الفصل 24 | من 33 فصل

رواية براثن اليزيد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندا حسن

المشاهدات
27
كلمة
3,664
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.

اللهم اشف جريحهم وتقبل شهيدهم وأطعم جائعهم وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم واربط على قلوبهم وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين. "يكذب ليأخذ كل ما تملكه! يكذب ليكون بصف عائلته الكريهة! كل ذلك كذب. كل ما مر عليهم كان كذب."

ولج إلى داخل الغرفة ولم يجدها. فكر أنها ربما مازالت بالأسفل، ولكنه استمع لأصوات تأتي من المرحاض فعلم أنها متواجدة به. أغلق باب غرفة الصالون من الخارج ودلف إلى غرفة النوم عازمًا أمره على إنهاء تلك المسألة بينهم.

وجدها تخرج من المرحاض بوجه باهت كما الأيام السابقة، بيدها منشفة. نظرت إليه نظرة خاطفة ثم أزاحت نظرها عنه وتقدمت إلى الداخل. وقفت أمام الفراش وأزاحت عنها ذلك الرداء الطويل لتبقى بما أسفله، وقد كان قميصًا لونه أبيض يصل إلى ما قبل كاحليها بقليل. أحباله عريضة، يحمل نقوشًا بيضاء على صدره فقط.

بعد أن وضعت الرداء على المقعد، تقدمت من الفراش لتتمدد عليه، ولكن على حين غرة وجدت نفسها بين أحضانه. لا تدري كيف حدث ومتى، ولكن هي الآن بين أحضانه! يضع يده اليمنى خلف رأسها يقربها منه، والأخرى حول خصرها مشددًا على احتضانها كما لو أنه سيفقدها إذا تركها!

استغربت ما حدث ونظرت أمامها في الفراغ بذهول لما يفعله هو. ولكن أمام ذلك الدفء المنبعث من عناقه لها لم تستطع الصمود. لفت يدها هي الأخرى حول عنقه تجذبه إليها كما يفعل، مشددة على ذلك العناق الغريب والذي كانت تحتاجه وبشدة. ولكن هو دائمًا هكذا، كل شيء يأتي منه ليس بمعاده بل بعده بفترات. طال العناق وكل منهما محتضن الآخر بشدة وكأن الحياة متوقفة على ذلك العناق. طال العناق وكل منهما صامت ولا يتحدث، فقط يشعر بذلك الدفء.

أبعدت عنه بعد أن تركها، ينظر إلى داخل زرقة عينيها وهي تبادله تلك النظرة الغريبة على كلاهما. كل منهما يتحدث بتلك النظرة بكثير من الكلمات. هو آسف، يظهر بعينيه راجيًا منها الغفران كما كل مرة تغفر بها له. وهي ترمي أسهم العتاب عليه متحدثة بأنه لا يمكن الغفران هذه المرة، فقد تفوقت على جميع المرات السابقة. استدارت لتذهب إلى الفراش بعد أن اخفضت عينيها عنه، ولكنه لم يسمح لها. أمسك بمعصم يدها يديرها إليه مرة

أخرى ثم تحدث بخفوت وحزن: "أنا آسف.. سامحيني." نظرت إليه ولم تتحدث، ولكن نظرتها تقول الكثير. تقول أنه كل مرة يفعل ذلك ويعود بـ "آسف" الذي لا يغير شيئًا، بل كلما سامحته ازدادت الأخطاء وكثر الأسف. عندما وجدها صامتة تحدث مرة أخرى بنظرة دافئة تحمل الكثير من المشاعر:

"أنا آسف.. سامحيني يا مروة. أنا عارف إني غلطان واستاهل أي حاجة تحصل لي، بس أنا مش قادر على كده. وعد مني هبطل العصبية الزايدة والكلام اللي بقوله. وعد مني هعملك كل اللي أنتِ عايزاه من غير كلام، بس بلاش تبقي كده." ضغطت على يده وكأنها تود أن يستمع لحديثها دون ترك يدها، دون البعد عنها. تحدثت بهدوء وخفوت كما فعل قائلة: "أنا آسفة بس مش قادرة خلاص. تعبت من الكلام ده.. تعبت من كل حاجة حواليا."

