الفصل 6 | من 33 فصل

رواية براثن اليزيد الفصل السادس 6 - بقلم ندا حسن

المشاهدات
25
كلمة
3,123
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.

اللهم اشف جريحهم، وتقبل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيداً نصيراً وقائداً وظهيراً. سبحانك إنك على كل شيء قدير، فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين. "رؤية الخيوط الحمراء وسط زُرقة البحر تجعل قلبه يقفز قفزة حزينًا وكأنه يلقي نفسه بين قدميه موتًا"

رؤيتها هكذا تجعله ضعيفًا أمام نفسه وربما أمام الجميع، وجهها الملائكي لا يستحق إرهاقه بكثرة البكاء، قلبها الرقيق لا يستحق أن يحمل كم الحزن هذا. هو يعلم أنه منذ أن ولج حياتها وقد انقلبت رأسًا على عقب، ولكن هو الآن يشعر بالاختلاف ناحيتها، يشعر وكأن حديثه مع "ليل" في السابق سيصبح حقيقة.

نظر بحزن إلى درجات السلم الذي صعدت عليه وهي تحمل بكاءها معها، وعاد نظره إلى المطبخ الذي كانت خارجه منه بهذه الحالة المزرية. عزم أمره على التقدم ناحيته ليعلم ما الذي حدث وجعلها في هذه الحالة. وقفت "يسرى" أمام والدتها تهتف بغضب وحدة: "لقد توصلت إليهم بسبب لا مبالاتك وقسوتك على تلك الفتاة، حرام عليكي يا ماما بقى البنت والدتها ميتة وأنتِ قاعدة تعايريها، هو يعني كان بإيدها؟ حرام عليكي اعتبريها زيي."

صاحت والدتها بحدة هي الأخرى، غير مبالية بكلماتها في حق "مروة" والوقوف بجانبها، وقد كان الحقد والانتقام يعمي عينيها: "اخرسي يا بت أنتِ! بت عيلة طوبار عمرها ما تبقى زيك، دول عار ودي واحدة منهم هتتحاسب على كل اللي عملوه." كادت أن ترد عليها ابنتها مرة أخرى، ولكن دخول "يزيد" أعاق كلماتها من الخروج، وقد رُسم على وجهه كل علامات الاستفهام.

وقف أمامهم واضعًا يديه في جيوب بنطاله أسود اللون، ونظر إلى "يسرى" التي استمع حديثها مع والدته، لينظر إليها باستغراب ويتساءل بهدوء: "إيه اللي سمعته ده؟ إيه اللي حصل مع مروة؟

سريعًا أجابته "إيمان" بنظرة لعوب ونبرة تحمل الجدية في ذات الوقت، لتدافع عن والدة زوجها وتجعل من ارتكب الجريمة بأكملها هي "مروة": "ولا حاجة يا يزيد، الموضوع كله أننا طلبنا من مراتك أنها تيجي تساعد معانا في المطبخ عشان ضيوفك، معجبهاش الحال، ولما مرات عمي فهمتها أنها لازم تشتغل، فكرت أنها كده بتهزقها وقامت عيطة وماشية، قال يعني بتهرب من الشغل." نظرت إليها "يسرى" بذهول، فقد كانت تكذب بكل صدق!

تجعلك تشعر وكأن حديثها ليس بعده حديث. نظرت إلى والدتها وجدتها تبتسم بهدوء مستفز. إنهم حقًا لا يشعرون بكونهم بشر. "مروة" فتاة طيبة لا تستحق هذا. استفاقت على صوت يزيد الذي وجدته ينظر إليها، وقد علمت أنه لا يصدقها. قال بهدوء كما هو معتاد في حديثه: "بس مروة من يوم ما جت وأنا بشوفها معاكم في المطبخ."

تحدثت سريعًا بصدق وجدية هي الأخرى، مجيبة على كلماته، وقد وجدت أن "مروة" لا تستحق منهم هذا، فإذا صدق "يزيد" حديثهم ربما تحدث بينهم مشكلة، وبالكاد هم يتحدثون: "لا يا يزيد محصلش، مروة كانت شغالة معانا عادي وماما هي اللي هزقتها بدون سبب وعايرتها بأمها الميتة."

