اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم، وتقبل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيداً ونصيراً وقائداً وظهيراً. سبحانك إنك على كل شيء قدير، فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين. "علينا أن نجعل هناك ذكريات جميلة لا تُنسى، لنتذكرها عند الفراق." "بعد مرور شهر" شعور الفقد يلازمه منذ شهر، كان بالنسبة له عام!
فقد أعز ما يملك في هذه الحياة بسبب غبائه وضعفه، بسبب خوفه وقلة حيلته المصطنعة. الآن يعاني الوحدة عن حق بعد أن ترك الجميع وأصبحت حياته عبارة عن اعتذار وعمل.
منذ آخر يوم رآها به قبل شهر، والذي قد تركته فيه وذهبت مع عائلتها مطالبة بالفراق، ذهب هو الآخر إلى منزله في العاصمة الذي جمع بينهما من قبل في أسعد لحظات حياتهم. أخذ كل ما يخصه ويخصها من منزل عائلته ووضعه في هذا المنزل على أمل عودتها له، كما كان هناك أمل لها أن يعود بها إلى هنا. يا ليته فعل وانصت إلى حديثها، ولكن بماذا يفيد الندم؟
بقى وحده دون شريك، حياته عمل منذ ذلك اليوم. عمل ثم الذهاب إلى زوجته يومياً بالورود وغيرها للاعتذار منها. لن ييأس أبدًا. نعم هي لا تود مقابلته ولم يراها إلى اليوم، ولكن هي تعلم أنه يذهب إليها، بل ويترك لها الهدية برسالة ورقية صغيرة تلين قلبها تجاهه. لو كان يعلم أن قلبه سيؤلمه إلى هذا الحد في فراقها، لم يكن يستمع إلى عمه أو شقيقه، لم يكن يستمع إلى أي شخص كان. لقد شكلت فرقاً كبيراً بحياته.
هل لو قال أنه لا يستطيع العيش بسلام سيُصدق؟ هل لو قال أنه لا يأكل بشهية كما السابق سيُصدق؟ أنه الآن مثل طفل فقد عائلته بالكامل وعاش وحيدًا وهو يخاف من البشر أجمع. قلبه يؤلمه، روحه معذبة بفراق حبيبته وطفله الذي أراد أن يكون بجوارها في حملها له لحظة بلحظة. عقله لا يتوقف عن التفكير فيما سيحدث قادمًا. ضميره إلى الآن يعبث به محدثًا أنه جعلها تتألم، جعل قلبها ينكسر وعرف الخذلان بمعرفتها له!
وصف حالته لن يفيد ولن يفي، ولكن ما يعلمه حقًا أنه لن يستسلم. سيظل يذهب إليها معتذرًا إلى النهاية.. إلى أن يسترد الله أمانته فيه، أو إلى أن تسامحه وتعود إليه مرة أخرى فقد مزقه الاشتياق لها. ذهبت مع عائلتها منذ شهر! هل كان شهرًا واحدًا؟ تركت صاحب العيون متعددة الألوان، تركت خلفها رجلاً بهيبته انحنى إليها وحدها، تركت خلفها حبًا قاتلًا لم تعرفه إلا معه. اعتقدت عندما تزوجته وتركت أهلها أنها فارقتهم وكم كانت حزينة لذلك!
الآن هي تقول أن هذه المرة الأولى لها في استشعار مرارة الفراق. لقد كان صعبًا للغاية وما مر منه إلا قليل. البعد عنه موت، ليس موت بل قتل بالعنف الشديد. "يزيد" الذي عشقته الآن تتركه وتتألم لذلك أكثر من أي شيء آخر. لكن ما فعله بها لا يستحق عليه إلا ذلك العقاب. لقد خدعها، كان يريد سرقتها، كذب عليها، جعلها تتألم في كل يوم وهي بريئة، جعلها تشعر بالخذلان منه، جعلها تشعر بالقهر.
