- أفتح الباب يا يزيد وإلا مش هيحصل كويس. لولا أن حاجتي جوه كنت مشيت من غير ما تعرف أصلًا.
مسح وجهه بكف يده الأيمن بينما الآخر مستندًا به على الباب يحاول أن يبعد النعاس عن عينيه. تمتم بينه وبين نفسه بكلمات غير مفهومة ربما تجعله يهدأ حتى يصلح ما أفسده:
- بتهدديني يا مروة؟
أتته الإجابة سريعًا وهي تقول بحدة وعصبية بسبب حبسه لها بهذه الطريقة:
- اعتبريها زي ما تعتبرها المهم أنك هتفتح الباب يعني هتفتحه.
ابتسم بسخرية بعدما استمع إلى حديثها الواثق وكأنه يقوم الآن بفتح الباب لتلبية طلبها الأمر:
- طب لو مفتحتوش يعني هتعملي إيه؟
صاحت باسمه من بين أسنانها بصوت غاضب:
- يــزيــد!
ابتسم "يزيد" بهدوء ثم حاول معها باللين لتوافق على طلبه الذي ربما يكون مستحيل فما فعله لم يكن بالهين لتقبله. ولكنه لم يكن يدري بالأمر ولا يعلم ما يفعله سوى أن شيطانه سول إليه أنها خائنة وهي لم تبخل عليه بمساعدته:
- أول مرة أسمع اسمي حلو كده.
تريث بعد جملته أخذ نفسًا عميقًا ثم تحدث مجددًا بخفوت وصوت أجش:
- أنا آسف. بصي عارف إني حيوان بجد وحقير كمان على اللي عملته بس حطي نفسك مكاني. فجأة ألاقي مراتي واقفة فاتحة رسايل شخص متسجل عندها حبيبي بيكلمها وكأنه جوزها وكأنه أنا يا مروة. غير أنه عارف حاجات يعني مش أي حد هيعرفها. ده غير إن دي تاني مرة لنفس الرقم حتى مكلفتيش خاطرك تمسحي أم الرقم أو الاسم عايزاني أفكر إزاي طيب؟
أستمع إلى صوتها الهادي يأتي من خلف الباب قائلة:
- أفتح الباب يا يزيد.
أجابها قائلًا بهدوء وهو يستند على الباب بكلتا يديه:
- هفتحه بس اوعديني مش هتاخدي أي قرار غير لما نتكلم.
- أوعدك.
ذهب ناحية الكومود بجوار الفراش ليجذب من عليه مفتاح الغرفة وذهب إليها ثم وضع المفتاح بالمزلاج وأداره لينفتح الباب وتظهر هي من خلفه بملامحها الباهتة وعينيها المنتفخة ربما من كثرة البكاء أو قلة النوم. خرجت لترى الغرفة بحالة يرثى لها. رأت كل محتويات المرآة على الأرضية البعض مهشم لا يصلح لشيء والبعض الآخر ربما يصلح. لم تنظر إلى وجهه مباشرة فقد هربت من رؤية ملامحه.
تقدمت إلى داخل الغرفة تعطي ظهرها إليه ليتقدم منها ممسكًا معصم يدها ثم جعلها تستدير لتكون في مقابلته بينما هي سحبت يدها من بين يده.
تغاضى هو عن الأمر ثم تحدث بهدوء وضعف ينظر إلى عينيها زرقاء اللون:
- أنا آسف بجد مكنش قصدي كل اللي حصل ده. سامحيني.
ابتسمت بسخرية لاذعة استشعرها بوضوح بينما هي رفعت نظرها إليه تنظر إلى عينيه هي الأخرى. ربما هو يعتقد أنه ارتضم بها بالخطأ. أو ربما أفسد لها محتويات دولابها؟ أنه قارب على اغتصابها بإسم الزواج. أهان عائلتها. طعن في شرفها. سبها ويقول آسف؟
- هو أنت خبطني بكتفك علشان تقول آسف؟ أنت عارف أنت عملت إيه؟ تحب أقولك؟ أنت سبتني بأبشع الألفاظ لا وطعنت في شرفي. اهانت عيلتي. قربت ت... تغتصبني! كل ده علشان سوء تفاهم... حاولت افهمك أن والله معرفش مين ده ولا ليا علاقة بيه لكن لا إزاي الراجل اللي جواك لازم يطلع عليا...
أول مرة بجد أنا مكنتش أعرف مين حتى سجله عندي بعديها ميار سألت على إسم صاحب الخط عن طريق حد صاحبها ومعرفتش. نسيت امسحه مفكرتش أصلًا فيه تاني وامبارح دي كانت تاني مرة يبعت وأنا فعلًا معرفش هو مين والله معرفش ولا أعرف هو عرف الحاجات دي إزاي وحاولت افهمك ده لكن أنت مفهمتش ده مش ذنبي.
اقترب منها محاولًا أن يضع يده على كتفها ولكن عادت للخلف بجسدها ونظرت إليه بهدوء ليتنفس بعمق ثم تحدث قائلًا باستغراب:
- طيب أنا معرفش كل ده عايزاني أعمل إيه يعني لما حتى متمسحيش الرقم؟ ولا لما يقول على أمي ست مش كويسة؟ وبيقول عني بقف.. أنا بقف؟ بلاش كل ده أعمل إيه أنا لما تكون دي تاني مرة لمراتي مع نفس الشخص وأنت كمان مقصرتيش بكلامك حطي نفسك مكاني أنا مكنتش شايف قدامي من العصبية اللي كنت فيها.
ذهبت لتقف أمام باب شرفة غرفة النوم تنظر إلى الخارج تعطي إليه ظهرها وتقول بحدة:
- كان المفروض تسمعني لأني حاولت افهمك أكتر من مرة متبررش لنفسك الغلط.
تقدم هو الآخر محاولًا أن يجعلها تعود عن ما في رأسها وتظل معه:
- أنا مش ببرر يا مروة بس أنا محتاجك!
محتاجك تفضلي معايا هنا علشان نعمل اللي قولتي عليه. مش قولتي هنكمل الطريق سوا؟ مش علشان غلطة صغيرة هنهد كل حاجة، أرجوكي بلاش تمشي.
استدارت تصرخ في وجهه بغضب وعصبية:
- دي مش غلطة صغيرة يا يزيد. لو كنت كملت اللي بدأته كانت حياتنا سوا ادمرت، ياريت تكون فاهم ده كويس. طبعاً غير أنك بتكره عيلتي أنت وكل اللي هنا. وأنا مش هعرف أعيش كده، مش هعرف أعيش في وسط ناس كارهين أهلي وكارهني كمان.
مسح على وجهه بعصبية ثم هتفت ببرود وتهكم مجيباً على كلماتها:
- طيب ياستي، غلطة كبيرة مش صغيرة. لكن خلصت وأنا اعترفت بغلطي وطالب فرصة تانية، فيها إيه يعني؟ ومكملتش في اللي بدأته علشان عايزه برضاكي. وبعدين هو مين قالك إنّي كاره أهلك؟ أنا اتعصبت وكنت مخنوق ومش شايف قدامي علشان كده قولت كل اللي قولته امبارح، ومتقدريش تثبتي غير ده لأن عمري ما قولت عليهم حاجة.
تركته متوجهة ناحية المرحاض بخطوات سريعة متخطيه إياه لتهرب من ذلك النقاش المهلك لأعصابها. أخذ خطوة واسعة ثم التقط معصم يدها جاعلها تستدير إليه ثم دفعها ناحية الحائط ليقف مقابلها محاصراً إياها وهتف بصوت واثق قائلاً:
- أنا آسف، أوعدك اللي حصل مش هيتكرر تاني. بس أنت مش هتخرجي من هنا غير على جثتي، أنا محتاج فرصة أرجوكي.
أكمل بهدوء قائلاً:
- أنا معرفتش مين الشخص ده أنا كمان، وحاولت أعرف. الخط طلع مش متسجل فعلاً، يبقى تعمليله بلوك وتشيلي الاسم من عندك.
تريث مرة أخرى ثم تحدث بابتسامة عريضة ونبرة تحمل الخبث:
- أوعدك إن كل اللي هيتكرر بينا هو اللي حصل امبارح واحنا على ضهر ليل.. فكراه؟
أحمرت وجنتيها بالحمرة بسبب ذكرى ذلك الأمر، فقد كانت جريئة إلى حد كبير عندما وضعت يدها حول عنقه تبادله القبلة. دفعته ثم ذهبت سريعاً إلى المرحاض متهربة من موجة المكر الذي يتحلى بها ليجعلها ترضخ له وتتبسم بوجهه.
***
جلست "إيمان" على الفراش بجانب زوجها "فاروق". تمددت بجواره مظهره ساقيها البيضاء بسخاء ثم نظرت إليه بمكر وتحدثت قائلة بهدوء:
- إلا قولي يا فاروق.. أخوك هيعمل إيه مع مراته؟
مرر عينيه عليها من أعلاها إلى أسفل قدميها مزيلاً عرق جبهته بيده وهو ينظر إليها باستغراب غير مدرك مقصدها بهذا الحديث عن أخيه وزوجته فقال متسائلاً:
- يعمل إيه إزاي يعني؟
ابتسمت بسخرية قبل أن تقترب منه واضعة كف يدها على كتفه العريض قائلة بجدية لتحثه على الحديث معها:
- قصدي في حوار الأرض.
نظر إلى فتحة قميصها من الأعلى والتي تعمدت أن ترتديه ليظهر مقدمة صدرها. رفع نظره إليها مرة أخرى وتحدث بجدية:
- مش خابر يا إيمان. عمي سابت عايز الموضوع يخلص ويزيد شكله مطول معاها، بت طوبار.
التمعت عينيها بمكر ونظرة خبيثة قبل أن تقترب منه مرة أخرى ملتصقة به وهتفت قائلة بفحيح لتجعله يتحدث مع أخيه متعجلاً ثم يقم بتطليق زوجته:
- أنت أخوه الكبير وليك كلمة عليه. كلمة وخليه يخلص ويعمل زي ما اتفقتوا الله. وبعدين خد بالك البت دي مش سهلة، دي سهينة وخبيثة وهتاكل بعقل أخوك حلاوة لو مفتحش ليها.