يعلم أن ما فعله ليس بهين وهي على حق. ولكن هو يريد زوجته، ليست هذه الدمية. تحدث برجاء قائلًا: "لو فعلًا بتحبيني سامحيني. أنتِ عارفه أن طبعي وحش لما بتعصب، بس هغير ده عشانك. سامحيني وارجعي مروة مراتي وحبيبتي." مجهدة إلى حد كبير، حتى أنها لا تستطيع أن تفاوضه أو تتحدث فيما افتعله هو. ولكنها أردفت بجدية: "أرجع إيه؟

طب ما أنا كنت الشخص اللي أنت عايزه، بس أنت اللي تعبتني وخلتني كده. أنت اللي عملت كل ده بعصبيتك وشكك فيا. أنت اللي مش بتترحمني وبتسم بدني بكلام مفيش واحدة بتسمعه. هو مفيش حد بيتخانق غيرنا يعني مهو أكيد كل الناس بتتخانق، لكن مش كل الناس عصبية زيك يا يزيد. أنا تعبت بجد.. تعبت ومش قادرة بقى." لن يفكر كثيرًا، فهو على دراية تامة أن حديثها صحيح وهو من يفعل كل ذلك بهم. قال بهدوء محاولًا السيطرة عليه وجعله

يرافقه إلى نهاية الحديث: "هعملك كل اللي أنتِ عايزاه بس بلاش تكوني كده. أنا والله بتعذب من اللي عملته وكل ما بشوفك كده ببقى عايز أموت نفسي. كفاية أرجوكي." "أنا محتاجة أراجع حساباتي تاني يا يزيد." نظر إليها باستغراب خائفًا من أن يكون قد فهم ما تريده صحيحًا. تساءل بتردد قائلًا: "يعني إيه مش فاهم؟ تركت يده ثم أولته ظهرها وهتفت بتوتر وتردد بذات الوقت: "يعني محتاجة أراجع حساباتي يا يزيد. محتاجة أبعد شوية وأكون لوحدي."

سريعًا وقف أمامها مباشرة، وملامح وجهه تتغير بين الثانية والأخرى كلما استمع لحديثها. هتف بحدة وجدية شديدة لا تتحمل النقاش: "مستحيل ده يحصل. مروة متفكريش في حاجة زي دي خالص، أنا مش هسيبك لوحدك ولو يوم حتى وعمري ما هسيبك غير لما أبقى ميت. سمعتي؟ "محتاجه أخد مساحتي الخاصة." نظر إلى عينيها وتحدث مجيبًا إياها بجدية: "براحتك. خدي الوقت اللي تحبيه، لكن وأنتِ معايا وإحنا سوا ووعد مني هتغير وهتشوف شخص تاني. أرجوكي."

لم تفعل شيئًا سوى أنها أومأت إليه برأسها وتوجهت إلى الفراش متمدده عليه ومن فوقها الغطاء الثقيل، وتركته يفكر بها وهل هي وافقت على ما قاله أم أنها مازالت تفكر بما تريده هي. ربما تفكر بما تريده، فهي لم تتحدث معه كثيرًا ولم تثور عليه أو تقول ما ينصفها أكثر من ذلك! ربما ما هي به الآن بسببه، وحالة الجمود هذه أيضًا بسببه. ليس ربما، بل مؤكد. "بعد أسبوع"

ترجلت من السيارة بعد أن وقف أمام العمارة المتواجد بها منزل والدها. تنظر له بغرابة، لا تدري لما، ولكن تشعر أن هناك شيئًا ليس طبيعيًا إن كان بها أو به. خرجت شقيقته هي الأخرى لتقف جوار زوجته، بينما هو صف السيارة جوارهم ثم خرج منها ليفتح الصندوق الخلفي لها مخرجًا منه صناديق هدايا كبيرة الحجم قليلًا. ناول شقيقته واحدًا منهم ثم ناول زوجته هي الأخرى مثلها، وبقي هو بكيس كبير في يده. أغلق السيارة ثم تقدم ثلاثتهم إلى داخل البناية.