لو كانت نظرات البشر تحرق، لوقعت في حريق وسط نار مشتعلة من نظرة والدتها إليها. نظرت إليها بقسوة شديدة، ربما لو استطاعت دفنها حية لفعلتها. ولكن "يسرى" لم تبالي بها، فقد أشْفَقَت على حال "مروة" وما يحدث معها. اعتلت شفتي "يزيد" ابتسامة باردة، وكأنه لا يبالي بما قالته شقيقته. يظهر عليه هذا بوضوح، ولكن ما قاله بجدية وحدة شديدة لوالدته و"إيمان" خالف جميع نظراته

وتعابيره الذي تظهر بوضوح: "مش معنى إن في بينا اتفاق يبقى انتوا تعملوا اللي انتوا عايزينه، لأ أنا وافقت آه بس أنا اللي هكمله ولوحدي. غير إن دي مراتي واللي يمسها يمسني، وأظن الكل عارف زعلي عامل إزاي." تريث قليلاً ثم أكمل حديثه موجهًا إلى والدته: "بلاش... بلاش اللي بتعمليه، كلنا عارفين أنها ملهاش ذنب في حاجة، اعتبريها زي يسرى."

ومن ثم استدار وخرج من المطبخ بدون أن يتحدث أو يضيف حرفًا آخر، فقد كان يعلم ما تريد أن تفعله والدته. هي بداخلها نيران تشتعل بسبب ما حدث في الماضي. يعلم أن قلبها فتر صغيرًا، ولكن لما نحمل الغير ذنب ليس له علاقة به؟ "مروة" بريئة، فتاة نقية، ولكن حظها العثر هو من جعلها من عائلة "طوبار" لتقع مع عائلته ومع براثنه الذي لا تهدأ. لقد وقعت مع "براثن اليزيد". لم تكن تظن أنه سيفعل هذا لأجلها، لم تتخيل قط!

خيب ظنها به للمرة الثانية. هي اعتادت على بروده، عُجرفته، قساوته المسيطرة على ملامحه. لم تكن تتخيل أن يقف بجانبها هكذا وبهذه الطريقة. لقد أنقذها في المرة الأولى عندما نادته بعينيها، وها هي المرة الثانية يقف إلى جوارها أمام الجميع. سردت لها "يسرى" ما حدث بالحرف لتجعلها سعيدة بحديثه مع والدته، ولكن لم يسيطر عليها سوى الاندهاش من فعلته تلك. تتساءل لما فعلها؟ وقد أتى إليها يطمئن قلبها من ناحية الجميع!

يبث الأمان داخل روحها بوجوده ببعض الكلمات. يحاول مداواة جرحها من حديث والدتها الفظ. لم تكن تظن أنه سيفعل كل ذلك لأجلها. لم تكن تظن أيضًا أنه سيذهب إليها بعدما حدث ليطيب خاطرها. "قبل ذلك الوقت" ولج إلى غرفته يبحث عنها. لم يجدها بغرفة الصالون ولا حتى بغرفة النوم. ربما بالمرحاض؟

ولكن أيضًا لم تكن به. وقف في منتصف الغرفة واضعًا يده خلف رأسه وهو يدور بعينيه في كل اتجاه، يفكر أين ذهبت وقد رآها تصعد للأعلى. كاد أن يخرج من الغرفة ليبحث عنها، ولكن قد استدعى انتباهه صوت شهقات مكتومة، وبكاء خافت. وقع قلبه بين قدميه وهي ليست أمامه، إذًا أين هي؟

توجه خلف الصوت الذي تتبعه ليعلم أين هي متواجدة، وقد أخذته قدميه إلى شرفة غرفة نومهم. وجدها تجلس خلف باب الشرفة على الأرضية الرخامية تعطي ظهرها إليه، منحنية على نفسها في جلستها وهي تضم إلى صدرها صورة والدتها إليها وتبكي بشدة محاولة كتم صوت بكائها بيدها. قلبه بات منكسرًا من رؤية ملاكه هكذا. تملكه الضعف مرة أخرى وباتت ملامحه حزينة للغاية. يشعر وكأن قلبه ينقسم نصفين بسببها، بسبب دموعها ومظهرها هذا.

