الفصل 15 | من 33 فصل

رواية براثن اليزيد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندا حسن

المشاهدات
27
كلمة
3,396
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

هل عادت القسوة مرة أخرى؟ هل كانت توهم نفسها بحنانه؟ أم أنه طفح كيله وعاد لما كان عليه سابقًا قبل الوقوع بعشقها؟ لم تغفل عين لها منذ تلك اللحظة التي اتهمت بها أنها خائنة لصديقتها، منذ لحظة دخولها موضع اتهام ليس لها به شيء. أخذها التفكير من كل شيء حولها لتعلم من فعل ذلك باسمها هي، ودت لو أخذت روحه بيديها.

تفكيرها أخذها تدريجيًا إلى جميع من بالمنزل، بداية من عمها "سابت"، ولكن التفكير به في هذا الموضع غير سليم لأنه لا يقرأ ولا يكتب، فكيف سيفعل ذلك إلا باستعانة أحد؟

وحتى لو هو، لا يفعل شيئًا كهذا، إنه بعيد كل البعد عن هذه الألاعيب الرخيصة. لا تراه إلا عند تناول الطعام، حديثه جدي للغاية، قراراته مصيرية، أبعدته عن تفكيرها. ثم انتقلت إلى والدتها، أيضًا لن تعرف كيف تتصرف بالهاتف وتطلب فستانًا كهذا. غير أنها لا تفعل هكذا، أنها لو ودت التخريب على "مروة" لفعلتها بوجهها، وهذه لن تكون أول مرة، بل على العكس، أنها دائمًا تقول بوجهها ما تريد وتفعل ما تريد، ليست مضطرة أن تفعل ذلك. غير أنها إذا فعلت، لن تطورها هي في هذه الفعلة، مؤكد لن تكون تريد أن يحدث بينها وبين شقيقها أي شيء غير مرغوب به.

إذًا هو فاروق؟ أيضًا فاروق لا يأخذ هاتفها ولو بالصدفة، وكيف أخذ الفستان من بين أغراضها دون أن تعلم؟ وكيف دلف إلى غرفة "يزيد" و"مروة"؟ لا يتجرأ على دخولها، فهي غرفة زوجة أخيه، أم يفعلها؟ لا لا، فاروق ليس دنيئًا إلى هذه الدرجة. إذًا من فعلها؟ لا يوجد غير تلك الحية "إيمان"، هي التي تفعل كل شيء، ولكن أيضًا كيف؟ فهي لا تستطيع، متى أخذت هاتفها وطلبت ذلك الفستان في أثناء طلبها هي، ومتى أخذته ومتى فعلت كل هذا؟

هي ستُجن حقًا، لا يوجد غيرها الآن، هي فقط أو "يزيد" أو "مروة"، ومؤكد هما مستبعدان. إذًا لا يوجد سواها! مهلًا مهلًا، لقد تذكرت شيئًا. في تلك الأثناء التي كانت تطلب ما تريد، تركت الهاتف على الأريكة عندما ذهبت إلى والدتها في المطبخ. تركته مفتوحًا وذهبت، ولم يكن سوى "إيمان" الجالسة بالغرفة، أيعقل أن تكون فعلتها في تلك الأثناء؟ نعم، فهذا هو الوقت الذي طلبت به ما تريد، ليس وقتًا آخر. ولكن كيف أخذته من بين أغراضها؟

مهلًا مرة أخرى. يا لك من امرأة خبيثة، لا تحتاج إلا لبعض الحيلة بحياتها. تذكرت أنها عندما استلمت الأشياء من العامل، صعدت إلى غرفتها، ومن ثم صعدت خلفها "إيمان" لتقول لها أن والدتها بحاجة إليها، وظلت هي بالأعلى متجهة إلى غرفتها، ربما عادت مرة أخرى وافتعلت ذلك! غير أن والدتها لم تكن بحاجة إليها، وهي لم تعلق على الأمر، فقد صعدت مرة أخرى لترى الأشياء، ومن ثم وضعتهم كما كانوا في خزانتها.