فتحت الباب "نهى" التي كانت متواجدة منذ الصباح مع صديقتها. رحبت بهم كثيرًا وتقدمت "مروة" لتسلم عليها بحرارة: "نهى عاملة إيه. والله وحشاني أوي." احتضنتها صديقة شقيقتها مبتسمة بسعادة بعدما رأتها، ثم هتفت مجيبة إياها بتهكم وعبث: "يا بكاشة! اللي واحشه حد بيسأل عليه." ابتعدت "مروة" متحدثة بخجل، فهي محقة، ولكن هناك ما يشغلها طوال الوقت عن الجميع: "في دي عندك حق. نسيت أعرفك، ده يزيد جوزي ويسرى أخته."

نظرت نهى إليهم ثم رحبت بهم بشدة ودلفوا إلى الداخل معها. خرجت "ميار" من غرفتها لتسلم عليهم جميعًا، مرحبة بـ "يسرى" كثيرًا شاكرة إياها على حضورها. ثم احتضنت شقيقتها بحرارة وشوق، فلم تراها منذ شهور مضت، فهتفت مروة قائلة مبتسمة وهي تشعر بالفرح لأجل شقيقتها: "ألف مبروك يا روحي. ربنا يتمم بخير وأشوفك لابسة الأبيض." "الله يبارك فيكي، عقبال ما أشيل ولادك أنتِ ويزيد."

زالت الابتسامة وهي تنظر إليه، تراه متلهفًا لما قالته شقيقتها. أبعدت كل ذلك عن تفكيرها سريعًا، فهي لا تريد أن تذهب بدوامة الأفكار وتنزع فرحتها وفرحة شقيقتها. تصنعت الابتسامة مرة أخرى وجلست معهم بالغرفة جواره هو. مال عليها قليلًا متحدثًا بجدية وصوت خافض: "تعالي عايزك." نظرت إليه باستغراب ولم تستطع أن تجيبه، حيث أنه وقف على قدميه متقدمًا إلى خارج الغرفة بعد أن استأذن الجالسين باحترام.

وقفت أمامه في الخارج تتساءل بعينيها عن ماذا يريد، فأجاب هو بهدوء وجدية: "أنا هنزل أعدي على المصنع لحد ما تخلصوا وبعدين هاجي." وضعت يدها أمام صدرها وتحدثت بتهكم قائلة: "وأنت بقى جاي علشان تروح المصنع؟ تنفس بعمق. يعلم أنهم كما كانوا، ليس هناك أي جديد، سوى أنها أصبحت تتحدث، ولكن بعصبية أو تهكم. لا يهم، المهم أن هناك تقدم حتى ولو كان اختلاف بمزاجها. أجابها بجدية: "هقعد أعمل إيه يعني في وسطكم؟

حتى نصر بيه مش هنا. هعدي على المصنع أشوف أخباره وهرجع قبل المعاد." "طيب." تقدم منها ليقبل أعلى رأسها بحنان وحب، يخاف من خسارته. أبتعد متحدثًا: "خلي بالك من نفسك." أومأت إليه برأسها ليبتسم هو بلين وهدوء ثم خرج من المنزل ليذهب إلى وجهته المنشودة وهي مكان عمله، تاركًا إياها تفكر به وبما يحدث بينهم، ولكن ليس هذا الوقت المناسب.

بعد ساعات مرت، حضر "تامر" ومعه والده ووالدته إلى منزل عمه "نصر" لحفل خطبته على "ميار". كان حفل خطبة ولا أروع من ذلك، وما جعله حقًا ليس له مثيل هي السعادة والفرحة البادية على وجوه الجميع، خاصًا "ميار". وظهر "تامر" هو الآخر سعيد للغاية، فقد استفاق بعد غفلة دامت مدة ليست قصيرة، ولكن كان هذا حكم الله، وما هو فيه الآن أيضًا حكم الله. سعادتهم هم الاثنين لا توصف، والابتسامة المرتسمة على وجوههم تعبر عن كل شيء داخل قلوبهم وتجعلهم كتاب مفتوح لمن حولهم.