الحزن اشتد عليها وجعلها تجلس دائمًا في غرفتها لا تخرج منها إلا للطعام حتى لا يحزن والدها أكثر من ذلك. غرفتها التي جعلتهم يغيرون أساسها لأنه شاركها إياها! وكأن ذلك سيجعلها لا تتذكره، ألا تعلم أنه داخل عقلها وقلبها؟ إنه داخل الأعضاء المسؤولة عن تحريك الإنسان.
يأتي إليها كل يوم تستمع إلى صوته في الخارج أمام باب المنزل عندما يفتح له والدها أو شقيقتها وهم إلى الآن لا يعلمون شيئًا عما حدث. لا تريد أن تجعله سيئًا بنظرهم. ما قالته أنها مسألة شخصية وأنهم لا يتفاهمون سويًا. مؤكد لم يدلف هذا الحدث عقل أحد منهم ولكن لم يضغطوا عليها وتركوها لتفعل ما تريد.
هي تراهم يتعاطفون معه وتساعده شقيقتها أيضًا وتتحدث معه لتخبره بوضعها ووالدها يود أن يدخله المنزل كل يوم ولكن لا يستطيع بسببها. هم يعلمون أنها تحبه وتتعذب في فراقه لذا يحاولون أن يجعلوها ترضخ له بعد هذه المحاولات ولكنها لن تفعل ذلك. بينما هي الآن في حملها تخطت الشهرين ونصف تعاني كل يوم بسبب التقيؤ والإرهاق الذي يلازمها. حذرتها الطبيبة بأن تهتم بصحتها لأجل الطفل ولكن هي لا تستطيع!
ليس سهلاً عليها أبدًا هي فاقدة للحياة لا تريد إلا هو بجوارها في هذه الأوقات وأيضًا لا تريد رؤيته مرة أخرى عقلها مشوش للغاية ولكن ما تعرفه أنها تشتاق إليه بشدة.
استلقى على الفراش، ينام على جانبه الأيمن ينظر إلى صورتها على الكومود بجواره. خصلاتها التي تحمل لون قرص الشمس تتطاير بفعل الهواء. زرقة عينيها البراقة تظهر بوضوح وبها فرحة عارمة تظهر للأعمى. وجنتيها حمراء بشدة بسبب خجلها عندما غازلها وهو يلتقط لها هذه الصورة. شفتيها تشق الابتسامة طريقها بها. لقد أضاع من بين يده ملاك لا يجوز أن يكون مع أي أحد من البشر وقد مَنّ الله عليه به ولكن بغبائه الفطري أضاعه!
استلقى على الفراش بظهره ووضع يده أسفل رأسه وهو يتذكر منذ ما يقارب الثلاث أشهر عندما كان ينام هنا إلى جوارها ينتقون اسم طفل صغير حتى إذا كرمهم الله يُطلق عليه. "كانت نائمة إلى جواره يضع يده أسفل رأسها محتضنًا إياها وهي تسير بأصابع يدها على صدره بينما يتحدثون بمرح وسعادة تواجدت معهم هنا. ابتسم وهو ينظر إلى سقف الغرفة بعد راودته فكرة يود لو تتحقق الآن. تحدث بحب كبير:
"لو جبنا بنت هسميها مروة علشان يبقى عندي أحلى مروتين في حياتي." عبثت معه كما يفعل دائمًا بها لتقول بسخرية وتهكم ضاحكة: "طب عارف لو جبنا ولد هسميه يزيد علشان يبقى عندي أحلى يزيدين في حياتي." ضربها بخفة على جبهتها وهو ينظر إليها بنصف عين بعد سخريتها منه وأردف قائلاً وهو يشاكسها: "تصدقي أنا غلطان.. خلاص هسميها ريهام." وجدها عندما استمعت إلى الاسم قفزت لتجلس على الفراش بملامح مذهولة، ثم صاحت بحدة وقد تبدل حالها من "مروة"
إلى أخرى لا يعرفها: "نعم يا عنيا ريهام دي تطلع إيه.. يزيد اظبط كده وخلينا حلوين مع بعض. قال ريهام قال." ما هذا؟ ستفرد أجنحتها عليه وتتحدث هكذا؟ ضحك عاليًا بعد أن استمع إليها وشاهد طريقتها لتفهم ما الذي يفعله أنه يعبث معها لتفقد صوابها إذا لتفعل مثله: "طب ماشي سميها ريهام وأنا لو ولد هسميه... وجدته يحذرها بعينيه الذي اختفى المرح منها وعبس بشفتيه قائلاً بجدية: "اوعي."