نظر أمامه هذه المرة وتحدث بشرود وهو يتذكر حديث والدته عنها مثلما قالت زوجته بأنها فتاة غير سهلة للعب بها:
- أمي قالت نفس الكلام ده. أنا هكلم يزيد كده كده زي ما قال عمي ونخلص من الغم ده.
ابتسمت باتساع وعادت بظهرها إلى ظهر الفراش مستندة عليه براحة لتقول بخفوت وصوت خافض:
- أيوه كده أخيرًا. ناخد اللي عايزينه ونرجع الحق لصحابه ونرميها بره البيت وتبقى عبرة لمن يعتبر.
تتحدث وكأن المال وغيره لها، وكأن كل شيء ملك لتلك العائلة هو حق لها. الخبث ينبصق من عينيها، والكذب يصدر على صوتها. الجميع يريد الانتقام من شخص ليس له ذنب في شيء، ولا يعلم حتى ما يدور من حوله.
***
الجميع يجلس بغرفة الصالون في منزل عائلة "الراجحي" ماعدا "يزيد" وكأنه جو أسري كما يظهر ولكن بالحقيقة هو جو مُحمل بتحطيم النفوس السليمة بواسطة نفوس مريضة، جو يهدم كل معاني اللذة والفرحة.
وبالطبع لا يحدث ذلك إلا لها. هي الوحيدة الغريبة بينهم والغير مقبولة بالنسبة لهم. يرونها فتاة من عائلة عدوة كريهة، وكل منهم يأخذها بذنب ليس لها فيه فعل.
جلست على الأريكة بجوار "يسرى" التي كانت تمسك الهاتف بيدها تعبث به وهي تريها شيء ما، بينما هدّامات لحظات السعادة يلقون عليها كلمات صُنعت من جروح. هي كانت راحلة بلا رجعة، لقد قررت ذلك وعزمت التنفيذ ولكنه لم يجعلها تفعل. ألح عليها كثيراً معتذراً عن ما بدر منه في آخر مرة بينهم. اعترض طريقها بالقوة ليجعلها تبقى ولا ترحل عنه طالباً فرصة أولى وأخيرة ليصلح ما بينهم، وليكونوا زوج وزوجة متقبلين بعضهم في جميع الأحوال دون الضغط من أي شخص.
فاستجاب قلبها الخائن له وبقيت معه ولم ترحل عنه معللة لنفسها بأنها ستجرب هذه المرة فقط حتى لا تفشل معه وعندما تسأل نفسها تجيب بأنها قد أوفّت وفعلت ما عليها.
وحقاً دون شيء آخر هي منجذبة إليه. تعلم أنها مقاطعة إياه منذ ذلك اليوم وها قد مر أسبوعين ولكن اعتذاراته التي لا تستكين، والهدايا التي لا يمل من تقديمها لها تجعلها تريد أن تقول له أنها سامحته. ابتسامته العذبة وعينيه صاحبة الألوان المتعددة تجعلها تغيب عن العالم وكأنها بوادر الحب الذي لم تخوضه يوم بحياتها.
استمعت إلى والدة زوجها فظة الحديث تقول بصوت عالٍ إلى زوجة ابنها الأكبر بسخرية وتهكم ناظرة إليها:
- كنتي تصدقي يا إيمان إن الشحاتين يقعدوا وسطينا كده في يوم؟
ابتسمت الأخرى بتشفي وكأن تلك المسكينة قتلت لها قتيل ولكن هكذا هي النفوس المريضة تكره دون أسباب. تحدثت مجيبة والدة زوجها بسخرية هي الأخرى:
- لأ والله يا مرات عمي، بس لا وكمان إيه بجحين.
تنفست ثم بدأت العد من واحد إلى عشرة لتهدأ نفسها وهي تنظر في شاشة الهاتف الذي تحمله "يسرى" مذكرة نفسها بكلمات "يزيد" عندما حاول محادثتها. فقد قال لها أن مهما يحدث أو يبدر منهم لا تجيب عليهم بالحسن أو السيء وإن لم تستطع التحكم بنفسها فعليها تركهم وتلجأ إليه هو فقط من يستطيع استيراد حق زوجته.
حاولت أن تفعل كما قال وثبتت نظرها في شاشة الهاتف لترى فساتين تريها إليها "يسرى" التي تريد شراء بعض منها.
مرة أخرى تحدثت والدة زوجها بعد أن اعتدلت في جلستها وقالت إلى شقيق زوجها بجدية وابتسامة:
- بس قولي يا أبو زاهر هي مين العيلة اللي قالوا عليهم حرامية من كام سنة وسيرتهم كانت على كل لسان؟
نظر "سابت" إلى "مروة" بنصف عين وهو يعلم ما تريد الوصول إليه زوجة أخيه ليقول بتعاطف زائف وكأنه يشمت:
- ما خلاص يا حجة بقى اللي ربنا ستره مش إحنا اللي هنفضحه.
ضحكت إيمان التي نظرت إلى زوجها ومن بعده عمه "سابت" ثم قالت مبتسمة وهي تحمل الخبث داخل كلماتها:
- مهو اتفضح وخلاص يا عمي، هو كان لسه هيتستر من تاني.
كلماتهم لم تكن هينة عليها. كل ما يتحدثون به تعلم أنه موجه إليها ولكن هل حقاً عائلتها عرفت بهذا؟ متى وكيف هي تعلم أنهم شرفاء وجدها كان رجل عادل، حكيم، طيب وحنون القلب؟ كيف يقولون كل ذلك عنهم وهم ليس بكل هذا السوء؟ هناك شيء خفي، بعض الخيوط لا تظهر من هذا الحديث وعليها معرفة ما حدث ليكن بقلوبهم كل هذا الكره لهم فمقتل "زاهر" كان دون قصد وقد كان "كمال" صديقه وأخذ أيضاً محاكمته لما إذا كل هذا؟
أخرجتها "يسرى" من شرودها لتجعلها تقرأ شيء ما على شاشة الهاتف ثم انفجرت الاثنين ضاحكين بشدة لينظر إليهم الجميع بغيظ وقد كان الغيظ الأكبر من نصيب "يسرى" لأنها تقف بصف تلك الفتاة البغيضة بالنسبة لهم.
تحدثت والدة زوجها بحدة وعصبية وصوت عالٍ وهي تعنفها على تصرفها الغير مقبول:
- مالك يابت طوبار ما تلمي نفسك شوية ولا أهلك معلموكيش الأدب... هنا البيت ليه أصول وصوتك المرق ده مش عايزة أسمعه تاني بلاش قلة حياء ومسخرة.
نظرت إليها بذهول فهي فقط ضحكت بصوت، ماذا فعلت لكل هذه المحاضرة عن الأخلاق والتربية وهي لا تعلم عنها شيء؟ جعلت تفكيرها يخمد داخل عقلها عندما استمعت إلى "يسرى" تتحدث إلى والدتها قائلة بضيق واضح:
- محصلش حاجة لكل ده، إحنا بنضحك عادي.. مرقصناش في وسط البلد.
اخرسها أخاها عندما تحدث بعصبية مجيباً عليها بحدة:
- بتردي على أمك وإحنا قاعدين مش عاجبينك ولا إيه؟
نظرت إليه مروة بسخرية ثم وقفت على قدميها متجهة إلى خارج الغرفة بعد أن قالت بهدوء:
- عن اذنكم.
***
خرجت إلى حديقة المنزل وجلست على مقعد بها مريحة ظهرها إلى ظهره ثم نظرت إلى السماء قبل أن تغلق عينيها وتجعل عقلها يقف لبرهة عن التفكير.
جلست على المقعد دقائق في ذلك الجو الذي يحمل الهواء المنعش. تذكرت أنها لم تراه اليوم واعتقدت أنه ربما يكن بجانب "ليل" في الإسطبل يدخن سجائره المضرة بالصحة. وقفت على قدميها ثم توجهت إلى هناك بهدوء وهي تسير. لم تستمع إلى صوته أو أي دليل يحثها أنه بالداخل.
دلفت بهدوء وهي تبحث عنه في الأرجاء إلى أن رأت "ليل" الذي وجدته ينظر إليها. ابتلعت ما بحلقها بتوتر وهي ترى عينيه منصبه عليها بتركيز لتحاول أن تسترق السمع ربما يكن بالداخل في الناحية الأخرى فهي لن تستطيع أن تدلف وتمر من جانب "ليل" المخيف هذا وكأنه علم ما تفكر به ليظهر إليها أنه ليس مربوط بشيء ويتجه نحوها.
فزعت عندما وجدته يتقدم منها وسريعاً استدارت لترحل عن هنا ولكنها اصطدمت في حائط ربما لين قليلاً لأنه يحمل قلب في الجهة اليسرى!
رفعت نظرها إليه بتوتر وخوف، ودقات قلبها تقرع كالطبول.
ليتحدث قائلًا بابتسامة عريضة ونبرة تحمل الجدية بعض الشيء:
- اهدي بقى، مش كل ما تقربي منه تعملي كده.
ابتعدت عنه بهدوء وهي تتجه ناحية الباب لتخرج منه، قائلة بخفوت:
- أنا أصلًا ماشية.
جذب يدها ليجعلها تعود مرة أخرى إلى مكانها في الإسطبل، ثم دفعها إلى الحائط الذي خلفه بعد أن غير وضعيته ليقترب منها ويجعل تفكيرها مشتتًا به:
- اومال جيتي هنا ليه؟
أنزلت بصرها إلى الأرضية، ثم حاولت التحكم في نفسها وارتجافتها من قربه المهلك إليها، وقالت بصوت خافت متردد:
- كنت بتمشى وحبيت أشوف المكان فدخلت.
قرب وجهه منها حتى أصبح لا يفصل بينهما سوى أنشات بسيطة، ورفع يده إلى وجنتها يمررها عليها بحب وحنان كما عادته، بينما الأخرى يضعها على الحائط محاصرًا بها.
ثم هتف متسائلًا بابتسامة وصوت أجش:
- مش ناويه تسامحيني بقى وتنسي اللي فات؟
لم يكن يعلم أنها سامحته، ولكن عليها أن تفعل ذلك لتسترد حقها وتجعله يعلم أنها ليست سهلة كما ظن في البداية، أو أن الإهانة لها ولعائلتها ستمر مرور الكرام، أو أن كرامتها لا تعني لها شيئًا. ولم يكن يعلم ما ستفعله هي ليجعله يدخل في حالة غضب منها، فقد اكتفى.