سعدت مروة لشقيقتها كثيرًا واكتشفت لما كانت دائمة السؤال عن حبها لـ "تامر". يا لها من مضحية. لم تتحدث ولو مرة واحدة عن ذلك الأمر إلا عندما تأكدت من حبها لـ "يزيد". ابتسمت بسعادة وهي تراه يضع خاتم الخطبة بإصبع شقيقتها متمنية لهم السعادة الدائمة. فرح لهم أيضاً "يسرى" و "نهى" صديقة "ميار" ووالدها وعمها وزوجته فرحين لابنهم وهي أيضاً فرح لها أيضاً "يزيد"، ولكنه إلى الآن لا يتقبل "تامر" بالمعنى الكلي!

بعد أن وضع خاتم الخطبة بإصبعها وقدم التهنئة، الجميع جلسوا وتوقفت أصوات الأغاني الشعبية العالية. وقد كان يزيد يقف عند باب الشرفة من الداخل ليدخن سيجارته التي لا يستطيع الإستغناء عنها. نظر إلى الداخل وجد زوجته تتقدم منهم مروة أخرى تحتضن شقيقتها معبرة لها عن سعادتها بها ومتمنية لها السعادة الدائمة، ومن ثم قدمت يدها إلى ابن عمها البغيض لتهنئة، فقام بوضع يده بيدها ثم جذبها إليه ليقبل كلتا وجنتيها محتضنها وهو يبتسم ببرود!

ألقى سيجارته سريعاً على الأرضية ودعسها بقدمه وهو يتقدم إليهم في الداخل وقد قارب على الانفجار من أفعالها. لماذا جعلته يقترب منها إلى هذا الحد؟ ألا ترى زوجها؟ ألا تحترمه على الأقل؟ أحمر وجهه من شدة الغضب الذي حاول التحكم به. ضغط على يده الذي وضعها داخل جيوب بنطاله الأزرق. تقدم منها ثم تصنع الابتسامة بصعوبة قائلاً إلى "ميار": -مبروك مرة تانية. -الله يبارك فيك.

نظر إلى زوجته بهدوء وجدية شديدة مرسمة على ملامح وجهه متحدثاً: -عايزك. علمت ماذا يريد، فقد رأته وهو ينظر إليها عندما احتضنها "تامر"، ولكن لم يكن لها دخل بهذا الشيء، فهو من جذبها إليه عنوة، فقط كانت تود المصافحة ليس إلا. ابتسمت إليهم ثم أردفت مستأذنة: -عن اذنكم. أشار إليها برأسه لتتجه معه إلى ركن بالمنزل بعيد نسبياً عن الجميع، ثم وقف أمامها بوجهه الذي يحمل الجدية التامة ليس شيء سواها وتحدث قائلاً:

-هنزل استناكي تحت في العربية، هاتي يسرى وانزلي، هنروح البيت هنا ونرجع المنيا الصبح. تحدثت متسائلة باستغراب، فحفل الخطبة مازال مستمر وهو يريد الرحيل؟ وليس حفل شخص عادي، إنه حفل شقيقتها! -هنمشي دلوقتي؟ لسه بدري. أجابها بفتور قائلاً وهو يبتعد عنها ليتوجه إلى والدها: -هروح أسلم على والدك وأنزل.. عشر دقايق وتكونوا تحت.

نظرت عليه وهو يبتعد من أمامها متوجهاً إلى والدها بحزن، خائفة من أن تعود نوبة الغضب المفرط إليه بعد كل ما حدث إليهم. تعلم معه كامل الحق، ولكن هي لم تكن تريد ذلك. هو من جذبها إليه ليحتضنها بدافع الإخوة ليس إلا. *** جلست على الفراش تنظر إليه بعد أن بدل ملابسه ووقف في شرفة الغرفة يدخن سيجارته ولم يتحدث معها عن أي شيء! نفضت ذلك عن رأسها ووقفت هي الأخرى تبدل ملابسها بهدوء شديد، جاعلة عقلها يتوقف عن التفكير لبضع لحظات فقط.