زفرت بضيق ثم عادت إلى مكانها بجواره متزمرة عليه ولكن سريعًا اندمجت معه في الحديث مرة أخرى لتقول بهدوء وهي تسأله: "ممكن تسيبلي حق اختيار اسم البنت؟ أجابها بفتور قائلاً وهو يبتسم: "ليه؟ علشان ميبقاش ريهام؟ رفعت نظرها إليه وتحدثت بتهكم بعد عبارته: "تصدق إنك رخم! استفزها ببروده وأجابها بسخرية بعد أن ضحك ببرود: "مش أول حد يقولي كده." تركت حديثه هذا جانبًا لأنها لن تتخلص منه أبدًا مادام هو مزاجه جيد، واسترسلت حديثها بعد
أن أخفضت نظرها عنه بهدوء: "علشان نفسي بنتي تكون على اسم ماما الله يرحمها.. ورد." تغيرت نظرته إليها من العبث إلى الهدوء الخالص. لم تحظى بأي لحظات تذكر مع والدتها. يستطيع أن يشعر بحزنها. أخذ نفسًا عميقًا ثم هتف بجدية وابتسامة تزين ثغره: -أول بنت لينا هيكون اسمها ورد. نظرت إليه بسعادة ثم ارتفعت لتقبله على جانب فمه، وعادت مرة أخرى إلى مكانها لتتساءل بسعادة: -طب الولد بقى هتسميه إيه؟ -إياد. سألته مرة أخرى باستفهام:
-اشمعنى إياد؟ شدد على احتضانها وقربها منه ثم أجاب بهدوء وهو ينظر إلى سقف الغرفة: -نفسي من زمان يكون عندي ولد اسمه إياد. ثم أكمل حديثه عابثًا معها: -وعلي ومازن ونور وهند ويارا وكاميليا... وضعت يدها سريعًا على شفتيه وهي تضحك بصخب قائلة باندهاش: -إيه هي أرنبة؟ ابتسم بخبث بعد أن أخذ يدها الموضوعة على فمه وبقيت بين كفه وتحدث بمكر: -مادام أنا موجود وأنتِ موجودة إيه المانع؟
مرة أخرى لتضحك بصخب شديد وهي تنظر إليه وإلى سهولة الحديث الذي يخرجه من فمه. تحدثت بمكر مثله قائلة: -لأ الموانع كتير. تركها وجذب يده من أسفل رأسها ثم جعلها تستلقي على الفراش وحدها وهو يقابلها بجسده ووجهه القريب منها للغاية الذي لا يفصله عنها سوى أنفاسهم ثم تحدث بخبث وابتسامة رائعة: -نزيل أول مانع بقى! واقترب منها ليمحي كل مانع تحدثت عنه!