دفعتْهُ "مروة" بشدة في صدره بقبضة يدها حتى جعلته يئن من ضربتها، ثم نظرت إليه بحدة ولاحت نظرة غرور بعينيها.
وتقدمت لتذهب من أمامه، تاركة إياه يقف خلفها ينظر في أثرها بذهول، ولكن قد ظهر الغضب على ملامحه.
فتوجه خلفها سريعًا ووقف أمامها، ثم انحنى سريعًا ورفعها على كتفه يحملها وسار بها مرة أخرى إلى حيث كانوا هم الاثنين.
دلف يزيد بها إلى الداخل، ثم ألقاها بقسوة على الكثير من التبن الموضوع على الأرضية، لتخرج من بين شفتيها صرخة على أثر وقعتها التي سببت لها الألم.
اقترب منها متحدثًا بعصبية وغضب بعدما حاول بشتى الطرق إرضاءها وهي لا ترضى:
- أنت اتجننتي ولا إيه؟ فكراني إيه علشان تعملي كل ده!
نظرت إليه بخوف وهلع تحاول مداراته، فكل مرة يكون بهذه الحالة يحدث ما لا يحمد عقباه، ولكن هذه المرة هي من فعلت عمدًا لتتحمل النتيجة إذا.
رواية براثن اليزيد الفصل التاسع 9 - بقلم ندا حسن
رواية براثن اليزيد الفصل التاسع 9
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القّهار أنْ تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم، وتقبّل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير؛ فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
____________________
"تقترب من النيران في كل مرة وكأنها مياة عذبة جارية
ليست نيران تلتهم كل ما مر أمامها"
دلف يزيد بها إلى الداخل ثم ألقاها بقسوة على الكثير من التبن الموضوع على الأرضية لتخرج من بين شفتيها صرخة على أثر وقعتها التي سببت إليها الألم
اقترب منها متحدثًا بعصبية وغضب بعدما حاول بشتى الطرق لارضائها وهي لا ترضى:
-أنتِ اتجننتي ولا ايه؟ فكراني ايه علشان تعملي كل ده؟
نظرت إليه بخوف وهلع تحاول مداراته فكل مرة يكن بهذه الحالة يحدث ما لا يحمد عقباه ولكن هذه المرة هي من فعلت عمدًا لتتحمل النتيجة إذًا..
ابتلعت ما بحلقها بتوتر محاولة استجماع شجاعتها لتقوم بالرد عليه بدون خوف من مظهره ولا غضبه، صاحت بصوتٍ عالٍ نسبيًا وهي تقول بحدة:
-وأنتَ كنت فاكرني ايه لما عملت اللي عملته؟
ابتعد للخلف بحركات هوجاء ثم تقدم منها مرة أخرى وهو يسب بداخله على غبائها وكبريائها الذي لا يرضى، أجابها قائلًا بنفاذ صبر:
-ما قولنا كنت متزفت متعصب واعتذرت مليون مرة بقالي أكتر من أسبوعين بحاول ارضيكي وافهمك إنه غلط مش هيتكرر وأنتِ أبدًا زي ما تكوني صدقتي
أدلت له تعابير وجهها عن تهكمها الصريح، ضيقت ما بين حاجبيها قائلة بهدوء مستفز متسائلة:
-والله؟ يعني كل مرة هتعمل حاجه هتقولي كنت متعصب صح؟
تنفس بعمق شديد واقترب منها متكئًا على قدمه اليمنى ثم سائلها بصراحةٍ ووضوح:
-من الآخر أنتِ عايزه ايه؟
أجابتها لم تكن متوقعة، فقد انتظر لتجيب على سؤاله ليصلح ما أفسده ولكن تلك الإجابة ليس لها مُصلح:
-ايه اللي بين عيلتي وعيلتك يا يزيد؟ ليه بتكرهونا أوي كده ايه اللي حصل لكل ده
تريثت قليلًا ثم قالت مرة أخرى بحدة وجدية شديدة:
-غير موت زاهر ابن عمك!
ابتعد إلى الخلف مولي ظهره إليها متهربًا من الإجابة على سؤالها الغير مرغوب به الآن لتقف على قدميها متقدمه منه ثم سألته مرة أخرى لتجعله يجيب عليها ولكنه احتار في الإجابة، نظر إليها بعد أن غير وقفته وتحدث بجدية قائلًا:
-هو ده فعلًا السبب الوحيد.. موت زاهر هو اللي عمل كده وأنا وأنتِ اتجوزنا علشان الكره والاشتباكات اللي كانت هتحصل تقف عند حدها ولا نسيتي سبب الجوازه دي
نظرت إلى عينيه بألم يغزو قلبها وأجابته ببرود بعد أن وضعت يدها أمام صدرها:
-لأ منستش بس أنا شايفه إن الكره ده زي ماهو ومفيش أي حاجه اتغيرت بدليل اللي حصل جوه من شويه
استغرب حديثها الذي قالته بهدوء شديد فعقد ما بين حاجبيه سائلًا إياها عن ما حدث دون علمه:
-ايه اللي حصل؟
ابتسمت بسخرية لاذعة واستدارت توليه ظهرها وتذكرت ما تحدثوا به عن عائلتها لتقول بتهكم صريح:
-مع إنك المفروض تكون عارف.. بس هقولك أصل وأنا قاعدة جوه مع العيلة الكريمة بتاعتك قالوا عن أهلي حرامية وإن البلد كلها زمان عرفت أنهم ناس حرامية وقال ايه هما بيستروا عليهم علشان حرام الفضيحة، طبعًا غير اللي والدتك بتعمله فيا كل مرة بس أنا محبتش اصغرك وأرد عليها مع أن كان هيبقالي الحق في ده
أبتعد قليلًا متجهًا ناحية "ليل" الذي وقف بجواره، تغاضى عن تهكمها وطريقة حديثها فقد كان همه الأكبر ماذا يفعل؟ هل يفعل كما كان الاتفاق بين أهله وأحبته؟ أما يستجيب إلى معذبة ويترك كل شيء يذهب إلى الجحيم سوى صاحبة العيون الملونة بألوان زاهية؟ ودون دراية وجد نفسه يتحدث قائلًا وهو يتجه ناحيتها:
-طب ايه رأيك لو بعدنا عن كل ده؟ اللي كنتي عايزاه أنا كده كده كنت راجع القاهرة ما كل حياتي هناك زي ما قولتلك بس هنستنى شويه... مش كتير... وهنرجع سوا
يشتتها بحديثه لقد ترك سؤالها وذهب إلى مكان آخر حتى لا يُجيب أو ربما هو يبحث عن حل الإِبتعاد عن هذه الأسئلة وإجاباتها، وضع يده على كتفيها وجعلها تستدير إليه ثم تحدث مرة أخرى بهدوء:
-سيبك من عيلتي وعيلتك وكل حاجه حصلت.. أنتِ طلبتي أننا نبعد وأنا بلبي طلبك أهو علشان نبدأ سوا وتغفريلي اللي حصل أوعدك إنه مش هيتكرر تاني.. واديني شويه من ثقتك ما أنا زي جوزك بردو
ابتسمت على دعابته السخيفة، ولكنها فكرت سريعًا في عرضه وجدته مغري حقًا، ستحاول معه في زواجها، ستتواجد بالقرب منه كما تريد، ستبتعد عن عائلته، وكل ذلك سيعمل على إنجاح علاقتهم سويًا:
-موافقة بس زي ما أنا هثق فيك أنتَ كمان لازم تثق فيا
اقترب منها أكثر بعد أن وضع يده على خصرها وهتف أمام شفتيها قائلًا بصوت أجش:
-من ساعة اللي حصل وأنا بثق فيكي أكتر من نفسي... خلاص اتعلمت الدرس
أبعدته بيدها ثم حاولت الفرار من قربه المهلك لجميع حواسها وحاجتها في أن تنعم بدفء جسده عند احتضانها ولكنه قبض على معصم يدها عندما وجدها تفر هاربة من أمامه فتحدث قائلًا:
-رايحه فين؟
تعلثمت في إجابتها وهي تحاول أن تسحب يدها من بين يده قائلة بخفوت وصوت هادئ متردد:
-هتمشى.. قصدي هنام الوقت، الوقت أتأخر
ابتسم باتساع فقد كان تأثيره عليها ظاهر وبشدة في كل مرة يراه بوضوح بينما يجعله فخور بنفسه وبرجولته الطاغية عليها، جذبها لتتقدم منه ثم وضع يده خلف خصرها مرة أخرى وهو يعبث معها واليد الأخرى يعدل بها خصلات شعرها واضعًا إياهم خلف أذنها متحدثًا بجانب أذنها بخفوت وصوتٍ جعل القشعريرة تسير في أنحاء جسدها:
-مش وعدتك أن كل حاجه هتحصل بينا هتكون زي اللي حصلت على ضهر ليل.. ولا أنتِ كنتي واخده حباية جراءة ساعتها؟
دارت عينيها في جميع اتجاهات الإسطبل لتختفي عن عينيه الذي صبها عليها، حالها كان مشتت للغاية لا تستطيع حتى التنفس براحة من قربه الشديد منها ونظراته الماكرة الخبيثة التي تجردها من ملابسها بينما هي في شرودها التقط شفتيها في قبلة رقيقة ودودة حاول قدر الإمكان أن يبث بها إعجابه الشديد بها وإرادته بقربها منه، شهقت بفزع فقد فعلها دون دراية منها وهي داخل شرودها في تفاصيله وما يفعله بها..
تركها وهو يلهث بعنف مقتربًا منها متحدثًا أمام شفتيها بلين وصوت خافض يحمل الكثير من المشاعر الجياشة:
-مروة أنا بحاول والله العظيم ومش عايزك تبعدي، أنا عايزك
أجابته بخفوت وضعف بعد أن استمعت كلماته التي أصابتها داخل قلبها باللين لتوافقه على كلماته:
-أنا كمان مش عايزه أبعد عنك
لم يتدارك نفسه بعد الإستماع إلى تلك الكلمات فقد وجد نفسه يقبلها مرة أخرى بنهم وشوق وكأنه كان غريق في بحر زُرقتها وهي التي انتشلته بشفتيها وردية اللون لتكن أكسيد الحياة من بعد اختناق دام بطول مدة زواجهم، دس يده في خصلاتها خلف رأسها يقرب وجهها منه ليأخذ القدر الكافي الذي يجعله يتنفس من بعده ويده الأخرى تدفعها إلى الخلف لتستقر بظهرها مستندة إلى الحائط وهو أمامها يكمل ما بدأه بعدما وجدها تستجيب له بضراوة واضعه يدها خلف عنقه تقربه منها كما يفعل لترفع راية الاستسلام لقلبه وحضوره الطاغي عليها.