بعد أن انتهت ذهبت إليه ووقفت جواره ثم سألته بجدية وهي تنظر إليه: -خلّتنا نمشي ليه؟ لم تلقى ردًا منه. لم ينظر إليها من الأساس وبقى كما هو يدخن سيجارته بهدوء مستفز إليها. فصاحت بحدة قائلة: -هو أنا مش بكلمك؟ استدار إليها متحدثاً بحدة هو الآخر، وقد كان يريد الهدوء أكثر من ذلك: -عايزاني استنى لما الحقير ابن عمك ده يعمل إيه؟ تهكمت على حديثه قائلة بسخرية:

-اديك قولت ابن عمي يعني زي أخويا وقريب هيبقى جوز أختي، بطل بقى الغيرة الغبية دي. وضع السيجارة بالمنفضة على سور الشرفة بعصبية ثم نظر إليها متحدثاً بضيق شديد من حديثها الغبي للغاية وهي لا تشعر بالنيران بداخله: -بقولك إيه متاكليش دماغي بأم الكلمتين دول. ابن عمك يعني يجوزلك أخوكي، دي تقوليها لما يبقى ابن أمك وأبوكي، ولا أنا أسيب لحم مراتي للي يسوى واللي ميساواش واركب قرون علشان أعجب سيادتك ومتبقاش غيرة غبية؟

لم تجبه. ماذا ستقول؟ لا تعلم من الأساس هل هو معه حق في هذه الكلمات البذيئة أم ماذا؟ نظرت في الخارج ولم تعطيه اهتمام بعد تلك الكلمات. وجدته يستند على سور الشرفة وتحدث بجدية متسائلاً: -بتخليه يعمل كده ليه يا مروة؟ أجابته بهدوء وصوت خافض وهي تنظر إلى الخارج كما هي: -غصب عني، أنا كنت بسلم عليه وهو اللي شدني واتصدمت من الموقف ومعرفتش أعمل حاجة. -تمام.

لم يقل إلا هذه الكلمة البسيطة، ولكن كانت من خلف قلبه وعقله وروحه وكل شيء داخله. فقد كان يحترق بنيران الغيرة والغضب، ولكن لا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك. هو على أول الطريق معها، لن يتحدث ولن يقول شيء، سيجعلها تعلم ما الخطأ الذي فعلته دون أن يتحدث. دلف إلى الغرفة وصعد على الفراش ليتمدد ومن ثم وضع الغطاء فوقه وتوجه للنوم. وقفت هي تنظر إليه وإلى ردة فعله الغريبة كلياً عليها. منذ متى وهو هكذا؟

ربما يحاول التخفيف من حدة غضبه وثورته، ولكنها أيضاً مخطئة، هي مؤكد لن تتحمل أن يفعل هو هذا الشيء مع أي امرأة أخرى. ستجعله يلين ويغفر لها، فهي أيضاً لم تفعل هذا بقصد منها، لقد حدث على حين غرة. *** "بعد مرور شهر" تحدثت "ريهام" بحقد وغل يظهر في كل حرف تخرجه من بين شفتيها:

-ده واد غبي.. قولتله يروح المعرض ويحكي معاها ولما يزيد يسأله أنت مين يقوله أنه كان حبيبها وكانوا زملا ومع بعض على الحلوة والمرة ويسبك الدور، وحتى لو مسألوش يقوله هو. راح الغبي ده أول ما شاف يزيد خاف وكش في نفسه وقاله أنهم كانوا زملا لا أكتر ولا أقل وبوظ الدنيا الغبي ده. ابتسمت بمكر ثم أكملت:

-بس في المرة التانية لما جالي يزيد واتكلم معايا حسيت أنه شاكك فيها أنها بتاخد وسيلة لمنع الحمل، وأنا مقصرتش خليته يتأكد بدل ما هو شاكك. قاربت "إيمان" على التحدث ولكن صمتت عندما وجدت من يدلف إلى المطبخ بهدوء شديد و ملامحه جادة. دلف إليهم "يزيد" ثم استأذن من زوجة شقيقه أن تتركهم وحدهم، ففعلت وهي تحمد الله كثيراً أنها لم تتحدث، فمؤكد أنه استمع إلى حديث "ريهام" من الألف إلى الياء.