ليبق بالقرب منها في الماضي والحاضر والمستقبل، لتكون زوجته ونصفه الآخر كل يوم وكل لحظة تمر عليهم، ليبقى "يزيد" الذي عشقته ولا تريد الابتعاد عنه. استفاق على دمعة حزينة خرجت من عينه، أزالها سريعًا بيده ثم استلقى على جانبه مرة أخرى ليرى صورتها أمام عينيه وهو يذهب في ثبات عميق، هاربًا من التفكير مرة أخرى فقد اكتفى من آلامه. ***
منذ ذلك اليوم الذي علمت به "يسرى" أن "سامر" كان يعلم ما ينوي شقيقها فعله تغيرت كثيرًا تجاهه، كانت تخشاه وتخشى أن تكون معه، تعلم أنه ليس كشقيقته، أحبته منذ سنوات، تعلم أنه لا يفعل شيئًا مشين لها ولكن كونه ترك صديقه يتأمر على فتاة لم يعتبرها كشقيقته أو خطيبته جعلها تشعر بالريبة منه كما شقيقها بالضبط. دلفت إلى داخل غرفة الصالون وجدته يجلس بانتظارها ليتحدث معها بهدوء بعيدًا عن مكالمات الهاتف الذي تغلقها سريعًا.
جلست أمامه على المقعد ونظراتها جدية كما في المرات السابقة وقد أحزنه ذلك بشدة، كونها لا تصدق أنه نقي وحاول مع "يزيد" أكثر من مرة ألا يفعل يجعله يشعر بالحزن الشديد، ولكن يعود مرة أخرى ويقول إن معها كامل الحق فمن يفعل ذلك يفعل أي شيء آخر. تحدث متسائلًا بجدية دون الدخول في تفاصيل لا تحبها هي: -المفروض إن الفرح فاضل عليه أسبوعين ناوية تأجلي؟ أجابته بجدية مثله تمامًا وهي تقول:
-أنت عارف إن عمي من وقت ما يزيد مشي وكل حاجة ظهرت وهو نايم في السرير مش بيتحرك أكيد ده مش وقت فرح. نظرت له نظرة ذات مغزى ثم أكملت حديثها بحدة: -ده غير إني مش هعمل فرحي غير ويزيد ومروة موجودين فيه مع بعض. أزعجته بحديثها الغير منطقي أو الغير مرتب منها، هل تربط اقترابه منها بعودة "مروة" و "يزيد" وما دخله؟ ولما يتحمل نتيجة خطأ صديقه الذي أرشده إلى الصواب ولم يفعل؟ تساءل بانزعاج وتهكم واضح:
-وأنا جوازي منك هيفضل مربوط برجوع مروة ويزيد؟ افرضي أطلقوا إيه نفضها بقى؟ أتت لتتحدث بانفعال بعد حديثه مؤكدة كلماته ولكن سريعًا عادت عما برأسها فكيف ستتركه؟ لا لن يحدث ذلك مطلقًا ولكن أيضًا تود أن ترى أخيها وزوجته سويًا كما السابق. ابتسم بتهكم وسخرية ثم تحدث قائلًا: -إيه وقفتي ليه ما تقولي بلاها الخطوبة دي. نظرت إليه بضعف غريب تسرب إليها عندما تحدث عن تركها فأكمل هو حديثه بضعف يماثلها:
-عايزك تفهمي إني عمري ما هعمل زي يزيد، وافهمي كمان إني حاولت معاه يقول لمروة على كل حاجة لكن هو كان خايف، يزيد مش وحش يزيد كان مضغوط وخايف من فقدان مراته وأنا مقدرتش أردّه، عافية يا يسرى أنا ماليش ذنب في اللي حصل علشان تتعاملي معايا كده. وقف على قدميه أمامها ثم استرسل حديثه المنقطع بجدية وحزم شديد:
-أنا شاريكي عافية ومش هسيبك، الفرح هيتأجل زي ما أنتِ عايزة وأنا هكلم يزيد واخليه يرجع مراته علشان أنا كمان أتجمع مع مراتي يا... يا مراتي. غمزها بعينيه اليسرى ثم تقدم إلى خارج الغرفة ثم إلى خارج المنزل وتركها خلفه تفكر في حديثه وتبتسم على كلماته الأخيرة التي ألقت عليها بحزم وجدية لا تحتمل النقاش. *** -بجد يا تامر مش فاهمه إيه اللي ممكن يكون عمله وحش أوي كده يخليها تسيبه.. مروة كانت بتموت فيه ومستحيل تبعد عنه.
