في منزل متوسط الحال وبالتحديد داخل غرفة المطبخ تجلس فتاه ذات العشرون عام قرفصاء علي أرض المطبخ. نورين قالت: عارفة أن أنا موحشتكش بس انت وحشتني جدا يا بكبوزتي انت. تعالي في حضني بقى قولي عملت إيه في غيابي. قول بقى. ثم التقطت قطعة سمك من الطبق الموضوع أمامها على الأرض وأعطتها للقط الضخم المكوم في حضنها.
قالت نورين ضاحكة للقط: تعرف لو كنت أعرف إن حقعد آكلك بإيدي كنت قعدت وقت أكتر في المستشفى ومكنتش خرجت. تعرف إن أمك مدلعاك قوي وهي السبب إنك بقيت كسلان خالص كده. وفجأة رن جرس الباب. التفت الفتاة والقط ناحية الصوت.
مسحت نورين إيدها في سروالها الجينز من آثار السمك وقامت ببطء شديد تفتح الباب. أسرعت قليلاً في خطوتها وكادت أن تتعثر في القط الذي اندفع بين قدميها محاولاً أن يسبقها إلى الباب. وما إن وصلا معاً حتى ألقت نورين نظرة حذرة للقط. بأن يفضل مكانه ولا يتحرك خارج الباب. مدت ساقيها لتحجز القط من الخروج وفتحت الباب. ولكنها فجأة شعرت بألم شديد في رجلها اليسرى من أثر الحادث الأليم ولم تقدر على حفظ توازنها. وفور فتحها الباب وجدت نفسها تندفع معه للخارج ثم تهوي على الأرض.
"انتي كويسة؟ حصلك حاجة يا آنسة؟ كان الصوت السائل صوت رجل خشن. رفعت نورين عينيها لأعلى لتري المتحدث. حمزة قال بجدية تامة: "انتي سمعاني يا آنسة؟ انتي كويسة؟ تحبي أساعدك علشان تقومي؟ قالت له وهي تحاول النهوض بمفردها: "لأ شكراً أنا تمام، حقوم لوحدي شكراً مش محتاجة مساعدة." أومأ بكتفه بلا مبالاة: "أحسن برضه بصراحة ريحة السمك اللي خارجة منك صعبة قوي الصراحة."
نظرت له بغضب ثم قامت ببطء حتى لا يلاحظ نسبة الإعاقة اللي في كاحلها. ثم قالت له وهي تسند على الحائط: "معلش كده سمعني كنت بتقول إيه تاني كده؟ قال لها بعجرفة: "كنت بقول انتي طايقة ريحتك دي إزاي؟ صعبة قوي صراحة." ولكن قبل أن تلقى منه رداً فتح فاه من الدهشة. لقد وقعت عليه هذه المرة ساقها خانها ولم يتحمل ثقل جسدها رغم أنه نحيل ووقعت عليه. ولكنه تماسك بسرعة ورفعها من على الأرض وحملها.
قالت له بخجل: "معلش آسفة بجد ماكنش قاصدي، بعتذر منك من فضلك نزلني خلاص أنا بقيت كويسة، نزلني بقى." قال لها وهو حاملها وبتذمر: "ممكن بس كلام بقي شوية؟ ما بتعرفيش تفضلي خالص؟ فين زرار الباور بتاعك؟ خليني أفصله." ثم أخذها ودخل بها إلى داخل المنزل. تسلل إلى نورين شعور غريب بالأمان بعد أن فقدت هذا الشعور منذ أن توفي والدها. وتخللت إلى أنفها رائحة عطره المميز وشعرت أن هذا ناقوس خطر. قالت له بارتباك: "خلاص نزلني بقى هنا."