ابتلعت "ريهام" ما وقف بحلقها، فهو قد يكون استمع إليها. نظرت إليه بتوجس وهو يتقدم منها بهدوء، ولكنه ابتسم قائلاً: -طبعاً أنا وأنت صحاب من زمان أوي وأنا من غيرك في الشهور اللي فاتت دي مكنتش هعرف أمشي شغلي نهائي بسبب الظروف اللي حصلتلي.. فـ أنا عايز أقولك شكراً. حمدت الله كثيراً وكثيراً بنفسها، فقد وقع قلبها بين قدميها من أن يكون استمع لما قالته عنه وعن زوجته وما فعلته. تحدثت بسعادة قائلة:

-متقولش كده يا يزيد، أنت عارف إنك أعز صاحب عندي. -وعشان كده يا ريهام بقولك اطلعي من حياتي. صدمة.. وقعت عليها كالصاعقة. كلماته حادة وشديدة الجدية. نظرت إليه باستفهام، فقال هو بهدوء:

-البيت ده بيتي وأنا فتحتهولك ومراتي استقبلتك فيه، وأنت غدرتي بيا. صحيح مروة مكنتش مرتاحة لوجودك، بس أنا طمنتها وقولتلها إنك صاحبتي وعمرك ما تعملي حاجة وحشة، لكن للأسف.. لولا إنك جيتي امبارح بقى بالورق مكنتش هعرف أنت عملتي إيه. من غير كلام كتير بقى هبعت هشام بكره المصنع يستلم كل شغلك وصفي حسابك معاه وامشي وخلينا كويسين مع بعض من بعيد يا ريهام.. توصلي بالسلامة.

تركها وذهب إلى الخارج وهو في غاية الحزن على تلك الفتاة التي اعتبرها صديقته! لقد كانت تريد التخريب بينه وبين زوجته كما يفعل الآخرون، ولكن لما ذلك؟ لما الجميع كاره وجود مروة والسعادة بحياته؟ لن يحزن عليها، حمداً لله أنه كشفها قبل فوات الأوان. بينما هي وقفت مندهشة من الذي حدث وكم كانت غبية حقاً! الأن فقط عن خسارته استفاقت! هي لما فعلت كل ذلك؟ لما تكره زوجته؟

فهي لم تفعل معها أي شيء سيء. هي لا تحبه حتى تغير منها، هو فقط صديق لها، لماذا إذاً فعلت كل ذلك؟ لقد كان غباء منها وجعلها تترك كل شيء يضيع هدراً. لقد كانت غبية لا تفقه شيء عندما فعلت كل هذا، ولكن تستحق ما فعله بها، لقد كان كريماً معها أيضاً. توجهت إلى الداخل لتضب أغراضها حتى ترحل من هنا دون رجعة، مقررة الذهاب الآن. *** دلف غرفته ووجدها تجلس أمام التلفاز. أغلق الباب وتقدم منها بهدوء ليجلس جوارها ثم تحدث قائلاً:

-أنا خليت ريهام تسيب الشغل. أغلقت التلفاز ونظرت إليه باستغراب شديد ثم تحدثت بجدية متسائلة: -متقولش علشان أنا زعلت أنها جت امبارح؟ تمدد على الأريكة ووضع رأسه على قدميها، فوضعت يدها على خصلات شعره تمررها بهدوء. لقد أصبحت العلاقة بينهم كما كانت بالسابق وأكثر قرباً بمرور مواقف عليهم، تحكم "يزيد" فيها بغضبه، وبمرور مواقف أظهر كلا منهما الحب القابع داخل قلوبهم. تحدث بهدوء قائلاً:

-اكتشفت أنها بتعمل غلطات كتير أوي وأنا مش واخد بالي. تحدثت باستغراب وتساءلت ومن ثم قدمت حسن النية الذي يوجد بداخلها لكل من حولها: -وهو علشان بتعمل غلطات يبقى تمشي؟ مش هي صاحبتك يا يزيد؟ اديها فرصة تصلح الأخطاء دي. نظر إليها مبتسماً بهدوء، فقد كانت ملاك برئ كما قال. لم يخطئ إلى اليوم في وصفها: -لأ يا مروة كان لازم تمشي. ممكن منتكلمش في الموضوع ده؟