أجابها معلقًا على حديثها بفتور قائلًا: -مكنش المفروض تحبه وتعلق نفسها بيه، جوازة زي دي مكنش مضمون من الأول هي هتكمل ولا لأ. استغربت حديثه فردفت بهدوء: -بس الحب مايعرفش الكلام ده. تنهد بعمق وأغمض عينيه ثم أجابها مؤكدًا حديثها: -معاكي حق.. هي عاملة إيه دلوقتي؟ أردفت وهي تتذكر حالتها التي تزداد سوءًا كل يوم: -دايما حابسة نفسها في الأوضة بتخرج تاكل كده جبر خواطر وتدخل تاني.. رجعت للرسم بس رسومات كلها حزينة.
ابتسمت بسخرية وسعادة بذات الوقت ثم أكملت: -حتى أنها رسمته... رسمت يزيد وخبت اللوحة تحت السرير. سأل "تامر" باستنكار ودهشة قائلًا: -إيه العبط اللي هي فيه مادام بتحبه بتسيبه ليه؟ -دي غيرت عفش الأوضة كله بحجة أنه مجرد تغيير لكن أنا واثقة أنه علشان يزيد شاركها فيه. تنفس "تامر" بهدوء ثم تحدث قائلًا بجدية: -أهم حاجة خليكي معاها خصوصًا في فترة الحمل الأولى دي.
وافقته على ذلك ثم توجهت بالحديث معه إلى أشياء تخصهم بعيدًا عن "مروة" و "يزيد" الذي يحتار الجميع في أمرهم إلى الآن. *** كما كل يوم أنهى عمله ومر على محل بيع الورود ليبتاع لها ورود برائحة الياسمين الخاصة بها وحدها، ومن ثم أتى ببعض الشوكولاتة البنية التي أيضًا تحبها ومن ثم وضع بهم مكتوب صغير الحجم ووضع داخله بخط يده بعض الكلمات التي تنقل إليها مدى اشتياقه لها.
دق جرس الباب وقد كان هذا الميعاد باكرًا قليلًا عن كل يوم يعلم أن من سيفتح الباب هي شقيقتها أو والدها، سيكون والدها هذه المرة فشقيقتها يعتقد أنها ستكون بعملها. انتظر ثوانٍ ولم يفتح الباب ولم يأتي أي صوت من الداخل فدقه مرة أخرى لعلى هناك من يجيب عليه وقد كان... قد كان حقًا! لقد ظهر من خلف الباب بعد فتحه بهدوء ملاكه الخاص، معشوقته وحبيبته، زوجته والدة طفله الصغير الذي تحمله داخل أحشائها، كم أن الاشتياق قاتل!
لقد تسارعت دقات قلبه وكأنه دخل للتو سباق عنيف يحتم عليه الفوز به، عينيه برزت وسلطت عليها وعلى ملامح وجهها الذي افتقده بشدة، أنفه حاول أن يستنشق رائحة الياسمين المعهودة منها، وشفتيه! شفتيه ودت لو فعلت ما كانت تفعله بالسابق عندما كانت ملكه وحده، تتركه يفعل ما يريد. ولكن هي ليست كما السابق، أصبحت أنحف قليلًا، وجهها شاحب، وأسفل عينيها هالات سوداء لأول مرة يراها بها، هل هذا بسبب فراقهم أم بسبب ما فعله بها؟
لكن الآن بعيدًا عن كل شيء هناك شعور غريب يجتاحه حقًا، منذ شهر مضى لم يراها إلا بالصور وبمخيلته وذكرياته معها، الآن وهي أمامه يود أن يأخذها بجولة داخل أحضانه تنكسر ضلوعها داخلها، يود أن يفعل كثير من الأشياء بجانب هذا الشعور الغريب بالراحة والسعادة. يود لو يستطيع أن يحتضنها ويضع يده على بطنها يتحسس مكان تواجد طفله ولكن هيهات فهي لو تعلم أنه الطارق لم تكن تفتح الباب أبدًا.