___________________
لم تكن تدري أنه بهذه البساطة، والحب، والاهتمام، في تلك الأيام التي مرت عليهم سويًا منذ أن تعاهد كل منهم على النجاح في هذه العلاقة تعرفت عليه حقًا من كل جانب، لقد كان بسيط، يدلف القلب دون أن يستأذن صاحبه، ابتسامته تجعل عقلها وروحها يتوقفون عن العمل، مناداته لها بـ "مروتي" تجعل قلبها يدق بعنف لسعادته، لم تكن تعلم أنه هكذا ولو أتى أحد يقص عليها أن هذه طباعة لقالت عنه مجنون فهي منذ أن عرفته رأت عناده وتكبره وذلك الغرور والعنجهية التي يحملها داخل ثنايا روحه، ولكن ليس عليك الحكم على شخص دون التقرب منه فهو الآن بالنسبة لها يعني الكثير والكثير..
نظر إليها "يزيد" وجدها تنظر إليه دون خجل فعلم أنها شارده، نظر إليها هو الآخر بشغف يضغط على قلبه، نظر إلى وجهها وملامحه الملائكيه، ابتسم باتساع حين تذكر تذمرها بالأمس عندما حاول العبث معها بيده على جسدها، هي بالنسبة له الآن الحياة وكأن عند غيابها يغيب الأكسجين الذي يتنفسه، لا يستطيع الابتعاد عنها، ويحارب قلبه بذات الوقت خوفًا من عشقها وكأنه لم يفعل بعد..
أتت"يسرى" مُبتسمة ثم جلست بجانب "مروة" وهتفت قائلة بحماس:
-ايه ده بقى أنا كده هتعود على قعدتكم دي كل يوم
ابتسم يزيد بهدوء مُجيبًا إياها وهو ينظر إلى "مروة" بنصف عين ويرى خصلاتها ذهبية اللون تطاير مع الهواء:
-ياستي اتعودي وهو أنا يعني هقعد مع حد أغلى من مراتي... وأختي
نظرت إليه الأخرى بخجل من حديثه أمام شقيقته بينما "يسرى" صفقت بيدها عاليًا قائلة بحماس وفرحة:
-أيوه بقى ياست مروة، كل يوم قاعدة رومانسية في الجنينة وأنا اجي ابوظها، لأ وكمان كلام حلو ورومانسي لأ أنا احسدكم بقى
لكزتها مروة بيدها في ذراعها قائلة بحدة بينما الخجل ينبصق من كامل وجهها بسبب احمراره:
-بطلي رخامة
ابتسمت "يسرى" ثم قالت بجدية وهي تعتدل في جلستها بجانب "مروة" المقابلة ليزيد:
-معلش هبوظ القاعدة شويه بس لحد ما الاوردر يوصل
سألتها مروة بهدوء وهي تنظر إليها باهتمام:
-طلبتي الحاجات اللي اخترناها امبارح؟
اومأت الأخرى بالايجاب فتابعت مروة بجدية وحماس شديد مبتسمة:
-الـ t-shirt الأحمر جميل أوي على فكرة
انتبه "يزيد" إلى ما قالته فسألها باستنكار مضيقًا ما بين حاجبيه بشدة واستغراب:
-أحمر!... مفيش لون غير الأحمر؟!..
اعتدلت مروة ناظرة إليه ثم أجابته باستغراب وتساءل:
-وماله الأحمر دا لون زاهي وحلو
استمعت مروة إلى ضحكات "يسرى" الساخرة من كلماتها ثم أجابتها هي بعد أن توقفت عن الضحك قائلة بجدية:
-يزيد يا مروة يطيق العمى ولا يطيق اللون الأحمر معقوله متعرفيش؟..
نظرت إليه مرة أخرى باستغراب ودهشة فهي لم تكن تعلم بهذا الشيء فأجابتها قائلة بتساءل:
-لأ مكنتش أعرف.. بس ايه السبب
نظر يزيد إلى "يسرى" بغضب وحدة قائلًا بصوت غاضب:
-بوقك ده ايه.. مش بيتبل فيه فوله أبدًا
ابتسمت "يسرى" باتساع ثم نظرت إلى مروة متجاهلة "يزيد" الذي كان يموت غيظًا منها فلم يكن يريد أن تعلم زوجته بهذه القصة التافهة:
-يزيد وهو صغير شاف عجلة بتندبح وأول ما شاف الدم قعد يعيط ومن يومها وهو كارهه اللون ده زي العمى
رفعت مروة نظرها إلى من بعد أن استمعت إلى تلك الكلمات رأته يكاد ينفجر من الغيظ فعلمت أنه لم يكن يريدها تعلم فعملت على اغاظته وتحدثت بسخرية وهي تضحك بصخب:
-ده بجد؟ يزيد الراجحي مش بيحب اللون الأحمر علشان شاف دم... مش قادرة أصدق
نظر إليها بغيظ ثم تقدم للإمام في مقعده وتحدث بسخرية هو الآخر قائلًا بتشفي بينما ينظر إلى زرقة البحر داخل عينيها:
-على الأقل كنت صغير الدور والباقي على الكبيرة العاقلة اللي بتخاف من الحصان اللي بيركبه أقل عيل
ضيقت عينيها ناظرة إليه بغيظ شديد وهو يبتسم باتساع بينما تحدثت "يسرى" قائلة بذهول:
-بتخافي من ايه؟ ده أحسن حاجه هي ركوب الخيل
اندفعت قائلة بحدة وعصبية من سخريته عليها وعلى خوفها قائلة:
-آه الخيل مش أبو لهب اللي عند أخوكي
نظر إليها بحدة وعصبية قائلًا بنفاذ صبر بسبب عدم تقبلها لـ "ليل" حتى بعد أن اقتربت منه أكثر من مرة:
-مروة!..
وقفت على قدميها بعد أن وضعت خصلاتها خلف أذنها وتحدثت قائلة بهدوء سائلة إياهم:
-هعمل قهوة تحبوا اعملكوا معايا
اومأ إليها "يزيد" وفعلت "يسرى" المثل لتتقدم "مروة" إلى داخل المنزل لصنع القهوة لثلاثتهم..
________________
جلست على مكتبها داخل الصيدلية الخاصة بها وتجلس مقابلة إليها صديقتها التي كانت تحاول التخفيف عنها قليلًا:
-أنا بجد مش عارفه أقولك ايه.. بس أنا شايفه إنك تنسيه خلاص
ابتسمت بسخرية جلية وواضحة قبل أن تقول بحزن خالص ونظرة خائبة:
-أنساه! أنساه إزاي يا نهى؟ ده كل عمري.. كل لحظة من حياتي كنت بحبه هو وهو ولا هنا
اشفقت الأخرى على حالها فقد كان صعب للغاية عليها وعلى من تُحب ومن يُحب هو:
-قولتلك قبل كده يا ميار عرفيه إنك بتحبيه ماهي عمرها ما هتكون ليه أبدًا
أجابتها والدموع تقف خلف جفنيها سائلة إياها هل يحق لها الفرار؟:
-عمرها ما هتكون ليه بس بردو بيحبها.. وعمره ما شافني غير ميار، ميار وبس
تحيرت صديقتها منها ومن كلماتها، سألتها قائلة باستغراب:
-أنا مش فهماكي أنتِ ولا عايزه تنسيه ولا عايزه تعرفيه اومال ايه بقى؟.. هتفضلي كده بتتعذبي وخلاص
أجابتها وهي تزيل دمعة لاذت بالفرار من بين حفنيها:
-اقوله ايه تعالى اتجوزني أنا بحبك وأنا عارفه أنه بيحبها من وهو صغير؟.. تعرفي هي كمان كانت معجبة بيه لولا اللي حصل... أنا تفكيري غبي ومش عارفه اعمل ايه يا نهى خايفة يشوف واحده تانية غيري وأنا زي ما أنا قاعدة مستنياه يلمحني ولو حتى من بعيد
منذ سنوات وسنوات وهي تعشقه وهو يعشق أخرى والأخرى قد ذهبت لغيره، لم تستطيع التحدث أو البوح بمشاعرها ناحيته أبدًا فقد كان ذلك أصعب من التواجد بين نيران مشتعلة.. أتقول له أعشقك وهي تعلم أنه يعشق شقيقتها؟!.. هي ليست دنيئة إلى هذه الدرجة..
___________________
قبل ذلك دلفت مروة إلى المطبخ لصنع القهوة لثلاثتهم وقد وجدت بغيضة حياتها ومحطمة النفوس بالداخل، دلفت ولم تنظر إليها وصبت كامل تركيزها على ما تفعله لتخرج بسلام فهي لا تريد الدخول معها بأي جدال، فقد علمت كيف تفكر وتعلم أيضًا أنها لا تحبها بتاتًا ودائمًا تختلق الكلمات المسمومة لتلقيها على مسامعها..