أومأت إليه بهدوء ولكن برأسها ألف سؤال عن ما الذي حدث حتى يجعلها تترك العمل معه. نظر إليها مبتسمًا بإرهاق ثم تحدث قائلًا بهدوء: -بقولك إيه أنا تعبان ما تريحيني. ابتسمت بسعادة وهي تخلل أصابعها داخل خصلات شعره الذي يضعه فوق قدميها، وعلمت ما الذي يريده فهتفت بهدوء وخفوت قائلة: -بحبك.

ابتسم بوجهها ثم اعتدل ليجلس أمامها وقارب على الإقتراب من شفتيها ليقبلها بهدوء وحب معبر عن مدى سعادته بوجودها، ولكن وجدها سريعًا تهم للذهاب إلى المرحاض واضعة يدها على فمها. ذهب خلفها سريعًا ولكنها أغلقت الباب عليها ليقف بالخارج ينتظرها وهو يطالب بمعرفة أي شيء يجعل قلقه يخمد. -افتحي يا مروة بقى الباب ده قلقتيني. صمت لبرهة ثم هم بالتحدث مرة أخرى ولكن وجدها تخرج وهي تجفف وجهها بالمنشفة. اقترب منها سريعًا متحدثًا

بلهفة وخوف: -مالك في إيه؟ نظرت إليه بهدوء هي الأخرى وتحدثت بجدية: -مالك أنت فيه؟ أنا واخده برد في معدتي من يومين. نظر إليها وقد كان يود أن يستمع إلى شيء آخر ولكن ليس هو على الأغلب. تحدث قائلًا بتساؤل: -برد بس؟ علمت ما الذي يرمي إليه لتجيبه بهدوء ونظرة ضائعة: -للأسف. وضع يده حول كتفيها وتحدث بهدوء وهو يأخذها إلى الفراش قائلًا: -طيب يا حبيبتي بكره نروح نكشف. أجابته قائلة بعد أن جلست على الفراش:

-لأ لأ أنا معايا العلاج بتاعي ده دور لازم أخده في الشتا. -متأكدة؟ -آه. أغلق الأنوار وتوجه ليتمدد جوارها بعد أن سحب الغطاء عليهم قائلًا بهدوء وهو يحتضنها: -طب يلا ارتاحي شوية. تصبحي على خير. -وأنت بخير يا حبيبي. "اليوم التالي"

وكأن السعادة خلقت الآن بالتحديد لتكون على اسمها، "مروة" ذلك الاسم الذي اختاره جدها ليكن من نصيبها أحبته ولكن أحبته فوق الحب حبًا بعد أن عرفت حبيبها، بعد أن ناداها بـ "مروة قلبه" وبعد أن قال في كل الأوقات "مروتي". التشتت كان من نصيبها منذ أن عرفته خوفًا من فرط عصبيته ولكن حنانه وحبه كان الطاغي على كل شيء به. وقد مر شهر منذ ذلك اليوم الذي طلبت به البعد لفترة وإلى الآن لم يأتي اليوم الذي يزداد فيه غضبه عليها.

لم يفعل أي شيء غير لائق، لم يتحدث بعصبية على أتفه الأشياء كما السابق، أو حتى أشياء ذات قيمة. هو الآن هادئ، لين، حنون. بعد ما حدث أصبحت حياتهم أهدأ بكثير من السابق. أفكارها مشتتة إلى الآن لا تدري هل تتحدث عن حبها له، أم حبه لها، أو التغير الذي طرأ على حياتهم، أو تلك المفاجأة التي تريد أن تضعها بقلبها له. أتدرون؟ الأحسن من كل ذلك هو أن تهبط إليه وتحضره إلى هنا.