قال لها بعدم اكتراث: "انتي حرة." ونزلها على الأرض بحدة. نورين انتبهت لنفسها أنه دخل إلى منتصف المنزل وهي بمفردها معه. قالت له بغضب وهي تتلفت حولها: "انت يا أخ استنى عندك، انت داخل فين؟ هي وكالة من غير بواب؟ استنى عندك، انت مين أصلًا وإزاي تسمح لنفسك تخش البيت كده من غير استئذان؟ نظر لها حمزة بتعجب شديد وقال لها وهو يضع يده في جيبه: "انتي مجنونة صح؟
لا بجد قولي لو مجنونة نعالجك مافيهاش مشكلة. إيه هو خيراً تعمل شراً تلاقي؟ انتي مش كنتي متكومة على الأرض من شوية ولا أنا بيتهيأ لي؟ قالت له بتعجب: "ولنفرض إن أنا وقعت ده ما يديكش الحق إنك تلمسني وتشيلني كده؟ ولأ كمان تخش لحد نص البيت وأنا لوحدي؟ وما عرفكش كمان؟ قال بستياء شديد: "لا حولا ولا قوة إلا بالله، هو أنا ناقص مجانين في حياتي؟ لما حتكمل بيكي؟ الله يسمحك يا تيتا."
قالت بسخرية: "ها، أخلص، انت جاي تشهر إسلامك عندنا؟ انت مين وعاوز إيه؟ انجز مش فاضيالك، ومين تيتا دي؟ لتكون تايهة من تيتا يا حرام وجاي تدور عليها عندنا؟ قال لها بفراغ صبر وهو يخرج يده من جيبه: "الله يا طولك. ياروح. والله جد، آه أنا تايه فعلاً." ثم أكمل بتذمر: "بس معلش سؤال! هو انتي عندك حفلة سمك جوا؟ الله يكرمك تعرفي تسكتي بريحتك دي؟ انتي أصلاً خليتي ريحة كلها سمك شبهك."
قالت له بغضب مفتعل: "أخلص بقى، انت مين وجاي ليه؟ قال لها وهو يهرش رأسه: "أنا أول مرة أشوف طفلة لسانها طويل كده." قالت بعصبية وهي تحاول رفع رجلها من الأرض قليلاً: "هي مين دي اللي طفلة أصلاً؟ شكلك عاوز تركب نظارة." قال لها وكأنه يستمتع بغضبها: "أنا بالكتير أديكي 15 سنة وكاملك كمان في سنتين." قالت وهي تحاول الصمود من كثرة الألم: "معلش بس ممكن تعرفني بنفسك علشان أنا صبري بيخلص بسرعة وتقريباً أنا معنديش صبر أصلاً."
قال لها وقد ارتسمت الجدية على ملامح وجه: "أنا جاي هنا علشان أخدت حاجات من بيت جدتي وهي اللي قالت لي اخبط عليكم علشان آخد المفتاح." نورين بشقاوتها المعتادة وقد تغيرت ملامح وشها لشقاوة: "آه انت بقى حازم ولا حاتم؟ قال بتعجب وقليل من الدهشة وقد استمتع بطريقة كلامها: "لأ، انتي عارفة بقي العيلة كلها على كده؟ قالت له بغرور مصطنع: "أمال إيه يا بني، هو إحنا بنلعب؟ انت بقى حفيد ماما إحسان صح؟ رفع حاجبيه بتعجب: "ماما إحسان؟
امممم، أيوة أنا حفيدها، بس لأ حازم ولا حاتم، أنا حمزة أخوهم الكبير."
فجأة أعدلت نورين في وقفتها فور سماعها لاسم حمزة. كتير من الأوقات كانت ترسم له صورة من وحي خيالها من كثرة حكايات الجدة إحسان لها عنه. لقد شغفها حباً دون أن تراه. لقد أحببت شخصيته بمجرد حديث جدته عنه. لقد كان من الشخصيات الأكثر تميزاً وإثارة. ولكن الحقيقة طلعت أجمل بكتير مما تخيلت نورين. لقد رسمت صاحب الشخصية صورة في خيالها، ولكن كان يملك هيبة مخيفة وعلامات القسوة واضحة في عينيه.
قال لها وهو مستاء: "إيه يا آنسة سرحتي في إيه؟ من فضلك المفتاح، أنا مش فاضيلك." قالت بشقاوتها المعتادة: "إيه مش فاضيلك دي يا باشمهندس؟ وهو أنا قلت لك اقعد نحكي سوا؟ رفع حاجبيه لأعلى ثم قال: "باشمهندس؟ شكلك عارف عني كتير." وغمز لها بعينيه. قالت في خجل ازدادت حمرة الخجل في وشها ولكنها تماسكت: "آه عادي يعني جدتك بتقعد تحكي عنكم كلكم مش انت بس يعني."