لم تكن بحال أفضل منه، تنظر إليه بذهول تام وهي تقول داخلها أن هذا ليس ميعاد قدومه إلى هنا، تنظر إلى لحيته النامية قليلًا بالضبط كما يوم زفافهم تتذكر جيدًا، عينيه وبريقها الذي عاد بعد رؤيتها، شفتيه البارزة، خصلاته، أنفه الحاد، كل شيء مرت عينيها عليه باشتياق تام.
حقًا لقد قتلها الفراق والبعد عنه، تحبه ولا تريد البعد ولكن تريد أن تنال منه، ويقول صوت العقل أنه خائن لا يستحق فرصة ثانية وهو هكذا حقًا ولكن ذلك الخائن دائمًا مثله لا يريد إلا أحضانه. لا تريد أن تبعد أنظارها عنه، لو بقيت هكذا إلى الأبد لن تمل، ستبقى كما هي تنظر إلى ملامحه الذي اشتاقت إليها بشدة.
لقد أرهقهم البعد هما الاثنين، ولكن واحدًا منهم يأبى العودة لخيانة الآخر له، وفي المنتصف هناك قلبين جريحين لا يريدون إلا التواجد بالقرب من بعضهم. استمعت إلى صوته الذي خرج مبحوح وضعيف للغاية ولكنه تحدث بشجن وشوق: -وحشتيني. ضغطت على مقبض الباب أسفل يدها ثم أجابته بجفاء حاولت أن تجعله حقيقي بعد أن استمعت إلى هذه الكلمة التي زلزلت كيانها: -امشي من هنا. كم أنه اشتاق إلى سماع صوتها!
وجدها تغلق الباب بوجهه فدفعه بخفة ليجعلها لا تغلقه، ثم دلف إلى الداخل ووقف خلف الباب بعد أن أغلقه هو. صاحت بحدة وهي تشير إلى الباب خلفه ليخرج دون خسائر، فهي تعلم ما الذي يريده. "أخرج بره لو سمحت، ما يصحش كده، مفيش حد موجود هنا." وضع ما بيده بهدوء على الطاولة المجاورة للباب ثم أجابها باستنكار وضيق. "هو إيه ده اللي ما يصحش؟ هو أنا مش جوزك؟ سريعاً أجابته بحدة وعصبية، وقد تناست كل شيء وتذكرت خيانته لها. "كنت جوزي."
رفع حاجبيه للأعلى واخفضهما وهو يبتسم بسخرية، متحدثاً. "بس أنا مطلقتش." "هطلق." ابتسم مرة أخرى بتهكم وأردف قائلاً وهو يقترب منها بخبث. "مش هيحصل." عادت للخلف خطوة عندما وجدته يقترب منها، وأشارت إلى الباب خلفه قائلة بضيق. "أخرج بره بقولك." أمسك بيدها سريعاً ثم أدارها ليجعلها تقف مكانه خلف الباب. جذبت يدها منه بحدة وصرخت بوجهه ليبتعد ويخرج من المنزل، فلم ترى منه إلا نظرة خبيثة تعلمها جيداً وتخاف الوقوع بفخها.
أقترب منها بهدوء، فرفعت يديها الاثنين لتدفعه بصدره، فما كان منه إلا أنه أخذهم بين يديه رافعاً إياهم أعلى رأسها المستند على باب المنزل، ليتقدم منها على راحته وبهدوء، وقف أمامها ولا يفصل بينهم سوى تلك الأنفاس الساخنة التي بينهم. تحدث بحب واعتذار، وقد مزقه الاشتياق حقاً. "وحشتيني يا مروة.. ارجعي بقى أرجوكي، وهعملك كل اللي أنتِ عايزاه."