ذهب ليقف إلى جوارها ومن ثم جلس على عقبيه لينظر إليها بهدوء وحنان هذه المرة، بينما هي رفعت نظرها إليه لترى نظرة داعمة منه. رفعت كف يدها لتزيل دموعها، ولكنه كان الأسرع ليمد يده إلى وجهها يزيل دموع عينيها برقة من أعلى وجنيها. شددت هي بيدها على الصورة التي بين يديها في محاولة منها لمداراة الرعشة التي اعترتها، وقد شعر هو برجفتها ليبتسم بهدوء.

جلس أمامها واعتدل في جلسته ليواجهها. أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه مرة أخرى. نظر إليها بهدوء والحنان يفيض من عينيه، لا تدري كيف! ثم تحدث بهمس: "ممكن متعيطيش كده تاني.. مبحبش أشوفك كده." اعترتها الصدمة من حديثه غير المتوقع! هل هذا هو "يزيد الراجحي" الذي كان يلقي أي حديث حتى وإن لم يكن يعرف معناه؟ مؤكد استمعت إليه خطأ، هو ليس بهذه الرقة. استمعت إليه يكمل باقي حديثه بعدما تنحنح

وقال بجدية هذه المرة: "أنا عارف أن أمي ضايقتك، أنا آسف بالنيابة عنها.. بس هي ست كبيرة وده طبعها هي كده دايمًا.. أنا اتكلمت معاها ومش هضايقك تاني." تحدثت هذه المرة ولم تصمت. ستتحدث من الآن وصاعدًا، يكفي ما مر ولم تجنِ منه شيء غير الحزن والقهر. قالت له

بصوت ضعيف من كثرة البكاء: "لأ هي مش كده.. هي معايا أنا بس كده، مع إيمان كويسة وزي الفل، أنا بس اللي كده. أنا من يوم ما جيت هنا ومعترضتش على أي حاجة هي عايزاها، بس هي بتتعمد تعمل كده والله."

نكس رأسه بحزن، هو يعلم أن حديثها صحيح، والدته تتعمد أن تفعل ما يزعجها. رفع وجهه إليها مرة أخرى ينظر إلى عينيها التي تحمل خيوط حمراء مع لونها، ثم تحدث بجدية قائلاً: "خلاص يا مروة أنا اتكلمت معاها وهي مش هتعملك حاجة تاني.. ولو عملت أنا هتصرف، المهم أنا مش عايز أشوفك كده تاني، ماشي؟

نظرت إليه باستغراب شديد، لا تعلم ما هذا التحول الذي طرأ عليه. دعمها بعينيه لتجيبه بالموافقة وهي تفكر في هذا التغير الشديد الذي ربما يصحبها معه. ضعف غريب يعتريه عندما يراها تبكي. وكأن صدره ينطبق على قلبه ليسحقه، أو كأن خنجر قدر ضربه بالمنتصف. لا يعلم ولكن لا يريد رؤيتها هكذا أبدًا. هو إلى الآن لا يدري كيف ستسير حياته معها. لم يضع مخططًا إلى الآن. كيف ستكون زوجته وبينهم حيلة؟

كيف سيحدث وهو لا ينام بسبب ما يقوله إليه ضميره؟ إنه معذب بسببها، بسبب عائلته، حتى لا يدري كيفية التفكير بشكل صحيح. إنه يأتي من هنا إلى هناك وبدون فائدة. ماذا لو كانت الملاك الخاص به وحده؟ الملاك الذي رآه في وسط الحقول الخضراء ومن ثم تقدم لخطبتها والزواج منها! ألم يكن أسهل من كل ذلك؟

منذ يوم الزفاف وهو يتحدث معها كما الغربيون عن بعضهم. ربما الصمت هو المسيطر بينهم. منذ ذلك اليوم وقد علم ما فعلته والدته بمساعدة "إيمان". هو لم يكن يدري أنها ستفعل ذلك ولكنه أيضًا عاتبها وبشدة. جعلها تشعر بما فعلته، ولكن والدته كما هي وربما تسوء أكثر.