إذًا "إيمان" هي من فعلت كل ذلك. طلبت الفستان من هاتفها وجعلتها تدفع ثمنه، وهي التي استلمته أيضًا دون علم منها. أخذته ووضعته في غرفة مروة بالورقة والصندوق، ومن ثم أخذتهم مرة أخرى لتضعهم في غرفتها وتكون هي المتهم الوحيد بهذه الجريمة، وكل الدلائل ضدها وضد حديثها الذي ظهر إليهم كذبًا. علمت الآن لماذا فعلت كل هذا، هي تريد أن تبعد "مروة" عنها. تريدها أن تصفى لحالها، هذه البغيضة اللعينة. حمدًا لله أن "سامر" ووالدته ليس بهذا الشر والحقد، أنها فرعًا منازعًا لأهله. هي لن تصمت عن ما فعلته وستجعل الجميع يعلم بفعلتها الرخيصة.

أنارت الشمس عرفتهم منذ ساعات كثيرة، ولكن لم يستيقظ أحد منهم إلى الآن، فقد كانت ليلتهم الأولى سويًا بليلة أمس. تململت "مروة" على الفراش بانزعاج من أنوار الشمس الذي تشعر بها وهي مغلقة عينيها. شعرت بشيء صلب أسفل رأسها غير الوسادة القطنية الناعمة. غير أنها مكبلة، هناك شيء ثقيل صلب على قدميها. حيث كان ذراع "يزيد" أسفل رأسها، بينما قدمه اليسرى فوق قدميها محيطًا إياها بجسده.

فتحت "مروة" عينيها ببطء شديد، فقد كان النور قوي في الغرفة، لقد غفت عن غلق باب الشرفة بالأمس. نظرت حولها لترى "يزيد" ينام جوارها محيطًا جسدها بجسده. رفعت رأسها للأعلى تنظر إليه عن قرب. وكم كان وسيمًا، يخطف الأنظار والقلوب في برهة واحدة. خصلاته السوداء مبعثرة بعشوائية، عينيه مغلقة بهدوء، أنفه حاد شامخ، شفتيه مذمومة للأمام بحدة، تفاحة آدم بارزة في عنقه. صدره عارٍ ويظهر جسده العضلي، نصفه السفلي مغطى بشرشف مثلها أسفله. لقد كان رجلًا جذابًا يأخذ جميع الأنظار إليه، وقد تاهت هي الآن في وسامته وجمال رجولته.

شعرت بصداع خفيف يداهم رأسها، فوضعت يدها بهدوء تدلكه. وحاولت أن تأخذ جسدها من أسفل قدمه ولم تستطع، فقد كانت تريد أن تذهب لتستحم وترتدي ملابسها وتخرج قبل أن يفيق من نومه ويخجلها بما فعله أمس كما فعل قبل نومهم. حاولت مرة أخرى ولكنه كان ثقيلًا للغاية، أو ربما هو يشعر بما تفعله!

فتح عينيه الذي ظهر من خلفها محيط في غاية الزرقة. رآها وهي تحاول أن تذهب من جواره، فضغط بقدمه عليها حتى لا تستطيع. فعادت هي مرة أخرى بجسدها إلى الفراش تستلقي عليه. ودون سابق إنذار، وجدته يعتليها مبتسمًا بخبث ومكر تعرفه هي جيدًا. تحدث بمكر واستنكار ونظرة لعوب تلوح على ملامح وجهه الذي مازال يحمل آثار النوم: -على فين يا جميل؟ شهقت بفزع، فقد اعتقدت أنه نائم. ولكنه كان يسخر منها. علمت الآن كيف كان ضغط قدمه يزداد عليها.

أردفت بانزعاج واضح: -خضتني. وبعدين هروح فين يعني؟ رايحة الحمام. سألها مبتسمًا بخبث ومكر مرة أخرى وهو يهبط بجسده إليها ليكون مقابل وجهها مباشرة: -وبتتسحبي زي الحرامية ليه؟ توترت بشدة من حديثه، فقد فهم ما كانت تريد أن تفعل. يا له من وغد. نظرت إليه متحدثة بتوتر: -مش.. مش بتسحب ولا حاجة. ده.. ده بس مكنتش عايزة أصحيك من النوم علشان أنت نايم متأخر.

هبط بوجهه إلى جانب وجهها ووضع شفتيه مقابلًا لأذنها يهتف بمكر وخبث يريد العبث معها قليلًا: -وهو أنا نايم متأخر ليه؟ تعرفي؟ دفعته بكلتا يديها بعنف ليبتعد عنها، فقد أصبحت وجنتيها حمراء بشدة وأرادت أن تبتعد عنه حتى لا يخجلها أكثر من ذلك، فهو يتعمد أن يفعل بها هكذا. التقط كلتا يديها بيده الاثنين وسارت ضحكاته عالية تعم أرجاء الغرفة، فتحدثت هي بانزعاج قائلة: -يزيد! أرجوك بلاش كلامك ده بيحرجني.