وضعت القهوة على النار ثم وقفت بجانبها تنتظر حتى تنضج، أتت "إيمان" ووقفت جوارها متصنعة الانشغال وهي تدندن كلمات بذيئة لم تكن موجهة إلا لـ "مروة"، وحاولت هي قدر الإمكان ألا ترد عليها وتأخذ القهوة وترحل ولكن ظلت "إيمان" على وضعها إلى أن وقفت أمامها تقول بسخرية واستهزاء:
-إلا قوليلي يا مرمر ماتعرفيش نجيب منين شوية أدب واحترام نرميهم على عيلة طوبار؟
لقد فقدت كل هدوءها، العد من الواحد إلى العشرة لن يفيدها بعد الأن، فقد كانت غاضبة بشدة من هذه المرأة البغيضة وودت لو اقتلعت خصلاتها من تحت حجابها:
-من نفس المكان اللي هنجيب منه لعيلتك إن شاء الله
اعتدلت الأخرى في وقفتها ثم قالت مبتسمة باستغراب وتساءل:
-الله الله ده القطة طلع ليها لسان أهو بترد بيه
ابتسمت "مروة" بسخرية لاذعة استشعرتها "إيمان" بوضوح بعد أن وضعت يدها تربت على كتفها قائلة:
-القطة عندها لسان وسنان وضوافر وبتعرف تاكل وتخربش انتوا بس اللي فكرتوها سهلة لما اتعاملت معاكم باحترام بس لو عايزاني أتعامل معاكي بغيره أنا تحت أمرك
اغتاظت من ردها عليها الذي اشعرها بالإهانة فقد كانت تتحدث بتهكم وسخرية، أجابتها قائلة بحدة وعصبية:
-ما تتكلمي عدل يا بت عيلة طوبار أنتِ هتنسي أصلك
سارت ضحكات "مروة" تعبي المكان حتى أن الأخرى قد ذُهلت من ردة فعلها ولكن لم تكن طويلًا حيث اجابتها مروة قائلة:
-على الأقل عندي أصل.. الدور والباقي بقى على.... ولا بلاش
أغمضت "إيمان" عينيها ببرود وفتحتها مروة أخرى قائلة بجدية متسائلة باستغراب:
-حتى لو معنديش مش أحسن من شوية حرامية سيرتهم كانت على كل لسان في البلد وطلعوا نصابين
تريثت ثم أكملت قائلة بحزن تصنعته بسخرية:
-صح ما أنتِ مكنتيش هنا تلاقيكي كنتي في عزا الست الوالدة اللي يرحمها
صاحت "مروة" بصوتٍ عالٍ غاضبة من تهكمها وطريقة حديثها عن والدتها وعائلتها قائلة بحدة وعصبية:
-قولت قبل كده محدش يجيب سيرة أمي وإلا قسمًا بالله مش هيحصل كويس
ابتسمت الأخرى وسألتها وهي تعتدل في وقفتها أمامها واضعة يدها في خصرها:
-هتعملي ايه يابت الحرامية والنصابين؟
أجابتها مروة بغضب شديد وحدة قائلة:
-النصابين والحرامية دول يبقوا عيلتك لأنك واحدة حقيرة مستحيل تكوني طالعة من بيت سوي أو محترم
لم تعطها "إيمان" الرد بالكلمات كما كانت تفعل منذ قليل بل أمسكت القهوة الساخنة الذي كانت قد فارت منذ لحظات وسكبتها بمنتهى البساطة على فخذها وهي تنظر إليها بتشفي وحقد دفين داخل عينيها، بينما صرخت "مروة" عاليًا فقد كانت القهوة ساخنة للغاية وشعرت أن فخذها يُسلخ بسبب سخونة القهوة عليه..
تجمعت الدموع بعينيها وهي لا تطيق الألم الحاد ذلك.. رفعت عينيها إليها وجدتها تنظر إليها بتشفي ثم صاحت قائلة بهدوء وبرود:
-ده علشان قليتي ادبك عليا أما الجاي علشان تتأدبي المرة الجاية
رفعت يدها عاليًا في الهواء تنوي صفعها ووضعت مروة يدها على وجهها عندما علمت نواياها ولكن لم يحدث شيء، أنزلت يدها ونظرت إليها لترى "يزيد" يقبض على يدها بشدة وتكاد يدها تنكسر، ينظر إليها بغضب جلي وهي في قمة الضعف والجبن...
تقدمت منها "يسرى" تنظر إليها باستغراب ووجدت بنطالها البيتي عليه أثار قهوة فسألتها قائلة باستغراب:
-ايه ده مالك؟
أجابتها وهي تتمسك بيدها بشدة مغمضة عينيها من شدة الألم قائلة بخفوت:
-القهوة وقعت عليا
استمع "يزيد" إليها فترك الأخرى وتقدم منها متلهفًا، أمسك بيدها وأجلسها على مقعد في المطبخ سائلًا إياها بقلق واضح:
-أكيد بتوجعك، كانت سخنة؟ وريني كده
حاول أن يرفع طرف بنطالها للأعلى ولكنها وضعت يدها على يده متمسكة بها هاتفه بأسمه بضعف ثم قالت:
-أنا كويسه هطلع احطلها حاجه
سألها ناظرًا إليها باستغراب:
-وقعت عليكي إزاي؟
نظرت إلى "إيمان" مطولًا وودت لو قالت له أنها هي من سكبتها عليها، عادت النظر إلى عينيه مرة أخرى وأجابته قائلة:
-وقعت غصب عني
أتت "يسرى" سريعًا بعد أن تركتهم وانحنت أمام مروة قائلة لها بقلق:
-وريني كده خليني احطلك عليها المرهم ده
وقف على قدميه وعاد بنظره إلى زوجة أخيه التي كانت على وشك صفع زوجته، تقدم منها ونظر إليها بنظرة الصقر خاصته ثم سألها قائلًا بجدية:
-رفعتي ايدك عليها ليه
أجابته وهي تكذب حتى لا تأتي بالتوبيخ لنفسها أو تعطي فرصةٍ لأحد بالتعديل عليها فقالت بحدة وكأنها المجني عليها:
-علشان مراتك مش متربية ولا محترمة ومحتاجة تتأدب من جديد...
لم يجعلها تكمل وصلة توبيخها لزوجته حيث صرخ بها بعنف وغضب بعدما أمسك معصمها يضغط عليه بحدة شديدة جعلتها تتألم:
-أخرسي.. هو أنا يعني مش عارفك يا إيمان هانم ولا عارف مراتي، قسمًا بالله لو ما كنتي مرات أخويا لكان هيبقالي تصرف تاني خالص معاكي، بس أنا لسه عامله إحترام
نظرت إليه وإلى تلك التي خلفه تنظر إليها بضعف والأخرى تضع لها ذلك الكريم ليعالج ما سببته هي، ثم جذبت يدها منه بألم وتركته وخرجت من المطبخ عازمة أمرها على تخريب الأمر على الجميع ليس هي فقط
عاد "يزيد" بنظره إلى "مروة" التي نظرت إليه بضعف وقد كان الألم يظهر على وجهها أخفض بصره على قدميها الذي عالجتها "يسرى" ليرى معظم ساقها الأبيض فقد سكبت القهوة على فخذها، وقفت مروة سريعًا بخجل ثم عدلت بنطالها البيتي ونظر هو إليها بضيق من تصرفها ثم تقدم منها أخذًا يدها قائلًا بهدوء:
-تعالي ارتاحي فوق شوية واحكيلي اللي حصل
صعد بها إلى الأعلى حيث غرفتهم، ولج معها إلى الداخل وجعلها تجلس على الفراش بهدوء ومن ثم جلس جوارها ناظرًا إليها بهدوء شديد عاقدًا يديه مع بعضهم البعض أمامه، هتف متسائلًا باستغراب:
-ايه اللي حصل؟، احكيلي
نظرت إليه هي الأخرى وشعرت أن الألم يزول شيء فـ شيء، تحدثت بهدوء وهي تعتدل ساردة إليه ما دار بينها وبين "إيمان" داخل المطبخ..
نظر هو إليها بشك بعد أن انتهت من حديثها، تريث قليلًا ثم سألها باستغراب:
-القهوة وقعت عليكي إزاي؟
ترددت في الحديث فقد قالت له من قبل أنها من سكبتها وهو يعاود السؤال مرة أخرى بشك، أجابته بتردد قائلة:
-قولتلك وقعت غصب عني
وقف على قدميه ثم هتف بحنق وضيق من تصرفها مع "إيمان" فهو قد نبه عليها من قبل ألا تجيب أحد يريد مضايقتها ولكنها لم تفعل كما قال ضاربة بكلامه عرض الحائط:
-هو أنا مش قولتلك مترديش على حد منهم مسمعتيش الكلام ليه
نظرت إليه بذهول فقد كان يقول حديث غير معقول هي تصمت منذ أن أتت ولم يتغير شيء، تحدث معهم بألا يزعجونها ولم يتغير شيء، وعندما ردت عليهم أيضًا لم يتغير شيء، أجابته بحدة قائلة:
-أنتَ بتقول ايه؟ عايزني أسكت لحد امتى دي تقريبًا مفكرة إني خدامة عندها.. لأ والله الخدامين حتى مش بيتعاملوا كده، مش فاهمه ليه الكل كارهه عيلتي وأنتَ مش بتقولي حاجه أنا بجد تعبت من العيشه دي
زفر بضيق شديد وهو يعلم أن معها كامل الحق في حديثها، تقدم منها وجلس مرة أخرى جوارها على الفراش واضعًا يده خلف ظهرها يربت عليه بحنان ثم تحدث قائلًا بهدوء:
-معلش أنا آسف.. أنتِ معاكي حق، يلا قومي غيري هدومك والبسي حاجه مفتوحه بدل البنطلون علشان تحطي مرهم تاني
نظرت إليه باستغراب بل بـ اندهاش كيف يتحدث بهذه البساطة وهذا الهدوء، يغير مجرى الحديث حتى لا تسأله عن شيء لا يريد الإجابة عنه!.. نعم إنه دائمًا يفعل هكذا..
وقفت على قدميها بهدوء متقدمة ناحية الدولاب لتأخذ ما يناسبها من الملابس ثم توجهت إلى المرحاض بنفس ذلك الهدوء وهي تنظر إلى عينيه مستغربه من تحوله بينما هو يعلم ما تفكر به ويعلم أن هناك أسئلة برأسها تريد الإجابة عليها ولكن هو لن يستطيع فعلها لن يجازف بأي شيء ولو كان صغيرًا فهو مشتت الفكر ولا يدري ما الذي سيفعله بعد انتهاء تلك الهدنة التي أخذوها سويًا..
________________
حية وتلتف حول عنقك بالمحبة!، لتأتي بخلاصك بين يديها وكأنك المذنب للوثوق بها..
دلف "فاروق" غرفته بعد منتصف الليل ليريح جسده قليلًا من كم المتاعب الذي تلاحقه في عمله، ولكن لم يكن يحذر أبدًا فوجد "إيمان" تجلس على الأريكة بالغرفة تسيل دموعها من عينيها بكثرة فكر في لحظات عن سبب ذلك الوضع الذي هي فيه ولم يجد سبب فهو يعلم أن الجميع لا يخالفها في شيء ووالدته تحبها إذًا ما الأمر؟..