أغمضت عينيها بضعف وقلة حيلة وهي تستنشق عطره الرجولي الذي كانت مغرمة به. قدماها لم تعد قادرة على حملها، فقد تسرب إليها الضعف الشديد بقربه المهلك الذي حرمت منه ومن رؤيته. شعر "يزيد" بما يحدث لها، فحاول أن يستغل ذلك الضعف المتسرب إليها ويجعل قلبها يلين له وعقلها يرضخ إليه. هي تحبه وهو كذلك، إذاً كل شيء متاح. أقترب منها وجعل شفتيه مقابلة لأذنها اليمنى ليقول بصوت رجولي أجش يعلم أثره عليها جيداً.
"أنا بحبك يا مروة ومحتاجك أوي في حياتي." عاد برأسه إلى الخلف ينظر إليها. وجدها مغمضة العينين مستمتعة بقربه منها، فتجرأ وأقترب أكثر من ذلك. وضع شفتيه على جانب عنقها يقبلها باشتياق وشغف، بعد أن ترك يدها وتمسك بخصرها ليقربها منه. تائهه ولا تستطيع مواجهته. ضاعت معه في لحظات وهو يقبل عنقها بشغف وحب شديد. ضاعت وهي تشعر بيده على خصرها تتحرك بحرية يقربها منه أكثر.
ولكن في لحظة خاطفة راودتها صورته مع عائلته الكريهة، لتدفعه بيدها الاثنين في صدره بكل قوتها، فجعلته يعود للخلف خطوات يئن بسبب ضربتها العنيفة له. نظر لها بضيق، وقد كان قارب حقاً على جعلها ترضخ له. وجدها تفتح الباب وتشير إليه بالخروج، قائلة بجدية شديدة وهي تنظر إليه. "أخرج بره وأعرف إني عمري ما هكون مراتك تاني، وأنك هتطلقني غصب عنك، وعمر إيدك دي ما هتلمسني تاني.. يلا بره." ضحك "يزيد" بشدة. تعالت ضحكاته الصاخبة دون داعي!
استغربته هي أيضاً، فما هذه الضحكات وما ردة الفعل الغريبة هذه؟ توقف عن الضحك بصعوبة ثم قال بجدية حاول رسمها ولكن فشل في ذلك. "مش هتكوني مراتي ومش هلمسك! ياستي ماشي." تظاهر بأنه يتجه ناحية الباب للخروج منه كما قالت له، ولكن في لمح البصر وجدته أقترب منها ثم انحنى قليلاً وحملها على كتفه بسهولة شديدة، مغلقاً الباب بقدمه متوجهاً إلى غرفتها بالداخل.
صرخت بحدة وهي تطالب بأن يتركها ويخرج من المنزل، وإلا أنها تصرخ بصوتها وتجلب الجيران إليها، فابتسم هو بسخرية ولم يقابله منها إلا أنها صرخت بالفعل. "الحقوني.. حرامي الحقوني." وضعها على فراشها بهدوء ثم وضع شفتيه على خاصتها ليجعلها تصمت وتبتلع باقي كلماتها داخل جوفها. اتسعت عينيها بشدة وهي تراه يعود بها إلى الفراش متعمقاً فيما يفعله وهو يبث إليها مدى اشتياقه وحبه لها.
وجدته يبتعد عنها، وقفت تقابله ووضع يده في جيب بنطاله متحدثاً بغرور وعنجهية. "ده يثبتلك أنك مراتي وهتفضلي كده، وإني أقدر المسك في أي وقت، بس أنا اللي سايبك بمزاجي.. تحبي أطلبك في بيت الطاعة؟ وقفت هي الأخرى أمامه مجيبة إياه بهدوء شديد تحلت به بعد كلماته هذه. كررت كلمته باستغراب ثم أكملت وهي تشير إلى أثاث الغرفة. "بيت الطاعة!