هبط إلى شفتيها يقبلها بحب وهدوء. ومن ثم نظر إليها بشغف يظهر بعينيه قبل أن يتحدث بها. أردف مبتسمًا بهدوء وهو يقول لها: -صباحية مباركة. أخفضت عينيها لتنظر إلى صدره هاربة من عينيه. فكلماته تخجلها إلى أبعد حد وتجعلها تتذكر ما حدث ويصبح وجهها يشتعل من حمرة الخجل. ابتسم مرة أخرى باتساع وأردف قائلًا بمرح: -لأ بقولك إيه، مش كل ما أقول حاجة وشك يعمل زي الطماطم كده. صحصحي معايا الله يرضى عليكي، ده لسه قدامنا كتير.

رفعت وجهها إليه مبتسمة بخجل شديد ثم تحدثت بلين وهي تحاول الابتعاد عنه ليستجيب ويتركها: -طب أبعد بقى. عايزة آخد دش وأنزل شوية. الوقت أكيد متأخر دلوقتي. ضحك ضحكات متفرقة بتهكم وسخرية شديدة على حديثها، فقد كان يخطط لشيء آخر وسيفعله حتمًا، ولكن براءة عقلها جعلته يقول لها أن تفتعل الحديث بلين ليتركها. تحدث قائلًا بجدية بعد أن أخفى ابتسامته: -مهو إحنا هناخد دش وننزل وكل حاجة، بس مش قبل ما نخلص اللي بينا.

هبط بنظرة على شفتيها لتفهم على الفور ما يرمي إليه بحديثه، وكادت أن تعترض ولكن قد ابتلع كلماتها داخل فمه بعد أن التقط شفتيها يقبلها بشغف وحب شديد. وما زال ممسكًا بيديها الاثنين بين يديه حتى لا تبتعد عنه. ولكن فور أن تركها بادلته القبلة ليتغير مصيرها وتصبح قبلة جامحة. وضعت هي يدها في خصلات شعره تدس أصابع يدها مبعثرة إياه أكثر لتقربه منها. ومن ثم دلف بها إلى بحور عشقه الواسعة، ليريها أمواجه وجزره الرائعة.

بعد فترة ليست قصيرة. جلست "مروة" على الفراش مرتدية قميصه البيتي الذي كان ملقى أرضًا. وقد أحبه كثيرًا عليها، فقد كان كبيرًا للغاية يصل إلى نصف فخذيها. وقفت على قدميها بهدوء متجهة إلى المرحاض، ولكنه أعاق طريقها ليتمسك بيدها ثم جذبها إليه بحدة لتقع فوقه على الفراش. وسار يعبث بيده بجرأة على جسدها. فصاحت هي به بحدة وجدية: -يزيد بطل بقى بجد. بص الساعة بقت واحدة وإحنا لسه هنا، زمانهم بيقولوا علينا إيه دلوقتي.

أجابها بمرح وهو يحيط خصرها بكلتا يديه بينما هي تحاول الابتعاد، فلو تمكن منها لن يتركها إلى يوم غد: -يقولوا اللي يقولوه، مش مراتي. تحدثت بجدية وخجل وهي تضع يدها على صدره: -طب أنا عايزة أروح الحمام. نظر إليها جديًا يحاول أن يرى كذبها ولكن لم يستطع، فتركها بهدوء لكي تذهب. وفورًا ذهبت من أمامه متجهة إلى المرحاض، وعندما وقفت أمام بابه أخرجت لسانها له بمرح وسعادة كالأطفال، ثم تحدثت: -شربتها.

ابتسم هو الآخر بمرح، واضعًا يديه الاثنين خلف رأسه يستند عليهما، وأجابها بتوعد شديد: -مسيرك يا ملخية تيجي تحت المخرطة.