تقدم منها وجلس جوارها ناظرًا إليها باستغراب ثم هتف متسائلًا بصوت مُرهق قلق:
-مالك يا إيمان في ايه؟
وكأنها كانت القشة الذي قسمت ظهر البعير، انفجرت في وجهة وهي تزيل دموعها المزيفة قائلة بجدية وتهكم:
-مالي؟ مالي ايه وأنا مش عارفه أعيش في البيت ده
زفر بحنق وضيق ثم تقدم منها في جلسته والتقط كف يدها بين يديه وحاول التحدث بهدوء قائلًا:
-ايه اللي حصل بس ما أنتِ عايشه فيه من زمان
أجابته بسخرية جلية وبصوتٍ عالٍ وهي تجذب يدها منه واقفة على قدميها تواجهه بحدة:
-اديك قولتها زمان مش دلوقتي ما خلاص البيت بقى بتاع بت طوبار
زفر مرة أخرى بضيق أكبر من ذي قبل فقد كان لا يريد شيء إلا بعض الراحة:
-ما تقولي ايه اللي حصل يا إيمان ياباي.. عملتلك ايه يعني
جلست جواره ونظرتها الخبيثة تلتمع في عينيها تظهر لمن يريد معرفة الحقيقة حقًا ولكن هو لم يكن كذلك فلو كان يريد المعرفة لعلم بغير ذلك كثير من الأشياء المخفية، تحدثت وهي تارة تصيح وتارة أخرى تبكي لتجعله يتعاطف معها تشكي له من أخيه وزوجته وكأنها الملاك البريء في كل شيء..
وقف على قدميه ينظر إليها بشك جلي ثم تحدث سائلًا إياها بقلق بالغ:
-يزيد عمل كل ده معاكي.. ومراته الغلطانه كمان!
وقفت أمامه تظهر ضعفها وقلة حيلتها لتأخذه لصفها ويحدث ما يحدث بينه وبين أخيه:
-يقولي اخرسي يا إيمان هانم هو أنا يعني مش عارف عمايلك! ومسكني كده ليه هو أنا كنت ايه يعني دا أنا اللي شايله البيت ده من زمان أوي حتى أختك وقفت مع مراته بقى أنا حرباية بيقولي يا حرباية يا فاروق... أنتَ لازم تجبلي حقي زي هو ما عمل مع مراته الغلطانه كمان
وقف ينظر إليها ويستمع إلى كلماتها الخبيثة المليئة بالكره لهم، وهي بدورها أخذت تلقي على أذنه كلمات قاسية وعنيفة تجعله لو كان يريد الصلح لـ أراد الخراب للمنزل بأكمله، مدعية قلة حيلتها وضعفها أمام أخيه وعليه هو أن يجلب حقها منه ومن زوجته..
________________
"يُتبع"
مفاجأة مش كده؟😂😂 ده علشان أنا بحبكم بس.. رأيكم في الأحداث ❤️❤️
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية براثن اليزيد الفصل العاشر 10 - بقلم ندا حسن
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم وتقبل شهيدهم وأطعم جائعهم وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم واربط على قلوبهم وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
"ما يجعل الإنسان مشتت هو عدم المعرفة!
قد يكون هذا أو ذاك ولكن لا تدري أي
منهم فتصبح مشتت الفكر".
سارت في وسط الحقول الخضراء كما تحب أن تفعل دائماً في هذه البلدة ولكن كل مرة تكون تفكر في شيء مصيري يحدد مجرى حياتها. تنفست بعمق رائحة الهواء الرطب الذي كان يداعب خصلاتها الذهبية. وضعت يدها أمام صدرها وسارت تتذكر لحظاتها معه. كلماته. نظراته الحنونة تارة والغاضبة تارة أخرى. نظراته وكلماته التي أحياناً تحمل معنى الحب الخالص وأحياناً أخرى ترى التشتت الواضح عليهم.
هي ليست فتاة صغيرة لا تفهم معنى للحياة بل هي كبيرة تفهم جيداً ولكن هناك ما يخفى عنها! هناك ما لا يريد أن تعلم به. والجميع حقاً تحمل لهم الشفقة والسخرية فلو علمت ما يدور حولها لحاولت تصليح الأمور. لكانت الآن زوجته حقاً. لكان كل شيء بينهم يسير كأي زوجين حقيقيين ولكن هذا لم يحدث ولن يحدث إلا عندما تكشف الحقائق وهم وحدهم يعلمون بها. هو! وعائلته البغيضة.
ألا يريد أن تكون زوجته حقاً؟ ألا يريد أن يعيش معها أسعد لحظات حياته؟ وإن كان يريد، فلما لا يخبرها كل شيء هم يريدونه؟ فلما دائماً يتهرب من إجابة أسئلتها؟ هي ترى بوضوح الحب في عينيه أو أنها تتوهم لأنها منجذبة إليه وبشدة؟ لا هذا ليس توهم، إنه حقاً يحبها. لهفته. قلقه. تصرفاته ونصفه لها أمام الجميع يجعلها ترى الحب به.
وهي تنجذب إليه يوماً عن آخر. تريد رؤيته دائماً أمامها. تريد رؤية ضحكته. ابتسامته. رؤيته من بعيد وهو على ظهر "ليل" يركض للبعيد ويعود. النوم جواره وأن تنعم بأحضانه وهو غافي غير واعي لما تفعله. جميع ما به يجذبها إليه فقد تخلى عن غروره معها. لم ترى عنجهيته منذ فترة. لم ترى نظرة الصقر الذي عرفته بها فقط ترى نظرات حب وهيام.
من يستمع إليها الآن سيضحك بشدة. يالا السخرية هل هذه نفسها التي بيوم عرسها كانت تريد تصنع الإغماء لتهرب منه؟ هل هذه نفسها التي كانت تريد الهرب وليذهب الجميع للجحيم؟ لم تكن تعلم أنه هكذا لم تكن تعلم أن هذا سيحدث ولم تكن تعلم أنها ستريد القرب الدائم منه وربما أكثر.
ابتسمت بهدوء ورقة وهي تضع يدها على شفتيها بخجل تتحسس موضع قبلته حينما حاصرها في الغرفة مقترباً منها ليأخذ قبلة رقيقة ناعمة من شفتيها.
عادت من تفكيرها على صوت شخص قريب منها يتحدث بصوت عالٍ ليلفت انتباهها:
"الجميل نزل بلدنا تاني. ياه دي نورت وربنا".
نظرت إليه رأته شاباً يبدو في مثل عمر يزيد وسيم هو الآخر ولكن هي تعرفه. رأته من قبل. ضيقت عينيها ناحيته محاولة تذكر أين رأته إلى أن تذكرت فنظرت إليه بحدة قائلة بجدية:
"هو أنت مش بتزهق ولا ماشي تعاكس في خلق الله وخلاص".
ابتسم باتساع بعدما أقترب منها وسار على بعد خطوة واحدة ليقول بهدوء مبتسم:
"ولا ده ولا ده بس أخر مرة شوفتك هنا كانت من شهور ودي تاني مرة أهو يبقى لازم أعرف أنت مين ولا أنا غلطان؟".
استدارت زافرة بحنق وضيق من كلماته ثم هتفت وهي تبتعد عنه:
"مجنون".
سارت عائدة إلى المنزل مرة أخرى والذي لم تبتعد عنه كثيراً تاركة ذلك الشخص الأبله دون إجابة أخرى أو حتى تعطيه بعض التركيز. نظر هو إليها مبتسماً بسخرية فهو فقط يريد أن يعلم من هي لا أكثر من ذلك فهناك من تشغله. وجدها تدلف إلى منزل "الراجحي" بكل أريحية ليستغرب كثيراً من أين هي تعرفهم؟ وما علاقتها بهم فهو يعرفهم جيداً ولم يراها معهم من قبل.
استمعت إلى أصواتهم العالية وهي تدلف من البوابة وقد كان من بينهم صوت زوجها العالي للغاية. استغربت كثيراً من الذي يحدث وما الذي أوصلهم إلى ذلك الأمر فهي تعلم أنهم عائلة واحدة ولا يحدث هذا عادة بينهم.
دلفت إلى الداخل حيث هم متواجدين لترى الجميع ينظر إليها بينما ابتسم "فاروق" بسخرية قائلاً وهو يشير ناحيتها:
"اهي الهانم شرفت".
تقدم منها يزيد بلهفة وقلق قابضاً على معصم يدها متحدثاً بجدية وهو ينظر إليها:
"كنتي فين؟".
نظرت إلى الجميع بغرابة هل هي من أحدث هذا القلق بينهم لغيابها في الصباح هكذا أم ماذا؟ تحدثت مجيبة إياه بقلق وتردد:
"كنت بتمشى".
تحدث "فاروق" مرة أخرى بعصبية مشيراً ناحيتها بغضب وحدة:
"الهانم كانت بتتمشى ولا على بالها مفكرة نفسها لسه عايشة في البندر".
نظرت إلى يزيد وكانت تود بشدة أن تجيبه على هذه الكلمات اللاذعة. هناك حقاً رغبة ملحة تريدها أن تجيب عليه وتجعل الجميع يقفون عند حدودهم ولكن ترك "يزيد" يدها بحدة متقدماً من أخيه بعصبية والغضب يعمي عينيه قائلاً:
"مش هسمحلك يا فاروق تتكلم مع مراتي بالأسلوب ده".
تقدم الآخر منه قائلاً بحدة وعصبية فقد رسخت زوجته بداخل عقله كلمات مسمومة من الأمس إلى اليوم ليأتي بحقها التي تدعي أنها تريده بسبب ظلمهم إليها:
"أنا هنا الكبير من بعد عمك وكل اللي أنا عايزه هو بس اللي هيحصل ولا تكونش نسيت يابن الراجحي".
أجاب "يزيد" وهو ينظر داخل عينيه بقوة:
"كبير على نفسك يا فاروق مش عليا ولا على مراتي. أنا هنا مسؤول من نفسي وهي مسؤوله مني. سمعت يا فاروق".