يعلم أن زوجته ليس لها يد بكل ما حدث في الماضي أو حتى الحاضر، ولكن قد وقع الاختيار عليها لتكن هي الضحية بينهم. قد عزم أمره من البداية على جلب حق الجميع ولو على نهايته، ولكن هي! هي تستحوذ على تفكيره ببراءة وطيبة. لم يراها قد تستغيث به في أوقات حاجتها وكأنها تتناسى حديثها معه عن أن حياتها دمرت بسببه. لا يعلم هل هي عفوية للغاية أم مثله تفكر وتفكر وتفكر به كما يفعل.

نظر إلى السماء الذي يحتل مظهرها الغروب. وضع يد في جيب بنطاله والأخرى على فمه ممسكًا بها سيجارة مشتعلة يدخنها. ومن ثم فكر مرة أخرى وهو يحاول ترتيب أفكاره هذه المرة ليتوصل إلى شيء كان يريده من أول لقاء بينهم. لم يريد غير ذلك وقد ألقاه عليه صوت قلبه الذي يريد قربها أكثر من أي شيء آخر. ليقرر بالنهاية أنه سيأخذ هدنة ليرى ما الذي سيحدث بينهم.

كان الجميع في منزل عائلة "طوبار" يجلسون على طاولة الطعام. "نصر طوبار" وابنته، أخيه وزوجته وابنه. كل منهم يأكل بصمت وهدوء وهو شارد فيما يخصه إلى أن تحدث "نصر" بجدية بعد أن رفع وجهه مقابلًا لأخيه: -عايزين نروح لمروة بإذن الله علشان أسافر أنا وميار. تحدث أخيه بجدية هو الآخر مجيبًا إياه وهو يترك الملعقة على طاولة الطعام: -ما تخليكم هنا بقى يا نصر، هتروحوا هناك لمين؟ أجابته "ميار" بابتسامة مصتنعة وهي تنظر إليه بهدوء:

-لأ معلش يا عمي، إحنا حياتنا هناك والصيدلية بتاعتي بردو. تنفس بعمق ثم أجابهم بهدوء: -طيب زي ما تحبوا، نبقى نروح نطمن على مروة بكرة في بيت الراجحي.

استمع إلى تلك الكلمات التي هبطت على مسامعه كالقنابل المتفجرة. تذكر ابن "الراجحي" فور نطق والده لاسم العائلة تلك. هو لا يبغض بحياته غيرهم. ولما لا، فقد دمروا سعادته وسعادة حبيبته التي من المفترض أن تكن له هو وحده. سلبوا منه حب حياته في لحظة واحدة ليبقى مشتتًا هكذا تأكله النيران من الداخل لمجرد التذكر.

ألقى الملعقة بعصبية ثم دفع المقعد من خلفه ووقف ليذهب إلى خارج المنزل منفعلًا بشدة وقد علم الجميع ما يمر به. نكس والده رأسه بحزن عليه بينما وقفت "ميار" سريعًا وخرجت خلفه. ذهبت خلفه تناديه إلى أن وقف بجنينة المنزل الكبيرة يوليها ظهره. وقفت هي خلفه. أخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته وتحدثت بهدوء مصتنع قائلة: -قمت كده ليه؟ وضع يديه بجيب بنطاله وزفر بضيق شديد يحتل كل خلايا جسده وهتف بضيق قائلًا: -عايز اشم هوا نضيف.

ابتسمت بسخرية جلية ثم جذبته من ذراع يده الأيمن ليستدير إليها ويكن في مقابلتها. وضعت يدها أمام صدرها وتحدثت بحزم وجدية وهي تعلم ما الذي يمر به ويجعلها تحزن لحظها العثر أيضًا: -لأ أنت قمت علشان اضايقت لما جت سيرة مروة وعيلة الراجحي صح؟ أكيد صح. تغيرت ملامح وجهه من الضيق إلى الغضب. فقد كان في قمة غضبه وهو لم يفعل شيء لها. لم يوقفهم، لم يدافع عنها ولم يستطيع فعل شيء. الغضب بداخله من نفسه ومن الجميع.