ضحكت بصوت عالٍ، ثم دلفت إلى المرحاض وأغلقت الباب خلفها، بينما هو كان قلبه يتراقص فرحًا وسعادة، فلم يكن يتوقع أن تعترف بحبها إليه بهذه السرعة وأن يتم زواجه منها. إنه الآن في أسعد لحظات حياته، لقد اكتشف أنه يعشقها ولا يستطيع العيش دونها، إنها تمثل له أكسجين الحياة. نظر أمامه مبتسمًا بسعادة تغمر قلبه وكل خلية في جسده. ***

أسبوعان مرا عليهما، ولقد كانا من أروع الأيام الذي عاشوه بها سويًا. تعرف كل منهم على الآخر إلى أبعد حد، وساروا يعلمون أصغر التفاصيل عن بعضهم. لم يكن سوى الحب والعشق رفيقهم، ولحظاتهم الرومانسية والجامحة. قدم "يزيد" إليها كل ما يمتلكه من حب وعشق يكنه في قلبه لها. جعلها تحلق في السماء بتلك اللحظات الرومانسية الخاصة بهم، وجعلها أيضًا تكف عن خجلها الدائم لتصبح أمامه بجرأة عالية لم يكن يتوقعها هو.

بينما هي فعلت مثله، أظهرت إليه كم الحب المكنون بقلبها له. جعلته يرى جمالها وجمال روحها. قدمت إليه كل ما يريده، محاولة إسعاده وتعويضه عن تلك اللحظات التي ابتعدت عنه بها. تحلت ببعض الجرأة وتركت خجلها جانبًا لتسعده وتغمر قلبه بالفرحة كما يفعل معها.

وقفت والدته "نجية" على باب المنزل ورأته يقف بعيد نسبيًا أسفل شجرة كبيرة هو وزوجته في لحظة رومانسية بينهم، وهي تتدلل عليه أمامها وترى ذلك بوضوح. دلفت إلى الداخل والغيظ يأكل قلبها، فابنة عائلة "طوبار" عرفت كيف تأكل عقل ابنها وتجعله مثل الخاتم بإصبعها. الآن ابنها لن يفعل شيئًا لهم، فهو غارق في عشقها. سيذهب كل شيء هدرًا إن استمر الوضع هكذا. لا، لن تتركها تفعل ما تريد، ستريها كيف تفعل ذلك به.

دلفت إلى غرفة الصالون التي كانت جالسة بها، وأيضًا كانت تجلس "يسرى" التي كانت تنظر إلى "إيمان" بكره. ثم بعد قليل دلفت مروة هي الأخرى وجلست جوار "يسرى" مبتسمة بسعادة، فهذه الأيام تمر على قلبها بفرح لا يوجد مثله، ولكن لم تدم كثيرًا. نظرت إليها والدة زوجها بشر متوعدة لها بأن تنزع تلك الفرحة المرتسمة على وجهها وتخلق شجارًا بينها وبين ابنها. تحدثت قائلة بجدية: -أنتِ يا بت طوبار، أنا مش طلبت منك قهوة؟

انتبهت مروة إلى حديثها وقد علمت ما تنوي فعله. تحدثت هي بهدوء مجيبة إياها حتى لا تنزع فرحتها: -أيوه، ما هي على التربيزة أهي. نظرت والدة زوجها إلى القهوة ومن ثم إليها مرة أخرى وتحدثت بقسوة وغلاظة: -وأنا كنت فين لما جبتيها؟ القهوة باردة كيف التلج، أشربها إزاي أنا؟ تنفست "مروة" بعمق محاولة أن تهدأ نفسها قدر الإمكان، فهي تنوي فعل شيء سيء سيعود على الجميع بالحزن.

-أنا عملتها، ولما جبتها أنتِ كنتِ في الحمام، حطتها لحد ما تطلعي، وأخدت قهوة يزيد علشان متبردش. هقوم أعملك غيرها سخنة. نهرتها عن ذلك عندما وجدتها تهم بالذهاب، حيث قالت لها بغضب وقسوة شديدة لا تليق إلا بها: -مش عايزة منك حاجة، قهوتك كيف السم. ضغطت بأسنانها على شفتيها حتى لا تجيبها بعاطل، ونظرت إلى "يسرى" بهدوء، والتي أومأت إليها برأسها كدليل ألا تجيبها. عادت إلى الخلف تستند بظهرها على الأريكة، فاستمعت إلى صوتها مرة

أخرى يقول بتهكم وسخرية: -قهوة إيه اللي عايزاه مظبوطة؟ ما أنتِ أصلًا مالكيش إلا في خطف الرجالة. أجابتها مروة بحدة هذه المرة وقد طفح كيلها، فهي لا تريد النزول إلى الأسفل من أجل هذا الحديث البغيض على قلبها: -رجالة إيه اللي خطفتها؟ معلش، هو أنا كنت خطفت جوزك؟ وقفت "نجية" على قدميها تهتف بغضب وعصبية من كلمات "مروة" التي تجرأت وأجابتها مرة أخرى: -جوزي إيه يا قليلة الحيا؟ ما أنتِ خطفتي ابني زي ما تكوني سحراله.