صاحت والدته بعد أن طفح كيلها من تصرفات ابنها الذي من المفترض يأتي بحق الجميع من عائلة "طوبار" ولكن ما يحدث الآن أن ابنة تلك العائلة أوقعت الشقيقين ببعضهم وترى أن ابنها قد عشقها حقاً حتى يقف هكذا أمام الجميع للدفاع عنها:
"اخرس يا يزيد. أخوك الكبير غصب عنك وعن الكل. بت طوبار هتفرقكم عن بعض ولا ايه؟ قدمها قدم خراب على البيت كله".
فرت دمعة من عينيها حزناً على ما تعرضت له من تلك العائلة. استدارت لترحل عنهم جميعاً ولكن يده منعتها عن ذلك. خلل أصابع يدها بأصابع يده وتمسك بها بشدة أمام الجميع ثم هتف بقوة وجدية دون خجل:
"هريحكم مننا إحنا الاتنين".
استدار بها ليرحل عنهم عائداً إلى بيته في القاهرة ولكن كلمات شقيقه الجادة جعلته يقف مكانه دون تحرك:
"بلاش يا يزيد وإلا هخليها تخرب على دماغ الكل وأنت أولهم".
يعلم أنه يفعلها. إنه "فاروق" النسخة الثانية من قسوة "سابت الراجحي". سيقول لها سبب الزواج الحقيقي ويخرب كل ما بدأه معها. ستتركه لا محال ولن تعود إليه أبداً.
استدار ينظر إليه فابتسم أخيه قائلاً ببرود وتهكم:
"أنت عارف إني أعملها".
في تلك اللحظة لم يكن يعلم ما هو شعوره ناحية أخيه. هل هو الكره أم الحقد أم ماذا؟ فهو في تلك اللحظة لم يراه إلا وهو يريد تخريب زواجه.
استمع إلى صوت تلك المرأة الخبيثة تقول بابتسامة متهكمة بسخرية:
"بدافع عنها باستماته ولا كأنك عارف سبب الجواز يا أخو جوزي".
أتعلم هي أيضاً السبب الحقيقي؟ ولما لا فـ أخيه كالخاتم بأصبع زوجته تفعل به ما يحلو لها في أي وقت.
أجابها بعصبية وحدة وقد فاض الكيل به من كم الكلمات السمومة التي سمعها:
"أنت تخرسي خالص كل ده بسببك أنت".
صاح شقيقه هو الآخر بعصبية مدافعاً عن زوجته:
"أخرس أنت يا يزيد".
غضبه يعمي عينيه حقاً. عصبيته تبتلعه إلى داخلها. كاد أن يذهب إليه ليمسك بعنقه ويفتك به بسبب هذا الغضب الذي يعتريه من أجله هو وزوجته ولكن أستمع الى صوتها الضعيف تهتف باسمه وهي تجذب يده إلى خارج الغرفة لتبتعد عن الجميع به فهو الذي كان يقف ضدهم معها ولكن هناك ما يخفى حقاً.
جلس على الأريكة في غرفة الصالون الصغيرة التابعة لغرفة نومهم وجلست جواره بتوتر ثم تحدثت قائلة بحزم:
"ليه كل اللي حصل تحت ده يا يزيد ايه السبب؟".
نظر إليها بغضب ثم أجابها وهو يبتعد بوجهة للناحية الأخرى قائلاً بحدة:
"أنا مش فايق للأسئلة بتاعتك دي".
نظرت إليه باستغراب ودهشة فهي ليست لها ذنب فيما حدث منذ قليل بل هو من المفترض أن يخفف عنها فالجميع أهانها بكلمات أو بأخرى. وضعت يدها أسفل ذقنه وجعلته يستدير إليها وتحدثت بجراءة وحزم قائلة:
"اومال هتفوق امتى أنا كل ما بسألك عن حاجة يا أما بتهرب من الإجابة يا أما بتكدب عليا. جاوبني ايه اللي حصل؟".
أجابها قائلاً بنفاذ صبر:
"فاروق كان بيحاسبني علشان اتعصبت على إيمان امبارح لما كانت هتضربك ومش مقتنع أنها هي اللي غلطانه كالعادة وشدينا في الكلام قصاد بعض زي ما شوفتي ها مرتاحة كده؟".
مرة أخرى نظرت إليه تلقي عليه سؤالاً أخر تريد الإجابة عليه بشدة:
"أنت مسكت ايدي وكنت ماشي وقفت ليه بعد كلام فاروق..
ايه اللي ممكن يعمله وبيهددك بيه؟
وقف على قدميه مبتعدًا عنها، ثم دلف إلى غرفة النوم، ومن بعدها دلف إلى المرحاض متهربًا من الإجابة. ولكنها لم تتركه، دلفت خلفه إلى المرحاض، ثم تحدثت بحزم وجدية شديدة:
- مش هسيبك غير لما أعرف كل حاجة، أنا من حقي أعرف.
صاح بصوت عالٍ وهو يشير بيديه قائلًا بعصبية:
- مفيش حاجة، ده أخويا يهددني بـ إيه؟ إيه الجنان اللي بتقوليه ده؟ فكري في كلامك قبل ما تطلقيه.
أغمضت عينيها بقوة، ثم فتحتهما وهتفت قائلة بضجر بعدما انتهى من حديثه الذي لا يدخل عقل طفل صغير إذا استمع إلى تهديد أخيه له:
- هعتبر نفسي صدقت كلامك ده.. قولي بقى إيه السبب اللي كانت بتتكلم عنه إيمان؟ إيه سبب جوازنا؟
ضرب بيده عرض الحائط بعصبية، وقد قارب على فقد عقله بالكامل مما يحدث معه، لينفجر قائلًا مرة واحدة بصوت عالٍ وغضب جلي فجره بها:
- هيكون إيه يعني؟ هو أنت محضرتيش الجوازة مثلًا؟ ولا مش عارفة إحنا اتجوزنا ليه؟ تحبي أفكرك؟ اتجوزنا علشان التار اللي بينا علشان ابن عمك الـ***** ده ما يموتش؟ ارتاحتي كده؟ يلا أخرجي بره.
خرجت وتركتْه يعاني وحدة من ذلك الحمل الثقيل الذي يكاد يفتك به وبروحه. تركته يعاني مع ذلك السر الذي لو علم به الجميع لم يضع بباله، ولكن هي فقط من يريده، لا يعلم بشيء. نظر إلى انعكاس صورته في مرآة المرحاض، وقد حضر ضميره مرة أخرى بعد أن استفاق من غيبوبته معها.
بينما هي لم يدخل عقلها كل ما تحدث به، وما زالت تريد أن تعلم الحقيقة، ولكن الشيء الوحيد الذي يجعلها سعيدة في وسط ما حدث هو وقوفه جانبها، وأخذ مكانة السند لديها، أمان الجميع.
***
وهي تجلس في الحديقة على مقعد خشبي، جذب انتباهها رائحة تعلم صاحبها جيدًا. لم تغفل عنه دقيقة واحدة منذ رحيله. دقات قلبها تسارعت وسارت تقرع كالطبول. خافت من أن تستدير لتراه يكون سرابًا وتتوهم من كثرة تفكيرها به. ولكن هذه هي رائحة عطره حقًا. استدارت بهدوء وهي تدعي بداخلها ألا يكون تخيلًا، وقد كان.
رأته يقف أمامها مباشرة، كما هو لم يتغير به شيء، ربما فقط زادت وسامته عن ذي قبل. نظرت إليه باستغراب واندهاش، فهو حقًا أمامها. قالت مبتسمة ببلاهة غير مصدقة تواجده:
- سامر!
أما عنه، فقد رآها وهو يدلف إلى الداخل. يعلم أن هذه جلستها منذ زمن. وقف خلفها ينظر إلى خصلاتها ويملي عينيه من جمالها. يرى تحركاتها العفوية ويتذكر ضحكاتهم سويًا.
أجابها قائلًا بابتسامة عريضة ونبرة تحمل الهدوء والحنان:
- أيوه سامر.
ابتسمت وحاولت ضبط أفعالها، ثم قالت بجدية مبتسمة وهي تسلم عليه بيدها:
- حمد الله على السلامة. جيت إمتى؟
هتف قائلًا بهدوء وابتسامة تزين ثغره:
- الله يسلمك.. أنا جيت امبارح.
نظرت إليه مطولًا بهدوء، ثم تحدثت قائلة بحماس وفرحة عارمة:
- نورت البلد كلها.
ابتسم إليها بصدق، وقد كان ذلك ظاهرًا إلى أبعد حد، ثم سألها باستغراب وتساؤل:
- مين اللي دخلت عندنا الصبح ولون شعرها أصفر أو بني كده؟
استغربت سؤاله، ثم أجابته بعد أن تذكرت "مروة":
- قصدك على مروة؟
سألها مرة أخرى باستغراب وهو يريد أن يعرف من تكون وما درجة القرب بينهم:
- مين مروة دي؟
ابتسمت باتساع، ثم أجابته متهكمة بسخرية:
- آه صح، ما أنت كنت غايب عننا ومحدش عارف يوصلك. المهم يا سيدي، مروة تبقى مرات يزيد أخويا.
دُهش بشدة مما استمع إليه، فكيف "يزيد" تزوج، ومتى، ومن هذه الفتاة، وأين وجدها، ولما لم يخبره؟ تحدث قائلًا بهدوء:
- إيمان فين؟ أسلم عليها ويزيد؟
- جوه، تعالى.
أخذته إلى الداخل حيث أخته وصديقه الذي لم يراهم منذ فترة طويلة. بينما هي تسير بجانبه والسعادة تجتاح كيانها، فقد عاد حبيب القلب والعقل والروح. عاد إلى موطنه الأصلي بجوارها دون أن يشعر سوى ببعض النظرات والكلمات اللطيفة من جانبه.
***
بعد أن سلم على أخته بحرارة، دلف إلى مكتب صديقه ليراه جالسًا خلفه. وفور دخوله إليه، رفع "يزيد" نظره إلى الباب ليراه يقف أمامه. ابتسم باتساع، ثم وقف على قدميه متقدمًا، وفعل الآخر المثل. اقترب منه محتضنًا إياه، مسلمًا عليه بحرارة وشوق كبير. ربت "يزيد" على ظهره، ثم تحدث قائلًا:
- إيه المفاجأة الجامدة دي يا وحش؟ حمد الله على السلامة.