بص كده على الأوضة دي.. دي مش نفسها اللي كنا فيها مع بعض قبل كده. غيرت كل حاجة فيها وجبت عفش جديد، عارف ليه؟ علشان أنت شاركتني فيه، علشان نمت معايا على سريري وقعدت على الكنبة اللي كانت هنا. غيرت كل حاجة علشان مش طايقة أكون في مكان أنت ريحتك فيه أو ليك ذكريات معايا فيه.. علشان مبقتش طايقاك ولا عايزة أشوف وشك يا يزيد، خلي عندك كرامة وطلقني." هل تتحدث بجدية؟
أنها تحبه، يعلم أنها تحبه وما تقوله ما هو إلا ساتر لضعفها، نعم هو كذلك، لن يأخذه على محمل الجد أبداً وسيعتبر أنها لم تقل شيء من الأساس. لن يجعلها تستفزه ليفعل ما تريد ويطلقها. وزع نظرة سريعاً في الغرفة ثم وقعت عينه على شيء جعله يبتسم بسخرية ويبتلع كلماتها دون أن يجيب عليها.
أومأ إليها وهو يبتسم بسخرية ثم استدار وخرج من الغرفة، واستمعت إلى صوت الباب يغلق لتجلس على الفراش وقد حزنت لما قالته له. حزنت بشدة، لقد قالت كلمات حادة طعنته بها وجميعها كاذبة. هو يحاول معها وهي تفعل ذلك به! وقفت في شرفة غرفتها لتنظر إليه. وجدته يصعد إلى سيارته بعد أن نظر إلى شرفتها والحزن داخل عينيه يتحدث بديل شفتيه.
أنها تحبه وتريد رؤيته يومياً، وما قالته ما هو إلا كلمات كاذبة كانت تريد أن تردها إليه بثقة بعد تقبيله لها. يا ليته يعرف هذا، فهي لم تكن تود أن تجرحه هكذا وهي تعلم كيف يكون جرح الرجل عندما يستمع إلى كلمات كهذه. دلفت إلى الداخل، إلى حيث باب المنزل وتلك الطاولة التي ترك عليها الورود، لتقف أمامهم تستنشق تلك الرائحة التي يعشقها بها. ثم أخذت المكتوب الصغير ككل يوم ورأت ما كتبه بيده.
"اشتقت إلى لمس خصلاتك الذهبية، فقد كنت عندما أضع يدي عليهم أشعر وكأن الشمس أسفلها. اشتقت إلى رائحة الياسمين الممزوجة برائحة أنوثتك الرائعة. اشتقت إلى نظرة عين متوهجة تفتن القلوب بها." "زوجك يزيد." ابتسمت بحزن وهي تضع يدها على شفتيها تتحسس مكان قبلته، منتظرة منه ألا يحزن من كلماتها ويعللها بما حدث.
دلف إلى سيارته يفكر في حديثها القاسي عليه، ولكن لن يعتبره قيل من الأساس، أنها تحبه وإن كان يشك في ذلك ويريد تصديق كلماتها، تلك اللوحة التي رآها بالغرفة له ستجعله يتأكد من أن حديثها كاذب. لقد رسمته مرة أخرى من جديد. أنها تحبه وتريد أن تكون معه، هو يعلم ذلك ومتأكد منه.
استمع إلى صوت هاتفه يعلن عن وصول مكالمة هاتفية إليه، فأخرجه ووجده شقيقه الذي يحاول التحدث معه منذ ذلك اليوم للاعتذار عما بدر منهم، وهو يجعله لا يتحدث بشأن ما حدث، فلا يريد أن يؤثر عليه أحد بكلمات عاطفية عن العائلة. أجاب عليه ثم وضع الهاتف على أذنه، وما هي إلا لحظات وتحدث بذهول ودهشة غير مصدق ما الذي قاله له عبر الهاتف. "أنت بتقول إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!