قال لها بخبث: "طيب أخلصي بقى وهاتي المفتاح، بصراحة مش طايق ريحة دي أكتر من كده. أووف." نورين استشاطت غيظاً من أسلوبه الفظ وخطرت فكرة في بالها وبمكر شديد ابتسمت. وقالت: "آه تمام، ثواني والمفتاح يكون معاك." مشت نورين لكي تحضر المفتاح ولكن مشت ببطء شديد حتى لا يلاحظ نسبة العرج في ساقيها. فقال بنفاذ صبر وهو يسند ظهره على الحائط: "الله ما طولك ياروح يابنتي مدي شوية اتحركي، انتي عرجة؟ يا ساتر عليكي."
نزلت الكلمة على نورين كالسهم داخل قلبها. أدمعت عينيها ولكن قلبها كان ينزف من الألم. دارت حزنها. وصلت عنده وهي تحمل المفتاح. قال لها وهو يعتدل في وقفته: "هاتي بقى ياساتر، أكتر إنسان بيعصبني الشخص البطء اللي زيك." وخطف من يدها المفتاح وتركها ومشي. وقبل أن يفتح الباب. قالت له بمكر على وجهها شبه ابتسامة ساخرة: "استنى عندك، رايح فين؟ التفت إليها حمزة في تعجب ثم قال: "حكون رايح فين يعني؟
أكيد الشقة التانية، لو مش عند حضرتك مانع." قلت و هي تجلس القرفصاء وتحمل القط من الأرض: "طيب منا عارفة مش محتاجة توضيح. أقصد رايح فين وسايب ابن جدتك؟ حمزة بدهشة مبالغ فيها: "ابن مين يا ختي؟ قالت و قد كتمت الضحك داخلها وحملة القط بين أحضانها ويدها تحسس على رأسه: "اتفضل استلم، أعرفك ده شوجر ابن جدتك." قال بعصبية: "أفندم؟ بردو معرفتش يعني عاوزه إيه؟ مش فاهم أنا مالي بيه؟ ابن جدتي أخوها، أنا مالي؟
أنا جاي أقعد يومين استجم واخلص شغل واخد حاجات من هنا وماشي، مش جاي علشان أربي قطط حضرتك." فجأة دخلت عليهم امرأة في العقد الرابع من عمرها. وفية باستغراب شديد وهي تنظر إلى حمزة باستياء وتعجب: "مين ده يا نوري وبيعمل إيه هنا؟ وإزاي يخش وانتي لوحدك؟ قالت لها وهي تتكئ على الأريكة: "ده الباشمهندس حمزة، حفيد ماما إحسان جاي ياخد المفتاح شقة ماما إحسان."
قالت له وفية وهي تبتسم: "وأهلاً وسهلاً يابني، اتفضل خش اقعد. أنا وفية والدة نورين، هي مدام إحسان أخبارها إيه؟ طمنيني عليها، ليها وحشة قوي." قال بضيق وفراغ صبر: "تمام، بقت أحسن كتير وخرجت من المستشفى وقاعدة معانا دلوقتي علشان ما ينفعش تقعد لوحدها وطلبت مني أجيب لها شوية حاجات من شقة. عن إذنكم بقى علشان اتأخرت ورايا شغل." قالت له نورين وهي تعدل: "استنى، والقط ده حعمل فيه إيه؟
أنا مليش خلق ليهم، جدتك سابته عندنا لحد ما ترجع بسلامة." قال بعجرفة ورفع كتفه بلا مبالاة: "وأنا مالي؟ حعملك إيه؟ لما تبقي تيجي جدتي أدهولها، أنا ماليش دعوة." وسابها ومشي من غير استئذان. قالت بغضب: "ياساتر، هو في ناس قليلة ذوق قوي كده؟ " وقفلت الباب بعصبية وأصدر صوت عالي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!