تريثت "ميار" ثم عادت الحديث مرة أخرى بجدية شديدة حتى يفهم ما الذي يحدث من حوله: -تامر..! مروة خلاص اتجوزت. خلاص بح مفيش مروة هنا. أرجوك أبعد عنها وانساها ومتعملهاش مشاكل، كفاية اللي هي فيه أرجوك. ابتسم بسخرية بعدما استمع لحديثها، هي تظن أنه يؤذيها! غبية هذه "الفتاة". تحدث بهدوء وابتسامة تزين ثغره: -أنا أقدر أؤذي مروة؟ أنت عارفه أنت بتقولي ايه؟ ده طبعًا مستحيل إني أعمله... هو خلاص زي ما قولتي ربنا يسعدها في حياتها.

ابتسمت إليه بائتمان وقد صدقت حديثه وهناك آمل طفيف داخلها كي يشعر هو بمن حوله. استدارت وعادت إلى الداخل مرة أخرى بينما تركته هو يقف مبتسمًا على تلك الساذجة التي صدقته على الفور. إلى الآن لم يستطيع أحد أن يعلم ما فعله. لم يستطيعوا أن يجدوا صاحب الرقم الغير مسجل. ومن غيره فقد كان دهائه هو الذي جعله يفعل ذلك.

وقف شاردًا يتذكر ذلك اليوم الذي كانت حرقة قلبه تكاد تقتله فيه. عندما أخذها "يزيد" ليأتي بفستان زفاف لها. قد وجدها الفرصة المناسبة لتنفيذ خطته التي لم تنجح بنظره فقد كان في وقت سابق ابتاع خط غير مسجل حتى لا يعلم أحد إلى من هو وقد سجل رقم الخط على هاتف "مروة" بإسم "حبيبي" وهي لم تلحظ ذلك ففي وقتها تحجج بأنه يريد رؤية شيء في إعدادات هاتفها وقد فعلها ومن ثم عندما ذهبت مع "يزيد" قام بإرسال رسائل كثيرة لتزعجها وتزعجه وحتى يلاحظ أن هناك شيء غير طبيعي بينهم ولم يكن يعلم أن "يزيد" هو من رأها أولًا فقد اعتقد أنه لم يرى شيئًا.

عاد من شروده وهو يفكر مرة أخرى. عليه أن يفعل شيئًا ليفعل ما يحلو له. لقد عبرت الساعة بعد منتصف الليل بقليل ولم يعد إلى الآن. لقد ودع أصدقائه منذ ساعات إذًا أين هو؟ لم تستطع النوم فقد كانت تتململ كل ثانية والنوم قد ذهب من عينيها لتبقى هكذا. ذهبت إلى شاشة التلفاز وجلست أمامها. حاولت أن تركز بما يعرض أمامها ولكن دون جدوى عقلها يذهب إلى ذلك الشخص الذي لم يأتي إلى الآن.

وقفت على قدميها فجأة ونظرت إلى ملابسها المكونة من بنطال بيتي لونه أسود يعلوه قميص من نفس اللون وبه بعض النقاط باللون الأبيض. توجهت إلى دولاب الملابس وفتحت دلفتها لتأخذ وشاح كبير من اللون الأخضر كما لون عينيها الآن.

لفت الوشاح حول كتفيها فقد كان الجو بارد قليلًا. خرجت من الغرفة بهدوء وهبطت الدرج بحذر حتى لا تصادف أحد من الذين تبغضهم في ذلك المنزل. إلى أن خرجت حيث الحديقة الكبيرة. أخذت تسير بها وهي واضعة يدها أمام صدرها. ربما يساعدها هذا الهدوء في التفكير بحياتها!