أول مكان اعترفت إليه بحبها فيه وهو أيضًا. نظرت إلى الغرفة التي جهزتها هي و "يسرى" لتظهر في أحسن صورة لتحظى معه بلحظات لا تُنسى وتجعله لا يتذكر سوى هذه اللحظات ماحيًا من عقله كل ما مر عليهم من حزن. ستفعل كل شيء ليبقى سعيد. ستفعل كل شيء لأجله. لأجله فقط! ذهبت إلى خارج الغرفة متوجهة إلى غرفة شقيقة زوجها التي سمحت لها بالدخول فور أن دقت الباب. دلفت إليها لتسألها قائلة بابتسامة: -فين أخوكي ده المغرب هيأذن.

ابتسمت الأخرى بسخرية شديدة وتهكم ثم أجابتها قائلة: -سيدي يا سيدي على اللي مش قادر يستنى. تحت ياختي في المكتب روحيله. أجابتها "مروة" والابتسامة تشق طريقها على وجهها متحدثة بحماس: -عقبالك ياختي. ويلا بقى حضري نفسك علشان عندنا حاجات كتير نعملها الفرح فاضل عليه أقل من شهرين. -عيوني يا جميل.

تركتها "مروة" وخرجت بعد أن أغلقت الباب لتهبط الدرج بهدوء، والسعادة تغمر قلبها، تسيطر عليها لا تدري هل الأمر يستدعي كل هذا أم لا ولكن الأمر حقًا غريب عليها وهي سعيدة للغاية وتريد أن تجعله يسعد معها لذا عليه أن يرى الغرفة أولًا. ذهبت أمام باب المكتب. وضعت يدها على المقبض وكادت أن تحركه لتدلف إليه ولكن.. ليس كل ما يتمناه المرء يحدث.

زالت الابتسامة عن ثغرها تدريجيًا. السعادة التي كانت تدق كالطبول بقلبها الآن تدق خوفًا، قهرًا. جسدها بأكمله يرتعش. تكونت الدموع خلف جفنيها وأصبحت زرقة عينيها معتمة للغاية. كل ما حلمت به وكأنه كان زجاج وبغمضة عين ولحظة تهور سقط ليقع على الأرض مُتهشمًا إلى أشلاء. كل ذلك حدث بثوانٍ، لحظات، لحظات استمعت بها إلى صوت شقيقه من خلف الباب وهو يهتف بقسوة وجدية: -ضحكت عليك بت طوبار ولا إيه؟

كفاية بقى يا ابن أمي وأبويا فات كتير أوي وده مكنش الاتفاق فين اللي اخدته منها الوقت بيعدي.. لولا بس أن أمي هي اللي سكتتنا عنك الفترة اللي فاتت كان هيبقالنا تصرف تاني. واستمعت إلى صوت عمه هو الآخر يقول بحزم شديد: -إحنا اتفقنا يا يزيد أنك هتاخد منها كل اللي تملكه وترجع حق العيلة وخدنا منك كلمة راجل. ومن ثم أمه بصوتها البغيض على قلبها:

-كل الكلام الحلو اللي بتضحك عليها بيه ده مكفهاش، والحركات الماسخة بتاعتكم دي مجبتش نتيجة علشان تاخد منها اللي أنت عايزه. -حاضر، بس كده؟ هعمل كل اللي انتوا عايزينه.. ما انتوا أهلي وأولى ليا من أي حد.

ومن ثم هوى قلبها بين قدميها وتركت المقبض تضع يدها على جانبها الأيسر خوفًا من فقدان حياتها. الدموع الآن تعرف مصارها الصحيح بعد أن استمعت إلى كلماته التي خرجت من جوفه ببساطة، بهدوء وكأن شيء لم يكن. وكأن ما عاشته معه كان كذبه! كان.. هو حقًا كان كذبه. يكذب ليأخذ كل ما تملكه! يكذب ليكون بصف عائلته الكريهة!

كل ذلك كذب. كل ما مر عليهم كذب. مؤامرة.. قد قالت له قبل أن هناك مؤامرة تحدث من حولها ولم يُخيب ظنها. ولكن ما جعل القهر يسيطر عليها أنه شريك بتلك المؤامرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...