تشدقت "مروة" بسخرية بعد أن وقفت هي الأخرى تجيبها على حديثها الغير صحيح، وكأنهم كذبوا الكذبة وصدقوها: -سحراله حتة واحدة، ده على أساس يعني إن مش انتوا اللي مقررين عن الجوازة دي، كدبتوا الكدبة وصدقتوها! تحدثت "يسرى" بعد صمت طويل قائلة إلى والدتها بجدية وانزعاج وهي تقف أمامها: -ما كفاية بقى كل يوم موال من بتوعكم دول، ما تسيبيها في حالها. تحدثت "إيمان" عن والدة زوجها مجيبة إياها بسخرية وعنجهية وهي تضع قدم فوق الأخرى جالسة

على الأريكة ببرود كما هي: -وأنتِ مالك يا خطيبة أخويا؟ هي عينتك محامي عنها؟ ودت لو تفتك بها الآن أمام الجميع. أرادت لو جذبتها من خصلات شعرها المختبئة أسفل حجابها. أردفت "يسرى" بسخرية مبادلة إياها: -بلاش أنتِ تتكلمي يا إيمان علشان حسابك لسه مجاش. توترت "إيمان" للحظات من أن تكون قد كشفت ما فعلته، ولكنها من أين ستعلم؟ عادت لتبتسم بسخرية مرة أخرى دون أن تجيبها، فقد توترت كثيرًا من حديثها.

استدارت "مروة" لترحل وتذهب إلى غرفتها حتى ينتهي كل ذلك، ولكن استمعت إلى صوت والدته مرة أخرى تقول بعنجهية وقسوة: -رايحة فين يا قليلة الرباية؟ أنا بكلمك تقفي وتردي عليا. استدارت إليها مرة أخرى ووجهها أحمر من شدة الغضب الذي كبته بداخلها حتى لا تندم على شيء، ولكن لم تستطع. أجابتها بحدة وعصبية: -أنا مش قليلة الرباية يا ست أنتِ، أنا لو قليلة الرباية بصحيح كنت رديت عليكي وعرفتك مقامك. -مروة.

استمعت إلى صوته القاسي يهتف باسمها وقد استمع إلى حديثها مع والدته. استدارت تنظر إليه لتراه غاضبًا بشدة. لم يتحرك جفنًا لها، فهي لم تكن خاطئة، بل تتحمل أخطاء الآخرين. تحدث بقسوة شديدة وهو يشير إليها إلى خارج الغرفة: -اطلعي فوق. حاولت أن تتحدث حتى لا تملأ والدته رأسه بالحديث الكاذب. أردفت بانزعاج وضيق واضح: -أنتَ… لم تكمل جملتها التي قد بدأت بها، حيث صاح بصوت عالٍ بها: -قولت على فوق.

خرجت من الغرفة بغضب شديد وواضح، فهو لم يستمع إليها، فقط استمع إلى نهاية الحديث ولم يعلم من الذي افتعله. تركته وصعدت إلى الأعلى بانزعاج واضح، وقد نجحت والدته في كسر فرحتها ونزع سعادتها من قلبها. *** -ما خلاص بقى يا مروة، أنا مش متفق معاكي على اللي هيحصل.. الله. استفزها حديثه بهذا البرود وكأن ما تفعله والدته شيء هين. إنها لا تستطيع أن تجلس بمكان بالها صافي، يجب أن تعكره هي أو "إيمان". -أنتَ بتكلم كده إزاي؟

بجد أنا مش قادرة أفهم. التقط يدها بين يديه وتحدث بهدوء محاولًا اقناعها بكلماته: -يا حبيبتي، أنا قولتلك دي أمي، مقدرش أعملها حاجة غير إني أتكلم معاها. عارف إن طبعها صعب ومش هيتغير، بس أنا قولتلك بلاش تردي عليها ومسمعتيش الكلام. سحبت يدها من بين يديه وتحدثت بحدة مجيبة إياه: -يعني بعد كل اللي قالته ليا وأفضل ساكتة؟ أنا حاولت أخرج من الأوضة وهي اللي بردو كملت في كلامها، مقدرتش أمسك نفسي أكتر من كده.