إذًا لتفكر.. ولكن قد استمعت إلى صوت يأتي من بعيد نسبيًا. ذهبت على حذر إلى مكان الصوت وهي تفكر ربما أن يكون "يزيد". سارت بحذر إلى هناك ولم ترى أحدًا. حاولت أن تبحث بعينيها ولكن لم يكن هناك أحد حقًا. استدارت لتعود مرة أخرى ولكن خرجت منها صرخة مدوية قد يكون استمع إليها كل من في المنزل ولكن وضع "يزيد" يده سريعًا على فمها ساحبًا إياها من الخلف لتستند بظهرها على صدره. تحدث في أذنها بخفوت وهو يضع يده على فمها مانعًا

إياها من الصراخ: -اهدي مفيش حاجه تخوف، ده ليل. كان جسدها بأكمله يرتجف من هول المظهر الذي رأته. فقد استدارت لتعود مرة أخرى ولكن قد رأت كائن أسود اللون. لا ليس بأسود أنه حالك السواد. قاتم بشدة وقد اخافها بل كانت مذعورة منه. جسدها يرتجف بسبب الصدمة التي تعرضت إليها. تحدث "يزيد" مرة أخرى بعد أن أخفض يده عن فمها وجعلها تستدير إليه ليواجهها قائلًا بابتسامة تعتلي شفتيه: -أنت جبانه أوي كده؟ ده ليل حصاني خايفه من ايه؟

نظرت إلى ابتسامته التي لا تعلم من أين أتت. لتتحدث بخفوت وهي تقترب منه عندما وجدت أن الحصان يقترب منها: -أنا... أنا بس عاد بنظرة إلى عينيها ومن ثم تحدث بهدوء وصوت أجش يبعث القشعريرة داخل أنحاء جسدها: -هو أنت؟ لون عينيكي إيه؟ شوية أشوفها لون البحر وشوية تكون لون الزيتون وشوية لون الخضرة. نكست رأسها للأسفل تبتسم بخفوت وخجل، ثم رفعت رأسها تنظر إليه وتحدثت قائلة بهمس يكاد أن يُسمع: -ودلوقتي لونها إيه؟

-لونها أخضر، زي خضرة الأرض بالظبط بتخلي الواحد يتوه جواها. سعدت كثيرًا بحديثه ومصارحته هذه، فقد كانت تحتاج إلى ذلك وبشدة، تريد شيئًا يخرجها من قوقعة أفكارها. ابتسمت إليه وقالت بهدوء خجل: -على فكرة أنت كمان عيونك كده، شوية زرقا وشوية خضرا.

نظر إلى شفتيها التي تتحدث بخفوت، تجذبه إليها بملامحها وجمالها الرقيق. اقترب أكثر منها حتى قطع جميع المسافات بينهم وأصبح ملتصقًا بها، يده تذهب ناحية شفتيها يمررها عليها ببطء. تحدث بخفوت أمام وجهها متسائلًا: -ولونها إيه دلوقتي؟ نظرت إلى الأرض من تحت قدمها، وجهها سينفجر من الخجل وما يفعله، ولكنها سعيدة بقربه وحديثه، سعيدة بتواجده جوارها. تحدثت قائلة وهي تنظر إلى الأرض: -لونها أزرق. سألها مرة أخرى وهو على وضعه قائلًا:

-طب تفتكري ليه بيتغير لونها؟ أجابته دون أن تأخذ وقت للتفكير قائلة بهدوء شديد وابتسامة تزين شفتيها وهي تنظر إلى الأسفل كما كانت: -ممكن علشان أنت لابس تيشرت أزرق، أحيانًا لون العيون بيتغير مع اللبس وكمان أنا لابسه الشال أخضر ولونهم أخضر زي أنت ما قلت.

صمتت لبرهة ووجدته لم يتحدث بعد. رفعت وجهها لتنظر إليه وقد رأت بعينيه رغبة شديدة، تظهر كوضوح الشمس في النهار. لم يمهلها الفرصة للتحدث مرة أخرى فقد كان قد أخذ شفتيها في قبلة رقيقة تحمل بين طياتها الحب والحنان، الحب الخفي بين قلبين واحد منه يكابر والآخر لم يعلم بعد أن هناك حب وشغف يعتريه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...