ابتعد "سامر" إلى الخلف، وذهب خلف "يزيد" بعد أن تقدم ليجلس على الأريكة بالمكتب، وجلس جواره. تحدث مبتسمًا بهدوء:
- بس إيه رأيك؟ مفاجأة جامدة فعلًا.
أجابه "يزيد" وهو يعتدل ناظرًا إليه بهدوء، ثم هتف متسائلًا باستغراب:
- ما قولتش ليه إنك جاي؟ كنت جبتك من المطار.
أجابه الآخر قائلًا:
- يا عم ما قولنا مفاجأة. المهم قولي إيه الدنيا معاك؟ وإيه اللي سمعته ده؟ أنت بجد اتجوزت؟
ابتسم "يزيد" بسخرية جلية وواضحة رآها صديقه، ليخاف من القادم. ولكن "يزيد" تحدث قائلًا ببرود:
- ما بلاش أنت لسه جاي مش حمل حوارات.
ابتسم "سامر" باتساع، ثم تحدث بحماس قائلًا:
- لأ، قول كل حاجة ودلوقتي تعرفني اتجوزت إزاي من غيري ومن غير حتى ما أعرف؟ دي مكانتش سفرية يا أخي اللي تبدل حالك كده.
ابتسم بسخرية لاذعة، ثم وقف على قدميه وذهب لينظر من خلف زجاج الغرفة، مولّيًا ظهره إليه، ثم بدأ بهدوء أن يقص على صديقه ما حدث منذ أول يوم تحدثوا به عن زواجه، إلى التعرف على ملاكه في وسط الحقول، إلى اكتشافه أنها نفسها ليكون قدره ميسر معها، ومن ثم ما حدث بينهم إلى اليوم من شد وجذب من الطرفين، وحادثة عن شعوره تجاهها.
ذهل "سامر" من هذا الحديث الذي استمع إليه، وسار يفكر كيف لـ "يزيد" أن يفعل هذا؟ كيف لشخص عادل مثله يفعل ذلك بفتاة ليس لها ذنب في ما يحدث للجميع؟ كيف له أن يفكر بهذه الطريقة الرخيصة؟
تحدث بذهول متسائلًا باستغراب:
- أنت إزاي تعمل كده؟ هي أكيد متعرفش أي حاجة حصلت، ولا هي اللي قتلت ابن عمك؟ دا أنت بتقول كمان أنها مكنتش عايشة هنا.
ابتعد "يزيد" عنه، يهرب من كلماته التي علم طريقها إلى أين تذهب، ووقف يوليه ظهره، ثم تحدث ببرود:
- أهو اللي حصل.
صرخ عليه صديقه بسبب رؤية اللا مبالاة الذي يتحدث بها ولا يهمه الأمر:
- حرام عليك يا يزيد، ذنبها إيه أنها تعيش معاك وأنت بتخدعها؟ حط يسرى مكانها.
صرخ الآخر مجيبًا إياه بصوت عالٍ وعصبية شديدة، وقد كان يريد هذا حقًا:
- حرام عليا إيه؟ أنت مش عارف أنا حاسس بـ إيه، ولا ضميري عامل فيا إيه؟ متعرفش بفكر في إيه وأنا بشوفها نايمة جنبي ومأمنة ليا. أنا في نار جوايا، ولو بأيدي أمسح كل اللي حصل زمان، هعمل كده، بس مش بأيدي، مش بأيدي يا سامر.
أشفق الآخر على وضعه، فهو حقًا يعاني دون أن يعلم أحد. تحدث مقترحًا عليه:
- خدها وامشي من هنا يا أخي، قاعد ليه؟ ما أنت طول عمرك قاعد في القاهرة.
أجابه بعد أن جلس على الأريكة ووضع رأسه بين كفيه مهمومًا على ما يحدث:
- فاروق هيقولها ويقول للكل ويخربها فوق دماغي.
مسح "سامر" وجهه بعنف، ثم نظر إليه بهدوء وتحدث قائلًا بجدية شديدة بعد أن وجد أن ذلك هو الحل الأمثل:
- يبقى تقولها أنت على كل حاجة.
ضحك "يزيد" بسخرية وهو ينظر إلى صديقه متحدثًا بتهكم:
- آه، وفكرك هتبص في وشي بعد كده؟
نظر "سامر" إلى أرضية الغرفة بضعف، فلا يوجد حل مناسب لتبقى معه بعد أن تعلم، أو حتى يوجد حل لعدم فعل ذلك. يشفق كثيرًا عليه، فعندما رأى ملاك خطف أنظاره، كانت هي دون الجميع.
جلس يزيد يفكر، هل سيستمر الوضع هكذا؟ وإلى متى؟
***
حاولت "مروة" أن تأخذ من "يسرى" شيئًا يفيدها في أن تعلم ما يحدث. جلست جوارها على الأريكة في غرفة الصالون التي بغرفتها هي و"يزيد"، ثم تحدثت قائلة بتساؤل:
- يسرى، إيه السبب لجوازنا أنا ويزيد غير اللي أنا أعرفه؟
ابتسمت "يسرى" بهدوء وعقلانية، ثم تحدثت بحزم وهي تضغط على يد مروة:
- أنا والله معرفش أي سبب تاني غير اللي أنت تعرفيه، وحاولي يا مروة متفكريش في الموضوع ده.
وقفت مروة أمامها تهتف بحدة وعصبية، فهي تكاد تجن من الذي يحدث حولها من الجميع:
- مفكرش إزاي؟ الكل بيتكلم في الموضوع ده، وأنا من حقي أعرف لو فيه سبب تاني ليه يزيد اتجوزني. مش أنا اللي اخترعت ده، لأ دول هما اللي قالوا. طب قوليلي ليه فاروق مش عايز يزيد يمشي من هنا؟
هزت الأخرى رأسها يمينًا ويسارًا باستنكار يدل على عدم معرفتها شيئًا، فقالت "مروة" بحنق:
- حتى يزيد مش بيحكيلي أي حاجة وديمًا بيخبي عني.
وقفت "يسرى" أمامها ثم تحدثت قائلة بهدوء وهي تقترب منها:
- علاقتك أنت ويزيد اتحسنت مليون المية، حرام عليكي تعكنني على نفسك وعليه بالطريقة دي. سيبك من إيمان وفاروق وماما، يزيد مش بيسكت خصوصًا لو قربلك أنت. عيشي يا مروة معاه وسيبك من أي حد. معقولة مش شايفة التغير اللي حصله؟
تقدمت مروة من الأريكة وجلست عليها بهدوء تفكر في كلمات شقيقة زوجها، فهي محقة، هناك تغير كبير في علاقتهم وهي من جديد تريد إجابات لأسئلة غبية مثلها. جلست "يسرى" جوارها بهدوء هي الأخرى. استدارت مروة تنظر إليها ثم سألتها فجأة:
- مين اللي كنت واقفة معاه تحت في الجنينة ده؟
ابتسمت "يسرى" بهيام وحب وأجابتها بهدوء:
- ده سامر أخو إيمان.
ضيقت "مروة" عينيها ثم تحدثت بسخرية وتهكم:
- صح، مهو مش معقول يكون سمج كده لله وللوطن.
أجابتها الأخرى سريعًا بلهفة وحماس وهي تصلح لها ما قالته عن من هواه القلب:
- لأ بالعكس يا مروة، سامر ده غيرها خالص، حاجة كده مفيش زيها، جميل وحنين وطيب و....
تريثت قليلاً ومن ثم تحدثت قائلة باستغراب:
- وبعدين أنت عرفتيه منين علشان تقولي عليه سمج؟
ابتسمت "مروة" باتساع ثم اعتدلت في جلستها حيث استدارت بجسدها كليًا لتواجه "يسرى". تحدثت بتهكم صريح قائلة:
- خلينا فيكي الأول وبعدين أقولك عرفته منين. إيه هي غمزت؟ لأ غمزت إيه دي شكلها واقعة خالص.
ضربتها "يسرى" بخفة في ذراعها وهي تبتسم بخجل قائلة بجدية:
- لأ على فكرة ده صاحب يزيد أوي وعيب اللي بتقوليه ده.
غمزت إليها "مروة" متحدثة بعبث معها:
- يابت.. لأ لأ قولي بقى بجد شكل في حاجة صح؟
ابتسمت "يسرى" بخجل وهي تنظر إليها باهتمام ثم تحدثت بشغف وحب خالص:
- بحبه يا مروة، لأ بحبه إيه ده أنا بموت فيه. تصدقي إني بحبه من تلت سنين وعمري ما اتشجعت وقولتله ولا عمري هعملها. بحب أشوفه دايمًا قدامي وأكلمه. بحب أشوف ضحكته، بحس إني طايرة في السماء لما بس يضحكلي.
استمعت إلى كلماتها وقد كان هذا نفس ما تشعر به تجاه "يزيد". هل من الممكن أن تكون علاقتهم تطورت إلى أن أصبحت تحبه؟
نظرت إلى "يسرى" ثم سألتها قائلة بجدية متسائلة:
- طب وهو؟
- هو يدوب من قبل ما يسافر بس وهو بيلمحلي كده بنظرات أو كلام. كان مسافر بقاله ست شهور أهو، كانت روحي بتطلع فيهم وأنا مش شيفاه وكنت بخاف أكلمه يفكرني حاجة كده ولا كده.
استكملت حديثها مرة أخرى وهي تسألها باستغراب:
- عرفتيه منين بقى؟
لم تريد "مروة" أن تجعلها تراه بصورة غير لائقة أو تخرب الود بينهم بسبب المواقف السخيفة الذي رأته بها فأجابت قائلة:
- كنت بشوفه في الإجازات لما أنزل هنا والنهاردة شوفته بالصدفة وشافني وأنا داخلة هنا وكان حابب يعرف أنا مين بس متكلمناش.
تريثت قليلاً ومن ثم قالت لها بابتسامة عريضة ونبرة فرحة:
- ربنا يجعله من نصيبك يا حبيبتي.
أجابت الأخرى سريعًا بلهفة:
- يارب يا مروة يارب.
ابتسمت لها وهي تفكر فيما قالته، فهي تشعر بكل ما تشعر به وأكثر! تريد قربه الدائم لها. تريد أن تنعم بأحضانه. وكلماته. تريد أن ترى ضحكته ونظراته. عفويته وكل شيء يفعله. هل هذا بوادر حب؟