تأفأف من حديثها مبتعدًا بوجهه عنها، ثم وقف على قدميه متقدمًا من باب الشرفة يعطي لها ظهره: -تقومي تردي عليها بالطريقة دي والكلام ده. اندهشت من حديثه، فهو الآن يراها المخطئة بردها على والدته، أما هم فلم يفعلوا شيئًا! أجابته باستنكار ودهشة: -يعني أنا اللي غلطانة في الآخر! استدار إليها يهتف بضيق وانزعاج: -ياستي أنا اللي غلطان، ممكن متنكديش علينا بقى. -يعني إيه منكدش؟ أنا بتفاهم معاك.

أجابها بحدة وقد أتى بأخره معها، فهو منذ أن صعد من الأسفل وهو يحاول أن يجعلها تهدأ وتصمت عن ذلك الحديث وهي لا تفعل: -وأنا قولتلك اللي عندي، مش هروح أطرد أمي ولا أهزقها مثلًا. صاحت بحدة وبصوت عالٍ هي الأخرى مجيبة إياه، فهي لا تستطيع الصمود أكثر من ذلك أمامهم: -مشيني أنا من هنا.. أنا مش عايزة أقعد في البيت ده. قولتلك آه إني مش هتكلم في الحوار ده تاني، بس لحد هنا وكفاية، أنا تعبت.

اقترب منها على حين غرة ممسكًا بذراعها بحدة بين أصابعه الذي غرزت بلحم ذراعها، وتحدث من بين أسنانه بحدة وجدية شديدة: -أولًا صوتك ميعلاش عليا، أظن قولتها قبل كده. ثانيًا سبق وقولتلك إني عندي شغل هنا لازم أخلصه. وضعت يدها على يده الممسكة بذراعها تحاول فكها من عليها، بينما تهتف بغضب وهي تنظر داخل عينيه بجدية:

-بطل كدب عليا، أنا مش عيلة صغيرة. بشوفك مش بتروح أي شغل هنا على عكس فاروق وعمك طول اليوم بره، وبردو بشوفك شغال على الـ Laptop بتاعك، معنى كده إنك بتخلص شغلك اللي هناك من هنا صح؟ علمت بكل ما يحاول مداراته. إنها ليست فتاة غبية، ليست امرأة ضعيفة يتغلب عليها ببضع كلمات، ولكن أيضًا ماذا يقول لها؟ تحدث مجيبًا إياها وهو يضغط على ذراعها بحدة: -لأ مش صح. سألته بجدية وترجي، ربما يجيبها بكلمات تدلف عقلها هذه المرة:

-طب فهمني أنتَ، قولي إيه الصح بدل ما أنا حاسة نفسي معمول عليا مؤامرة. ردد كلمتها باستنكار ودهشة مفتعلة بعد أن ترك يدها، وهو يعلم بقرارة نفسه أن ما تحدثت به صحيح: -مؤامرة!! أجابته بجدية وهي تدلك يدها بعد أن تركها، فأصابعه تركت أثرها عليها: -أيوه مؤامرة. تقدر تقولي امتى سألتك سؤال ورديت عليا رد منتقي؟

أنتَ حتى مقولتش رد مقنع في عدم خروجنا من هنا، مع أن يسرى قالتلي إنك كنت بتيجي إجازات، بس حتى أنتَ قولت. اشمعنى دلوقتي حابسني هنا في وسط ناس بيكرهوني طول الوقت، يا إما مرزوعة هنا معاك وطبعًا بتعمل اللي أنتَ عايزه، أو أقعد مع يسرى اللي ببقى بتطفل عليها، أو أنزل ويحصل مشكلة زي دلوقتي كده. ما الحل في الابتعاد عن حديثها الآن؟ المراوغة، سيراوغ في الحديث حتى يبتعد عن ذلك النطاق الذي لا يطيقه. تهكم في

حديثه وأجابها بسخرية وضيق: "بعد ما نكدتي علينا وبوظتي الليلة، أنتِ عايزة إيه؟ نظرت إليه بدهشة، فهذا كل ما يفكر فيه ليلته الجامحة التي كان يريدها! ألا يكفيه كل ليلة ليأتي الآن في وسط حديث مصيري ويفكر بهذه الطريقة؟ تحدثت بتساؤل ودهشة: "هو ده كل اللي بتفكر فيه يا يزيد؟ الليلة اللي باظت؟! "عايزة إيه يا مروة؟ جلست على الفراش وتحدثت مرة أخرى مجيبة إياه، ولكن بهدوء فقد هلكت من الحديث معه، والذي كان يفكر هو في آخر:

"عايزة أمشي من هنا." ابتعد عنها بانزعاج إلى نهاية الغرفة، مجيبًا إياها بحدة وجدية لا تتقبل النقاش: "وأنا قلت لك قبل كده، هنمشي في الوقت المناسب اللي أشوفه أنا، ومش هيحصل غير كده. اعتبري أن مفيش بيت تاني، وإن ده بيتي الوحيد، ودي آخر مرة تردي فيها على أمي لو كلمتك. أمشي وسيبها، وموضوع أننا نمشي من هنا لو اتفتح تاني مش هيحصل كويس."

أنهى حديثه بمنتهى الجدية، ثم ذهب إلى خارج الغرفة وتركها. لقد حاصرته بحديثها، فهي تفهم كل شيء وهو لا يريد خسارتها. لا يريد الابتعاد عنها. إنها زوجته، حبيبته، كل شيء له. أصبح يحبها أكثر من نفسه وأكثر من أي شخص آخر. لا يعلم كيف سيخرج من هذه الورطة، فهو كلما توصل لقرار شعر أنه خطأ. والآن يأخذ كل ما لها وتملكه ويعطيه إليهم، ثم يذهب بعيدًا بها.

تركها وحدها في الغرفة. بكت على حديثه بهذه الحدة معها. بكت على أنه لا يفعل ما تريده الآن. وبكت على تفكيره بما يريد هو. تتحدث معه عن ما تريده وما يزعجها وهو يفكر بليلة معها كان يريدها. لقد خذلها بحق. تشعر وكأنه عاد مرة أخرى لصلابته معها، فقد لأجل والدته التي تخطئ بحقها دائمًا. نعم، لقد تحدث معها ومنعها عن الاقتراب منها، ولكنها مازالت تفعل. ما ذنبها هي؟

وقفت على قدميها وذهبت إلى الشرفة وهي تزيل دموعها من على وجنتيها. وجدته على ظهر "ليل" ويركض بسرعة شديدة إلى خارج المنزل. دلفت مرة أخرى إلى الداخل واستلقت على الفراش محتضنة نفسها وهي تفكر، ما الذي تفعله معه؟ فهو قد قطع كل الطرق بحديثه هذا. *** دلفت إليها غرفتها قبل أن يعود أخيها لتتحدث معها وتواجهها بما فعلته، والذي عرفته هي. تحدثت "يسرى" بجدية متسائلة: "طبعًا من غير ذرة شك، أنتِ اللي عملتي كده."

جلست "إيمان" على الفراش ببرود مجيبة إياها بسخرية: "عملت إيه إن شاء الله؟ ابتسمت "يسرى" بوجهها متحدثة بعبث لتجعلها تقول ما تريد سماعه: "مشكلتك إنك غبية يا إيمان. لما أنا خرجت وسبت موبايلي مفتوح وأنتِ أخدتيه وطلبتي الفستان، الكاميرا كمان كانت مفتوحة، بس كاميرا خفية زي ما بيقولوا، وسبتك تعملي كل ده علشان أشوف آخرك فين." توجست لبعض اللحظات ومن ثم عادت للبرود لتعترف هي بنفسها قائلة: "وبعدين يا حبيبتي، عايزة إيه؟

مش عرفتي إن أنا اللي جبت الفستان وحطيته وشيلته؟ ها، عايزة إيه؟ سألها شقيقة زوجها باستنكار ودهشة: "أنتِ إزاي قذرة كده بجد؟ هتستفادي إيه من كل ده؟ وقفت على قدميها ثم تحدثت بحدة وجدية: "شيء ما يخصكيش، يلا بره عايزة أنام." ابتسمت "يسرى" بسخرية ثم أجابتها وهي تخرج من الغرفة: "متفكريش أنها عدت كده بالساهل، ده لسه التقيل ورا."

ثم خرجت من الغرفة وتركتها تفكر في تلك الكلمات التي أثارت ريبتها. فلم تعرف ما الذي تفكر به "يسرى" أو ما الذي تنوي فعله بها. وفي كلتا الحالتين، تستحق "إيمان" أسوأ من ذلك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...